أخبار أبي حنيفة

A+ A-

٤٩ - سمعت العباس بن محمد بن حاتم الدوري يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: كان القاسم بن معن رجلاً نبيلاً، وكان قاضي الكوفة لا يأخذ أجراً، وهو القاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، فقال له شريك بن عبد الله يوماً: مثلك يجلس إلى أبي حنيفة يتعلم منه؟ فقال له القاسم: يا أبا عبد الله، هذا ميدان من جاراك فيه سبقته يعني إن لك لساناً.


٥٠ - ثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل قال: أخبرني أبو مالك محمد بن الصقر بن مالك بن مغول قال: سمعت إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة يقول: قال أبو حنيفة: إن ابن أبي ليلى يستحل مني ما لا أستحله من سنّوره.


٥١ - ثنا محمد بن شجاع قال: سمعت محمد بن عبيد الطنافسي يقول: سمعت أبا معاوية الضرير يقول: ما زال سفيان الثوري يقدم عندنا حتى وقع في أبي حنيفة رحمهما الله.

في حسده وتنقصه لفهمه وعلمه / 1

٥٢ - حدثني محمد بن المبارك المصيصي قال: حدثني إبراهيم بن نوح قال: ثنا عبد الله بن نمير قال: سمعت سليمان الأعمش وقد سئل عن مسألة من الفقه، فقال: إنما يحسن هذا ونحوه النعمان بن ثابت الخزاز، ثم قال الأعمش: أراه بورك له في علمه.


٥٣ - سمعت إبراهيم بن سعيد الجوهري يقول: سمعت عبيد الله بن موسى يقول: سمعت مسعر بن كدام يقول: رحم الله أبا حنيفة إن كان لفقيهاً عالماً.


٥٤ - حدثني محمد بن المبارك قال: ثنا الحسين بن علي بن أيوب قال: ثنا حسين بن علي الجعفي قال: سمعت زائدة بن قدامة يقول: النعمان بن ثابت فقيه البدن، لم يعد ما أدرك عليه أهل الكوفة.


٥٥ - حدثني محمد بن المبارك قال: ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: ثنا المثنى بن رجاء قال: سمعت مالك بن مغول يقول: كان أبو حنيفة بصيراً بالفقه، يقيس ما لم يكن بما كان.


٥٦ - محمد بن المبارك قال: حدثني الحسين بن إبراهيم قال: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: كان النعمان بن ثابت فهماً من أفقه أهل زمانه.


٥٧ - حدثني محمد بن حماد قال: ثنا إبراهيم بن سعيد قال: سمعت أبا نعيم يقول: سمعت علي بن صالح بن حيي لما مات أبو حنيفة يقول: ذهب مفتي العراق، ذهب فقيه أهل العراق.


٥٨ - حدثني محمد بن شجاع قال: سمعت أبا عبد الرحمن المقرئ يقول: حدثني العالم الفقيه أبو حنيفة.


٥٩ - ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: ثنا روح بن عبادة قال: كنت عند ابن جريج سنة خمسين ومائة فقيل له: مات أبو حنيفة، فقال: رحمه الله لقد ذهب معه علم كثير.


٦٠ - ثنا إبراهيم بن سعيد قال: ثنا المثنى بن رجاء قال: سمعت سعيد ابن أبي عروبة قبل أن يختلط وقد مر له باب من علم الطلاق فقيل له: كذلك قال أبو حنيفة، فقال سعيد: كان أبو حنيفة عالم العراق.

في شهادة الفقهاء والعلماء لأبي حنيفة بالفقه رحمه الله / 1

٦١ - ثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال: سمعت الحسن بن علي الحلواني قال: قلت لأبي عاصم النبيل: أبو حنيفة أفقه أو سفيان؟ قال: أبو حنيفة عندي أفقه من سفيان.


٦٢ - ثنا أحمد بن القاسم قال: ثنا ابن أبي رزمة قال: سمعت أبا وهب يقول: سمعت زفر بن الهذيل وذكر عنده سفيان وأبو حنيفة، فقال: لم يكن سفيان من رجال أبي حنيفة.


٦٣ - حدثني أحمد بن القاسم البرتي قال: حدثني أبو حفص المروزي قال: سمعت علي بن الحسن بن شقيق يقول: قال عبد الله بن المبارك: قول أبي حنيفة عندنا أثر إذا لم يكن فيه أثر.


٦٤ - حدثني أحمد بن القاسم البرتي قال: ثنا محمد بن العزيز بن أبي رزمة قال: حدثني نعيم بن بكار الفرغاني قال: سمعت أحمد بن حرب النيسابوري يقول: كان أبو حنيفة في العلماء كالخليفة في الأمراء.


٦٥ - حدثني محمد بن شجاع قال: قلت لعبد الله بن داود الخريبي: ترى أن أنظر في قول أبي حنيفة؟ قال: شديد ولكن جالس أهل الورع منهم، فقلت له: إن بعض الناس أخبرني أنه كتب عن أبي حنيفة مسائل كثيرة، ثم لقيه بعد فرجع عن كثير منها، قال: لا يهولنك هذا، فإن أبا حنيفة كان مطلعاً على الفقه، وإنما يرجع عن القول من اتسع علمه.


٦٦ - حدثني محمد بن حماد بن المبارك قال: أنبأ أبو هشام الرفاعي قال: ثنا يحيى بن آدم قال: سمعت الحسن بن صالح يقول: كان النعمان بن ثابت فهماً بعلمه متثبتاً فيه، إذا صح عنده الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعده إلى غيره.


٦٧ - ثنا أحمد بن القاسم البرتي قال: حدثني ابن أبي رزمة قال: أخبرني خالد بن صبيح قال: سمعت أبا يوسف يقول: ما رأيت أحداً أعلم بتفسير الحديث من أبي حنيفة.

في شهادة الفقهاء والعلماء لأبي حنيفة بالفقه رحمه الله / 2

٦٨ - حدثني محمد بن المبارك المصيصي قال: حدثني محمد بن مليح بن وكيع بن الجراح قال: حدثني أبي قال: حدثني يزيد بن كميت قال: قال لي شريك بن عبد الله قال: كنا مع جنازة غلام من بني هاشم، وقد تبعتها وجوه الناس وأشرافهم، وأنا إلى جنب ابن شبرمة أماشيه، إذ قامت الجنازة، فقيل: ما للجنازة لا تنبعث؟ قالوا: خرجت أمه والهة عليه بارزة وكان وجهها جميلاً، فحلف أبوه بطلاقها ثلاثاً لترجعن، وحلفت هي بصدقة ما تملك وعتق ما تملك لا رجعت حتى يصلى عليه، وكان يومئذ مع الجنازة فقهاء، فاجتمعوا لذلك، وسئلوا عن المسألة، فلم يكن عندهم جواب حاضر، فهتف بالنعمان بن ثابت فجاء مغطى الرأس، والمرأة والزوج قائمين، فقال للمرأة: علام حلفت؟ قالت: حلفت بكذا، وقال للرجل: علام حلفت؟ قال: بكذا، قال: ضعوا السرير فوضع ثم قال للرجل: تقدم صل على ابنك، فلما صلى، قال: ارجعي، قد خرجت من يمينك، احملوا ميتكم، فاستحسنها الناس، فقال ابن شبرمة فيما حكى عنه شريك: عجزت الناس أن يلدن مثل النعمان.

في فطنته في الفتوى وسرعة جوابه وصوابه، واستحسان الفقهاء ذلك منه / 1

٦٩ - حدثني أبو عبد الله محمد بن شجاع الثلجي قال: سمعت علي بن عاصم يقول: سألت أبا حنيفة عن درهم لرجل ودرهمين لآخر اختلطوا، ثن ضاع درهمان من الثلاثة لا يعلم من أيها هو؟ فقال أبو حنيفة: الدرهم الباقي بينهما أثلاثاً، قال: فلقيت ابن شبرمة فسألته عنها؟ فقال سألت عنها أحداً؟ قلت: نعم سألت عنها أبا حنيفة، فقال لي: لك الدرهم الباقي بينهما أثلاثاً، قلت: نعم، قال أخطأ أبو حنيفة، ولكن درهماً من الدرهمين الضائعين يحيط العلم أنه من الدرهمين، والدرهم الباقي من الضائعين يحتمل أن يكون الباقي من الدرهمين ويحتمل أن يكون الدرهم الواحد، فهو منهما جميعاً، فالدرهم الذي بقي بينهما نصفين، قال: فاستحسنت ذلك جداً، فلقيت أبا حنيفة -ولو وزن عقله بعقل نصف أهل الأرض لرجح بهم- فقلت يا أبا حنيفة خولفت في المسألة، فقال لي: لقيت ابن شبرمة فقال لك: قد أحاط العلم بأن أحد الدرهمين الضائعين، ثم ذكر جواب ابن شبرمة، فقلت: نعم، فقال: إن الثلاثة حيث اختلطت وجبت الشركة بينهما فصار لصاحب الدرهم ثلث كل درهم، ولصاحب الدرهمين ثلثا كل درهم، فأي درهم ذهب ذهب بحصتهما.

في فطنته في الفتوى وسرعة جوابه وصوابه، واستحسان الفقهاء ذلك منه / 2

٧٠ - سمعت العباس بن محمد الدوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول: #٩٤# دخل الخوارج مسجد الكوفة وأبو حنيفة وأصحابه جلوس، فقال أبو حنيفة لأصحابه: لا تبرحوا، فجاءوه حتى وقفوا عليهم، فقالوا لهم: ما أنتم؟ فقال أبو حنيفة: نحن مستجيرون، فقال أمير الخوارج: دعوهم وأبلغوهم مأمنهم واقرأوا عليهم القرآن، فقرأوا عليهم القرآن وأبلغوهم مأمنهم.


٧١ - حدثني أحمد بن القاسم البرتي قال: حدثني الليث أبو نصر البلخي قال: سمعت الحسن بن جمعة قال: سمعت شداد بن حكيم يقول: سمعت عبد الله ابن المبارك يقول:


رأيت أبا حنيفة كل يوم ... يزيد نبالة ويزيد خيراً


وينطق بالصواب ويصطفيه ... إذا ما قال أهل الجور جوراً


يقايس من يقايسه بلب ... فمن ذا تجعلون له نظيراً


كفانا فقد حماد وكانت ... مصيبتنا به أمراً كبيراً


فردّ شماتة الأعداء عنا ... وأفشى بعده علماً كثيراً


رأيت أبا حنيفة حين يؤتى ... ويطلب علمه بحراً غزيراً


إذا ما المعضلات تدافعتها ... رجال العلم كان بها بصيراً


٧٢ - ثنا أبو عبد الله محمد بن مقاتل قال: ثنا حكام بن سلم الرازي قال: قال رجل لأبي حنيفة: إن العرزمي يذكر أن عائشة كانت تسافر مع غير محرم، فقال أبو حنيفة: وما يدري العرزمي ما هذا؟ إن عائشة كانت أم المؤمنين، فكانت من كل المسلمين ذات محرم.


٧٣ - حدثني أحمد بن القاسم قال: حدثني ابن أبي رزمة قال: أخبرني خالد بن صبيح قال: سمعت أبا يوسف يقول: كنا نختلف في المسألة فنأتي أبا حنيفة فنسأله، فكأنما يخرجها من كمه فيدفعها إلينا.

آخر الجزء الأول من أجزاء شيخنا / 1

٧٤ - حدثني أبو عثمان سعيد بن عثمان التنوخي قال: سمعت نعيم ابن حماد يقول: سمعت أبا عصمة يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وما جاء عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اخترنا، وما كان من غير ذلك فنحن رجال وهم رجال.


٧٥ - ثنا عباس بن محمد الدوري قال: ثنا يحيى بن معين، ثم قالوا: قال: سمعت عبيد بن أبي قرة يقول: سمعت يحيى بن ضريس يقول: شهدت سفيان الثوري وأتاه رجل فقال: ما تنقم على أبي حنيفة؟ قال: وما له؟ قال: سمعته يقول: آخذ بكتاب الله عز وجل، فما لم أجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فأما إذا انتهى الأمر أو جاء الأمر إلى إبراهيم والشعبي والحسن وابن سيرين وعطاء وسعيد: فأجتهد كما اجتهدوا، قال: فسكت سفيان طويلاً، ثم قال كلمات: ما بقي أحد في المجلس إلا كتبها: نسمع الشديد من الحديث فنخافه، ونسمع اللين فنرجوه، لا نحاسب الأحياء، ولا نقضي على الأموات، نسلم ما سمعنا، ونكل ما لم نعلمه إلى عالمه، ونتهم رأينا لرأيهم.


٧٦ - أخبرني محمد بن شجاع قال: سمعت الحسن بن أبي مالك يقول: عن أبي يوسف قال: كان أبو حنيفة إذا وردت عليه المسألة قال: ما عندكم فيها من الآثار؟ فإذا روينا الآثار وذكرنا وذكر هو ما عنده نظر، فإن كانت الآثار في أحد القولين أكثر أخذ بالأكثر، فإذا تقاربت وتكافأت نظر فاختار.


٧٧ - حدثني محمد بن حماد قال: ثنا علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت أبي يذكر: عن عبد الله بن المبارك قال: سألت أبا عبد الله سفيان بن سعيد الثوري عن الدعوة للعدو أواجبة هي اليوم؟ فقال: قد علموا على ما يقاتلون، قال ابن المبارك: فقلت له: إن أبا حنيفة يقول في الدعوة ما قد بلغك، قال فصوب بصره وقال لي: كتبت عنه؟ قلت: نعم، قال فنكس رأسه ثم التفت يمنياً وشمالاً، ثم قال: كان أبو حنيفة شديد الأخذ للعلم، ذاباً عن حرام الله عز وجل عن أن يستحل، يأخذ بما صح عنده من الأحاديث التي تحملها الثقات وبالآخر من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أدرك عليه علماء الكوفة، ثم شنّع عليه قوم نستغفر الله، نستغفر الله.


٧٨ - حدثني يعقوب بن إسحاق قال: حدثني أبي قال: ثنا عبد الرزاق قال: سمعت أبا حنيفة وسألوه عن شيء من الجراحات، فجعل يقول: حكومة حكومة، فكأن بعضهم رد عليه ذلك حتى يسمي إرشاً، فقال أبو حنيفة: نقول حكومة، لأن الجراح بعضها أشد ألماً من بعض، وبعضها أكثر إرشاً من بعض، وإنما نقول حكومة من قد سمع العلم وعرف الاختلاف، فذلك الذي يحكم على قدر ما سمع، ولو أن رجلاً ذهب يحكم ولم يسمع العلم ولا عرف الاختلاف: لم يكن له حكومة ولا اجتهاد.


٧٩ - حدثني محمد بن إبراهيم بن هاشم قال: سمعت أبي يقول: سمعت وكيع بن الجراح يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: البول في المسجد أحسن من بعض القياس.


٨٠ - سمعت محمد بن شجاع يقول: سمعت إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة في حلقة أبي حنيفة بالكوفة يقول: قال أبو حنيفة: هذا الذي نحن فيه رأي لا نجبر أحداً عليه، ولا نقول: يجب على أحد قبوله، فمن كان عنده أحسن منه فليأت به.


٨١ - حدثني أحمد بن القاسم البرتي قال: ثنا محمد بن قراد قال: ثنا يوسف السمتي، عن أبي حنيفة قال: دخلت على أبي جعفر المنصور وعنده عيسى بن موسى، فالتفت إلى عيسى فقال: هذا عالم الدنيا، ثم التفت إلي فقال: يا نعمان، عمن أخذت العلم؟ قلت: عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، قال: هناك العلم هناك العلم.

في أصل ما بنى عليه أبو حنيفة -رحمه الله- رأيه / 1

٨٢ - عن علي، عن مسلم بن إبراهيم قال: ثنا حماد بن سلمة قال: كنت آتي حماد بن أبي سليمان فأسأله عن الأحاديث المسندة فيثقل عليه إتياني، فيأتيه أبو حنيفة فإذا رآه قال: قد جاء.


٨٣ - حدثني أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل قال: أخبرني محمد بن الصقر بن مالك بن مغول قال: سمعت عبد الله بن داود الخريبي يقول: أراد الأعمش الحج فقال: من هاهنا يذهب إلى أبي حنيفة يكتب لنا مناسك الحج.

في مجالسة العلماء وإكرامهم إياه، وأخذهم عنه رحمه الله / 1

٨٤ - سمعت محمد بن سعدان يقول: سمعت أبا سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني قال: سمعت حماد بن زيد يقول: ما عرفنا كنية عمرو بن دينار إلا بأبي حنيفة، كنا في المسجد الحرام وأبو حنيفة مع عمرو بن دينار، فقلنا له: يا أبا حنيفة كلمه يحدثنا، فقال: يا محمد حدثهم، ولم يقل: يا أبا محمد.


٨٥ - حدثني يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل قال: حدثني أبي قال: ثنا عبد الرزاق بن همام قال: قال لي معمر: سل أبا حنيفة، قال عبد الرزاق: وإنما قال هذا لينظر في رأيه يوافقه فيما يقول أو يخالفه، وكان معمر يقول في الشيء برأيه فيحب أن يعلم ما يقولون فيه.


٨٦ - حدثني محمد بن سعدان قال: سمعت أبا سليمان الجوزجاني يقول: سمعت حماد بن زيد يقول: أردت الحج فأتيت أيوب السختياني أودعه فقال لي: بلغني أن فقيه الكوفة يريد الحج -يعني أبا حنيفة- فإن لقيته فاقرئه مني السلام.


٨٧ - حدثني أحمد بن القاسم قال: ثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة قال: سمعت أبي يقول: قال حماد بن زيد: كان جرير بن عبد الحميد خالفني في شيخ فسألت أبا حنيفة عنه، فتابعني على قولي، وقال لي أصحابه: إنه يروي عن هذا الشيخ.


٨٨ - 

في مجالسة العلماء وإكرامهم إياه، وأخذهم عنه رحمه الله / 2

١ - وحدثني أبو بشر محمد بن أحمد ابن حماد بن سعد الأنصاري المعروف بالدولابي قال: سمعت أحمد بن محمد بن عيسى البرتي القاضي يقول: سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول: ولد أبو حنيفة النعمان بن ثابت سنة ثمانين ومات سنة خمسين ومائة، عاش سبعين سنة.


---------


١ - إسناده صحيح

مولد أبي حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله / 1

٢ - سمعت محمد بن شجاع يقول: سمعت علي بن صالح يقول: سمعت القاسم بن معن قال: قال لي سفيان الثوري غير مرة يعاتبني في إتياني أبا حنيفة، فلقيته يوماً فوقفته فقلت له: ما تنقم على أبي حنيفة؟ فسكت لا يدري ما يقول، ثم قال لي: رجل مثلك من ولد عبد الله بن مسعود يختلف إلى رجل من الموالي.

معرفة أبي حنيفة رحمه الله / 1

٣ - حدثني الحسن بن إسماعيل بن مجالد قال: ثنا بشر بن الوليد قال: سمعت صالح بن الحسن العابد يقول: حسدت العرب أبا حنيفة لأنه لم يكن منهم، وحسدته الموالي إذ لم يكن منهم، فقيل له: يا أبا الفضل فممن كان؟ قال: أسمعه رجل يوماً فقال له: من أنت من ولدك؟ فقال: أنا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن منّ الله عز وجل عليّ وعلى أحد أبويّ بالإسلام أنت في حل.

معرفة أبي حنيفة رحمه الله / 2

٤ - سمعت أحمد بن محمد بن عيسى البرتي القاضي يقول: سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول: كان أبو حنيفة حسن الوجه حسن اللحية حسن الثياب.

صفة أبي حنيفة وصفة لباسه / 1

٥ - حدثني محمد بن المبارك قال: ثنا الحسن بن إسماعيل بن مجالد قال: سمعت أبي يقول: كنت عند أمير المؤمنين هارون الرشيد، إذ دخل عليه أبو يوسف، فقال له هارون: يا أبا يوسف! صف لنا أخلاق أبي حنيفة، فقال: يا أمير المؤمنين، قال الله عز وجل: {ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيدٌ} وهو عند لسان كل قائل، كان والله أبو حنيفة علمي فيه شديد الذبّ عن حرام الله عز وجل أن يوقع فيه، مجانباً لأهل الدنيا في دنياهم، طويل الصمت، دائم الفكر، لم يكن مهذاراً ولا ثرثاراً، إن سئل عن مسألة كان عنده منها علم أجاب فيها على ما سمع، أو ما يتبينه قياساً في نحو معناها قال به، ما علمته يا أمير المؤمنين إلا صائناً لنفسه ودينه، مشتغلاً بنفسه عن الناس، لا يذكر أحداً إلا بخير. فقال هارون الرشيد: هذه أخلاق الصالحين.


٦ - حدثني أحمد بن القاسم البرتي قال: حدثني سليمان بن أبي شيخ قال: حدثني حجر بن عبد الجبار الحضرمي قال: ما رأى الناس أحداً أكرم مجالسةً من أبي حنيفة، ولا أشد إكراماً لأصحابه منه.


٧ - حدثني محمد بن حماد بن المبارك قال: حدثني إبراهيم بن نوح الموصلي، حدثنا الهيثم بن جميل قال: سمعت شريك بن عبد الله النخعي يقول: كان أبو حنيفة طويل الصمت، دائم الفكر، كبير العقل، قليل محادثة الناس.

صفة أخلاق أبي حنيفة وإكرامه لمجالسيه / 1

٨ - حدثني محمد بن حماد قال: سمعت الحسن بن إسماعيل بن مجالد يقول: سمعت وكيعاً يقول: قال الحسن بن صالح بن حيي: كان أبو حنيفة شديد الخوف لله عز وجل، هائباً للحرام أن يستحل.


٩ - حدثني محمد بن حماد بن المبارك قال: ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: ثنا المثنى بن رجاء قال: جعل أبو حنيفة على نفسه إن حلف بالله عز وجل صادقاً في عرض حديثه: تصدق بدرهم، فحلف، فجعل على نفسه إن حلف بالله صادقاً في عرض حديثه، تصدق بربع دينار، فحلف، فجعل على نفسه إن حلف بالله في عرض حديثه: تصدق بنصف دينارٍ، فحلف، فجعل على نفسه إن حلف: تصدق بدينار، فكان إذا حلف بالله عز وجل صادقاً في عرض حديثه: تصدق بدينارٍ، قال: وكان إذا أنفق على عياله نفقة تصدق بمثلها، وكان إذا اكتسى ثوباً جديداً، كسى بقدر ثمنه الشيوخ من أهل العلم، وكان إذا وضع الطعام بين يديه، أخذ من عنده فوضعه على الخبز نحواً مما يأكل، فأطعمه الفقراء.

صفة أخلاق أبي حنيفة وإكرامه لمجالسيه / 2

١٠ - حدثني محمد بن المبارك المصيصي قال: حدثني إبراهيم بن نوح قال: سمعت الهيثم بن جميل يقول: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: نعمان بن ثابت أبو حنيفة لقي من الناس عتباً لقلة مخالطته الناس، فكانوا يرونه من زهو فيه، وإنما كان ذلك منه غريزة فيه.


١١ - حدثني محمد بن المبارك قال: حدثني الحسين بن إبراهيم قال: سمعت ابن فضيل يقول: كان أبو حنيفة معروفاً بالفضل، وقلة الكلام.


١٢ - حدثني محمد بن حماد قال: ثنا جبارة بن المغلس قال: سمعت قيس بن الربيع يقول: كان أبو حنيفة ورعاً تقياً، وكان مفضلاً على إخوانه.

صفة أخلاق أبي حنيفة وإكرامه لمجالسيه / 3

١٣ - حدثني محمد بن حماد مولى بني هاشم قال: ثنا الحسن بن إسماعيل بن مجالد قال: سمعت حجاج بن محمد يقول: سمعت ابن جريج يقول: بلغني عن كوفيكم النعمان بن ثابت، أنه خائف لله عز وجل.


١٤ - حدثني محمد بن حماد قال: ثنا محمد بن سليمان بن حبيب قال: سمعت محمد بن جابر يقول: كان أبو حنيفة قليل الكلام إلا عما يُسأل عنه، قليل الضحك، كثير الفكر، دائم القطوب كأنه حديث عهد بمصيبة.


١٥ - حدثني محمد بن المبارك المصيصي قال: حدثني محمد بن مليح بن وكيع قال: سمعت يزيد بن كميت يقول: كان أبو حنيفة يتفقد أحوال إخوانه في منازلهم، فكان يقرض الرجل الخمسين الدينار أو الأكثر والأقل على قدر مئونته، وهو لا يعلم فيشتري له بها الخز الخام، ويقصره ويجعلها كالبضاعة فيدبرها، ثم يشتري له الكسوة ولعياله، ثم يقول له: أي أخي هذا ربحك فاحمد الله، إني لم أعطك من مالي شيئاً، وإنما هو رزق مولاك على يدي فاحمده.

صفة أخلاق أبي حنيفة وإكرامه لمجالسيه / 4

١٦ - سمعت محمد بن شجاع يقول: سمعت الحسن بن أبي مالك يقول: عن أبي يوسف قال: رأى أبو حنيفة في النوم: كأنه ينبش قبر النبي صلى الله عليه وسلم ثم يأخذ عظامه فجعل يجمعها ويؤلفها، قال: فهالته تلك الرؤيا، قال: فخرج صديق له إلى البصرة فقال له أبو حنيفة: إني رأيت رؤيا فأحب إذا قدمت البصرة، أن تلقى محمد بن سيرين فتسأله عنها، وتستر من صاحبها، فقدم الرجل البصرة فلقي ابن سيرين فسأله عن الرؤيا، فقال له ابن سيرين: صاحب هذه الرؤيا ببلدنا؟ فلا أدري ما ذكر، ثم قال له: هذا رجل يجمع سنة النبي صلى الله عليه وسلم ويحييها.


١٧ - حدثني أبو بكر شعيب بن أيوب القاضي قال: ثنا أبو يحيى الحماني قال: سمعت أبا حنيفة يقول: رأيت فيما يرى النائم، كأني نبشت قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت لمن سأل ابن سيرين، فقال: هذا رجل ينبش علم النبوة.


١٨ - حدثني يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل قال: حدثني محمد بن إسماعيل أبو جعفر قال: ثنا علي بن عاصم قال: سمعت أبا حنيفة يقول: رأيت فيما يرى النائم، كأني نبشت قبر النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فداخلني من ذلك جزع شديد، وخفت أن تكون ردة عن الإسلام، فجهزت رجلاً إلى البصرة إلى ابن سيرين يقص عليه الرؤيا، فقال: إن صدقت رؤيا هذا الرجل فإنه يرث علم نبيّ.

رؤيا أبي حنيفة التي رآها / 1

١٩ - حدثني محمد بن حماد قال: ثنا جبارة بن المغلس قال: سمعت قيس بن الربيع يقول: كان أبو حنيفة ورعاً تقياً.


٢٠ - حدثني أحمد بن القاسم البرتي قال: حدثني ابن أبي رزمة قال: كان النضر ابن محمد من أغير الناس، فقال: لو أصبت رجلاً صالحاً، كنت لا أغار على جاريتي، فقلت له: من ذلك الرجل؟ قال: أبو حنيفة، قال ابن أبي رزمة: وأخبرني أبي عن النضر بن محمد قال: كان أبو حنيفة رجلاً ورعاً.


٢١ - حدثني محمد بن حماد قال: حدثنا محمد بن مليح قال: ثنا يزيد بن كميت قال: أودع دهّان أبا حنيفة مائة ألف درهم وسبعين ألفاً، ومات عن غير وصية، ولا أعلم بها أحداً من أهله، وترك صبية صغاراً، فلما كبروا وأونس منهم الرشد: دفع إليهم المال ولم يشهد عليهم، وقال: لا أحب أن يعلم بها أحدٌ.


٢٢ - حدثني يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل قال: حدثني حيان بن بشر قال: ثنا جرير بن عبد الحميد قال: شهدت الجمعة مع ابن هبيرة فأخّر الصلاة إلى قرب العصر، فرأيت الناس يخرجون ورأيت أبا حنيفة خرج .. ..

في ورع أبي حنيفة وشهادة العلماء بذلك له / 1

٢٣ - حدثني أحمد بن القاسم البرتي قال: حدثني أبو بكر بن حميد قال: ثنا حيان بن بشر قال: ثنا حكام بن سلم الرازي، عن أبي سنان قال: كنا نختلف إلى عمرو بن مرة، فكان أبو حنيفة يصلي العشاء والفجر بطهور واحد.


٢٤ - حدثني أحمد بن القاسم البرتي قال: حدثني ابن أبي رزمة قال: أخبرني أبي قال: أخبرني المتوكل من أهل الكوفة قال: جاورت أبا حنيفة أربع سنين، فكان إذا صلى العشاء رجع يحدث أصحابه ساعة، ثم ينام فما هو إلا قدر ما اضطجع، فانتبه فإذا أنا بقراءة أبي حنيفة حتى الصباح.


٢٥ - حدثني محمد بن حماد مولى بني هاشم قال: ثنا إبراهيم بن سعيد قال: ثنا المثنى بن رجاء، عن أم حميد حاضنة ولد أبي حنيفة قالت: قالت لي أم ولد أبي حنيفة: ما توسد أبو حنيفة فراشاً بليل مذ عرفته، وإنما كان نومه بين الظهر والعصر في الصيف، وبالليل في مسجده أول الليل في الشتاء.


٢٦ - ثنا محمد بن حماد قال: ثنا محمد بن مليح بن وكيع بن الجراح قال: سمعت أبا نعيم ضرار بن صرد يقول: سمعت يزيد بن كميت يقول: كان أبو حنيفة شديد الخوف لله عز وجل، وكان جارنا، ومصلانا في مسجد واحد، قال يزيد بن كميت: فقال لي علي بن الحسن المؤذن وكان صالحاً فاضلاً-: قرأ بنا الإمام ليلة في عشاء الآخرة {إذا زلزلت الأرض زلزالها} فلما قضينا الصلاة وخرج الناس بصرت بأبي حنيفة وهو جالس فقلت: ألا تقوم؟ فقال: لا تشتغل فيّ وامض لشأنك، فقمت فخرجت وتركت القنديل يَقِد، وقمت خارج المسجد أنظر من الشرجب، فإذا هو قد قام وأخذ بلحيته وهو يقول: (( يا من يجزى بمثقال ذرة خيرٍ خيراً ويا من يجزى بمثقال ذرة شرٍ شراً، تغمد النعمان بعفوك واجعل زلَلَه في سعة رحمتك يا أرحم الراحمين «، قال: فلم يزل يرددها حتى ملَلْت فمضيت، ثم جئت المسجد في الفجر، فإذا هو قائم على تلك الحال، فلما رآني قعد وهو يبكي، فقلت: ألا تتهيأ للصلاة؟ قال: امض لشأنك، فأراه لم ينم ليلته.

ذكر زهد أبي حنيفة رحمه الله وعبادته / 1

٢٧ - حدثني محمد بن حماد قال: ثنا جبارة بن المغلس قال: سمعت حسين بن علي الجعفي وسأله رجل: أكان أبو حنيفة يؤمن بالبعث؟ فقال حسين: أخبرني من شهده في مسجد حيه وهو يردد هذه الآية: {فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم} وهو يبكي ويقول: (( اللهم منّ علينا، وقنا عذاب الجحيم، اللهم منّ علينا، وقنا عذاب السموم يا رحيم )) .


٢٨ - حدثني محمد بن المبارك قال: ثنا الحسين بن علي الجعفي قال: سمعت أبا داود الحفري يقول: لو قيل لأبي حنيفة: إنك تموت إلى خمسة أيام لم يكن عنده ما يزيد في عمله، وما سمعت سفيان الثوري ذكره إلا ترحّم عليه.

ذكر زهد أبي حنيفة رحمه الله وعبادته / 2

٢٩ - حدثني محمد بن حماد قال: حدثني الحسن بن إسماعيل بن مجالد قال: سمعت وكيع بن الجراح يقول: قال الحسن بن صالح بن حيي: كان أبو حنيفة شديد الخوف لله عز وجل.


٣٠ - حدثني محمد بن حماد بن المبارك قال: حدثني محمد بن مليح بن وكيع بن الجراح قال: ثنا يزيد بن كميت قال: سمعت رجلاً يقول لأبي حنيفة: اتق الله، قال: فانتفض أبو حنيفة انتفاضة رجلٍ كأنه قد صرع واصفر لونه وطأطأ رأسه، وقال: يا أخي! نعم جزاك الله خيراً، فهكذا قل لي، ما أحوج الناس إلى من يقول لهم في كل وقت مثل هذا.


٣١ - حدثني محمد بن حماد قال: حدثني محمد بن مليح بن وكيع بن الجراح قال: ثنا يزيد بن كميت قال: فتح غلام لأبي حنيفة يوماً رزمة الخز، فإذا الأخضر والأصفر والأحمر، فقال الغلام: نسأل الله الجنة، فبكى أبو حنيفة حتى اختلج صدغاه ومنكباه وأمر بغلق الدكان، وقام مغطّى الرأس مسرعاً في مشيته، فلما كان الغد جلست إليه وقد اصفر، فأطرق طويلاً وكان قليل الكلام، ثم التفت إلي وقال: يا أخي! ما أجرأنا، يقول أحدنا: نسأل الله الجنة، إنما يسأل الله الجنة من رضي نفسه، يعني لها، إنما يريد مثلنا أن يسأل الله العفو.

في شدة خشيته من ربه عز وجل / 1

٣٢ - حدثني محمد بن المبارك المصيصي قال: ثنا الحسين بن إبراهيم قال: سمعت محمد بن فضيل يقول: كان أبو حنيفة إذا سئل عن المسألة قال: رب سلم رب سلم.


٣٣ - حدثني محمد بن حماد بن المبارك قال: ثنا إبراهيم بن سعيد قال: ثنا علي ابن الحسن بن شقيق قال: سمعت إسحاق بن الحسن أو الحسين الكوفي -الشك من أبي بشر- قال: سمعت أبا حنيفة يقول: لولا الحرج ما أفتيت الناس - وأخوف ما أخاف من الفتوى.

في شدة خشيته من ربه عز وجل / 2

٣٤ - ثنا أحمد بن منصور الرمادي قال: سمعت عبد الرزاق بن همام يقول: كنا جلوساً مع أبي حنيفة في مسجد الخيف، فجاء رجل، فسأله عن مسألة، فأفتاه فيها، فقال له الرجل: قال فيها الحسن البصري: كذا وكذا، فقال أبو حنيفة: أخطأ الحسن، قال عبد الرزاق: فجاء رجل مغطّى الوجه فقال لأبي حنيفة: يا ابن الفاعلة لا تكنى، أنت تقول: أخطأ الحسن؟ وقام الناس ليأخذوا الرجل، فنظرت إلى أبي حنيفة وقد أطرق ملياً، ثم رفع رأسه فقال: أقول: أخطأ الحسن وأصاب عبد الله بن مسعود، قال: وجعل عبد الرزاق يصف حلمه.


٣٥ - حدثني محمد بن حماد مولى بني هاشم قال: حدثني محمد بن مليح بن وكيع قال: ثنا يزيد بن كميت قال: سمعت أبا حنيفة وشتمه رجل، واستطال عليه، وقال له: يا كافر، يا زنديق، فقال أبو حنيفة: غفر الله لك هو يعلم مني خلاف ما تقول، ما عدلت به أحداً مذ عرفته، ولا رجوت قط إلا عفوه، ولا خشيت إلا عقابه، ثم بكى عند ذكر العقاب حتى اختلج صدغاه وتحرك منكباه، فقام إليه الرجل فقال: اجعلني في حل -رحمك الله-، قال: نعم، أنت في حل وسعة، وكل من نسبني إلى ما تقول، يا أخي ما أضر الشهرة، يا أخي ما أضر الشهرة.

حلمه واحتماله / 1

٣٦ - حدثني يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل قال: حدثني ابن أبي رزمة قال: قال عبد العزيز بن خالد: تطاول بعض موالي أبي حنيفة عليه وآذاه بلسانه، فقال له أبو حنيفة: أتمن علي بولائك.

حلمه واحتماله / 2

٣٧ - ثنا أحمد ابن القاسم البرتي قال: ثنا يعقوب بن شيبة بن الصلت قال: حدثني عبد الله بن الحسن بن المبارك، عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة قال: مررت مع أبي بالكناسة فبكى، فقلت له: يا أبه ما يبكيك؟ قال: يا بنيّ في هذا الموضع ضرب ابن هبيرة جدك عشرة أيام، في كل يوم عشرة أسواطٍ، على أن يلي له القضاء، فلم يفعل.


٣٨ - سمعت محمد بن شجاع يقول: حدثني حبان -رجل من أصحاب أبي حنيفة- قال: قال أبو حنيفة حين ضرب ليلي القضاء: ما أصابني في ضربي شيء أشد عليّ من غم والدتي، وكان بها براً.


٣٩ - حدثني أحمد بن القاسم قال: حدثني يعقوب بن شيبة قال: ثنا عبد الله بن الحسن عن بشر بن الوليد قال: أشخص أبو جعفر المنصور أبا حنيفة إليه، فأراده على أن يوليه فأبى، فحلف عليه أبو جعفر ليفعلنّ، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، فحلف أبو جعفر ليفعلنّ، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، فقال الربيع لأبي حنيفة: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف؟ فقال أبو حنيفة: أمير المؤمنين على كفارة أيمانه أقدر مني على كفارة أيماني، فأبى أن يلي فأمر به إلى السجن، فمات فيه، ودفن في مقابر الخيزران.


٤٠ - حدثني يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن يعقوب بن شيبة قال: حدثني عبد الله بن الحسن، عن بشر بن الوليد قال: لما أمر أبو جعفر المنصور بأبي حنيفة إلى الحبس دفع إلى أبي العباس، فأراد أبو العباس أن يتكلم أبو حنيفة بشيء يكون عليه فيه حجة، فقال له: يا شيخ إن أمير المؤمنين يأمر بدفع الرجل إليّ، وقد أمر فيه بالأمر من الضرب أو القطع أو القتل، ولا علم لي بقصته، أفيجوز لي أن أنفذ ما أمر به أمير المؤمنين وأنا لا أعلم ما حاله؟ فقال له أبو حنيفة: أمير المؤمنين يأمر بضرب رجل لا يجب عليه الضرب أم يجب ذلك عليه ويستحقه؟ ويأمر بقطع من لا يجب عليه القطع؟ ويقتل من لا يجب عليه القتل أو من يجب عليه القتل؟ فقال أبو العباس: أمير المؤمنين أبرّ وأتقى من أن يضرب أو يقطع أو يقتل من لا يجب ذلك عليه، فقال له أبو حنيفة: فإذا ضربت وقتلت وقطعت من يجب ذلك عليه ويستحقه فأنت في ذلك مأجور، فلم يجد عليه أبو العباس حجة، فلم يزل في الحبس حتى توفي فيه رحمه الله.


٤١ - حدثني أحمد بن القاسم البرتي قال: حدثني ابن أبي رزمة قال: سمعت أبا الوزير محمد بن أعين قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: قرب أبو حنيفة للدنيا، وعرضت عليه خزائن الأرض فأبى، فطلب على القضاء حتى ضُرب أحد عشر أو اثني عشر سوطاً فأبى.

فيما ابتلي به أبو حنيفة من الضرب والحبس على ولاية القضاء وصبره على ذلك / 1

٤٢ - حدثني محمد بن حماد بن المبارك قال: حدثني محمد بن سليمان قال: ثنا خالد بن يزيد الزيات قال: كان أبو حنيفة لا يحلف بالله عز وجل صادقاً ولو نُشِر، فسعى به إلى بعض ولاة الكوفة بأنه يقول: إن القرآن مخلوق وإلا فاستحلفه -لعلمهم بأنه لا يحلف- فإن حلف فهو صادق، فأخذه الوالي وجمع له الناس فقال له الوالي: ما يقول هؤلاء عليك؟ قال: وما يقولون؟ قال: يقولون: إنك تقول: القرآن مخلوق؟ قال: حق أقول إن شاء الله ما سمعت من يقوله ولا من يجادل فيه، وإنه لقول تضيق له النفس، قال: فتحلف أنك ما قلت هذا؟ قال: هو يعلم تبارك وتعالى مني خلاف ما يقولون، قال: فتحلف أنك ما قلت؟ قال: هو عندي أعظم من أن أحلف به صادقاً أو كاذباً، فقال له الوالي: أعاقبك إن لم تحلف، قال: أنت وذاك، قال: فأمر به فجرد، فلما رأى الوالي نحافة جسمه وشيبه قال له: أو تتوب؟ قال: ما قلت ما ادعي عليّ قط ولا أعتقده، قال: فتُب، قال: اللهم تب علينا، قال: فقيل: استتيب أبو حنيفة استتيب أبو حنيفة.

في التشنيع عليه وأذيته رحمه الله / 1

٤٣ - حدثني محمد بن حماد قال: ثنا علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت أبي يقول: سألت عبد الله بن المبارك قلت: يا أبا عبد الرحمن، هل استتيب أبو حنيفة؟ فسكت، قال: ثم عدت لمسألته بعد شهر فقال لي ابن المبارك: أستعيذ بالله من معاداة القراء أستعيذ بالله من معاداة من ينسب إلى السير.


٤٤ - حدثني محمد بن المبارك قال: ثنا محمد بن سليمان قال: حدثني محمد بن الحسن الهمداني قال: سئل عبد السلام بن حرب الملائي عن أبي حنيفة: هل استتيب؟ فقال: يغفر الله لك يا أخي، أستغفر الله من هذا، شُنّع عليه.

في التشنيع عليه وأذيته رحمه الله / 2

٤٥ - سمعت محمد بن حماد يقول: سمعت الحسن بن إسماعيل بن مجالد قال: سمعت وكيع بن الجراح يقول: سمعت مسعر بن كدام يقول: حسد أهل السير النعمان بن ثابت لفهمه وعلمه، فشنع عليه.


٤٦ - حدثني أحمد بن القاسم البرتي قال: حدثني ابن أبي رزمة قال: سمعت أبا وهب قال: سمعت أبا يحيى قال: قلت للنضر بن محمد: أبو حنيفة كان يرى السيف؟ قال: معاذ الله.


٤٧ - حدثني أحمد بن القاسم قال: حدثني ابن أبي رزمة، عن عبدان قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: إذا سمعتهم يذكرون أبا حنيفة بسوء ساءني ذلك، وأخاف عليهم المقت من الله عز وجل.


٤٨ - حدثني محمد بن سعدان قال: سمعت أبا سليمان الجوزجاني يقول: سمعت سلم بن سالم البلخي قال: كنا عند مسعر بن كدام وكانت حلقته تقرب حلقة أبي حنيفة، فكنا نسأله وهو يستمع على أبي حنيفة وأصحابه، فقال له رجل: يا أبا سلمة نحن نسألك عن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تسمع على أهل البدع؟ قال: قم، لو قام أصغر من فيهم لأهل الموسم لأوسعهم علماً.

في التشنيع عليه وأذيته رحمه الله / 3