[مُقَدِّمَةُ الْمُؤَلِّفِ]
قَالَ الشَّيْخُ ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ شَهَادَةً تَكُونُ لِلنَّجَاةِ وَسِيلَةً، وَلِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ كَفِيلَةً، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي بَعَثَهُ وَطُرُقُ (وَحَالُ) الْإِيمَانِ قَدْ عَفَتْ آثَارُهَا، وَخَبَتْ أَنْوَارُهَا، وَوَهَنَتْ أَرْكَانُهَا، وَجُهِلَ مَكَانُهَا، فَشَيَّدَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ مِنْ مَعَالِمِهَا مَا عَفَا، وَشَفَى مِنَ الْعَلِيلِ فِي تَأْيِيدِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مَنْ كَانَ عَلَى شَفًا، وَأَوْضَحَ سَبِيلَ الْهِدَايَةِ، لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْلُكَهَا، وَأَظْهَرَ كُنُوزَ السَّعَادَةِ لِمَنْ قَصَدَ أَنْ يَمْلِكَهَا. أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ التَّمَسُّكَ بِهَدْيهِ لَا يَسْتَتِبُّ إِلَّا بِالِاقْتِفَاءِ لِمَا صَدَرَ مِنْ مِشْكَاتِهِ، وَالِاعْتِصَامُ بِحَبْلِ اللَّهِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِبَيَانِ كَشْفِهِ، وَكَانَ (كِتَابُ الْمَصَابِيحِ)، الَّذِي صَنَّفَهُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ، قَامِعُ الْبِدْعَةِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الْفَرَّاءِ الْبَغَوِيُّ، رَفَعَ اللَّهُ دَرَجَتَهُ أَجْمَعَ كِتَابٍ صُنِّفَ فِي بَابِهِ، وَأَضْبَطَ لِشَوَارِدِ الْأَحَادِيثِ، وَأَوَابِدِهَا، وَلَمَّا سَلَكَ ﵁ الِاخْتِصَارَ، وَحَذَفَ الْأَسَانِيدَ ; تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ النُّقَّادِ، وَإِنْ كَانَ نَقْلُهُ - وَإِنَّهُ مِنَ الثِّقَاتِ - كَالْإِسْنَادِ، لَكِنْ لَيْسَ مَا فِيهِ أَعْلَامٌ كَالْأَغْفَالِ، فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى، وَاسْتَوْفَقْتُ مِنْهُ فَأَوْدَعْتُ كُلَّ حَدِيثٍ مِنْهُ فِي مَقَرِّهِ فَأَعْلَمْتُ مَا أَغْفَلَهُ، كَمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ الْمُتْقِنُونَ، وَالثِّقَاتُ الرَّاسِخُونَ مِثْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرَيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الْأَصْبَحِيِّ. وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيِّ، وَأَبِي عِيسَى بْنِ مُحَمَّدٍ التِّرْمِذِيِّ، وَأَبِي دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ النَّسَائِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ ابْنِ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيِّ، وَأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيِّ، وَأَبِي الْحَسَنِ رَزِينِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْعَبْدَرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَلِيلٌ مَا هُوَ.
وَإِنِّي إِذَا نَسَبْتُ الْحَدِيثَ إِلَيْهِمْ كَأَنِّي أَسْنَدْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ; لِأَنَّهُمْ قَدْ فَرَغُوا مِنْهُ، وَأَغْنَوْنَا عَنْهُ.
وَسَرَدْتُ الْكُتُبَ، وَالْأَبْوَابَ كَمَا سَرَدَهَا، وَاقْتَفَيْتُ أَثَرَهُ فِيهَا، وَقَسَّمْتُ كُلَّ بَابٍ غَالِبًا عَلَى فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ: أَوَّلُهَا: مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا، وَاكْتَفَيْتُ بِهِمَا، وَإِنِ اشْتَرَكَ فِيهِ الْغَيْرُ ; لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمَا فِي الرِّوَايَةِ.
وَثَانِيهَا: مَا أَوْرَدَهُ غَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ. وَثَالِثُهَا: مَا اشْتَمَلَ عَلَى مَعْنَى الْبَابِ مِنْ مُلْحَقَاتٍ مُنَاسِبَةٍ مَعَ مُحَافَظَةٍ عَلَى الشَّرِيطَةِ، وَإِنْ كَانَ مَأْثُورًا عَنِ السَّلَفِ، وَالْخَلَفِ. ثُمَّ إِنَّكَ إِنْ فَقَدْتَ حَدِيثًا فِي بَابٍ، فَذَلِكَ عَنْ تَكْرِيرٍ أُسْقِطُهُ. وَإِنْ وَجَدْتَ آخَرَ بَعْضَهُ مَتْرُوكًا عَلَى اخْتِصَارِهِ، أَوْ مَضْمُومًا إِلَيْهِ تَمَامُهُ فَعَنْ دَاعِي اهْتِمَامٍ أَتْرُكُهُ، وَأُلْحِقُهُ. وَإِنْ عَثَرْتَ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي الْفَصْلَيْنِ مِنْ ذِكْرِ غَيْرِ الشَّيْخَيْنِ فِي الْأَوَّلِ، وَذِكْرِهِمَا فِي الثَّانِي فَاعْلَمْ أَنِّي بَعْدَ تَتَبُّعِي كِتَابَيْ: (الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ) لِلْحُمَيْدِيِّ، وَ(جَامِعَ الْأُصُولِ) اعْتَمَدْتُ عَلَى صَحِيحَيِ الشَّيْخَيْنِ، وَمَتْنَيْهِمَا.
وَإِنْ رَأَيْتَ اخْتِلَافًا فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ فَذَلِكَ مِنْ تَشَعُّبِ طُرُقِ الْأَحَادِيثِ، وَلَعَلِّي مَا اطَّلَعْتُ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ الَّتِي سَلَكَهَا الشَّيْخُ ﵁ وَقَلِيلًا مَا تَجِدُ أَقُولُ: مَا وَجَدْتُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ، أَوْ وَجَدْتُ خِلَافَهَا فِيهَا.
فَإِذَا، وَقَفْتَ عَلَيْهِ فَانْسِبِ الْقُصُورَ إِلَيَّ لِقِلَّةِ الدِّرَايَةِ، لَا إِلَى جَنَابِ الشَّيْخِ رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَهُ فِي الدَّارَيْنِ، حَاشَا لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ! . رَحِمَ اللَّهُ مَنْ إِذَا وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ نَبَّهَنَا عَلَيْهِ، وَأَرْشَدَنَا طَرِيقَ الصَّوَابِ. وَلَمْ آلُ جُهْدًا فِي التَّنْقِيرِ، وَالتَّفْتِيشِ بِقَدْرِ الْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ، وَنَقَلْتُ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ كَمَا وَجَدْتُ. وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ﵁ مِنْ غَرِيبٍ أَوْ ضَعِيفٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا بَيَّنْتُ وَجْهَهُ غَالِبًا. وَمَا لَمْ يُشِرْ إِلَيْهِ مِمَّا فِي الْأُصُولِ فَقَدْ قَفَّيْتُهُ فِي تَرْكِهِ، إِلَّا فِي مَوَاضِعَ لِغَرَضٍ، وَرُبَّمَا تَجِدُ مَوَاضِعَ مُهْمَلَةً، وَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ أَطَّلِعْ عَلَى رَاوِيهِ فَتَرَكْتُ الْبَيَاضَ. فَإِنْ عَثَرْتَ عَلَيْهِ فَأَلْحِقْهُ بِهِ، أَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاءَكُ. وَسَمَّيْتُ الْكِتَابَ بِـ (مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ)، وَأَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ، وَالْإِعَانَةَ، وَالْهِدَايَةَ، وَالصِّيَانَةَ، وَتَيْسِيرَ مَا أَقْصِدُهُ، وَأَنْ يَنْفَعَنِي فِي الْحَيَاةِ، وَبَعْدَ الْمَمَاتِ، وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُسْلِمَاتِ. حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.
اقْتِدَاءً بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَتَخَلُّقًا بِأَخْلَاقِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَاقْتِفَاءً لِلنَّبِيِّ الْكَرِيمِ، حَيْثُ قَالَ: ««كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَبْتَرُ»» أَيْ: قَلِيلُ الْبَرَكَةِ، أَوْ مَعْدُومُهَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنَ الْبَتْرِ، وَهُوَ الْقَطْعُ قَبْلَ التَّمَامِ وَالْكَمَالِ، وَالْمُرَادُ بِذِي الْبَالِ ذُو الشَّأْنِ فِي الْحَالِ، أَوِ الْمَآلِ، رَوَاهُ الْخَطِيبُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي (كِتَابِ الْجَامِعِ) وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ الْأَبْرَارُ فِي كِتَابَةِ الْبَسْمَلَةِ فِي أَوَّلِ كُتُبِ الْأَشْعَارِ، فَمَنَعَهُ الشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ، وَأَجَازَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَاخْتَارَهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، وَالْأَحْسَنُ التَّفْصِيلُ بَلْ هُوَ الصَّحِيحُ، فَإِنَّ الشِّعْرَ حَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ، فَيُصَانُ إِيرَادُ الْبَسْمَلَةِ فِي الْهَجَوَيَّاتِ وَالْهَذَيَانِ وَمَدَائِحِ الظَّلَمَةِ وَنَحْوِهَا، كَمَا تُصَانُ فِي حَالِ أَكْلِ الْحَرَامِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَمَوَاضِعِ الْقَاذُورَاتِ وَحَالَةِ الْمُجَامَعَةِ وَأَمْثَالِهَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُكْتَبُ فِي أَوَّلِ كُتُبِ الْمَنْطِقِ عَلَى الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ مَسَائِلِهَا، وَكَذَا فِي الْقِصَصِ الْكَاذِبَةِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِا، وَالْكُلُّ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ: «ذِي بَالٍ» وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ، ثُمَّ إِنَّهُ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِ: «كُلُّ كَلَامٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ فِي (عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ) . وَبِلَفْظِ: ««كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُمَا الِابْتِدَاءُ بِذِكْرِ اللَّهِ سَوَاءٌ يَكُونُ فِي ضِمْنِ الْبَسْمَلَةِ، أَوِ الْحَمْدَلَةِ ; بِدَلِيلِ أَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الرَّهَاوِيُّ فِي (أَرْبَعِينِهِ)، وَحَسَّنَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَلَفْظُهُ:»«كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ» «، أَوْ يُحْمَلُ حَدِيثُ الْبَسْمَلَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ الْحَقِيقِيِّ بِحَيْثُ لَا يَسْبِقُهُ شَيْءٌ، وَحَدِيثُ الْحَمْدَلَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ الْإِضَافِيِّ، وَهُوَ مَا بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ، قِيلَ: وَلَمْ يُعْكَسْ لِأَنَّ حَدِيثَ الْبَسْمَلَةِ أَقْوَى فِي الْمِنْهَالِ بِكِتَابِ اللَّهِ الْوَارِدِ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ وَيَخْطُرُ بِالْبَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ. إِنَّ تَوْفِيقَ الِافْتِتَاحِ بِالْبَسْمَلَةِ لَمَّا كَانَ مِنَ النِّعَمِ الْجَزِيلَةِ نَاسَبَ أَنْ تَكُونَ الْحَمْدَلَةُ مُتَأَخِّرَةً عَنْهَا لِتَكُونَ مُتَضَمِّنَةً لِلشُّكْرِ عَلَى هَذِهِ الْمِنْحَةِ الْجَمِيلَةِ، هَذَا وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالِابْتِدَاءِ افْتِتَاحٌ عُرْفِيٌّ مُوَسَّعٌ مَمْدُودٌ يُطْلَقُ عَلَى مَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ كَمَا يُقَالُ: أَوَّلُ اللَّيْلِ وَأَوَّلُ النَّهَارِ وَأَوَّلُ الْوَقْتِ وَأَوَّلُ الدِّيَارِ، وَحِينَئِذٍ لَا يُرَدُّ عَلَى الْمُصَنَّفِ أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ:»«كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأْ فِيهِ بِذِكْرِ اللَّهِ ثُمَّ بِالصَّلَاةِ عَلَيَّ فَهُوَ أَقْطَعٌ مَمْحُوقٌ مِنْ كُلِّ بَرَكَةٍ» «أَخْرَجَهُ الرَّهَاوِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَإِنْ قِيلَ بِضَعْفِهِ.
وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا:»«كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ» " عَلَى رِوَايَةِ ضَمِّ الْخَاءِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ صَنِيعِ التِّرْمِذِيِّ حَيْثُ أَوْرَدَهُ فِي (بَابِ خُطْبَةِ النِّكَاحِ)، وَكَذَا يُفْهَمُ مِنَ اعْتِرَاضِ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ عَلَى الْبُخَارِيِّ فِي تَرْكِهِ الشَّهَادَةَ أَوَّلَ كِتَابِهِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ، أَوْ بِأَنَّ رِوَايَتَهُ كَسْرُ الْخَاءِ لَا ضَمُّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ الْبَاءُ جَاءَ لِأَرْبَعَةَ عَشَرَ مَعْنًى، وَالْمُنَاسِبُ هَاهُنَا مِنْهَا الْإِلْصَاقُ، وَالِاسْتِعَانَةُ، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ وَأُخِّرَ عَلَى الْمُخْتَارِ تَحْقِيقًا لِحَقِيقَةِ الِابْتِدَاءِ، وَتَعْظِيمًا لِلِاسْمِ الْخَاصِّ عَنِ الِانْتِهَاءِ، وَإِفَادَةً لِلِاهْتِمَامِ، وَإِرَادَةً لِمَقَامِ الِاخْتِصَاصِ الَّذِي هُوَ الْمَرَامُ؛ وَرَدًّا لِدَأْبِ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ كَانُوا يَبْتَدِئُونَ بِالْأَصْنَامِ، وَيَفْتَتِحُونَ بِذِكْرِ اللَّهِ فِي بَعْضِ الْكَلَامِ.
لَكِنْ قَالَ الْعَارِفُ الْجَامِيُّ: حَقِيقَةُ الِابْتِدَاءِ بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْعَارِفِينَ أَنْ لَا يُذْكَرَ بِاللِّسَانِ، وَلَا يَخْطُرَ بِالْجَنَانِ فِي الِابْتِدَاءِ غَيْرُ اسْمِهِ سُبْحَانَهُ لَا إِثْبَاتًا، وَلَا نَفْيًا، فَإِنَّ صُورَةَ نَفْيِ الْغَيْرِ مُلَاحَظَةٌ لِلْغَيْرِ فَهُوَ أَيْضًا مَلْحُوظٌ فِي الِابْتِدَاءِ، فَلَيْسَ الِابْتِدَاءُ مُخْتَصًّا بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْدِيرِ الْمَحْذُوفِ مُؤَخَّرًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ اسْمُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي التَّقْدِيرِ أَيْضًا مُقَدَّمًا كَمَا أَنَّهُ فِي الذِّكْرِ مُقَدَّمٌ اهـ.
وَالْمَعْنَى بِاسْمِ اللَّهِ أَبْدَأُ تَصْنِيفِي، أَوِ ابْتِدَائِي فِي جَمِيعِ أُمُورِي مُتَبَرِّكًا بِاسْمِهِ وَمُسْتَعِينًا بِرَسْمِهِ، وَالِاسْمُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي بُنِيَ أَوَائِلُهَا عَلَى السُّكُونِ، فَعِنْدَ الِابْتِدَاءِ بِهَا يَزِيدُونَ هَمْزَةَ الْوَصْلِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمَحْذُوفَةِ الْعَجُزِ كَيَدٍ وَدَمٍ ; بِدَلِيلِ تَصَارِيفِهِ مِنْ سَمَيْتُ وَنَحْوِهِ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ السُّمُوِّ، وَهُوَ الْعُلُوُّ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ تَنْوِيهٌ بِالْمُسَمَّى، وَرَفْعٌ لِقَدْرِهِ. وَعِنْدَ الْكُوفِيَّةِ أَصْلُهُ: وَسْمٌ: وَهُوَ الْعَلَامَةُ ; لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ دَالَّةٌ عَلَى الْمُسَمَّى فَحُذِفَ حَرْفُ الْعِلَّةِ تَخْفِيفًا، ثُمَّ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الْوَصْلِ، وَسَقَطَتْ كِتَابَتُهَا فِي الْبَسْمَلَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْجَلَالَةِ عَلَى خِلَافِ رَسْمِ الْخَطِّ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ الْكَتْبِيِّ وَطُوَّلَتِ الْبَاءُ دَلَالَةً عَلَيْهَا قَبْلَ ذِكْرِ الِاسْمِ فَرْقًا بَيْنَ الْيَمِينِ وَالتَّيَمُّنِ. وَقِيلَ الِاسْمُ صِلَةٌ، وَهُوَ إِنْ أُرِيدَ بِهِ اللَّفْظُ فَلَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ عَيْنُ الْمُسَمَّى، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ ذَاتُ الْحَقِّ، وَالْوُجُودُ الْمُطْلَقُ إِذَا اعْتُبِرَ مَعَ صِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَالرَّحْمَنِ مَثَلًا هُوَ الذَّاتُ الْإِلَهِيَّةُ مَعَ صِفَةِ الرَّحْمَةِ، وَالْقَهَّارِ مَعَ صِفَةِ الْقَهْرِ، فَهُوَ عَيْنُ الْمُسَمَّى بِحَسَبِ التَّحْقِيقِ وَالْوُجُودِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ بِحَسَبِ التَّعَقُّلِ، وَالْأَسْمَاءُ الْمَلْفُوظَةُ هِيَ أَسْمَاءُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، وَالْإِضَافَةُ لَامِيَّةٌ، وَالْمُرَادُ بَعْضُ أَفْرَادِهِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا اللَّهُ، وَالرَّحْمَنُ، وَالرَّحِيمُ، أَوْ يُرَادُ بِهِ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ بِخُصُوصِهَا بِقَرِينَةِ التَّصْرِيحِ بِهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ، هَكَذَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنَّ الِاسْمَ عَيْنُ الْمُسَمَّى، وَالتَّسْمِيَةِ، وَثَانِيهَا: - وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ الْجَهْمِيَّةِ، وَالْكَرَّامِيَّةِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ - غَيْرُهُمَا. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعِزُّ ابْنُ جَمَاعَةَ: هُوَ الْحَقُّ، وَثَالِثُهَا: عَيْنُ الْمُسَمَّى وَغَيْرُ التَّسْمِيَةِ، وَهُوَ الْمُصَحَّحُ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْقَائِلِ: وَلَيْسَ الِاسْمُ غَيْرَ الْمُسَمَّى، وَرَابِعُهَا: لَا عَيْنَ، وَلَا غَيْرَ. وَالثَّالِثُ هُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ، لَكِنْ فِي اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَعْنِي: كَلِمَةَ الْجَلَالَةِ خَاصَّةً ; لِأَنَّ مَدْلُولَ هَذَا الِاسْمِ الذَّاتُ مِنْ حَيْثُ هِيَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، كَالْعَالِمِ فَمَدْلُولُهُ الذَّاتُ بِاعْتِبَارِ الصِّفَةِ. وَقَدْ نَبَّهَ الْإِمَامَانِ، الرَّازِيُّ، وَالْآمِدِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا يَصْلُحُ مَحَلًّا لِنِزَاعِ الْعُلَمَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفَى التَّعَرُّفِ أَجْمَعُوا: أَنَّ الصِّفَاتِ لَيْسَتْ هِيَ هُوَ، وَلَا غَيْرُهُ وَأَجْمَعُوا أَنَّهَا لَا تَتَغَايَرُ، وَلَيْسَ عِلْمُهُ قُدْرَتَهُ، وَلَا غَيْرَ قُدْرَتِهِ، وَلَا قُدْرَتُهُ عِلْمَهُ، وَلَا غَيْرَ عِلْمِهِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ صِفَاتِهِ مِنَ السَّمْعِ، وَالْبَصَرِ وَغَيْرِهِمَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَسْمَاءِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَسْمَاءُ اللَّهِ - تَعَالَى - لَيْسَتْ هِيَ اللَّهَ، وَلَا غَيْرَ اللَّهِ كَمَا قَالُوا فِي الصِّفَاتِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَسْمَاءُ اللَّهِ هِيَ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ تَحَيَّرَ الْعُلَمَاءُ فِي تَدْقِيقِ اسْمِ اللَّهِ كَمَا تَحَيَّرَ الْعُرَفَاءُ فِي تَحْقِيقِ مُسَمَّاهُ، سُبْحَانَ مَنْ تَحَيَّرَ فِي ذَاتِهِ سِوَاهُ! فَقِيلَ: إِنَّهُ عِبْرِيٌّ ; لِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كَانُوا يَقُولُونَ: إِلَاهًا، فَحَذَفَتِ الْعَرَبُ الْأَلِفَ الْأَخِيرَةَ لِلتَّخْفِيفِ، كَمَا فَعَلُوا فِي النُّورِ، وَالرُّوحِ، وَالْيَوْمِ ; فَإِنَّهَا فِي اللُّغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ كَانَتْ نُورًا وَرُوحًا وَيَوْمًا، وَهَذَا وَجْهُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُعَرَّبٌ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ عَرَبِيٌّ ; لِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَوَافُقِ اللُّغَتَيْنِ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ إِحْدَاهُمَا مُتَأَخِّرَةً عَنِ الْأُخْرَى مَأْخُوذَةً عَنْهَا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا: اسْمٌ هُوَ أَمْ صِفَةٌ مُشْتَقَّةٌ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، أَوْ غَيْرُ مُشْتَقٍّ؟ عَلَمٌ، أَوْ غَيْرُ عَلَمٍ؟ وَمَا أَصْلُهُ عَلَى تَقْدِيرِ اشْتِقَاقِهِ؟ ! وَمُخْتَارُ صَاحِبِ (الْكَشَّافِ) أَنَّهُ كَانَ فِي الْأَصْلِ اسْمَ جِنْسٍ، ثُمَّ صَارَ عَلَمًا وَأَنَّ أَصْلَهُ الْإِلَهُ وَأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ أَلَهَ بِمَعْنَى: تَحَيَّرَ فَاللَّهُ مُتَحَيَّرٌ فِيهِ ; لِأَنَّهُمْ لَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا.
وَحَكَى سِيبَوَيْهِ وَالْمُبَرِّدُ عَنِ الْخَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ: اسْمٌ خَاصٌّ عَلَمٌ لِلَّهِ غَيْرُ مُشْتَقٍّ مِنْ شَيْءٍ وَلَيْسَ بِصِفَةٍ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ جَامِعًا لِأَسْمَائِهِ وَنُعُوتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ أَلَهْتُ إِلَى فُلَانٍ إِذَا فَزَعْتَ إِلَيْهِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ قَالَ:
أَلَهْتُ إِلَيْكُمْ فِي بَلَايَا تَنُوبُنِي ... فَأَلْفَيْتُكُمْ فِيهَا كَرِيمًا مُمَجَّدًا
فَإِنَّ الْخَلْقَ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ. أَوْ مِنْ أَنَّهُ الْفَصِيلُ، وَالْفَصِيلُ: وَلَدُ النَّاقَةِ إِذَا وَلِعَ بِأُمِّهِ ; لِأَنَّ الْعِبَادَ يُولَهُونَ بِهِ وَبِذِكْرِهِ. وَقِيلَ: مِنْ تَأَلَّهْتُ أَيْ: تَضَرَّعْتُ فَالْإِلَهُ هُوَ الَّذِي يُتَضَرَّعُ إِلَيْهِ.
وَقِيلَ: مِنْ قَوْلِهِمْ لَاهَ يَلُوهُ لَوْهًا وَلَاهًا إِذَا احْتَجَبَ وَارْتَفَعَ قَالَ:
لَاهَ رَبِّي عَنِ الْخَلَائِقِ طُرًّا ... فَهُوَ اللَّهُ لَا يُرَى وَيَرَى هُو.
وَقِيلَ: مِنْ أَلَهْتُ بِالْمَكَانِ إِذَا قُمْتَ بِهِ وَمَعْنَاهُ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ عَنْ صِفَتِهِ كَمَا أَنَّ الْمُقِيمَ لَا يَتَحَوَّلُ عَنْ بُقْعَتِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَلَهْنَا بِدَارٍ لَا تَبِينُ رُسُومُهَا ... كَأَنَّ بَقَايَاهَا وِشَامٌ عَلَى الْأَيْدِي
وَقِيلَ: الْإِلَهُ أَصْلُهُ وِلَاهُ، فَهُوَ مِنَ الْوَلَهِ كَمَا قِيلَ فِي أُسَادَةٍ وَأُشَاحٍ وَأُجُوهٍ: وَسَادَةٌ وَوِشَاحٌ وَوُجُوهٌ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْعِبَادَ يُولَهُونَ عِنْدَ ذِكْرِ الْإِلَهِ أَيْ: يَطْرَبُونَ مِنْهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْكُمَيْتِ:
وَلِهَتْ نَفْسِيَ الطَّرُوبُ إِلَيْكُمْ ... وَلَهًا حَالَ دُونَ طَعْمِ الطَّعَامِ
وَقِيلَ: الْوَلَهُ: الْمَحَبَّةُ الشَّدِيدَةُ. وَقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنْ أَنَّهُ بِمَعْنَى عَبْدٍ، فَالْإِلَهُ: فِعَالٌ بِمَعْنَى الْمَعْبُودِ كَالْكِتَابِ بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَيَذَرُكَ وَإِلَاهَتَكَ) أَيْ: عِبَادَتَكَ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: الْأَصْلُ فِي قَوْلِنَا: اللَّهُ إِلَهٌ فَلَمَّا حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ عُوِّضَتْ فِي أَوَّلِهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ، ثُمَّ عِوَضًا لَازِمًا فَقِيلَ: اللَّهُ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: الْأَصْلُ فِي لَاهَ لَوِهَ عَلَى وَزْنِ دَوِرَ فَقَلَبُوا الْوَاوَ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا فَصَارَ: لَاهَ - عَلَى وَزْنِ دَارَ - ثُمَّ أَدْخَلُوا عَلَيْهِ لَامَ التَّعْرِيفِ.
وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ الرَّازِيُّ: الْأَصْلُ فِي اللَّهِ هُوَ الْإِلَهُ خُفِّفَتِ الْهَمْزَةُ بِإِلْقَاءِ حَرَكَتِهَا عَلَى اللَّامِ السَّاكِنَةِ قَبْلَهَا، وَحُذِفَتْ فَصَارَتْ: اللَّاهَ، ثُمَّ أُجْرِيَتِ الْحَرَكَةُ الْعَارِضَةُ مَجْرَى الْأَصْلِيَّةِ، وَأُدْغِمَتِ اللَّامُ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ، قِيلَ: هَاهُنَا إِشْكَالٌ صَرْفِيٌّ، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ إِلَى مَا قَبْلَهَا أَوَّلًا عَلَى مَا هُوَ الْقِيَاسُ، ثُمَّ حُذِفَتْ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ الْإِدْغَامِ غَيْرَ قِيَاسِيٍّ، لِمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ مِنْ أَنَّ الْمِثْلَيْنِ الْمُتَحَرِّكَيْنِ لَا يَجِبُ فِيهِمَا الْإِدْغَامُ إِذَا كَانَا مِنْ كَلِمَتَيْنِ نَحْوَ: مَا سَلَكَكُمْ، وَمَنَاسِكَكُمْ، وَإِنْ حُذِفَتِ الْهَمْزَةُ مَعَ حَرَكَتِهَا فَيَلْزَمُ مُخَالَفَةُ الْقِيَاسِ فِي تَخْفِيفِهَا، وَإِنْ كَانَ لُزُومُ الْإِدْغَامِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: هَذَا الِاسْمُ خَارِجٌ عَنْ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ كَمَا أَنَّ مُسَمَّاهُ خَارِجٌ عَنْ دَائِرَةِ قِيَاسِ النَّاسِ، وَأُجِيبَ بِاخْتِيَارِ الْأَوَّلِ، وَمَنْعِ كَوْنِ الْإِدْغَامِ فِي كَلِمَتَيْنِ بِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ اللَّامَ عِوَضًا عَنِ الْهَمْزَةِ وَصَارَ بِمَنْزِلَتِهَا، صَارَ كَأَنَّهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ الْإِدْغَامِ بَعْدَ الْعَلَمِيَّةِ فَيَكُونُ الِاجْتِمَاعُ فِي
كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ قَطْعًا، قَلْتُ: التَّحْقِيقُ أَنَّهُ كَمَا أَنَّ النَّقْلَ فِيهِ قِيَاسٌ غَيْرُ مُطَّرِدٍ فَكَذَلِكَ الْإِدْغَامُ فِي كَلِمَتَيْنِ، وَيَكْفِي جَوَازُهُ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى وُجُوبِهِ، مَعَ أَنَّ الْإِدْغَامَ فِي كَلِمَتَيْنِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْقُرَّاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تَأْمَنَّا﴾ [يوسف: ١١] . وَالْحَقُّ أَنَّهُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨] فَإِنَّ الْأَصْلَ: لَكِنْ أَنَا، فَحَوَّلُوا الْفَتْحَةَ إِلَى مَا قَبْلَهَا مِنَ النُّونِ فَاجْتَمَعَتْ نُونَانِ مُتَحَرِّكَتَانِ، فَأَسْكَنُوا الْأُولَى وَأَدْغَمُوهَا فِي الثَّانِيَةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَحْكِيٌّ عَنِ الْفَرَّاءِ. وَقِيلَ: الْأَصْلُ فِيهِ هَاءُ الْكِنَايَةِ عَنِ الْغَائِبِ ; وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا مَوْجُودًا فِي نَظَرِ عُقُولِهِمْ وَأَشَارُوا إِلَيْهِ بِحَرْفِ الْكِنَايَةِ، ثُمَّ زَادُوا فِيهِ لَامَ الْمِلْكِ ; لَمَّا عَلِمُوا أَنَّهُ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ وَمَالِكُهَا فَصَارَ (لَهُ)، ثُمَّ قَصَرُوا الْهَاءَ وَأَشْبَعُوا فَتْحَةَ اللَّامِ فَصَارَ: (لَاهُ)، وَخَرَجَ عَنْ مَعْنَى الْإِضَافَةِ إِلَى الِاسْمِ الْمُفْرَدِ ; فَزِيدَتْ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلتَّعْرِيفِ تَعْظِيمًا وَفَخَّمُوهُ تَأْكِيدًا لِهَذَا الْمَعْنَى، فَصَارَ (اللَّهُ) كَمَا تَرَى، وَهَذَا أَقْرَبُ بِإِشَارَاتِ الصُّوفِيَّةِ مِنْ تَحْقِيقِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقِيلَ: لَيْسَ هُوَ بِمُشْتَقٍّ بَلْ هُوَ عَلَمٌ ابْتِدَاءً لِذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ، وَيُلَائِمُ هَذَا الْمَذْهَبَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْعَارِفِينَ مِنْ أَنَّهُ اسْمٌ لِلذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لَا بِاعْتِبَارِ اتِّصَافِهَا بِالصِّفَاتِ، وَلَا بِاعْتِبَارِ لَا اتِّصَافِهَا بِهَا، وَلِذَا قَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّهُ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ. قَالَ الْقُطْبُ الرَّبَّانِيُّ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيُّ: الِاسْمُ الْأَعْظَمُ هُوَ اللَّهُ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُ، وَلَيْسَ فِي قَلْبِكَ سِوَاهُ، وَقَدْ خُصَّ هَذَا الِاسْمُ بِخَوَاصَّ لَا تُوْجَدُ فِي غَيْرِهِ كَمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ مِنْهَا: أَنَّهُ تُنْسَبُ سَائِرُ الْأَسْمَاءِ إِلَيْهِ، وَلَا يُنْسَبُ هُوَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا، وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ حَذَفُوا لَفْظَةَ يَاءٍ مِنْ أَوَّلِهِ وَزَادُوا مِيمًا فِي آخِرِهِ فَقَالُوا: اللَّهُمَّ، وَلَمْ يُفْعَلْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ أَلْزَمُوهُ الْأَلِفَ وَاللَّامَ عِوَضًا لَازِمًا عَنْ هَمْزَتِهِ، وَلَمْ يُفْعَلْ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا أَللَّهُ فَقَطَعُوا هَمْزَتَهُ. وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ يَا الَّتِي لِلنِّدَاءِ وَبَيْنَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَلَمْ يُفْعَلْ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ حَالَ سِعَةِ الْكَلَامِ. وَمِنْهَا: تَخْصِيصُهُمْ إِيَّاهُ فِي الْقَسَمِ بِإِدْخَالِ (التَّاءِ وَايْمُنُ وَايْمُ) فِي قَوْلِهِمْ: تَاللَّهِ، وَايْمُنُ اللَّهِ، وَايْمُ اللَّهِ.
وَمِنْهَا: تَفْخِيمُ لَامِهِ إِذَا انْفَتْحَ مَا قَبْلَهُ، أَوِ انْضَمَّ ; سُنَّةً وَرِثَتْهَا الْعَرَبُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ وَتَوَاتَرَ النَّقْلُ عَنِ الْقُرَّاءِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَحَذْفُ أَلِفِهِ لَحْنٌ تَفْسُدُ بِهِ الصَّلَاةُ.
وَ(الرَّحْمَنُ): فَعْلَانُ، مِنْ رَحِمَ كَغَضْبَانَ مِنْ غَضِبَ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ بِجَعْلِ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي لَازِمًا، فَيُنْقَلُ إِلَى فَعُلَ بِضَمِّ الْعَيْنِ فَيُشْتَقُّ مِنْهُ الصِّفَةُ الْمُشَبَّهَةُ. وَأَمَّا (الرَّحِيمُ): فَإِنْ جُعِلَ صِيغَةَ مُبَالَغَةٍ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ: هُوَ رَحِيمٌ فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنْ جُعِلَ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُشَبَّهَةِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُ (الْكَشَّافِ) فَالْوَجْهُ مَا ذُكِرَ فِي الرَّحْمَنِ ثُمَّ فِي الرَّحْمَنِ زِيَادَةُ مُبَالَغَةٍ مِنَ الرَّحِيمِ ; لِأَنَّ زِيَادَةَ الْمَبْنَى تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى، وَهِيَ إِمَّا بِحَسَبِ شُمُولِهِ لِلدَّارَيْنِ وَاخْتِصَاصِ الرَّحِيمِ بِالدُّنْيَا كَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ: («يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَ الدُّنْيَا»)، وَإِمَّا بِحَسَبِ كَثْرَةِ أَفْرَادِ الْمَرْحُومِينَ وَقِلَّتِهَا كَمَا وَرَدَ: («يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَرَحِيمَ الْآخِرَةِ») وَإِمَّا بِحَسَبِ جَلَالَةِ النِّعَمِ وَدِقَّتِهَا. وَبِالْجُمْلَةِ: فَفِي الرَّحْمَنِ مُبَالَغَةٌ فِي مَعْنَى الرَّحْمَةِ لَيْسَتْ فِي الرَّحِيمِ فَيُقْصَدُ بِهِ رَحْمَةٌ زَائِدَةٌ بِوَجْهٍ مَا، فَلَا يُنَافِي مَا يُرْوَى عَنْ قَوْلِهِمْ: («يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا») لِجَوَازِ حَمْلِهِمَا عَلَى الْجَلَائِلِ وَالدَّقَائِقِ. وَقِيلَ: رَحْمَةُ الرَّحْمَنِ تَتَعَلَّقُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فِي الدُّنْيَا وَرَحْمَةُ الرَّحِيمِ تَخْتَصُّ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي الْعُقْبَى، وَلَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ الرَّحْمَنِ عَلَى غَيْرِهِ تَعَالَى بِخِلَافِ الرَّحِيمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وَلِذَا قِيلَ: الرَّحْمَنُ: خَاصُّ اللَّفْظِ عَامُّ الْمَعْنَى، وَالرَّحِيمُ: عَامُّ اللَّفْظِ خَاصُّ الْمَعْنَى، ثُمَّ الرَّحْمَةُ فِي اللُّغَةِ: رِقَّةُ الْقَلْبِ وَانْعِطَافٌ يَقْتَضِي التَّفَضُّلَ وَالْإِحْسَانَ، وَهِيَ مِنَ الْكَيْفِيَّاتِ التَّابِعَةِ لِلْمِزَاجِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْهَا، فَإِطْلَاقُهَا عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْغَايَاتِ الَّتِي هِيَ أَفْعَالٌ دُونَ الْمَبَادِئِ الَّتِي هِيَ مِنَ الِانْفِعَالَاتِ، فَهِيَ
عِبَارَةٌ عَنِ الْإِنْعَامِ فَتَكُونُ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ، أَوْ عَنْ إِرَادَةِ الْإِحْسَانِ فَتَكُونُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسَبَّبٌ عَنْ رِقَّةِ الْقَلْبِ وَالِانْعِطَافِ ; فَتَكُونُ مَجَازًا مُرْسَلًا مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ، وَقُدِّمَ الرَّحْمَنُ عَلَى الرَّحِيمِ مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ التَّرَقِّي فِي الصِّفَاتِ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرَّحِيمَ كَالتَّتِمَّةِ وَالرَّدِيفِ لِلرَّحْمَنِ، أَوْ لِزِيَادَةِ شَبَهِهِ بِاللَّهِ حَيْثُ اخْتَصَّ بِهِ سُبْحَانَهُ حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ عَلَمٌ لَهُ، أَوْ لِتَقَدُّمِ رَحْمَةِ الدُّنْيَا، وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ مِنْ صِفَاتِ الْجَمَالِ وَعَدَمِ ذِكْرِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْجَلَالِ إِشْعَارٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: ««غَلَبَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي»» وَفِي الْخَتْمِ بِالرَّحِيمِ إِيمَاءٌ بِحُسْنِ خَاتِمَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ بَعْدَ حُصُولِ رَحْمَتِهِ لِعُمُومِ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ.
(الْحَمْدُ لِلَّهِ): قِيلَ: الْحَمْدُ، وَالْمَدْحُ، وَالشُّكْرُ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ، وَالْمُحَقِّقُونَ بَيْنَهَا يُفَرِّقُونَ وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْحَمْدَ هُوَ الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ مِنْ نِعْمَةٍ وَغَيْرِهَا، وَالْمَدْحُ يَعُمُّ الِاخْتِيَارِيَّ وَغَيْرَهُ، وَلِذَا يُقَالُ: مَدَحْتُهُ عَلَى حُسْنِهِ، وَلَا يُقَالُ: حَمِدْتُهُ عَلَيْهِ، وَالشُّكْرُ فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ بِمُقَابَلَةِ النِّعْمَةِ سَوَاءٌ يَكُونُ بِاللِّسَانِ، أَوِ الْجَنَانِ، أَوِ الْأَرْكَانِ، فَمَوْرِدُ الْحَمْدِ خَاصٌّ وَمُتَعَلِّقُهُ عَامٌّ، وَالشُّكْرُ بِخِلَافِهِ، وَحَقِيقَةُ الشُّكْرِ مَا رُوِيَ عَنِ الْجُنَيْدِ أَنَّهُ صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ إِلَى مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ، وَرَفْعُهُ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ للَّهِ، وَأَصْلُهُ النَّصْبُ وَقُرِئَ بِهِ، وَإِنَّمَا عُدِلَ بِهِ إِلَى الرَّفْعِ دَلَالَةً عَلَى الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ، وَقُرِئَ بِإِتْبَاعِ الدَّالِّ اللَّامَ وَبِالْعَكْسِ تَنْزِيلًا لَهُمَا لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِمَا مَعًا مَنْزِلَةَ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ الْجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إِنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى ; لِتَسْمِيَةِ قَائِلِهَا بِهَا حَامِدًا وَلَوْ كَانَتْ خَبَرِيَّةً مَعْنًى لَمْ يُسَمَّ إِلَّا مُخْبِرًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُشْتَقُّ لِلْمُخْبِرِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ إِذْ لَا يُقَالُ لِمَنْ قَالَ: الضَّرْبُ مُؤْلِمٌ: ضَارِبٌ، فَإِنْ قِيلَ: جَازَ أَنْ يُعَدَّ الشَّرْعُ الْمُخْبِرُ بِثُبُوتِ الْحَمْدِ لَهُ تَعَالَى حَامِدًا أُجِيبَ: فَإِنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. وَاللَّامُ لِلِاسْتِغْرَاقِ أَيْ: كُلُّ حَمْدٍ صَدَرَ مِنْ كُلِّ حَامِدٍ، فَهُوَ ثَابِتٌ لِلَّهِ، أَوْ لِلْجِنْسِ، وَيُسْتَفَادُ الْعُمُومُ مِنْ لَامِ الِاخْتِصَاصِ. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ: فَجَمِيعُ أَفْرَادِ الْحَمْدِ مُخْتَصٌّ لَهُ تَعَالَى حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ قَدْ يُوجَدُ بَعْضُهَا لِغَيْرِهِ صُورَةً، أَوِ الْحَمْدُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ، أَوِ الْمَفْعُولِ أَيْ: الْحَامِدَيَّةُ، وَالْمَحْمُودِيَّةُ ثَابِتَانِ لَهُ تَعَالَى، فَهُوَ الْحَامِدُ، وَهُوَ الْمَحْمُودُ، أَوْ لِلْعَهْدِ فَإِنَّ حَمْدَهُ لَائِقٌ لَهُ، وَلِذَا أَظْهَرَ الْعَجْزَ أَحْمَدُ الْخَلْقِ عَنْ حَمْدِهِ وَقَالَ: («لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ») .
(نَحْمَدُهُ): اسْتِئْنَافٌ فَأَوَّلًا: أَثْبَتَ الْحَمْدَ لَهُ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الثُّبُوتِ وَالدَّوَامِ، سَوَاءٌ حَمِدَ، أَوْ لَمْ يَحْمَدْ، فَهُوَ إِخْبَارٌ مُتَضَمِّنٌ لِلْإِنْشَاءِ. وَثَانِيًا: أَخْبَرَ عَنْ حَمْدِهِ وَحَمْدِ غَيْرِهِ مَعَهُ بِالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ الَّتِي لِلتَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ بِحَسَبِ تَجَدُّدِ النَّعْمَاءِ وَتَعَدُّدِ الْآلَاءِ وَحُدُوثِهَا فِي الْآنَاءِ، أَوِ الْمُرَادُ نَشْكُرُهُ إِمَّا مُطْلَقًا، أَوْ عَلَى تَوْفِيقِ الْحَمْدِ سَابِقًا. (وَنَسْتَعِينُهُ) أَيْ: فِي الْحَمْدِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، أَوِ الْأُخْرَوِيَّةِ، فَيَكُونُ تَبَرِّيًا مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ النَّفْسِيَّةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى رَدِّ الْقَدَرِيَّةِ كَمَا أَنَّ فِيمَا قَبْلَهُ رَدًّا عَلَى الْجَبْرِيَّةِ، وَلَمْ يَقُلْ: وَإِيَّاهُ نَسْتَعِينُ ; لِأَنَّ مَقَامَ الِاخْتِصَاصِ لَا يُدْرِكُهُ إِلَّا الْخَوَاصُّ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: لَوْلَا وُجُوبُ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ لَمَا قَرَأْتُهَا لِعَدَمِ صِدْقِي فِيهَا.
(وَنَسْتَغْفِرُهُ) أَيْ: مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَالتَّقْصِيرَاتِ وَلَوْ فِي الْحَمْدِ وَالِاسْتِعَانَةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ (وَنَعُوذُ بِاللَّهِ) أَيْ: نَلْتَجِئُ وَنَعْتَصِمُ بِعَوْنِهِ وَحِفْظِهِ (مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا) أَيْ: مِنْ ظُهُورِ السَّيِّئَاتِ الْبَاطِنِيَّةِ الَّتِي جُبِلَتِ الْأَنْفُسُ عَلَيْهَا
قِيلَ: مِنْهَا الْحَمْدُ مَعَ الرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ وَكَذَا مَعَ إِثْبَاتِ الْحَوْلِ، وَالْقُوَّةِ (وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا) أَيْ: مِنْ مُبَاشَرَةِ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْهَا، وَفِيهِ اعْتِرَافٌ بِأَنَّ الْبَوَاطِنَ وَالظَّوَاهِرَ مَمْلُوءَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ وَمَحْشُوَّةٌ مِنَ الذُّنُوبِ، وَلِذَا قِيلَ: وَجُودُكَ ذَنْبٌ لَا يُقَاسُ بِهِ ذَنْبٌ. قِيلَ: مِنْهَا التَّصْنِيفُ بِلَا إِخْلَاصٍ وَعَدَمُ رُؤْيَةِ التَّوْفِيقِ وَالِاخْتِصَاصِ، وَلَوْلَا حِفْظُهُ تَعَالَى مَعَ تَوْفِيقِهِ لَمَا اسْتَقَامَ أَحَدٌ عَلَى طَرِيقِهِ، لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا (مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ) أَيْ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ هِدَايَتَهُ الْمُوَصِّلَةَ إِلَيْهِ وَعِنَايَتَهُ الْمُقَرِّبَةِ لَدَيْهِ. (فَلَا مُضِلَّ لَهُ) أَيْ: فَلَا أَحَدَ يَقْدِرُ عَلَى إِضْلَالِهِ مِنَ الْمُضِلِّينَ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ، وَالْجِنِّ أَجْمَعِينَ، (وَمَنْ يُضْلِلْ) أَيْ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ جَهَالَتَهُ وَعَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْحَقِّ ضَلَالَتَهُ (فَلَا هَادِيَ لَهُ) أَيْ: فَلَا أَحَدَ يَقْدِرُ عَلَى هِدَايَتِهِ مِنَ الْهَادِينَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْمُرْسَلِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] وَفِيهِ إِيذَانٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ وَلَيْسَ لِمَا سِوَاهُ إِلَّا مَا قَدَّرَ بِهِ وَقَضَاهُ مِنَ الْكَسْبِ وَالِاخْتِيَارِ، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ، وَلِظُهُورِ قُصُورِ عُقُولِنَا الْفَانِيَةِ عَنْ إِدْرَاكِ أَسْرَارِ الْحِكَمِ الْبَالِغَةِ الْبَاقِيَةِ، قَالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ -: «لَا يَظْهَرُ سِرُّ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ إِلَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ». ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الضَّمِيرَ الْبَارِزَ ثَابِتٌ فِي (يَهْدِهِ)، وَأَمَّا فِي (يُضْلِلْ) فَغَيْرُ مَوْجُودٍ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَهُوَ عَمَلٌ بِالْجَائِزَيْنِ، وَالْأَوَّلُ أَصْلٌ وَفِيهِ وَصْلٌ، وَالثَّانِي فَرْعٌ وَفِيهِ فَصْلٌ، وَفِيهِ نُكْتَةٌ أُخْرَى لَا تَخْفَى عَلَى أَرْبَابِ الصَّفَا (وَأَشْهَدُ) أَيْ: أَعْلَمُ وَأُبَيِّنُ (أَنْ لَا إِلَهَ) أَيْ: مَعْبُودَ، أَوْ لَا مَقْصُودَ، أَوْ لَا مَوْجُودَ فِي نَظَرِ أَرْبَابِ الشُّهُودِ (إِلَّا اللَّهُ) أَيِ: الذَّاتُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ صَاحِبُ الْكَرَمِ وَالْجُودِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَفْرَدَ الضَّمِيرَ فِي مَقَامِ التَّوْحِيدِ؛ لِأَنَّهُ إِسْقَاطُ الْحُدُوثِ وَإِثْبَاتُ الْقِدَمِ، فَأَشَارَ أَوَّلًا إِلَى التَّفْرِقَةِ وَثَانِيًا إِلَى الْجَمْعِ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْأَفْعَالَ الْمُتَقَدِّمَةَ أُمُورٌ ظَاهِرِيَّةٌ يُحْكَمُ بِوُجُودِهَا عَلَى الْغَيْرِ أَيْضًا بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ قَلْبِيٌّ غَيْبِيٌّ لَا يَعْلَمُ بِحَقِيقَتِهِ إِلَّا هُوَ (شَهَادَةً): مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَوْصُوفٌ بِقَوْلِهِ: (تَكُونُ) أَيْ: بِخُلُوصِهَا (لِلنَّجَاةِ) أَيِ: الْخَلَاصِ مِنَ الْعَذَابِ فِي الدَّارَيْنِ عَلَى تَقْدِيرِ الِاكْتِفَاءِ بِهَا (وَسِيلَةً) أَيْ: سَبَبًا لَا عِلَّةً (وَلِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ) أَيِ: الْعَالِيَاتِ فِي الْجَنَّاتِ الْبَاقِيَاتِ (كَفِيلَةً) أَيْ: مُتَضَمِّنَةً مُلْتَزِمَةً. وَالْمَعْنَى: أَنَّ الشَّهَادَةَ إِذَا تَكَرَّرَتْ وَأَنْتَجَتِ ارْتِكَابَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَاجْتِنَابَ الْأَفْعَالِ الطَّالِحَةِ، صَارَتْ سَبَبًا لِعُلُوِّ الدَّرَجَاتِ، وَكَانَتْ مَانِعَةً عَنِ الْوُقُوعِ فِي الدَّرَكَاتِ، وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ انْدَفَعَ مَا يُرَدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ بِالْإِيمَانِ وَرَفْعَ الدَّرَجَاتِ بِالْأَعْمَالِ، وَلِكَوْنِ التَّوْفِيقِ عَلَى هَذَا السَّبَبِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ ﵊: ««لَنْ يُنَجَّى مِنْكُمْ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»». (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا): هُوَ فِي الْأَصْلِ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ حَمِدَ مُبَالَغَةَ حَمْدٍ نُقِلَ مِنَ الْوَصْفَيَّةِ إِلَى الِاسْمِيَّةِ، سُمِّيَ بِهِ، وَالْأَسْمَاءُ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ لِوُصُولِهِ إِلَى الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَحْمَدُهُ الْأَوَّلُونَ، وَالْآخِرُونَ (عَبْدُهُ): إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ وَتَخْصِيصٍ إِشَارَةً إِلَى كَمَالِ مَرْتَبَتِهِ فِي مَقَامِ الْعُبُودِيَّةِ بِالْقِيَامِ فِي أَدَاءِ حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ ; وَقَدَّمَهُ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ أَوْصَافِهِ
وَأَعْلَاهَا وَأَفْضَلُهَا وَأَغْلَاهَا، وَلِذَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذَا الْوَصْفِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ فَقَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] وَللَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ... فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِيَا
وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْقَاضِي عِيَاضٍ:
وَمِمَّا زَادَنِي عَجَبًا وَتِيهًا ... وَكِدْتُ بِأَخْمَصِي أَطَأُ الثُّرَيَّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ يَا عِبَادِي ... وَأَنْ صَيَّرْتَ أَحْمَدَ لِي نَبِيًّا
(وَرَسُولُهُ): إِشَارَةً إِلَى أَنَّ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْقُرْبِ، وَأَوْلَى مَنَازِلِ الْحُبِّ، وَهُوَ الْفَرْدُ الْأَكْمَلُ، وَالْوَاصِلُ إِلَى الْمَقَامِ الْأَفْضَلِ، وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ تَعْرِيضٌ لِلنَّصَارَى حَيْثُ غَلَوْا فِي دِينِهِمْ، وَأَطْرَوْا فِي مَدْحِ نَبِيِّهِمْ. ثُمَّ قِيلَ: النَّبِيُّ، وَالرَّسُولُ مُتَرَادِفَانِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّ النَّبِيَّ إِنْسَانٌ ذَكَرٌ حُرٌّ مِنْ بَنِي آدَمَ، أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ، فَإِنْ أُمِرَ بِهِ فَرَسُولٌ أَيْضًا، الثَّانِي أَعَمُّ مِنَ الْأَوَّلِ، فَكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ، وَلَا عَكْسَ، وَذِكْرُ الْأَخَصِّ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَصُّ عَلَى مَعْنَى الْمَرَامِ. (الَّذِي بَعَثَهُ) أَيِ: اللَّهُ، كَمَا فِي نُسْخَةٍ أَيْ: أَرْسَلَهُ إِلَى الثَّقَلَيْنِ. وَقِيلَ: إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَيْضًا.
وَقِيلَ: إِلَى سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ. وَقِيلَ: إِلَى جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ مُسْلِمٍ («وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً») . (وَطُرُقُ الْإِيمَانِ): مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْكُتُبِ، وَالْعُلَمَاءِ. (قَدْ عَفَتْ آثَارُهَا) أَيِ: انْدَرَسَتْ أَخْبَارُهَا، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُ وَأَظْهَرَهُ فِي حَالِ كَمَالِ احْتِيَاجِ النَّاسِ إِلَيْهِ ﵊ ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي غَايَةٍ مِنَ الضَّلَالَةِ وَغَايَةٍ مِنَ الْجَهَالَةِ ; إِذْ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَنْ يَعْرِفُهَا إِلَّا أَفْرَادٌ مِنْ أَتْبَاعِ عِيسَى ﵊ اسْتَوْطَنُوا زَوَايَا الْخُمُولِ وَرُءُوسَ الْجِبَالِ، وَآثَرُوا الْوَحْدَةَ، وَالْأُفُولَ عَنِ الْخَلْقِ بِالِاعْتِزَالِ. (وَخَبَتْ أَنْوَارُهَا) أَيْ: خَفِيَتْ وَانْطَفَأَتْ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ اقْتِبَاسُ الْعِلْمِ الْمُشَبَّهِ بِالنُّورِ فِي كَمَالِ الظُّهُورِ. (وَوَهَتْ) أَيْ: ضَعُفَتْ حَتَّى انْعَدَمَتْ (أَرْكَانُهَا): مِنْ أَسَاسِ التَّوْحِيدِ، وَالنُّبُوَّةِ، وَالْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ، وَالْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ الصَّلَوَاتُ، وَالزَّكَوَاتُ، وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ. (وَجُهِلَ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (مَكَانُهَا): مُبَالَغَةً فِي ظُهُورِ ظُلْمَةِ الْجَهْلِ، وَغَلَبَةِ الْفِسْقِ، وَكَثْرَةِ الظُّلْمِ، وَقِلَّةِ الْعَدْلِ (فَشَيَّدَ) أَيْ: رَفَعَ وَأَعْلَى وَأَظْهَرَ، وَقَوَّى بِمَا أُعْطِيَهُ مِنَ الْعُلُومِ، وَالْمَعَارِفِ الَّتِي لَمْ يُؤْتَهَا أَحَدٌ مِثْلُهُ فِيمَا مَضَى. (صَلَوَاتُ اللَّهِ) أَيْ: أَنْوَاعُ رَحْمَتِهِ، وَأَصْنَافُ عِنَايَتِهِ نَازِلَةٌ (عَلَيْهِ)، وَفَائِضَةٌ لَدَيْهِ، وَمُتَوَجِّهَةٌ إِلَيْهِ. وَفِي نُسْخَةٍ مَنْسُوبَةٍ إِلَى السَّيِّدِ عَفِيفِ الدِّينِ: زِيَادَةُ. (وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ): يَعْنِي جِنْسَ السَّلَامَةِ مِنْ كُلِّ آفَةٍ فِي الدَّارَيْنِ، وَهِيَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ إِخْبَارِيَّةٌ، أَوْ دُعَائِيَّةٌ، وَهِيَ الْأَظْهَرُ (مِنْ مَعَالِمِهَا) جَمْعُ الْمَعْلَمِ، وَهُوَ الْعَلَامَةُ (مَا عَفَا): مَا: مَوْصُولَةٌ، أَوْ مَوْصُوفَةٌ مَفْعُولُ شَيَّدَ، وَمِنْ: بَيَانِيَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ. وَالْمَعْنَى: أَظْهَرَ، وَبَيَّنَ مَا انْدَرَسَ، وَخَفِيَ مِنْ آثَارِ طُرُقِ الْإِيمَانِ، وَعَلَامَاتِ أَسْبَابِ الْعِرْفَانِ، وَالْإِيقَانِ، (وَشَفَى): عَطْفٌ عَلَى شَيَّدَ (مِنَ الْعِلَلِ): بَيَانٌ مُقَدَّمٌ لِمِنَ رِعَايَةً لِلسَّجْعِ (فِي تَأْيِيدِ التَّوْحِيدِ) أَيْ: تَأْكِيدُهُ، وَتَقْوِيَتُهُ، وَنُصْرَتُهُ، وَإِعَانَتُهُ مُتَعَلِّقٌ
بِشَفَى، وَمَفْعُولُهُ قَوْلُهُ: (مَنْ كَانَ عَلَى شَفَا) أَيْ: وَخَلَّصَ مَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي حُفْرَةِ الْجَحِيمِ، وَالسُّقُوطِ فِي بِئْرِ الْحَمِيمِ إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] أَيْ: طَرَفِ ﴿حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وَقِيلَ: مِنْ لِلتَّبْعِيضِ أَيْ: أَبْرَأَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعْلُولِينَ مَنْ كَانَ عَلَى إِشْرَافٍ مِنَ الْهَلَاكِ، إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ طَبِيبُ الْعُيُوبِ، وَحَبِيبُ الْقُلُوبِ. وَفِي الْكَلَامِ صَنْعَةُ جِنَاسٍ: وَهُوَ تَشَابُهُ الْكَلِمَتَيْنِ لَفْظًا، وَصَنْعَةُ طِبَاقٍ: وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَغْرَبَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ حَيْثُ قَالَ: وَالْعَلِيلُ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا، وَجَمِيعِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، وَيَكُونُ مِنَ الْغِلِّ بِمَعْنَى الْحِقْدِ، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ: إِمَّا لَفْظًا: فَلِفَوَتِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الشِّفَاءِ، وَالْعِلَّةِ، وَإِمَّا مَعْنًى: فَلِذَهَابِ عُمُومِ الْعِلَلِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ جِنْسِ الْعَلِيلِ وَاقْتِصَارِهِ عَلَى عِلَّةِ الْحِقْدِ فَقَطْ مَعَ عَدَمِ مُلَاءَمَتِهِ لِلْمَقَامِ (وَأَوْضَحَ سَبِيلَ الْهِدَايَةِ) أَيْ: بَيَّنَ، وَعَيَّنَ طَرِيقَ الِاهْتِدَاءِ إِلَى الْمَطْلُوبِ، وَسَبِيلَ الْوُصُولِ إِلَى الْمَحْبُوبِ. (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْلُكَهَا): وَالسَّبِيلُ يُذَكَّرُ، وَيُؤَنَّثُ أَيْ: لِمَنْ طَلَبَ، وَشَاءَ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا، وَإِرَادَةُ الْعَبْدِ تَابِعَةٌ لِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ (وَأَظْهَرَ كُنُوزَ السَّعَادَةِ) أَيِ: الْمَعْنَوِيَّةَ، وَهِيَ الْمَعَارِفُ، وَالْعُلُومُ، وَالْأَعْمَالُ الْعَلِيَّةُ، وَالْأَخْلَاقُ، وَالشَّمَائِلُ، وَالْأَحْوَالُ الْبَهِيَّةُ الْمُؤَدِّيَةُ إِلَى الْكُنُوزِ الْأَبَدِيَّةِ، وَالْخَزَائِنِ السَّرْمَدِيَّةِ. (لِمَنْ قَصَدَ أَنْ يَمْلِكَهَا) أَيْ: بِمَلَكَةٍ يَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى مِلْكِهَا، وَيَتَوَسَّلُ بِهَا إِلَى مِلْكِهَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا﴾ [الإنسان: ٢٠] أَيْ: كَثِيرًا ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] وَفِي قَوْلِهِ أَرَادَ وَقَصَدَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ لَا بُدَّ مِنَ السَّعْيِ، وَلَا يَحْصُلُ بِالسَّعْيِ، وَوَجْهُ التَّخْصِيصِ أَنَّهُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِالْإِيضَاحِ، وَالْإِظْهَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ثُمَّ قِيلَ: يُرَدُّ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى النُّسْخَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالصَّلَاةِ دُونَ السَّلَامِ - مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ مِنْ كَرَاهَةِ إِفْرَادِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ فِيمَنِ اتَّخَذَهُ عَادَةً، وَهُوَ ظَاهِرٌ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِلِسَانِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى كِتَابَةِ أَحَدِهِمَا، وَهَذَا بَعِيدٌ، أَوِ الْكَرَاهَةُ بِمَعْنَى خِلَافِ الْأَوْلَى لِإِطْلَاقِهَا عَلَيْهِ كَثِيرًا، وَهُوَ الْأَوْلَى.
(أَمَّا بَعْدُ): أَتَى بِهِ اقْتِدَاءً بِهِ ﵊، وَبِأَصْحَابِهِ ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَأْتُونَ بِهِ فِي خُطَبِهِمْ لِلِانْتِقَالِ مِنْ أُسْلُوبٍ إِلَى آخَرَ، وَيُسَمَّى فَصْلَ الْخِطَابَ قِيلَ: أَوَّلُ مَنْ قَالَ بِهِ دَاوُدُ ﵊، وَأَمَّا لِتَفْصِيلِ الْمُجْمَلِ، وَهُوَ كَلِمَةُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ فِعْلُهُ، وُجُوبًا، (وَبَعْدُ) مِنَ الظُّرُوفِ الزَّمَانِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّرْطِ الْمَحْذُوفِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ، لِقَطْعِهِ عَنِ الْإِضَافَةِ، وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ مَنْوِيٌّ. وَالتَّقْدِيرُ: مَهْمَا يُذْكَرُ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ بَعْدَمَا ذُكِرَ مِنَ الْبَسْمَلَةِ، وَالْحَمْدَلَةِ، وَالصَّلَاةِ، وَالثَّنَاءِ (فَإِنَّ التَّمَسُّكَ بِهَدْيِهِ) أَيِ: التَّشَبُّثَ، وَالتَّعَلُّقَ طَرِيقُهُ ﵊ (لَا يَسْتَتِبُّ): بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: لَا يَسْتَقِيمُ، وَلَا يَسْتَمِرُّ، أَوْ لَا يَتَهَيَّأُ، وَلَا يَتَأَتَّى. (إِلَّا بِالِاقْتِفَاءِ) أَيْ: بِالِاتِّبَاعِ التَّامِّ (لِمَا صَدَرَ) أَيْ: ظَهَرَ (مِنْ مِشْكَاتِهِ) أَيْ: صَدْرِهِ، أَوْ قَلْبِهِ، أَوْ فَمِهِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ; فَإِنَّ الْمِشْكَاةَ لُغَةٌ: هِيَ الْكُوَّةُ فِي الْجِدَارِ الْغَيْرِ النَّافِذِ يُوضَعُ فِيهَا الْمِصْبَاحُ، اسْتُعِيرَتْ لِصَدْرِهِ ﵊ ; لِأَنَّهُ كَالْكُوَّةِ ذُو جِهَتَيْنِ فَمِنْ جِهَةٍ يُقْتَبَسُ النُّورُ مِنَ الْقَلْبِ الْمُسْتَنِيرِ، وَمِنْ أُخْرَى يَفِيضُ ذَلِكَ النُّورُ الْمُقْتَبَسُ عَلَى الْخَلْقِ، وَشُبِّهَتِ اللَّطِيفَةُ الْقُدُسِيَّةُ الَّتِي هِيَ الْقَلْبُ بِالْمِصْبَاحِ الْمُضِيءِ، ثُمَّ الْكُلُّ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور: ٣٥] قِيلَ: نُورُ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]، هَذَا
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ فِي (هَدْيِهِ) إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُرَادُ بِهَدْيِهِ تَوْحِيدُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ عَطْفُ قَوْلِهِ الْآتِي: (وَالِاعْتِصَامُ بِحَبْلِ اللَّهِ) عَلَيْهِ، غَايَتُهُ أَنَّهُ، وُضِعَ الظَّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ دَفْعًا لِلتَّوَهُّمِ، وَتَبَعًا لِلْوَارِدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٣] وَعُكِسَ فِي الْأَوَّلِ ; لِظُهُورِهِ، وَدَلَالَةِ الْمَقَامِ عَلَيْهِ، فَلَوْ بُيِّنَ الضَّمِيرُ بِالتَّصْرِيحِ لَكَانَ أَوْلَى سِيَّمَا مَعَ وُجُودِ الْفَصْلِ بِفَصْلِ الْخِطَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (وَالِاعْتِصَامَ) بِالنَّصْبِ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ أَيْ: التَّمَسُّكُ (بِحَبْلِ اللَّهِ): وَهُوَ الْقُرْآنُ: لِمَا وَرَدَ: («الْقُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ الْمَمْدُودُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ») شُبِّهَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى الْمَقْصُودِ، وَيَحْصُلُ بِهِ الصُّعُودُ إِلَى مَرَاتِبِ السُّعُودِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّعَلِّي، وَالتَّدَلِّي، لِذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ ««الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ، أَوْ عَلَيْكَ»»، فَهُوَ كَالنِّيلِ مَاءٌ لِلْمَحْبُوبِينَ، وَدِمَاءٌ لِلْمَحْجُوبِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] (لَا يَتِمُّ) أَيْ: لَا يَكْمُلُ الِاعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ (إِلَّا بِبَيَانِ كَشْفِهِ) أَيْ: مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وَلَا خَفَاءَ فِي الْإِجْمَالَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَالتَّبْيِينَاتِ الْحَدِيثَيَّةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مُجْمَلَةٌ لَمْ يُبَيِّنْ أَوْقَاتَهَا، وَأَعْدَادَهَا، وَأَرْكَانَهَا، وَشَرَائِطَهَا، وَوَاجِبَاتِهَا، وَسُنَنَهَا، وَمَكْرُوهَاتِهَا، وَمُفْسِدَاتِهَا إِلَّا السُّنَّةُ، وَكَذَا الزَّكَاةُ لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُهَا، وَتَفَاصِيلُ نِصَابِهَا، وَمَصَارِفِهَا إِلَّا بِالْحَدِيثِ، وَكَذَا الصَّوْمُ، وَالْحَجُّ، وَسَائِرُ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْقَضَايَا، وَالْأَحْكَامِ الدِّينِيَّةِ، وَتَمْيِيزُ الْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ، وَتَفَاصِيلُ الْأَحْوَالِ الْأُخْرَوِيَّةِ، فَعَلَيْكَ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَبِالِاجْتِنَابِ عَنْ طَرِيقِ أَرْبَابِ الْهَوَى، وَأَصْحَابِ الْبِدْعَةِ ; لِتَكُونَ مِنَ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ السَّالِكَةِ طَرِيقَ الْمُتَابَعَةِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِقَامَةِ. وَللَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
كُلُّ الْعُلُومِ سِوَى الْقُرْآنِ مَشْغَلَةٌ ... إِلَّا الْحَدِيثَ، وَإِلَّا الْفِقْهَ فِي الدِّينِ
الْعِلْمُ مُتَّبَعٌ مَا فِيهِ حَدَّثَنَا ... وَمَا سِوَى ذَاكَ وَسْوَاسُ الشَّيَاطِينِ
وَمَا قَالَهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ مِنْ أَنَّ (حَدَّثَنَا) بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الدُّنْيَا مُرَادُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ مَرْضَاةَ الْمَوْلَى، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمُحَدِّثِينَ: طَلَبْنَا الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَأَبَى أَنْ يَكُونَ إِلَّا لِلَّهِ. وَقِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: إِلَى مَتَى الْعِلْمُ فَأَيْنَ الْعَمَلُ؟ ! قَالَ: عِلْمُنَا هَذَا هُوَ الْعَمَلُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - «أَنَّهُ ﵊ خَرَجَ يَوْمًا مِنَ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمْ خُلَفَائِي». قُلْنَا: مَنْ خُلَفَاؤُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: خُلَفَائِي الَّذِينَ يَرْوُونَ أَحَادِيثِي، وَسُنَنِي، وَيُعَلِّمُونَهَا لِلنَّاسِ» . وَفَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ ارْتَحَلَ مِنَ الْمَدِينَةِ مَسَافَةَ شَهْرٍ لِتَحْصِيلِ حَدِيثٍ وَاحِدٍ. (وَكَانَ كِتَابُ الْمَصَابِيحِ): قِيلَ: أَحَادِيثُهُ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، وَزَادَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَأَحَدَ عَشَرَ حَدِيثًا فَالْمَجْمُوعُ خَمْسَةُ آلَافٍ وَتِسْعُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ
وَأَرْبَعُونَ، وَيَنْضَبِطُ بِسِتَّةِ آلَافٍ إِلَّا كَسْرَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ (الَّذِي صَنَّفَهُ) أَيْ: أَلَّفَهُ، وَجَمَعَهُ (الْإِمَامُ) أَيِ: الْمُقْتَدَى بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فَإِنَّهُ كَانَ مُفَسِّرًا مُحَدِّثًا فَقِيهًا مِنْ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ. قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَيْسَ لَهُ قَوْلٌ سَاقِطٌ، وَكَانَ مَاهِرًا فِي عِلْمِ الْقِرَاءَةِ عَابِدًا زَاهِدًا جَامِعًا بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ، كَانَ يَأْكُلُ الْخُبْزَ وَحْدَهُ بِلَا إِدَامٍ فَعُلَّ عَنْ ذَلِكَ لِكِبَرِهِ، وَعَجْزِهِ فَصَارَ يَأْكُلُهُ بِالزَّيْتِ. وَقِيلَ بِالزَّبِيبِ. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَكَابِرِ كَالْحَافِظِ أَبِي مُوسَى الْمَدِينِيِّ، وَالشَّيْخِ أَبِي النَّجِيبِ السُّهْرُوَرْدِيِّ عَمِّ صَاحَبِ الْعَوَارِفِ، وَلَهُ غَيْرُ الْمَصَابِيحِ تَصَانِيفُ مَشْهُورَةٌ كَشَرْحِ السُّنَّةِ فِي الْحَدِيثِ، وَكِتَابِ التَّهْذِيبِ فِي الْفِقْهِ، وَمَعَالِمِ التَّنْزِيلِ فِي التَّفْسِيرِ.
(مُحْيِي السُّنَّةِ) أَيِ: الْأَدِلَّةِ الْحَدِيثَيَّةِ مِنْ أَقْوَالِهِ، وَأَفْعَالِهِ، وَتَقْرِيرِهِ، وَأَحْوَالِهِ ﷺ. رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا جَمَعَ كِتَابَهُ الْمُسَمَّى بِشَرْحِ السُّنَّةِ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لَهُ (أَحْيَاكَ اللَّهُ كَمَا أَحْيَيْتَ سُنَّتِي) فَصَارَ هَذَا اللَّقَبُ عَلَمًا لَهُ بِطَرِيقِ الْغَلَبَةِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ بِمَرْوَ، وَدُفِنَ عِنْدَ شَيْخِهِ، وَأُسْتَاذِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ الْمَرْوَزِيِّ فَقِيهِ خُرَاسَانَ (قَامِعُ الْبِدْعَةِ) أَيْ: قَاطِعُهَا، وَدَافِعُ أَهْلِهَا، أَوْ مُبْطِلُهَا، وَمُمِيتُهَا. (أَبُو مُحَمَّدٍ) كُنْيَتُهُ، (الْحُسَيْنُ) اسْمُهُ، وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ (ابْنُ مَسْعُودٍ): نَعْتُهُ (الْفَرَّاءِ): بِالْجَرِّ نَعْتٌ لِأَبِيهِ، وَهُوَ الَّذِي يَشْتَغِلُ الْفَرْوَ، أَوْ يَبِيعُهُ، وَهُوَ غَيْرُ الْفَرَّاءِ النَّحْوِيِّ الْمَشْهُورِ عَلَى مَا تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ ; فَإِنَّهُ يَنْقُلُ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِهِ (الْبَغَوِيُّ): بِالرَّفْعِ، وَيَجُوزُ جَرُّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى بَغَّ، وَقِيلَ: إِلَى بَغْشُورَ: قَرْيَةٌ بَيْنَ مَرْوَ وَهَرَاةَ فِي حُدُودِ خُرَاسَانَ، وَالِاسْمُ الْمُرَكَّبُ تَرْكِيبًا مَزْجِيًا يُنْسَبُ إِلَى جُزْئِهِ الْأَوَّلِ كَمَعَدِّيٍّ فِي مَعْدِي كَرِبَ، وَبَعْلِيٍّ فِي بَعْلَبَكَّ، وَإِنَّمَا جَاءَتِ الْوَاوُ فِي النِّسْبَةِ إِجْرَاءً لِلَفْظَةِ بَغَّ مَجْرَى مَحْذُوفِ الْعَجُزِ كَالدَّمَوِيِّ، وَلِئَلَّا يَلْتَبِسُ بِالْبَغِيِّ بِمَعْنَى الزَّانِي، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَنْسُوبٌ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ (رَفَعَ اللَّهُ دَرَجَتَهُ): وَأَسْبَغَ عَلَيْهِ رَحْمَتَهُ، وَالْجُمْلَةُ دِعَائِيَّةٌ إِيمَاءً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]- (أَجْمَعَ كِتَابٍ) خَبَرُ كَانَ (صُنِّفَ) أَيْ: ذَلِكَ الْكِتَابُ (فِي بَابِهِ) أَيْ: فِي بَابِ الْحَدِيثِ ; فَإِنَّهُ جَمَعَ الْأَحَادِيثَ الْمُهِمَّةَ الَّتِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا سَالِكُ طَرِيقِ الْآخِرَةِ، وَلَوْ كَانَ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَى تَرْتِيبِ أَبْوَابِ الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ ; لِيَسْهُلَ الْكَشْفُ، وَيُفَسِّرُ بَعْضُ الْأَحَادِيثِ بَعْضَهَا الْإِجْمَالِيَّةَ، وَتَتَبَيَّنُ الْمَسَائِلُ الْخِلَافِيَّةُ بِمُقْتَضَى الدَّلَالَاتِ الْحَدِيثَيَّةِ. (وَأَضْبَطَ): عَطْفٌ عَلَى أَجْمَعَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جُرِّدَ عَنِ الْأَسَانِيدِ، وَعَنِ اخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ، وَتَكْرَارِهَا فِي الْمَسَانِيدِ صَارَ أَقْرَبَ إِلَى الْحِفْظِ، وَالضَّبْطِ، وَأَبْعَدَ مِنَ الْغَلَطِ، وَالْخَبْطِ (لِشَوَارِدِ الْأَحَادِيثِ): جَمْعُ شَارِدَةٍ، وَهِيَ النَّافِرَةُ، وَالذَّاهِبَةُ عَنِ الدَّرْكِ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ (وَأَوَابِدِهَا): عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَيْ: وَحْشِيَّاتُهَا ; شُبِّهَتِ الْأَحَادِيثُ بِالْوُحُوشِ لِسُرْعَةِ تَنَفُّرِهَا، وَتَبَعُّدِهَا عَنِ الضَّبْطِ، وَالْحِفْظِ ; وَلِذَا قِيلَ: الْعِلْمُ صَيْدٌ، وَالْكِتَابَةُ قَيْدٌ (وَلَمَّا سَلَكَ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ ﵁: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ دَعَائِيَّةٌ أَيْ: ذَهَبَ فِي مَسْلَكِ تَصْنِيفِهِ هَذَا (طَرِيقَ الِاخْتِصَارِ) أَيْ: بِالِاكْتِفَاءِ عَلَى مُتُونِ الْأَحَادِيثِ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِصَارِ (وَحَذْفِ الْأَسَانِيدِ): عَطْفٌ عَلَى سَلَكَ، وَقِيلَ: مَصْدَرٌ مُضَافٌ عُطِفَ عَلَى طَرِيقٍ، وَهُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَالْمُرَادُ بِالْإِسْنَادِ: إِمَّا حَذْفُ الصَّحَابِيِّ، وَتَرْكُ الْمُخْرِجِ فِي كُلِّ حَدِيثٍ، وَهُوَ مَجَازٌ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ، أَيْ: طَرَفَيِ الْإِسْنَادِ، وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ ظَاهِرًا مِنْ قَوْلِهِ: (لَكِنْ لَيْسَ مَا فِيهِ أَعْلَامٌ كَالْأَغْفَالِ)، وَأَمَّا مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ عِنْدَ مُصْطَلَحِ أَهْلِ الْحَدِيثِ: وَهُوَ حِكَايَةُ طَرِيقِ مَتْنِ الْحَدِيثِ بِحَيْثُ يُعْلَمُ رُوَاتُهُ، ثُمَّ إِنَّهُ إِنَّمَا حَذَفَهَا لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي ذِكْرِهَا ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا أَنْ يُعْلَمَ عِنْدَ التَّعَارُضِ رَاجِحُ الْحَدِيثِ مِنْ مَرْجُوحِهِ، وَنَاسِخُهُ مِنْ مَنْسُوخِهِ، بِسَبَبِ زِيَادَةِ عَدَالَةِ الرُّوَاةِ، وَتَقَدُّمِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا بُدَّ لِلْمُجْتَهِدِ مِنْهَا، وَلَمَّا عُدِمَ الْمُجْتَهِدُونَ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، وَنَدُرَ وُجُودُهُمْ فِي الْأَمْصَارِ، وَوَضَعَ هَذَا الْكِتَابِ لِلصُّلَحَاءِ
الْأَبْرَارِ لَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِهَا نَفْعٌ كَثِيرٌ ; فَاقْتَصَرَ عَلَى بَيَانِ الصِّحَّةِ، وَالْحُسْنِ إِجْمَالًا بِقَوْلِهِ مِنَ الصِّحَاحِ، وَالْحِسَانِ إِكْمَالًا (تَكَلَّمَ فِيهِ): جَوَابُ لَمَّا، أَيْ: طَعَنَ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِ كِتَابِهِ (بَعْضُ النُّقَّادِ): بِضَمِّ النُّونِ، وَتَشْدِيدِ الْقَافِ، أَيِ: الْعُلَمَاءِ النَّاقِدِينَ الْمُمَيِّزِينَ بَيْنَ الصَّحِيحِ، وَالضَّعِيفِ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ الطَّعْنَ فِي رِجَالِ الْحَدِيثِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِإِسْنَادِهِ، وَهُوَ لَا يَخْتَلِفُ بِذِكْرِهِ، وَعَدَمِ ذِكْرِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: هَذَا يُتَصَوَّرُ فِي بَعْضِ أَفْرَادِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ إِسْنَادَانِ، فَلَوْ ذَكَرَ لَهُ إِسْنَادَهُ الثَّابِتَ لَمَا وَجَدَ الطَّاعِنُ فِيهِ مَطْعَنًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ نَقْلُهُ. . .) إِلَخْ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَإِنْ كَانَ اعْتِرَاضُ ذَلِكَ الْبَعْضِ مَدْفُوعًا عَنْهُ لِكَوْنِهِ ثِقَةً، وَإِذَا نُسِبَ الْحَدِيثُ إِلَى الْأَئِمَّةِ الْمُخْرِجِينَ الْمُورِدِينَ لِلْحَدِيثِ مَعَ الْإِسْنَادِ بِقَوْلِهِ: الصِّحَاحُ: مَا فِيهِ حَدِيثُ الشَّيْخَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا، وَالْحَسَنُ: مَا فِيهِ أَحَادِيثُ سَائِرِ السُّنَنِ، فَهُوَ فِي حُكْمِ الْإِسْنَادِ. وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ أَيْ: تَكَلَّمَ فِي حَقِّهِ، وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُبْصِرِينَ بِأَنَّ صِحَّةَ الْحَدِيثِ، وَسَقَمَهُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْإِسْنَادِ، فَإِذَا لَمْ يُذْكُرْ لَمْ يُعْرَفِ الصَّحِيحُ مِنَ الضَّعِيفِ ; فَيَكُونُ نَقْصًا (وَإِنْ كَانَ نَقْلُهُ) أَيْ: نَقْلُ الْبَغَوَيِّ بِلَا إِسْنَادٍ، وَالْوَاوُ وَصْلَيَّةٌ (وَإِنَّهُ مِنَ الثِّقَاتِ) أَيِ: الْمُعْتَمَدِينَ فِي نَقْلِ الْحَدِيثِ، وَبَيَانِ صِحَّتِهِ، وَحُسْنِهِ، وَضَعْفِهِ (كَالْإِسْنَادِ) أَيْ: كَذِكْرِهِ، رُوِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فِي (إِنَّهُ) عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ فِي نَقْلِهِ، وَرُوِيَ: بِفَتْحِهَا لِلْعَطْفِ عَلَى اسْمِ كَانَ يَعْنِي نَقْلَهُ بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ، أَيْ: وَإِنْ كَانَ نَقْلُهُ وَكَوْنُهُ مِنَ الثِّقَاتِ كَالْإِسْنَادِ ; لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ مَنِ اشْتُهِرَتْ أَمَانَتُهُ، وَعُلِمَتْ عَدَالَتُهُ، وَصِيَانَتُهُ فَيُعَوَّلُ عَلَى نَقْلِهِ، وَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ إِسْنَادِ الشَّيْءِ لِمَحَلِّهِ (لَكِنْ لَيْسَ مَا فِيهِ أَعْلَامٌ): أَعْلَامُ الشَّيْءِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ آثَارُهُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا (كَالْأَغْفَالِ): بِالْفَتْحِ، وَهِيَ الْأَرَاضِي الْمَجْهُولَةُ لَيْسَ فِيهَا أَثَرٌ تُعْرَفُ بِهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فِيهِمَا فَهُمَا مَصْدَرَانِ لَفْظًا، وَضِدَّانِ مَعْنًى، وَأَرَادَ بِالْأَوَّلِ كِتَابَهُ الْمِشْكَاةَ، وَبِالثَّانِي الْمَصَابِيحَ، وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: لَكِنْ لَيْسَ مَا فِيهِ أَغْفَالٌ كَالْأَعْلَامِ، وَلَعَلَّهُ قَلَبَ الْكَلَامَ تَوَاضُعًا مَعَ الْإِمَامِ، وَهَضْمًا لِنَفْسِهِ عَنْ بُلُوغِ ذَلِكَ الْمَرَامِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ ادَّعَى أَنَّ فِي صَنِيعِ الْبَغَوِيِّ قُصُورًا فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ عَدَمُ ذِكْرِ الصَّحَابَةِ أَوَّلًا، وَعَدَمُ ذِكْرِ الْمُخْرِجِ فِي كُلِّ حَدِيثٍ آخِرًا، فَإِنَّ ذِكْرَهُمَا مُشْتَمِلٌ عَلَى فَوَائِدَ: أَمَّا ذِكْرُ الصَّحَابِيِّ فَفَائِدَتُهُ: أَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ يَتَعَدَّدُ رُوَاتُهُ، وَطُرُقُهُ، وَبَعْضُهَا صَحِيحٌ، وَبَعْضُهَا ضَعِيفٌ، فَيُذْكَرُ الصَّحَابِيُّ لِيُعْلَمَ ضَعِيفُ الْمَرْوِيِّ مِنْ صَحِيحِهِ، وَمِنْهَا: رُجْحَانُ الْخَبَرِ بِحَالِ الرَّاوِي مِنْ زِيَادَةِ فِقْهِهِ، وَوَرَعِهِ، وَمَعْرِفَةِ نَاسِخِهِ، وَمَنْسُوخِهِ بِتَقَدُّمِ إِسْلَامِ الرَّاوِي، وَتَأَخُّرِهِ، وَأَمَّا ذِكْرُ الْمُخْرِجِ فَفَائِدَتُهُ: تَعْيِينُ لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَتَبَيْيُنُ رِجَالِ إِسْنَادِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَمَعْرِفَةُ كَثْرَةِ الْمُخْرِجِينَ، وَقِلَّتِهِمْ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ، لِإِفَادَةِ التَّرْجِيحِ، وَزِيَادَةِ التَّصْحِيحِ، وَمِنْهَا: الْمُرَاجَعَةُ إِلَى الْأُصُولِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي الْفُصُولِ، وَغَيْرُهَا مِنَ الْمَنَافِعِ عِنْدَ أَرْبَابِ الْوُصُولِ. هَذَا، وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْمِشْكَاةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: (تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ النُّقَّادِ) أَيْ: تَكَلَّمَ فِيهِ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْحَذْفِ الَّذِي اسْتَلْزَمَ عِنْدَهُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْهُ بِمَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ بَعْضُ النُّقَّادِ كَالنَّوَوِيِّ، وَابْنِ الصَّلَاحِ، وَغَيْرِهِمَا، فَقَالُوا: مَا جَنَحَ إِلَيْهِ فِي مَصَابِيحِهِ مِنْ تَقْسِيمِ أَحَادِيثِهِ إِلَى صِحَاحٍ، وَحِسَانٍ مَعَ صَيْرُورَتِهِ إِلَى أَنَّ الصِّحَاحَ: مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا، أَوْ أَحَدِهِمَا، وَالْحِسَانَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ كَالنَّسَائِيِّ، وَالدَّارِمِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، اصْطِلَاحٌ لَا يُعْرَفُ، بَلْ هُوَ خِلَافُ الصَّوَابِ ; إِذِ الْحَسَنُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي كُتُبِ السُّنَنِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا غَيْرُ الْحَسَنِ مِنَ الصَّحِيحِ، وَالضَّعِيفِ، لَكِنِ انْتَصَرَ لَهُ الْمُؤَلِّفُ فَقَالَ: لَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ بَلْ تَخْطِئَةُ الْمَرْءِ فِي اصْطِلَاحِهِ بَعِيدَةٌ عَنِ الصَّوَابِ. وَالْبَغَوِيُّ قَدْ صَرَّحَ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: أَعْنِي بِالصِّحَاحِ كَذَا، وَبِالْحِسَانِ كَذَا، وَمَا قَالَ أَرَادَ الْمُحَدِّثُونَ بِهِمَا كَذَا فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ لِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَ خُصُوصًا، وَقَدْ قَالَ: وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ ضَعِيفٍ، أَوْ غَرِيبٍ أُشِيرُ إِلَيْهِ، وَأَعْرَضْتُ عَمَّا كَانَ مُنْكَرًا، أَوْ مَوْضُوعًا اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ حَمْلَ التَّكَمُّلِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَاسِبُهُ قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ نَقْلُهُ. . .) إِلَخْ، وَلَا يُلَائِمُهُ قَوْلُهُ: (لَكِنْ لَيْسَ مَا فِيهِ أَعْلَامٌ) إِذْ لَا يَصْلُحُ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا جَوَابًا، وَلَا الثَّانِي اسْتِدْرَاكًا صَوَابًا (فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى) أَيْ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] وَلِمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا:
««مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ، وَلَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ»»، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَعْلَمُ خَيْرَهُ مِنْ شَرِّهِ " قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] وَالْخَيْرُ أَجْمَعُ فِيمَا اخْتَارَ خَالِقُنَا. (وَاسْتَوْفَقْتُ مِنْهُ): بِتَقْدِيمِ الْفَاءِ عَلَى الْقَافِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، أَيْ: طَلَبْتُ مِنَ اللَّهِ التَّوْفِيقَ، وَعَلَى الِاسْتِقَامَةِ طَرِيقِ التَّوْثِيقِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْعَكْسِ، وَالْمَعْنَى: طَلَبْتُ الْوُقُوفَ عَلَى إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ، وَمَعْرِفَةِ الْمَعْرُوفِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمُثَلَّثَةِ، وَالْقَافِ أَيْ: طَلَبْتُ الْوُثُوقَ، وَالثُّبُوتَ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمَرْدُودِ، وَالْمَثْبُوتِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: أَخَذْتُ مِنَ الْمَصَابِيحِ مَا هُوَ الْوَثِيقَةُ الْمَقْصُودَةُ بِالذَّاتِ، وَهُوَ الْأَحَادِيثُ عُرْيَةً عَنْ وَسْمِهَا بِصِحَاحٍ، وَحِسَانٍ، (فَأَوْدَعْتُ كُلَّ حَدِيثٍ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْمِصْبَاحِ (فِي مَقَرِّهِ): كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ هَذِهِ الْفِقْرَةُ مَوْجُودَةٌ، وَالْمَعْنَى: وَضَعْتُ كُلَّ حَدِيثٍ مِنَ الْكِتَابِ فِي مَحَلِّهِ الْمَوْضُوعِ فِي أَصْلِهِ مَنْ كُلِّ كِتَابٍ، وَبَابٍ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمٍ، وَتَأْخِيرٍ، وَزِيَادَةٍ، وَنُقْصَانٍ، وَتَغْيِيرٍ (فَأَعْلَمْتُ) أَيْ: فَبَيَّنْتُ مَا (أَغْفُلُهُ) أَيْ: تَرَكَهُ بِلَا إِسْنَادٍ عَمْدًا مِنْ ذِكْرِ الصَّحَابِيِّ أَوَّلًا، وَبَيَانِ الْمُخْرِجِ آخِرًا بِخُصُوصِ كُلِّ حَدِيثٍ الْتِزَامًا. (كَمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ): جَمْعُ إِمَامٍ، وَأَصْلُهُ أَئِمَّةٌ عَلَى وَزْنِ أَفْعِلَةٍ فَأُعِلَّ بِالنَّقْلِ، وَالْإِدْغَامِ، وَيَجُوزُ تَحْقِيقُ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ، وَتَسْهِيلُهَا، وَإِبْدَالُهَا، وَالْمُرَادُ مِنْهُمْ هَاهُنَا أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ فِي كُلِّ زَمَانٍ مِنَ الْقَدِيمِ، وَالْحَدِيثِ (الْمُتْقِنُونَ) أَيِ: الضَّابِطُونَ الْحَافِظُونَ الْحَاذِقُونَ لِمَرْوِيَّاتِهِمْ مِنْ: أَتْقَنَ الْأَمْرَ إِذَا أَحْكَمَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] (وَالثِّقَاتُ): بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ جَمْعُ ثِقَةٍ، وَهُوَ الْعُدُولُ، وَالثَّبَاتُ. (الرَّاسِخُونَ) أَيِ: الثَّابِتُونَ بِمُحَافَظَةِ هَذَا الْعِلْمِ الشَّرِيفِ، وَالْقَائِمُونَ بِمُرَاعَاةِ طُرُقِ هَذَا الْفَنِّ الْمَنِيفِ. (مِثْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَبُوهُ كَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ، رَوَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَمَالِكٍ، وَصَحِبَ ابْنَ الْمُبَارَكِ، وَرَوَى عَنْهُ الْعِرَاقِيُّونَ. قَالَ: لَا أَعْلَمُ فِي جَمِيعِ مَالِي دِرْهَمًا مِنْ شُبْهَةٍ. (الْبُخَارِيُّ): نِسْبَةٌ إِلَى بُخَارَى: بَلْدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ بِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ ; لِتَوَلُّدِهِ فِيهَا، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْعَلَمِ لَهُ، وَلِكِتَابِهِ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ الْمُحَدِّثُ: يُقَالُ لَهُ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ، وَنَاصِرُ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، وَنَاشِرُ الْمَوَارِيثِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، قِيلَ: لَمْ يُرَ فِي زَمَانِهِ مِثْلُهُ مِنْ جِهَةِ حِفْظِ الْحَدِيثِ، وَإِتْقَانِهِ، وَفَهْمِ مَعَانِي كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَمِنْ حَيْثِيَّةِ حِدَّةِ ذِهْنِهِ، وَرِقَّةِ نَظَرِهِ، وَوُفُورِ فِقْهِهِ، وَكَمَالِ زُهْدِهِ، وَغَايَةِ وَرَعِهِ، وَكَثْرَةِ اطِّلَاعِهِ عَلَى طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَعِلَلِهِ، وَقُوَّةِ اجْتِهَادِهِ، وَاسْتِنْبَاطِهِ، وَكَانَتْ أَمُّهُ مُسْتَجَابَةَ الدَّعْوَةِ تُوُفِّيَ أَبُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ فَنَشَأَ فِي حِجْرِ وَالِدَتِهِ، ثُمَّ عَمِيَ، وَقَدْ عَجَزَ الْأَطِبَّاءُ عَنْ مُعَالَجَتِهِ فَرَأَتْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَائِلًا لَهَا: قَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَى ابْنِكِ بَصَرَهُ بِكَثْرَةِ دُعَائِكِ لَهُ فَأَصْبَحَ وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ فَنَشَأَ مُتَرَبِّيًا فِي حِجْرِ الْعِلْمِ مُرْتَضِعًا مِنْ ثَدْيِ الْفَضْلِ، ثُمَّ أُلْهِمَ طَلَبَ الْحَدِيثِ، وَلَهُ عَشْرُ سِنِينَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْمَكْتَبِ، وَلَمَّا بَلَغَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً رَدَّ عَلَى بَعْضِ مَشَايِخِهِ بَبُخَارَى غَلَطًا وَقَعَ لَهُ فِي سَنَدٍ حَتَّى أَصْلَحَ كِتَابَهُ مِنْ حِفْظِ الْبُخَارِيِّ، وَبَيَانُهُ: أَنَّ شَيْخًا مِنْ مَشَايِخِهِ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ حَدِيثِهِ قَالَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّهَيْرِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ الْبُخَارِيُّ: أَبُو الزُّهَيْرِ لَيْسَ لَهُ رِوَايَةٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَهَيَّبَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ فَقَالَ لَهُ الْبُخَارِيُّ: ارْجِعْ إِلَى الْأَصْلِ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ، فَقَامَ الشَّيْخُ مِنَ الْمَجْلِسِ، وَدَخَلَ بَيْتَهُ، وَطَالَعَ فِي أَصْلِهِ، وَتَأَمَّلَ فِيهِ حَقَّ تَأَمُّلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَجْلِسِهِ فَقَالَ لِلْبُخَارِيِّ: فَكَيْفَ الرِّوَايَةُ؟ فَقَالَ: لَيْسَ أَبُو الزُّهَيْرِ بِالْهَاءِ، إِنَّمَا هُوَ الزُّبَيْرُ بِالْبَاءِ، وَهُوَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ فَقَالَ: صَدَقْتَ، وَأَخَذَ الْقَلَمَ، وَأَصْلَحَ كِتَابَهُ. وَلَمَّا بَلَغَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً حَفِظَ كُتُبَ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَوَكِيعٍ، وَعَرَفَ كَلَامَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ خَرَجَ مَعَ أُمِّهِ، وَأَخِيهِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ إِلَى مَكَّةَ فَرَجَعَ أَخُوهُ، وَأَقَامَ هُوَ لِطَلَبِ الْحَدِيثِ، فَلَمَّا طَعَنَ فِي ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً صَنَّفَ قَضَايَا الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَأَقَاوِيلَهُمْ، وَصَنَّفَ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عِنْدَ التُّرْبَةِ الْمُطَهَّرَةِ
تَارِيخَهُ الْكَبِيرَ فِي اللَّيَالِي الْمُقْمِرَةِ، وَكَتَبُوا عَنْهُ، وَسِنُّهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَلَّ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ رِجَالِ التَّارِيخِ الْكَبِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدِي مِنْهُ حِكَايَةٌ، وَقِصَّةٌ إِلَّا أَنِّي تَرَكْتُهَا خَوْفًا مِنَ الْإِطْنَابِ، وَلَمَّا رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ ارْتَحَلَ إِلَى سَائِرِ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ فِي أَكْثَرِ الْمُدُنِ، وَالْأَقَالِيمِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ارْتَحَلْتُ فِي اسْتِفَادَةِ الْحَدِيثِ إِلَى مِصْرَ، وَالشَّامِ مَرَّتَيْنِ، وَإِلَى الْبَصْرَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَلَا أُحْصِي مَا دَخَلْتُ مَعَ الْمُحَدِّثِينَ فِي بَغْدَادَ، وَالْكُوفَةِ، وَأَقَمْتُ فِي الْحِجَازِ سِتَّ سِنِينَ طَالِبًا لِعِلْمِ الْحَدِيثِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَالْحَامِلُ لِي عَلَى تَأْلِيفِهِ أَنَّنِي رَأَيْتُنِي وَاقِفًا بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ، وَبِيَدِي مِرْوَحَةٌ أَذُبُّ عَنْهُ، فَعُبِّرَ لِي بِأَنِّي أَذُبُّ عَنْهُ الْكَذِبَ، وَمَا وَضَعْتُ فِيهِ حَدِيثًا إِلَّا بَعْدَ الْغُسْلِ، وَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ، وَأَخْرَجْتُهُ مِنْ زُهَاءِ سِتِّمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ، وَصَنَّفْتُهُ فِي سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَجَعَلْتُهُ حُجَّةً فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ، وَمَا أَدْخَلْتُ فِيهِ إِلَّا صَحِيحًا، وَمَا تَرَكْتُ مِنَ الصَّحِيحِ أَكْثَرُ ; لِئَلَّا يَطُولَ. وَصَنَّفْتُهُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَا أَدْخَلْتُ فِيهِ حَدِيثًا حَتَّى اسْتَخَرْتُ اللَّهَ، وَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَتَيَقَّنْتُ صِحَّتَهُ. اهـ.
وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الِابْتِدَاءِ، وَتَرْتِيبِ الْأَبْوَابِ، ثُمَّ كَانَ يُخْرِجُ الْأَحَادِيثَ بَعْدُ فِي بَلَدِهِ، وَغَيْرِهَا، وَهُوَ مَحْمِلُ رِوَايَةِ أَنَّهُ كَانَ يُصَنِّفُهُ فِي الْبِلَادِ ; إِذْ مُدَّةُ تَصْنِيفِهِ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَهُوَ لَمْ يُجَاوِرْ هَذِهِ الْمُدَّةَ بِمَكَّةَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ صَنَّفَ الصَّحِيحَ فِي الْبَصْرَةِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ صَنَّفَهُ فِي بُخَارَى. وَرُوِيَ عَنِ الْوَرَّاقِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِلْبُخَارِيِّ: جَمِيعُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدْتَهَا فِي مُصَنَّفَاتِكَ هَلْ تَحْفَظُهَا؟ فَقَالَ: لَا يَخْفَى عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْهَا ; فَإِنِّي قَدْ صَنَّفْتُ كُتُبِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالتَّكْرَارِ التَّبْيِيضَ، وَالتَّنْقِيحَ، وَلَعَلَّ كَثْرَةَ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَرِوَايَةُ أَنَّهُ جَعَلَ تَرَاجِمَهُ فِي الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ مَحْمُولَةٌ عَلَى نَقْلِهَا مِنَ الْمُسَوَّدَةِ إِلَى الْمُبْيَضَّةِ، كَذَا قِيلَ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي جَزَرَةَ عَمَّنْ لَقِيَهُ مِنَ الْعَارِفِينَ أَنَّهُ مَا قُرِئَ فِي شِدَّةٍ إِلَّا وَفُرِّجَتْ، وَمَا رُكِبَ بِهِ فِي مَرْكَبٍ فَغَرِقَ، وَأَنَّهُ كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَلَقَدْ دَعَا لِقَارِئِهِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وَكَانَ يَسْتَسْقِي بِقِرَاءَتِهِ الْغَيْثَ، قِيلَ: وَيُسَمَّى التِّرْيَاقَ الْمُجَرَّبَ. وَنَقَلَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ عَنْ عَمِّهِ السَّيِّدِ أَصِيلِ الدِّينِ أَنَّهُ قَالَ: قَرَأْتُ الْبُخَارِيَّ مِائَةً وَعِشْرِينَ مَرَّةً لِلْوَقَائِعِ، وَالْمُهِمَّاتِ لِي، وَلِغَيْرِي، فَحَصَلَ الْمُرَادَاتُ، وَقَضَى الْحَاجَاتِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِبَرَكَةِ سَيِّدِ السَّادَاتِ، وَمَنْبَعِ السَّادَاتِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ، وَأَكْمَلُ التَّحِيَّاتِ. قِيلَ: وَكَانَ وِرْدُهُ فِي رَمَضَانَ خَتْمَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَثُلُثُهَا فِي سَحَرِ كُلِّ لَيْلَةٍ، وَلَسَعَهُ زُنْبُورٌ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ سِتَّةَ عَشَرَ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا فَقِيلَ لَهُ: لِمَ لَمْ تَخْرُجْ مِنَ الصَّلَاةِ أَوَّلَ مَا لَسَعَكَ؟ ! قَالَ: كُنْتُ فِي سُورَةٍ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُتِمَّهَا، وَكَانَ يَقُولُ: أَرْجُو اللَّهَ أَنْ لَا يُحَاسِبَنِي أَنِّي مَا اغْتَبْتُ أَحَدًا فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَنْقِمُ عَلَيْكَ التَّارِيخَ ; فَإِنَّهُ غِيبَةٌ فَقَالَ: إِنَّمَا رُوِّينَا ذَلِكَ رِوَايَةً، وَلَمْ نَنْقُلْهُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا، وَقَالَ ﵊: ««بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ»» قَالَ: وَأَحْفَظُ مِائَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ صَحِيحٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ غَيْرَ صَحِيحٍ، أَيْ: بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ طُرُقِهَا مَعَ عَدِّ الْمُكَرَّرِ، وَالْمَوْقُوفِ، وَآثَارِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَغَيْرِهِمْ، وَفَتَاوِيهِمْ مِمَّا كَانَ السَّلَفُ يُطْلِقُونَ عَلَى كُلِّهِ حَدِيثًا. وَقِيلَ: كَانَ يَحْفَظُ وَهُوَ صَبِيٌّ سَبْعِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ سَرْدًا، وَيَنْظُرُ فِي الْكِتَابِ نَظْرَةً وَاحِدَةً فَيَحْفَظُ مَا فِيهِ، وَكَانَ يَقُولُ: دَخَلْتُ بِلْخَ فَسَأَلَنِي أَهْلُهَا أَنْ أُمْلِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ مَنْ كَتَبْتُ عَنْهُ، فَأَمْلَيَتُ أَلْفَ حَدِيثٍ عَنْ أَلْفِ شَيْخٍ، وَلِبُلُوغِ نِهَايَتِهِ فِي مَعْرِفَةِ عِلَلِ الْحَدِيثِ كَانَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ يَقُولُ لَهُ: دَعْنِي أُقَبِّلُ رِجْلَيْكَ يَا أُسْتَاذَ الْأُسْتَاذِينَ، وَسَيِّدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَيَا طَبِيبَ الْحَدِيثِ فِي عِلَلِهِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَمْ أَرَ أَحَدًا بِالْعِرَاقِ، وَلَا بِخُرَاسَانَ فِي ذَلِكَ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَكَانَ بِسَمَرْقَنْدَ أَرْبَعُمِائَةِ مُحَدِّثٍ اجْتَمَعُوا تِسْعَةَ أَيَّامٍ لِمُغَالَطَتِهِ، فَخَلَطُوا الْأَسَانِيدَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ: إِسْنَادُ الشَّامِيِّينَ فِي الْعِرَاقِيِّينَ، وَإِسْنَادُ الْعِرَاقِيِّينَ فِي الشَّامِيِّينَ، وَإِسْنَادُ أَهْلِ الْحَرَمِ فِي الْيَمَانِيِّينَ، وَعَكْسُهُ، وَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ، فَمَا اسْتَطَاعُوا مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَتَغَلَّبُوا عَلَيْهِ سَقْطَةً لَا فِي إِسْنَادٍ، وَلَا فِي مَتْنٍ، وَلَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ فَعَلُوا مَعَهُ نَظِيرَ ذَلِكَ فَعَمَدُوا إِلَى مِائَةِ حَدِيثٍ فَقَلَبُوا مُتُونَهَا، وَأَسَانِيدَهَا، وَدَفَعُوا لِكُلِّ;
وَاحِدٍ عَشَرَةً لِيُلْقِيَهَا عَلَيْهِ فِي مَجْلِسِهِ الْغَاصِّ بِالنَّاسِ امْتِحَانًا، فَقَامَ أَحَدُهُمْ، وَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ مِنْ تِلْكَ الْعَشَرَةِ، فَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنِ الثَّانِي فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَهَكَذَا إِلَى الْعَاشِرِ، ثُمَّ قَامَ الثَّانِي فَكَانَ كَالْأَوَّلِ، ثُمَّ الثَّالِثُ، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ فَرَغُوا ; فَالْعُلَمَاءُ الَّذِينَ كَانُوا مُطَّلِعِينَ عَلَى أَصْلِ الْقَضِيَّةِ، وَحِفْظِهِ قَالُوا: فَهِمَ الرَّجُلُ، وَالَّذِينَ مَا كَانَ لَهُمْ وُقُوفٌ عَلَى الْقَضِيَّةِ تَوَهَّمُوا عَجْزَهُ، وَحَمَلُوا عَلَى قُصُورِ ضَبْطِهِ، وَسُوءِ حِفْظِهِ ; فَالْتَفَتَ إِلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ: أَمَّا حَدِيثُكَ الْأَوَّلُ بِذَلِكَ الْإِسْنَادِ فَخَطَأٌ، وَصَوَابُهُ كَذَا، وَكَذَا، وَلَا زَالَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ أَكْمَلَ الْمِائَةَ فَبُهِرَ النَّاسُ، وَأَذْعَنُوا لَهُ، فَإِنَّ عِنْدَ الِامْتِحَانِ يُكْرَمُ الرَّجُلُ، أَوْ يُهَانُ، وَعِنْدَ الْمُبْصِرِينَ هَذَا الْفَنَّ لَيْسَ مِنَ الْعَجِيبِ رَدُّ خَطَئِهِمْ إِلَى الصَّوَابِ ; لِأَنَّهُ كَانَ حَافِظَ الْأَحَادِيثِ مَعَ الْأَسَانِيدِ، بَلْ كَانَ الْغَرِيبُ عِنْدَهُمْ حِفْظَهُ أَسَانِيدَهُمُ الْبَاطِلَةَ بِمُجَرَّدِ سَمَاعِهِ مَرَّةً، وَإِعَادَتَهَا مُرَتَّبَةً، وَهَذَا كَادَ أَنْ يَكُونَ خَرْقَ الْعَادَةِ، وَمَحْضَ الْكَرَامَةِ ; فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْإِلْهَامَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْعِنَايَاتِ الرَّحْمَانِيَّةِ. وَلَمَّا قَدِمَ الْبَصْرَةَ نَادَى مُنَادٍ يُعْلِمُهُمْ بِقُدُومِهِ فَأَحْدَقُوا بِهِ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَعْقِدَ لَهُمْ مَجْلِسَ الْإِمْلَاءِ ; فَأَجَابَهُمْ فَنَادَى الْمُنَادِي يُعْلِمُهُمْ أَنَّهُ أَجَابَ ; فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ اجْتَمَعَ كَذَا، وَكَذَا أَلْفًا مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَالْفُقَهَاءِ فَأَوَّلُ مَا جَلَسَ قَالَ: يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ أَنَا شَابٌّ، وَقَدْ سَأَلْتُمُونِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ أَحَادِيثَ عَنْ أَهْلِ بَلَدِكُمْ تَسْتَفِيدُونَهَا، يَعْنِي لَيْسَتْ عِنْدَكُمْ، وَأَمْلَى عَلَيْهِمْ مِنْ أَحَادِيثِ أَهْلِ بَلَدِهِمْ مِمَّا لَيْسَ عِنْدَهُمْ حَتَّى بَهَرَهُمْ، وَمِنْ ثَمَّ كَثُرَ ثَنَاءُ الْأَئِمَّةِ عَلَيْهِ حَتَّى صَحَّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَخْرَجَتْ خُرَاسَانُ مِثْلَهُ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: هُوَ فَقِيهُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّابِّ، وَاكْتُبُوا عَنْهُ ; فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ فِي زَمَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ لَاحْتَاجَ إِلَيْهِ لِمَعْرِفَتِهِ بِالْحَدِيثِ، وَفَقْهِهِ. وَقَدْ فَضَّلَهُ بَعْضُهُمْ فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ عَلَى أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ، وَوَرِثَ مِنْ أَبِيهِ مَالًا كَثِيرًا فَكَانَ يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَكَانَ قَلِيلَ الْأَكْلِ جِدًّا. قِيلَ: كَانَ يَقْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ بِلَوْزَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثِ لَوْزَاتٍ. وَقِيلَ: لَمْ يَأْكُلِ الْإِدَامَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. قِيلَ: كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ كُلَّ شَهْرٍ مِنْ مُسْتَغَلَّاتِهِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَكَانَ يَصْرِفُهَا فِي الْفُقَرَاءِ، وَطَلَبَةِ الْعِلْمِ، وَكَانَ يُرَغِّبُهُمْ فِي تَحْصِيلِ الْحَدِيثِ، كَثِيرَ الْإِحْسَانِ إِلَى الطَّلَبَةِ مُفْرِطًا فِي الْكَرَمِ، وَأُعْطِيَ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ رِبْحَ بِضَاعَةٍ لَهُ فَأَخَّرَ فَأَعْطَاهُ آخَرُونَ عَشَرَةَ آلَافٍ فَقَالَ: إِنِّي نَوَيْتُ بَيْعَهَا لِلْأَوَّلِينَ، وَلَا أُحِبُّ أَنْ أُغَيِّرَ نِيَّتِي، وَعَثَرَتْ جَارِيَتُهُ بِمَحْبَرَةٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: كَيْفَ تَمْشِينَ؟ ! فَقَالَتْ: إِذَا لَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ كَيْفَ أَمْشِي؟ ! فَقَالَ: اذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ للَّهِ فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَغْضَبَتْكَ فَأَعْتَقْتَهَا فَقَالَ: أَرْضَيْتُ نَفْسِي بِمَا فَعَلْتُ. وَلَمَّا بَنَى رِبَاطًا مِمَّا يَلِي بُخَارَى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَبْنُونَهُ فَكَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ فَيُقَالُ: قَدْ كُفِيتَ فَقَالَ: هَذَا هُوَ الَّذِي يَنْفَعُنِي، وَلَمَّا رَجَعَ إِلَى بُخَارَى نُصِبَتْ لَهُ الْقِبَابُ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْهَا، وَاسْتَقْبَلَهُ عَامَّةُ أَهْلِهَا، وَنُثِرَ عَلَيْهِ الدَّرَاهِمُ، وَالدَّنَانِيرُ، وَبَقِيَ مُدَّةً يُحَدِّثُهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْبَلَدِ خَالِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الذُّهْلِيُّ نَائِبُ الْخِلَافَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ يَتَلَطَّفُ مَعَهُ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالصَّحِيحِ، وَيُحَدِّثَهُمْ بِهِ فِي قَصْرِهِ ; فَامْتَنَعَ، وَقَالَ لِرَسُولِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِّي لَا أُذِلُّ الْعِلْمَ، وَلَا أَحْمِلُهُ إِلَى أَبْوَابِ السَّلَاطِينِ، فَمَنِ احْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ فَلْيَحْضُرْ فِي مَسْجِدِي، أَوْ دَارِي، فَإِنْ لَمْ يُعْجِبْكَ هَذَا فَأَنْتَ سُلْطَانٌ فَامْنَعْنِي مِنَ الْمَجْلِسِ لِيَكُونَ لِي عُذْرٌ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنِّي لَا أَكْتُمُ الْعِلْمَ. وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: الْعِلْمُ يُؤْتَى، وَلَا يَأْتِي، فَرَاسَلَهُ أَنْ يَعْقِدَ مَجْلِسًا لِأَوْلَادِهِ، وَلَا يَحْضُرَ غَيْرُهُمْ ; فَامْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا، وَقَالَ: لَا يَسَعُنِي أَنْ أَخُصَّ بِالسَّمَاعِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ، وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: الْعِلْمُ لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ، فَحَصَلَتْ بَيْنَهُمَا وَحْشَةٌ ; فَاسْتَعَانَ الْأَمِيرُ بِعُلَمَاءِ بُخَارَى عَلَيْهِ حَتَّى تَكَلَّمُوا فِي مَذْهَبِهِ فَأَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْبَلَدِ فَدَعَا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ أَرِهِمْ مَا قَصَدُونِي بِهِ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَأَوْلَادِهِمْ، وَأَهَالِيهِمْ. فَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ فَلَمْ يَأْتِ شَهْرٌ حَتَّى وَرَدَ أَمْرُ الْخِلَافَةِ بِأَنْ يُنَادَى عَلَى الْأَمِيرِ فَأُرْكِبَ حِمَارًا فَنُودِيَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَحُبِسَ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِمَّنْ سَاعَدَهُ إِلَّا وَابْتُلِيَ بِبَلِيَّةٍ شَدِيدَةٍ. وَلَمَّا خَرَجَ مِنْ بُخَارَى كَتَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ سَمَرْقَنْدَ يَخْطُبُونَهُ لِبَلَدِهِمْ ; فَسَارَ إِلَيْهِمْ فَلَمَّا كَانَ بِخَرْتَنْكَ بِمُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ فِي الْأَشْهَرِ، أَوْ مَكْسُورَةٍ فَرَاءٍ سَاكِنَةٍ فَفَوْقِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ فَنُونٍ سَاكِنَةٍ فَكَافٍ، مَوْضِعٌ قَرِيبٌ بِسَمَرْقَنْدَ عَلَى فَرْسَخَيْنِ
وَقِيلَ: نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَلَغَهُ أَنَّهُ وَقَعَ بَيْنَهُمْ بِسَبَبِهِ فِتْنَةٌ، فَقَوْمٌ يُرِيدُونَ دُخُولَهُ، وَآخَرُونَ يَكْرَهُونَهُ. وَكَانَ لَهُ أَقْرِبَاءُ بِهَا فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى يَنْجَلِيَ الْأَمْرُ فَأَقَامَ أَيَّامًا فَمَرِضَ حَتَّى وُجِّهَ إِلَيْهِ رَسُولٌ مِنْ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ يَلْتَمِسُونَ خُرُوجَهُ إِلَيْهِمْ ; فَأَجَابَ، وَتَهَيَّأَ لِلرُّكُوبِ، وَلَبِسَ خُفَّيْهِ، وَتَعَمَّمَ، فَلَمَّا مَشَى قَدْرَ عِشْرِينَ خُطْوَةً إِلَى الدَّابَّةِ لِيَرْكَبَهَا قَالَ: أَرْسِلُونِي فَقَدْ ضَعُفْتُ فَأَرْسَلُوهُ فَدَعَا بِدَعَوَاتٍ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَقَضَى فَسَالَ مِنْهُ عَرَقٌ كَثِيرٌ لَا يُوصَفُ، وَمَا سَكَنَ الْعَرَقُ حَتَّى أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ. وَقِيلَ: ضَجِرَ لَيْلَةً فَدَعَا بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ اللَّهُمَّ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ فَمَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ ذَكَرٍ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ عَنِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَتْ وِلَادَتُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي شَهْرِ شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَلَمَّا صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَوُضِعَ فِي حُفْرَتِهِ فَاحَ مِنْ تُرَابِ قَبْرِهِ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ كَالْمِسْكِ جَعَلَ النَّاسُ يَخْتَلِفُونَ إِلَى قَبْرِهِ مُدَّةً يَأْخُذُونَ مِنْ تُرَابِ قَبْرِهِ، وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ وَاقِفٌ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ: مَا وُقُوفُكَ هُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْتَظِرُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ بَلَغَنِي مَوْتُهُ، فَنَظَرْتَ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِيهَا، وَبَعْدَ نَحْوِ سَنَتَيْنِ مِنْ مَوْتِهِ اسْتَسْقَى أَهْلُ سَمَرْقَنْدَ مِرَارًا فَلَمْ يُسْقَوْا فَقَالَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ لِقَاضِيهَا: أَرَى أَنْ تَخَرُجَ بِالنَّاسِ إِلَى قَبْرِ الْبُخَارِيِّ، وَنَسْتَسْقِي عِنْدَهُ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَسْقِيَنَا فَفَعَلَ، وَبَكَى النَّاسُ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَتَشَفَّعُوا بِصَاحِبِهِ فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ السَّمَاءَ بِمَاءٍ غَزِيرٍ أَقَامَ النَّاسُ مِنْ أَجْلِهِ نَحْوَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ الْوُصُولَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ مِنْ كَثْرَةِ الْمَطَرِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ، وَكِبَارِ التَّابِعِينَ لَمْ تَكُنِ الْأَحَادِيثُ مُدَوَّنَةً ; لِنَهْيِهِ ﵊ أَصْحَابَهُ مِنْ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ مَخَافَةَ خَلْطِهِ بِالْكَلَامِ الْقَدِيمِ، وَأَيْضًا دَائِرَةُ حِفْظِهِمْ كَانَتْ وَاسِعَةً بِبَرَكَةِ صُحْبَتِهِ، وَقُرْبِ مُدَّتِهِ، وَأَيْضًا أَكْثَرُهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَارِفِينَ بِصَنْعَةِ الْكِتَابَةِ، فَظَهَرَ فِي آخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ تَدْوِينُ الْأَحَادِيثِ، وَالْأَخْبَارِ، وَتَصْنِيفُ السُّنَنِ، وَالْآثَارِ، وَتَصَدَّوْا لِهَذَا الْأَمْرِ الشَّرِيفِ كَالزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ دَأْبُهُمْ تَصْنِيفَ كُلِّ بَابٍ عَلَى حِدَةٍ إِلَى عَهْدِ كِبَارِ أَهْلِ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ، فَأَلَّفُوا الْحَدِيثَ عَلَى تَرْتِيبِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، فَصَنَّفَ الْإِمَامُ مَالِكٌ مُقَدَّمُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُوَطَّأَهُ، وَجَمَعَ فِيهِ أَحَادِيثَ أَهْلِ الْحِجَازِ مِمَّا ثَبَتَ وَصَحَّ عِنْدَهُ، وَأَدْرَجَ فِيهِ أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ، وَفَتَاوَى التَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَصَنَّفَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: أَبُو حَامِدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ. وَمِنْ أَهْلِ الشَّامِ: أَبُو عَمْرٍو عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ. وَمِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ. وَمِنَ الْبَصْرِيِّينَ أَبُو سَلَمَةَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَبَعْدَهُمْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ أَلَّفَ كِتَابًا. وَكَتَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ كُبَرَاءِ الْمُحَدِّثِينَ مَسَانِيدَهُمْ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى تَرْتِيبِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، لَكِنْ فِي الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ يُمَيَّزِ الصَّحِيحُ، وَالضَّعِيفُ، وَلَمَّا اطَّلَعَ الْبُخَارِيُّ عَلَى تَصَانِيفِهِمْ حَصَلَ لَهُ الْعَزْمُ بِطَرِيقِ الْجَزْمِ لِتَحْصِيلِ الْحَزْمِ عَلَى تَأْلِيفِ كِتَابٍ يَكُونُ جَمِيعُ أَحَادِيثِهِ صَحِيحَةً، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ شَيْخِي إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ يَوْمًا فَقَالَ: لَوْ جَمَعْتُمْ كِتَابًا مُخْتَصَرًا بِصَحِيحِ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَقَعَ فِي قَلْبِي تَصْنِيفُ كِتَابٍ فِي هَذَا الْبَابِ، وَتَقَدَّمَ رُؤْيَاهُ أَيْضًا، فَشَرَعَ فِيهِ، فَلَمَّا كَمَّلَهُ عَرَضَهُ عَلَى مَشَايِخِهِ مِثْلِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَغَيْرِهِمُ اسْتَحْسَنُوهُ، وَشَهِدُوا بِصِحَّةِ كِتَابِهِ، وَأَنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي بَابِهِ، وَاسْتَثْنَوْا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ
وَتَوَقَّفُوا فِي صِحَّتِهَا. قَالَ الْعُقَيْلِيُّ: وَالْحَقُّ مَعَ الْبُخَارِيِّ فِيهَا أَيْضًا فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ. ثُمَّ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ، وَشُرَّاحُ الْبُخَارِيِّ فِي عَدَدِ أَحَادِيثِهِ بِالْمُكَرَّرِ، وَإِسْقَاطِ الْمُكَرَّرِ، وَالَّذِي حَقَّقَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فِي أَنَّ جُمْلَةَ أَحَادِيثِهِ مَعَ التَّعَالِيقِ، وَالْمُتَابَعَاتِ، وَالشَّوَاهِدِ، وَمَعَ الْمُكَرَّرَاتِ تِسْعَةُ آلَافٍ وَاثْنَانِ وَثَمَانُونَ حَدِيثًا، وَبِإِسْقَاطِ الْمُكَرَّرِ أَحَادِيثُهُ الْمَرْفُوعَةُ: أَلْفَانِ وَسِتِّمِائَةٍ وَثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا، وَأَعْلَى أَسَانِيدِ أَحَادِيثِهِ، وَأَقْرَبُهُ إِلَيْهِ ﵊ مَا يَكُونُ الْوَاسِطَةُ ثَلَاثَةً، وَوُجِدَ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فِي صَحِيحِهِ مَعَ الْمُكَرَّرِ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا، وَبِإِسْقَاطِ الْمُكَرَّرِ سِتَّةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَقَدْ أَفْرَدَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ اتَّفَقَتِ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَلَقِّي الصَّحِيحَيْنِ بِالْقَبُولِ، وَأَنَّهُمَا أَصَحُّ الْكُتُبِ الْمُؤَلَّفَةِ، ثُمَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ أَرْجَحُهُمَا، وَأَصَحُّهُمَا قِيلَ: وَلَمْ يُوجَدْ عَنْ أَحَدٍ التَّصْرِيحُ بِنَقِيضِهِ لِأَنَّ قَوْلَ أَبِي عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيِّ مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَصَحُّ مِنْ كِتَابِ مُسْلِمٍ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَصَحِّيَّتِهِ عَلَى كِتَابِ الْبُخَارِيِّ ; لِأَنَّ نَفْيَ الْأَصَحِّيَّةِ لَا يَنْفِي الْمُسَاوَاةَ. وَتَفْضِيلُ بَعْضِ الْمَغَارِبَةِ لِصَحِيحِ مُسْلِمٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَرْجِعُ لِحُسْنِ السِّيَاقِ، وَجَوْدَةِ الْوَضْعِ، وَالتَّرْتِيبِ ; إِذْ لَمْ يُفْصِحْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الْأَصَحِّيَّةِ، وَلَوْ صَرَّحُوا بِهِ لَرَدِّ عَلَيْهِمْ شَاهِدُ الْوُجُودِ؛ لِأَنَّ مَا يَدُورُ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَوْجُودَةٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَلَى وَجْهٍ أَكْمَلَ، وَأَسَدَّ ; فَإِنَّ شَرْطَهُ فِيهَا أَقْوَى، وَأَشَدُّ، وَأَمَّا رُجْحَانُهُ مِنْ حَيْثُ الِاتِّصَالُ فَلِاشْتِرَاطِهِ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي قَدْ ثَبَتَ لَهُ الِاجْتِمَاعُ بِمَنْ يَرْوِي عَنْهُ، وَلَوْ مَرَّةً، وَاكْتَفَى مُسْلِمٌ بِمُجَرَّدِ الْمُعَاصَرَةِ نَظَرًا لِإِمْكَانِ اللَّقْيِ، وَأَمَّا رُجْحَانُهُ مِنْ حَيْثُ الْعَدَالَةُ، وَالضَّبْطُ فَلِأَنَّ الرِّجَالَ الَّذِينَ تُكِلِّمَ فِيهِمْ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ أَكْثَرُ عَدَدًا مِمَّنْ تُكِلِّمَ فِيهِمْ مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُكْثِرْ مِنْ إِخْرَاجِ حَدِيثِهِمْ بَلْ غَالِبُهُمْ مِنْ شُيُوخِهِ الَّذِينَ أَخَذَ عَنْهُمْ، وَمَارَسَ حَدِيثَهُمْ، وَمَيَّزَ جِيِّدَهَا مِنْ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ مُسْلِمٍ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَنْ تَفَرَّدَ بِتَخْرِيجِ أَحَادِيثِهِ مِمَّنْ تُكَلِّمَ فِيهِ، هُوَ مِمَّنْ تَقَدَّمَ عَصْرُهُ مِنَ التَّابِعِينَ، وَتَابِعِيهِمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُحَدِّثَ أَعْرَفُ بِحَدِيثِ شُيُوخِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ عَنْهُمْ. وَأَمَّا رُجْحَانُهُ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الشُّذُوذِ، وَالْإِعْلَالِ ; فَلِأَنَّ مَا انْتُقِدَ عَلَى الْبُخَارِيِّ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَقَلُّ عَدَدًا مِمَّا انْتُقِدَ عَلَى مُسْلِمٍ، وَلَا يَقْدَحُ فِيهِمَا إِخْرَاجُهُمَا لِمَنْ طُعِنَ فِيهِ ; لِأَنَّ تَخْرِيجَ صَاحِبِ الصَّحِيحِ لِأَيِّ رَاوٍ كَانَ مُقْتَضٍ لِعَدَالَتِهِ عِنْدَهُ، وَصِحَّةِ ضَبْطِهِ، وَعَدَمِ غَفْلَتِهِ إِنْ خَرَّجَ لَهُ فِي الْأُصُولِ، فَإِنْ خَرَّجَ فِي الْمُتَابَعَاتِ، وَالشَّوَاهِدِ، وَالتَّعَالِيقِ كَانَتْ دَرَجَاتُهُ مُتَقَارِبَةً فِي الضَّبْطِ، وَغَيْرِهِ، لَكِنْ مَعَ حُصُولِ وَصْفِ الصِّدْقِ لَهُ فَالطَّعْنُ فِيمَنْ خَرَّجَ لَهُ أَحَدُهُمَا مُقَابِلٌ لِتَعْدِيلِهِ ; فَلَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ إِلَّا مُفَسَّرًا بِمَا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِ، أَوْ فِي ضَبْطِهِ مُطْلَقًا، أَوْ فِي ضَبْطِهِ لِخَبَرٍ بِعَيْنِهِ لِتَفَاوُتِ الْأَسْبَابِ الْحَامِلَةِ لِلْأَئِمَّةِ عَلَى الْجَرْحِ، إِذْ مِنْهَا مَا لَا يَقْدَحُ، وَمِنْهَا مَا يَقْدَحُ، وَقَدْ كَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَقْدِسِيُّ يَقُولُ فِيمَنْ خَرَّجَ لَهُ أَحَدُهُمَا فِي الصَّحِيحِ هَذَا جَازَ الْقَنْطَرَةَ يَعْنِي لَا يُلْتَفَتُ لِمَا قِيلَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُمَا مُقَدَّمَانِ عَلَى أَئِمَّةِ عَصْرِهِمَا، وَمَنْ بَعْدَهُمَا فِي مَعْرِفَةِ الصَّحِيحِ، وَالْعِلَلِ، فَهُوَ أَصَحُّ الْكُتُبِ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا نُقِلَ عَنِ الْحَاكِمِ أَبِي أَحْمَدَ شَيْخِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ إِمَامُ الْمُحَدِّثِينَ، وَكُلُّ مَنْ أَتَى بَعْدَهُ، وَصَنَّفَ كِتَابًا فِي الْحَدِيثِ، وَأَفْرَدَهُ فَفِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا أَخَذَهُ عَنْهُ فَالْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ حَتَّى إِنَّ مُسْلِمًا أَتَى بِأَحَادِيثِهِ مُفَرَّقًا فِي كِتَابِهِ، وَتَجَلَّدَ غَايَةَ التَّجَلُّدِ حَيْثُ لَمْ يُسْنِدْهَا إِلَى جَنَابِهِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَوْلَا الْبُخَارِيُّ لَمَا رَاحَ مُسْلِمٌ، وَلَا جَاءَ، أَخَذَ كِتَابَهُ، وَزَادَ عَلَيْهِ أَبْوَابَهُ. وَلِلْبُخَارِيِّ مُصَنَّفَاتٌ غَيْرُ الصَّحِيحِ: كَالْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَالتَّارِيخِ الْكَبِيرِ، وَالْأَوْسَطِ، وَالصَّغِيرِ، وَخَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَكِتَابِ الضُّعَفَاءِ، وَالْجَامِعِ الْكَبِيرِ، وَالْمُسْنَدِ الْكَبِيرِ، وَالتَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ، وَكِتَابِ الْأَشْرِبَةِ، وَكِتَابِ الْهِبَةِ، وَأَسَامِي الصَّحَابَةِ، وَكِتَابِ الْوِجْدَانِ، وَكِتَابِ الْعِلَلِ، وَكِتَابِ الْكُنَى، وَكِتَابِ الْمَبْسُوطِ، وَكِتَابِ الْفَوَائِدِ. رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: رَوَيْتُ الْحَدِيثَ عَنْ أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةِ مُحَدِّثٍ. رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ كَمُسْلِمٍ فِي غَيْرِ صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَأَبِي زُرْعَةَ، وَأَبِي حَاتِمٍ، وَكَذَا النَّسَائِيُّ فِي قَوْلِ غَيْرِهِمْ. وَبِالْجُمْلَةِ، قِيلَ: رَوَى عَنْهُ مِائَةُ أَلْفِ مُحَدِّثٍ. رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَعْيَنِ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ قَدَرْتُ عَلَى أَنْ أَزِيدَ مِنْ عُمْرِي فِي عُمْرِ الْبُخَارِيِّ لَفَعَلْتُ لَأَنَّ مَوْتِي مَوْتُ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ، وَمَوْتُ الْبُخَارِيِّ ذَهَابُ الْعِلْمِ، وَمَوْتُ الْعَالَمِ، وَنِعْمَ مَا قِيلَ:
إِذَا مَا مَاتَ ذُو عِلْمٍ، وَفَتْوَى ... فَقَدْ وَقَعَتْ مِنَ الْإِسْلَامِ ثُلْمَةٌ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيُّ: كُنْتُ نَائِمًا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لِي: (يَا أَبَا زَيْدٍ إِلَى مَتَى تَدْرُسُ كِتَابَ الشَّافِعِيِّ، وَلَا تَدْرُسُ كِتَابِي؟ !) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا كِتَابُكَ؟ ! قَالَ: (جَامِعُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ) .
(وَأَبِي الْحُسَيْنِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِيِّ): بِالتَّصْغِيرِ نِسْبَةً إِلَى قُشَيْرٍ قَبِيلَةٍ مِنَ الْعَرَبِ، وَهُوَ نَيْسَابُورِيٌّ أَحَدُ أَئِمَّةِ عُلَمَاءِ هَذَا الشَّأْنِ، جَمَعَ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ، وَغَيْرِهِمْ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وَالْقَعْنِيِّ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ عَصْرِهِ، وَحُفَّاظِ دَهْرِهِ كَأَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ، وَأَبِي خُزَيْمَةَ، وَخَلَائِقَ. وَلَهُ الْمُصَنَّفَاتُ الْجَلِيلَةُ غَيْرُ جَامِعِهِ الصَّحِيحِ كَالْمُسْنَدِ الْكَبِيرِ صَنَّفَهُ عَلَى تَرْتِيبِ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ لَا عَلَى تَبْوِيبِ الْفِقْهِ، وَكَالْجَامِعِ الْكَبِيرِ عَلَى تَرْتِيبِ الْأَبْوَابِ، وَكِتَابِ الْعِلَلِ، وَكِتَابِ أَوْهَامِ الْمُحَدِّثِينَ، وَكِتَابِ التَّمْيِيزِ، وَكِتَابِ مَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا رَاوٍ وَاحِدٌ، وَكِتَابِ طَبَقَاتِ التَّابِعِينَ، وَكِتَابِ الْمُخَضْرَمِينَ. قَالَ: صَنَّفْتُ الصَّحِيحَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ مَسْمُوعَةٍ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ بِإِسْقَاطِ الْمُكَرَّرِ، وَأَعْلَى أَسَانِيدِهِ مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعَةُ وَسَائِطَ، وَلَهُ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ حَدِيثًا بِهَذَا الطَّرِيقِ، وُلِدَ عَامَ وَفَاةِ الشَّافِعِيِّ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ، وَتُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقَدْ رَحَلَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَالْحِجَازِ، وَالشَّامِ، وَمِصْرَ، وَقَدِمَ بَغْدَادَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَحَدَّثَ بِهَا، وَكَانَ آخِرُ قُدُومِهِ بَغْدَادَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ عُقِدَ لَهُ مَجْلِسٌ بِنَيْسَابُورَ لِلْمُذَاكَرَةِ فَذُكِرَ لَهُ حَدِيثٌ فَلَمْ يَعْرِفْهُ فَانْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَقُدِّمَتْ لَهُ سَلَّةٌ فِيهَا تَمْرٌ فَكَانَ يَطْلُبُ الْحَدِيثَ، وَيَأْخُذُ تَمْرَةً تَمْرَةً فَأَصْبَحَ وَقَدْ فَنِيَ التَّمْرُ، وَوَجَدَ الْحَدِيثَ، وَيُقَالُ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ سَبَبَ مَوْتِهِ ; وَلِذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: كَانَتْ وَفَاتُهُ لِسَبَبٍ غَرِيبٍ نَشَأَ مِنْ غَمْرَةِ فِكْرَةٍ عِلْمِيَّةٍ. وَسِنُّهُ قِيلَ: خَمْسٌ وَخَمْسُونَ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ الذَّهَبِيُّ، وَقَالَ: إِنَّهُ قَارَبَ السِتِّينَ، وَهُوَ أَشْبَهُ مِنَ الْجَزْمِ بِبُلُوغِهِ السِتِّينَ.
قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا عَلَّامَةُ الْعُلَمَاءِ الْمُتَبَحِّرِينَ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ الْجَزَرِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِهِ لِلْمَصَابِيحِ الْمُسَمَّى بِتَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ: إِنِّي زُرْتُ قَبْرَهُ بِنَيْسَابُورَ، وَقَرَأْتُ بَعْضَ صَحِيحِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّيَمُنِ، وَالتَّبَرُّكِ عِنْدَ قَبْرِهِ، وَرَأَيْتُ آثَارَ الْبَرَكَةِ، وَرَجَاءَ الْإِجَابَةِ فِي تُرْبَتِهِ.
(وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ): وَهُوَ غَيْرُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ كَمَا تُوُهِّمَ (الْأَصْبَحِيِّ): نِسْبَةً إِلَى ذِي أَصْبَحَ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ أَحَدِ أَجْدَادِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ، وَأُخِّرَ عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ ذِكْرًا، وَإِنْ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِمَا وَجُودًا، وَرُتْبَةً، وَإِسْنَادًا لِتَقَدُّمِ كِتَابَيْهِمَا عَلَى كِتَابِهِ تَرْجِيحًا ; لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ تَصْحِيحًا، وَهُوَ مِنْ تَابِعِي التَّابِعِينَ، وَقِيلَ: مِنَ التَّابِعِينَ إِذْ رُوِيَ أَنَّهُ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَصُحْبَتُهَا ثَابِتَةٌ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: كِتَابُ مَالِكٍ صَحِيحٌ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ مَنْ تَقَلَّدَهُ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ نَظَرُهُ مِنَ الِاحْتِجَاجِ بِالْمُرْسَلِ، وَالْمُنْقَطِعِ، وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: مَا فِيهِ مِنَ الْمَرَاسِيلِ فَإِنَّهَا مَعَ كَوْنِهَا حُجَّةً عِنْدَهُ بِلَا شَرْطٍ، وَعِنْدَ مَنْ وَافَقَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِالْمُرْسَلِ - حُجَّةٌ أَيْضًا عِنْدَنَا إِذَا اعْتُمِدَ، وَمَا مِنْ مُرْسَلٍ فِي الْمُوَطَّأِ إِلَّا وَلَهُ عَاضِدٌ، أَوْ عَوَاضِدُ ; فَالصَّوَابُ إِطْلَاقُ أَنَّ الْمُوَطَّأَ صَحِيحٌ لَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ شَيْءٌ، وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كِتَابًا فِي وَصْلِ مَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنَ الْمُرْسَلِ، وَالْمُنْقَطِعِ، وَالْمُعْضَلِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ مُرْسَلَ الثِّقَةِ تَجِبُ بِهِ الْحُجَّةُ، وَيَلْزَمُ بِهِ الْعَمَلُ كَمَا تَجِبُ بِالْمُسْنَدِ سَوَاءً، قَالَ الْبُخَارِيُّ إِمَامُ الصَّنْعَةِ: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مُنْتَشِرٌ مُشْتَهِرٌ، وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ قَالُوا: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ عَنْ مَالِكٍ الشَّافِعِيُّ ; إِذْ هُوَ أَجَلُّ أَصْحَابِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَحْمَدُ: جَمَعْتُ الْمُوَطَّأَ مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ حُفَّاظِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، ثُمَّ مِنَ الشَّافِعِيِّ فَوَجَدْتُهُ أَقْوَمَهُمْ بِهِ، وَأَصَحُّهَا عَنِ الشَّافِعِيِّ أَحْمَدُ، وَلِاجْتِمَاعِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ فِي هَذَا السَّنَدِ قِيلَ لَهَا: سِلْسِلَةُ الذَّهَبِ.
قِيلَ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ إِكْثَارُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ إِخْرَاجَ حَدِيثِ مَالِكٍ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ، وَعَدَمُ إِخْرَاجِ أَصْحَابِ الْأُصُولِ حَدِيثَ مَالِكٍ مِنْ جِهَةِ الشَّافِعِيِّ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلَعَلَّ جَمْعُهُ الْمُسْنَدَ كَانَ قَبْلَ سَمَاعِهِ مِنَ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِطَلَبِهِمُ الْعُلُوَّ الْمُقَدَّمَ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى مَا عَدَاهُ مِنَ الْأَغْرَاضِ.
قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَتَيْنَا مَالِكًا فَجَعَلَ يُحَدِّثُنَا عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكُنَّا نَسْتَزِيدُهُ مِنْ حَدِيثِهِ، فَقَالَ لَنَا يَوْمًا: مَا تَصْنَعُونَ بِرَبِيعَةَ؟ ! هُوَ نَائِمٌ فِي ذَلِكَ الطَّاقِ ; فَأَتَيْنَا رَبِيعَةَ فَنَبَّهْنَاهُ، وَقُلْنَا لَهُ: أَنْتَ رَبِيعَةُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ قُلْنَا: الَّذِي يُحَدِّثُ عَنْكَ مَالِكٌ؟ ! قَالَ: نَعَمْ قُلْنَا: كَيْفَ حَظِيَ بِكَ مَالِكٌ، وَلَمْ تَحْظَ أَنْتَ بِنَفْسِكَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ مِثْقَالَ دُولَةٍ خَيْرٌ مِنْ حَمْلِ عِلْمٍ. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالدُّولَةِ اللُّطْفَ الرَّبَّانِيَّ، وَالتَّوْفِيقَ الْإِلَهِيَّ. قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: الثَّوْرِيُّ إِمَامٌ فِي الْحَدِيثِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ إِمَامٌ فِي السُّنَّةِ، وَمَالِكٌ إِمَامٌ فِيهِمَا، وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ قَالَ لَهُ: أَمَّا أَنَا فَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ دِينِي، وَأَمَّا أَنْتَ فَشَاكٌّ اذْهَبْ إِلَى شَاكٍّ مِثْلِكَ فَخَاصِمْهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رَأَيْتُ عَلَى بَابِ مَالِكٍ كُرَاعًا مِنْ أَفْرَاسِ خُرَاسَانَ، وَبِغَالِ مِصْرَ مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْهُ! فَقُلْتُ: مَا أَحْسَنَهُ! فَقَالَ: هُوَ هَدِيَّةٌ مِنِّي إِلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: دَعْ لِنَفْسِكَ دَابَّةً تَرْكَبُهَا فَقَالَ: أَنَا أَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَطَأَ تُرْبَةً فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ بِحَافِرِ دَابَّةٍ، وَكَانَ مُبَالِغًا فِي تَعْظِيمِ حَدِيثِهِ ﷺ حَتَّى كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحَدِّثَ: تَوَضَّأَ، وَجَلَسَ عَلَى صَدْرِ فِرَاشِهِ، وَسَرَّحَ لِحْيَتَهُ، وَتَطَيَّبُ، وَتَمَكَّنَ مِنَ الْجُلُوسِ عَلَى وَقَارٍ، وَهَيْبَةٍ، ثُمَّ حَدَّثَ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ أُعَظِّمَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَمِنْ كَلَامِهِ: إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ خَيْرٌ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ فِيهِ خَيْرٌ. وَقَالَ: لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ نُورٌ يَضَعُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ. قَالَ مَالِكٌ: قَالَ لِي هَارُونُ الرَّشِيدُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يَنْبَغِي أَنْ تَخْتَلِفَ إِلَيْنَا حَتَّى يَسْمَعَ صِبْيَانُنَا مِنْكَ الْمُوَطَّأَ، يَعْنِي الْأَمِينَ، وَالْمَأْمُونَ، فَقُلْتُ: أَعَزَّ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ مِنْكُمْ خَرَجَ فَإِنْ أَنْتُمْ أَعْزَزْتُمُوهُ عَزَّ، وَإِنْ أَنْتُمْ أَذْلَلْتُمُوهُ ذَلَّ. وَفِي رِوَايَةٍ: مَهْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا تَضَعْ عِزَّ شَيْءٍ رَفَعَهُ اللَّهُ، وَالْعِلْمُ يُؤْتَى، وَلَا يَأْتِي، قَالَ: صَدَقْتَ. وَفِي رِوَايَةٍ: صَدَقْتَ أَيُّهَا الشَّيْخُ، كَانَ هَذَا هَفْوَةً مِنِّي اسْتُرْهَا عَلَيَّ اخْرُجُوا إِلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى تَسْمَعُوا مَعَ النَّاسِ. وَسَأَلَهُ الرَّشِيدُ: أَلَكَ دَارٌ؟ قَالَ: لَا، فَأَعْطَاهُ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَقَالَ: اشْتَرِ بِهَا دَارًا فَأَخَذَهَا، وَلَمْ يُنْفِقْهَا، وَلَمَّا أَرَادَ الرَّشِيدُ الشُّخُوصَ، قَالَ لِمَالِكٍ: يَنْبَغِي أَنْ تَخْرُجَ مَعِي ; فَإِنِّي عَزَمْتُ أَنْ أَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى الْمُوَطَّأِ كَمَا حَمَلَ عُثْمَانُ النَّاسَ عَلَى الْقُرْآنِ. فَقَالَ: أَمَّا حَمْلُ النَّاسِ عَلَى الْمُوَطَّأِ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ افْتَرَقُوا بَعْدَهُ فِي الْأَمْصَارِ فَحَدَّثُوا فَعِنْدَ أَهْلِ كُلِّ مِصْرٍ عِلْمٌ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ»»، وَأَمَّا الْخُرُوجُ مَعَكَ ; فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: ««الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ»»، وَهَذِهِ دَنَانِيرُكُمْ كَمَا هِيَ إِنْ شِئْتُمْ فَخُذُوهَا، وَإِنْ شِئْتُمْ فَدَعُوهَا، يَعْنِي أَنَّكَ إِنَّمَا كَلَّفْتَنِي مُفَارَقَةَ الْمَدِينَةِ لِمَا صَنَعْتَ إِلَيَّ فَلَا أُوثِرُ الدُّنْيَا عَلَى مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ. وَصَحَّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا فِي الْأَرْضِ كِتَابٌ فِي الْعِلْمِ أَكْثَرُ صَوَابًا مِنْ مُوَطَّأِ مَالِكٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَصَحُّ مِنْ مُوَطَّأِ مَالِكٍ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا قَبْلَ وُجُودِ الصَّحِيحَيْنِ، وَإِلَّا فَهُمَا أَصَحُّ مِنْهُ اتِّفَاقًا، وَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ مَسِيرَةِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فِي مَسْأَلَةٍ أَرْسَلَهُ بِهَا أَهْلُ بَلَدِهِ فَقَصَّ عَلَيْهِ خَبَرَهُ، فَقَالَ: لَا أُحْسِنُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ لَهُمْ؟ قَالَ: قُلْ لَهُمْ: قَالَ مَالِكٌ لَا أُحْسِنُ! أَخَذَ عَنْ ثَلَاثِمِائَةِ تَابِعِيٍّ، وَأَرْبَعَمِائَةٍ مِنْ تَابِعِيهِمْ. تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ
أَوْ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَقَبْرُهُ مَشْهُورٌ بِهِ، وَوُلِدَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ عَلَى الْأَشْهَرِ. قِيلَ: مَكَثَ حَمْلًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَقِيلَ أَكْثَرَ، وَقِيلَ: سَنَتَيْنِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: مَاتَ وَلَهُ تِسْعُونَ سَنَةً. وَقِيلَ: مَالِكٌ أَثْبَتُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، وَأَبِي الْمُنْكَدِرِ، وَنَافِعٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَهُشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَرَبِيعَةَ، وَجَمْعٍ كَثِيرٍ، وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ مِنْ شُيُوخِهِ، وَمِنْ أَجِلَّاءِ التَّابِعِينَ، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ عَنِ الْأَصَاغِرِ، وَقَدْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ: ابْنُ جُرَيْجٍ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَشُعْبَةُ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ وَهْبٍ، وَخَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ. قَالَ مَالِكٌ: قَلَّ مَنْ أَخَذْتُ عَنْهُ الْحَدِيثَ أَنَّهُ مَا جَاءَنِي، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنِّي الْفَتْوَى.
(وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ): نِسْبَةٌ إِلَى شَافِعٍ أَحَدِ أَجْدَادِهِ، قِيلَ: شَافِعٌ كَانَ صَاحِبَ رَايَةِ بَنِي هَاشِمٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَأُسِرَ، وَفَدَى نَفْسَهُ فَأَسْلَمَ، وَقِيلَ: لَقِيَ شَافِعٌ النَّبِيَّ ﷺ، وَهُوَ مُتَرَعْرِعٌ، وَأَسْلَمَ أَبُوهُ السَّائِبُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ السَّائِبُ صَاحِبَ رَايَةِ بَنِي هَاشِمٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُسِرَ، وَفَدَى نَفْسَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ يَظْهَرُ وَجْهُ تَخْصِيصِ النِّسْبَةِ إِلَيْهِ، ثُمَّ نِسْبَةُ أَهْلِ مَذْهَبِهِ أَيْضًا شَافِعِيٌّ.
وَقَوْلُ الْعَامَّةِ: شَافِعَوِيٌّ خَطَأٌ، وَهُوَ الْمُطَّلِبِيُّ الْحِجَازِيُّ الْمَكِّيُّ ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ، يَلْتَقِي مَعَهُ فِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَوَرْدَ خَبَرٌ («عَالِمُ قُرَيْشٍ يَمْلَأُ طِبَاقَ الْأَرْضِ عِلْمًا») طُرُقُهُ مُتَمَاسِكَةٌ، وَلَيْسَ بِمَوْضُوعِ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ كَمَا بَيَّنَهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ، وَأَبِي نُعَيْمٍ، وَالْبَيْهَقِيِّ، وَالنَّوَوِيِّ. وَقَالَ: إِنَّهُ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ، وَمِمَّنْ حَمَلَهُ عَلَى الشَّافِعِيِّ أَحْمَدُ، وَتَبِعَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى ذَلِكَ، وُلِدَ بِغَزَّةَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: بِعَسْقَلَانَ، وَقِيلَ: بِالْيَمَنِ، وَقِيلَ: بِمِنًى، وَقِيلَ: بِالْبَحْرِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ اتِّفَاقًا، وَهِيَ سَنَةُ وَفَاةِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقِيلَ: وُلِدَ يَوْمَ مَوْتِهِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا التَّقْيِيدُ لَمْ أَجِدْهُ إِلَّا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَمَّا بِالْعَامِّ، فَهُوَ مَشْهُورٌ بَيْنَ أَهْلِ التَّوَارِيخِ، وَنَشَأَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أُمِّهِ فِي ضِيقِ عَيْشٍ بِحَيْثُ كَانَتْ لَا تَجِدُ أُجْرَةَ الْمُعَلِّمِ، وَكَانَ يُقَصِّرُ فِي تَعْلِيمِهِ. وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَتَلَقَّفُ مَا يُعَلِّمُهُ لِغَيْرِهِ فَإِذَا ذَهَبَ عَلَّمَهُمْ إِيَّاهُ فَكَفَى الْمُعَلِّمَ أَمْرَهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا لَوْ أَعْطَاهُ أُجْرَةً فَتَرَكَهَا، وَاسْتَمَرَّ حَتَّى تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ لِسَبْعِ سِنِينَ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ مُجَالَسَةُ الْعُلَمَاءِ، وَكَانَ يَكْتُبُ مَا يَسْتَفِيدُ مِنْهُمْ فِي الْعِظَامِ، وَنَحْوِهَا، لِعَجْزِهِ عَنِ الْوَرَقِ، وَكَانَ يُؤْثِرُ الشِّعْرَ، وَالْأَدَبَ إِلَى أَنَّ تَمَثَّلَ بِبَيْتٍ، وَعِنْدَهُ كَاتِبُ أُسْتَاذِ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزَّنْجِيِّ مُفْتِي مَكَّةَ، فَقَرَعَهُ بِسَوْطٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مِثْلُكَ يَذْهَبُ بِمُرُوءَتِهِ فِي مِثْلِ هَذَا! أَيْنَ أَنْتَ مِنَ الْفِقْهِ؟ ! فَهَزَّهُ ذَلِكَ إِلَى مُجَالَسَةِ مُسْلِمٍ، وَمِنْ أَشْعَارِهِ:
يَا أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ حُبُّكُمُ ... فَرْضٌ مِنَ اللَّهِ فِي الْقُرْآنِ أَنْزَلَهُ
كَفَاكُمُ مِنْ عَظِيمِ الْقَدْرِ أَنَّكُمُ ... مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْكُمْ لَا صَلَاةَ لَهُ
ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَعُمْرُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَازَمَ مَالِكًا فَأَكْرَمَهُ، وَعَامَلَهُ لِنَسَبِهِ، وَعَلَّمَهُ، وَفَهَّمَهُ، وَأَدَّبَهُ، وَعَقَّلَهُ بِمَا هُوَ اللَّائِقُ بِهِمَا، وَكَانَ حَفِظَ الْمُوَطَّأَ بِمَكَّةَ لَمَّا أَرَادَ الرِّحْلَةَ إِلَى مَالِكٍ حِينَ سَمِعَ أَنَّهُ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مَالِكٌ يَسْتَزِيدُهُ مِنْ قِرَاءَتِهِ ; لِإِعْجَابِهِ بِهَا حَتَّى قَرَأَهُ عَلَيْهِ فِي أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ، وَقَالَ لَهُ مَرَّةً لَمَّا تَفَرَّسَ فِيهِ النَّجَابَةَ، وَالْإِمَامَةَ: اتَّقِ اللَّهَ إِنَّهُ سَيَكُونُ لَكَ شَأْنٌ، وَأُخْرَى إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَلْقَى عَلَيْكَ نُورًا فَلَا تُطْفِئْهُ بِالْمَعْصِيَةِ ; قَالَ: فَمَا ارْتَكَبْتُ كَبِيرَةً قَطُّ. ثُمَّ بَعْدَ وَفَاةِ مَالِكٍ رَحَلَ عَنِ الْمَدِينَةِ إِلَى الْيَمَنِ، وَوَلِيَ بِهَا الْقَضَاءَ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَجَدَّ فِي التَّحْصِيلِ، وَنَاظَرَ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ، وَغَيْرَهُ،
وَنَشَرَ عِلْمَ الْحَدِيثِ، وَشَاعَ ذِكْرُهُ، وَفَضْلُهُ إِلَى أَنْ مَلَأَ الْبِقَاعَ، وَالْأَسْمَاعَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي مَدْحِ الشَّافِعِيِّ: إِنَّهُ اسْتَعَارَ مِنِّي كِتَابَ الْأَوْسَطِ لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَحَفِظَهُ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.
وَلَمَّا صَنَّفَ كِتَابَ الرِّسَالَةِ أُعْجِبَ بِهِ أَهْلُ عَصْرِهِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى اسْتِحْسَانِهِ، وَأَنَّهُ مِنَ الْخَوَارِقِ حَتَّى قَالَ الْمُزَنِيُّ: قَرَأْتُهُ خَمْسَمِائَةِ مَرَّةٍ مَا مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَقَدِ اسْتَفَدْتُ مِنْهُ شَيْئًا لَمْ أَكُنْ عَرَفْتُهُ، وَكَانَ أَحْمَدُ يَدْعُو لَهُ فِي صَلَاتِهِ لَمَّا رَأَى اهْتِمَامَهُ بِنَصْرِ السُّنَّةِ. وَصَنَّفَ فِي الْعِرَاقِ كِتَابَهُ الْقَدِيمَ الْمُسَمَّى بِالْحُجَّةِ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى مِصْرَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَصَنَّفَ كُتَبَهُ الْجَدِيدَةَ بِهَا، وَرَجَعَ عَنْ تِلْكَ، وَمَجْمُوعُهَا يَبْلُغُ مِائَةً وَثَلَاثَةَ عَشَرَ مُصَنَّفًا، وَشَاعَ ذِكْرُهَا فِي الْبُلْدَانِ، وَقَصَدَهُ النَّاسُ مِنَ الْأَقْطَارِ لِلْأَخْذِ عَنْهُ، وَكَذَا أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ لِسَمَاعِ كُتُبِهِ، حَتَّى اجْتَمَعَ فِي يَوْمٍ عَلَى بَابِ الرَّبِيعِ تِسْعُمِائَةِ رَاحِلَةٍ. وَابْتَكَرَ أُصُولَ الْفِقْهِ، وَكِتَابَ الْقَسَامَةِ، وَكِتَابَ الْجِزْيَةِ، وَكِتَابَ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَكَانَ حُجَّةً فِي اللُّغَةِ، وَالنَّحْوِ، وَأَذِنَ لَهُ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ مُفْتِي مَكَّةَ فِي الْإِفْتَاءِ بِهَا، وَعُمْرُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَرُبَّمَا أُوقِدَ لَهُ الْمِصْبَاحُ فِي اللَّيْلَةِ ثَلَاثِينَ مَرَّةً، وَلَمْ يُبْقِهِ دَائِمَ الْوَقُودِ. قَالَ ابْنُ أُخْتِهِ مِنْ أُمِّهِ: لِأَنَّ الظُّلْمَةَ أَجْلَى لِلْقُلُوبِ. وَكَانَ يَقُولُ: إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ، فَهُوَ مَذْهَبِي، وَاضْرِبُوا بِقَوْلِي الْحَائِطَ، وَانْفَرَدَ بِالْإِعْرَاضِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي غَيْرِ الْفَضَائِلِ، وَمِنْ كَلَامِهِ الدَّالِّ عَلَى إِخْلَاصِهِ: وَدِدْتُ أَنَّ كُلَّ مَا تَعَلَّمَهُ النَّاسُ أُوْجَرُ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْمَدُونِي قَطُّ، وَوَدِدْتُ إِذَا مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَظْهَرَ الْحَقُّ عَلَى يَدَيْهِ.
وَمِنْ حِكَمِهِ الْبَالِغَةِ: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ، وَمَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةَ فَعَلَيْهِ بِالْعِلْمِ أَيْ: مَعَ الْعَمَلِ، وَمَا أَفْلَحَ فِي الْعِلْمِ إِلَّا مَنْ طَلَبَهُ فِي الذِّلَّةِ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَطْلُبُ الْقِرْطَاسَ فَيَعِزُّ عَلَيَّ، لَا يَتَعَلَّمُ أَحَدٌ هَذَا الْعِلْمَ بِالْمَلَكَةِ، وَعِزَّةِ النَّفْسِ فَيُفْلِحُ، وَلَكِنْ مَنْ طَلَبَهُ بِذِلَّةِ النَّفْسِ، وَضِيقِ الْعَيْشِ أَفْلَحَ، تَفَقَّهْ قَبْلَ أَنْ تَرْأَسَ فَإِذَا تَرَأَّسْتَ فَلَا سَبِيلَ إِلَى التَّفَقُّهِ. زِينَةُ الْعِلْمِ الْوَرَعُ، وَالْحِلْمُ، لَا عَيْبَ فِي الْعُلَمَاءِ أَقَبَحُ مِنْ رَغْبَتِهِمْ فِيمَا زَهَّدَهُمُ اللَّهُ فِيهِ، وَزُهْدِهِمْ فِيمَا رَغَّبَهُمُ اللَّهُ فِيهِ. فَقْرُ الْعُلَمَاءِ فَقْرُ اخْتِيَارٍ وَفَقْرُ الْجُهَّالِ فَقْرُ اضْطِرَارٍ، النَّاسُ فِي غَفْلَةٍ مِنْ سُورَةِ ﴿وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١ - ٢] مَنْ لَمْ تُعِزَّهُ التَّقْوَى فَلَا تَقْوَى لَهُ، مَا فَرَغْتُ مِنَ الْعِلْمِ قَطُّ، طَلَبُ فُضُولِ الدُّنْيَا عُقُوبَةٌ عَاقَبَ اللَّهُ بِهَا أَهْلَ التَّوْحِيدِ. مَنْ غَلَبَتْهُ شِدَّةُ الشَّهْوَةِ لِلدُّنْيَا لَزِمَتْهُ الْعُبُودِيَّةُ لِأَهْلِهَا، وَمَنْ رَضِيَ بِالْقُنُوعِ زَالَ عَنْهُ الْخُضُوعُ، لَا يَعْرِفُ الرِّيَاءَ إِلَّا الْمُخْلِصُونَ، لَوِ اجْتَهَدْتَ كُلَّ الْجُهْدِ عَلَى أَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ كُلَّهُمْ فَلَا سَبِيلَ لِذَلِكَ فَأَخْلِصْ عَمَلَكَ وَنِيَّتَكَ لِلَّهِ، لَوْ أَوْصَى رَجُلٌ بِشَيْءٍ لَأَعْقَلِ النَّاسِ صُرِفَ لِلزُّهَّادِ، سِيَاسَةُ النَّاسِ أَشَدُّ مِنْ سِيَاسَةِ الدَّوَابِّ، الْعَاقِلُ مَنْ عَقَلَهُ عَقْلُهُ عَنْ كُلِّ مَذْمُومٍ، وَمَنْ نَمَّ لَكَ نَمَّ بِكَ، مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرًّا فَقَدْ نَصَحَهُ وَمَنْ وَعَظَهُ عَلَانِيَةً فَقَدْ فَضَحَهُ، التَّوَاضُعُ مِنْ أَخْلَاقِ الْكِرَامِ، وَالتَّكَبُّرُ مِنْ شِيَمِ اللِّئَامِ. أَرْفَعُ النَّاسِ قَدْرًا مَنْ لَا يَرَى قَدْرَهُ. الشَّفَاعَاتُ زَكَاةُ الْمُرُوءَاتِ. مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَلَمْ يَفْتَقِرْ فَهُوَ لِصٌّ. لَا بَأْسَ لِلْفَقِيهِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ سَفِيهٌ يُسَافِهُ بِهِ. مُدَارَاةُ الْأَحْمَقِ غَايَةٌ لَا تُدْرَكُ. الِانْبِسَاطُ إِلَى النَّاسِ مَجْلَبَةٌ لِقُرَنَاءِ السُّوءِ، وَالِانْفِرَادُ عَنْهُمْ مَكْسَبَةٌ لِلْعَدَاوَةِ فَكُنْ بَيْنَ الْمُنْقَبِضِ وَالْمُنْبَسِطِ، لَأَنْ يُبْتَلَى الْمَرْءُ بِكُلِّ ذَنْبٍ مَا عَدَا الشِّرْكَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْكَلَامِ فَإِنِّي وَاللَّهِ اطَّلَعْتُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ عَلَى شَيْءٍ مَا ظَنَنْتُهُ قَطُّ. وَكَانَ يَكْتُبُ ثُلُثَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يُصَلِّي ثُلُثَهُ، ثُمَّ يَنَامُ ثُلُثَهُ، وَيَخْتِمُ كُلَّ يَوْمٍ خَتْمَةً. أَقُولُ: لَعَلَّهُ فِي أَيَّامِ رَمَضَانَ. وَقَالَ: مَا كَذَبْتُ قَطُّ، وَلَا حَلَفْتُ بِاللَّهِ صَادِقًا، وَلَا كَاذِبًا، وَمَا تَرَكْتُ غُسْلَ الْجُمُعَةِ قَطُّ، وَمَا شَبِعْتُ مُنْذُ سِتَّةَ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَّا شِبْعَةً طَرَحْتُهَا مِنْ سَاعَتِي قَالَ الْكَرَابِيسِيُّ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ: قَالَ الرَّسُولُ ﷺ، لَكِنْ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ. وَكَانَ لَهُ الْيَدُ الطُّولَى فِي السَّخَاءِ، قَدِمَ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى مَكَّةَ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ فَمَا بَرِحَ مِنْ مَجْلِسِ سَلَامِ النَّاسِ عَلَيْهِ حَتَّى فَرَّقَهَا كُلَّهَا، وَسَقَطَ سَوْطُهُ فَنَاوَلَهُ إِنْسَانٌ فَأَمَرَ غُلَامَهُ بِإِعْطَائِهِ مَا مَعَهُ مِنَ الدَّنَانِيرِ فَكَانَتْ سَبْعَةً، أَوْ تِسْعَةً، وَانْقَطَعَ
شِسْعَ نَعْلِهِ فَأَصْلَحَهُ لَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَبِيعُ، أَمَعَكَ مِنْ نَفَقَتِنَا شَيْءٌ، قُلْتُ: سَبْعَةُ دَنَانِيرَ. قَالَ: ادْفَعْهَا إِلَيْهِ. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَكْرَمَ مِنْهُ. خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةَ الْعِيدِ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَأَنَا أُذَاكِرُهُ فِي مَسْأَلَةٍ حَتَّى أَتَيْتُ بَابَ دَارِهِ فَأَتَاهُ غُلَامٌ بِكِيسٍ، وَقَالَ: مَوْلَايَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لَكَ: خُذْ هَذَا الْكِيسَ فَإِنَّهُ لَكَ هَدِيَّةٌ، وَعَلَيْنَا الْمِنَّةُ، فَأَخَذَهُ مِنْهُ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَلَدَتِ امْرَأَتِي السَّاعَةَ، وَلَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْكِيسَ، وَصَعِدَ، وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، وَكَانَ يَأْكُلُ شَهْوَةَ أَصْحَابِهِ، وَرَكِبَ حِمَارَهُ، وَأَحْمَدُ يَمْشِي بِجَانِبِهِ، وَيُذَاكِرُهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ فَعَتَبَ أَحْمَدَ فَأَرْسَلَ لَهُ: لَوْ كُنْتَ بِالْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْ حِمَارِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ!، وَكَانَتْ لَهُ الْمَعْرِفَةُ التَّامَّةُ بِالرَّمْيِ حَتَّى يُصِيبَ عَشَرَةً مِنْ عَشَرَةٍ، وَبِالْفُرُوسِيَّةِ حَتَّى يَأْخُذَ بِأُذُنِهِ، وَأُذُنِ الْفَرَسِ فِي شِدَّةِ عَدْوِهِ. رُوِيَ أَنَّهُ سَمِعَ قَارِئًا يَقْرَأُ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ - وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦] ; فَتَغَيَّرَ الشَّافِعِيُّ، وَارْتَعَدَ، وَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مَقَامِ الْكَذَّابِينَ، وَمِنْ إِعْرَاضِ الْجَاهِلِينَ هَبْ لِي مِنْ رَحْمَتِكَ، وَجَلِّلْنِي بِسَتْرِكَ، وَاعْفُ عَنِّي بِكَرَمِكَ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى غَيْرِكَ، وَلَا تُقَنِّطْنِي مِنْ خَيْرِكَ. وَمِنْ كَلَامِهِ: لَوْ لَمْ يَكُنِ الْعُلَمَاءُ أَوْلِيَاءَ فَلَيْسَ لِلَّهِ وَلِيٌّ، مَا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلِيًّا جَاهِلًا. قَالَ الْمُزَنِيُّ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ فَقَالَ: أَصْبَحْتُ مِنَ الدُّنْيَا رَاحِلًا، وَلِإِخْوَانِي مُفَارِقًا، وَلِكَأْسِ الْمَنِيَّةِ شَارِبًا، وَلِسُوءِ أَعْمَالِي مُلَاقِيًا، وَعَلَى اللَّهِ وَارِدًا، فَلَا أَدْرِي رُوحِي تَصِيرُ إِلَى الْجَنَّةِ فَأُهَنِّيهَا، أَوْ إِلَى النَّارِ فَأُعَزِّيهَا!، ثُمَّ بَكَى، وَأَنْشَدَ يَقُولُ:
وَلَمَّا قَسَا قَلْبِي، وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي ... جَعَلْتُ رَجَائِي نَحْوَ عَفْوِكَ سُلَّمَا
تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ ... بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا
تُوُفِّيَ آخَرَ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ، أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَكَانَ قَدْ صَلَّى الْمَغْرِبَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ، وَقَبْرُهُ بِقَرَافَةِ مِصْرَ، وَعَاشَ أَرْبَعًا وَخَمْسِينَ سَنَةً.
(وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ فَالنِّسْبَةُ الْأُولَى مَجَازِيَّةٌ (الشَّيْبَانِيِّ): نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةٍ وَهُوَ الْمَرْوَزِيُّ، ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ، وُلِدَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَهُ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، كَانَ إِمَامًا فِي الْفِقْهِ، وَالْحَدِيثِ، وَالزُّهْدِ، وَالْوَرَعِ، وَالْعِبَادَةِ، وَبِهِ عُرِفَ الصَّحِيحُ، وَالسَّقِيمُ، وَالْمَجْرُوحُ مِنَ الْمُعَدَّلِ، نَشَأَ بِبَغْدَادَ، وَطَلَبَ الْعِلْمَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ شُيُوخِهَا، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى مَكَّةَ، وَالْكُوفَةِ، وَالْبَصْرَةِ، وَالْمَدِينَةِ، وَالْيَمَنِ، وَالشَّامِ، وَالْجَزِيرَةِ، وَسَمِعَ مِنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ هَمَّامٍ وَغَيْرِهِمْ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ صَالِحٌ وَعَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ عَمِّهِ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ النَّيْسَابُورِيُّ، وَأَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ، إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرْ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا فِي آخِرِ (كِتَابِ الصَّدَقَاتِ) تَعْلِيقًا، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ عَنْهُ: فَضَائِلُهُ كَثِيرَةٌ، وَمَنَاقِبُهُ شَهِيرَةٌ، وَهُوَ أَحَدُ الْمُجْتَهِدِينَ الْمَعْمُولِ بِقَوْلِهِ وَرَأْيِهِ وَمَذْهَبِهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: كَانَ أَحْمَدُ يَحْفَظُ أَلْفَ أَلْفِ حَدِيثٍ، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُدْرِيكَ؟ قَالَ: ذَاكَرْتُهُ فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ الْأَبْوَابَ قَالَ أَيْضًا: حَرَزْتُ كُتُبَهُ اثْنَيْ عَشَرَ حِمْلًا أَوْ عَدْلًا كُلُّ ذَلِكَ كَانَ يَحْفَظُهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ: كَأَنَّ مُجَالَسَةَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مُجَالَسَةُ الْآخِرَةِ لَا يُذْكَرُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى: حُمِلَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِيرَاثُهُ عَنْ مِصْرَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، فَحَمَلَ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثَلَاثَةَ أَكْيَاسٍ فِي كُلِّ كِيسٍ أَلْفُ دِينَارٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، هَذَا مِيرَاثٌ حَلَالٌ فَخُذْهَا، وَاسْتَعِنْ بِهَا عَلَى عَائِلَتِكَ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا، أَنَا فِي كِفَايَةٍ ; فَرَدَّهَا، وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: كُنْتُ أَسْمَعُ أَبِي كَثِيرًا فِي دُبُرِ صَلَاتِهِ: اللَّهُمَّ كَمَا صُنْتَ وَجْهِي عَنْ
السُّجُودِ لِغَيْرِكَ فَصُنْ وَجْهِي عَنِ الْمَسْأَلَةِ لِغَيْرِكَ!، وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ الْأَصْبَغِ: كُنْتُ بِبَغْدَادَ فَسَمِعْتُ ضَجَّةً فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ ! فَقَالُوا: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُمْتَحَنُ، فَدَخَلْتُ فَلَمَّا ضُرِبَ سَوْطًا قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَلَمَّا ضُرِبَ الثَّانِي قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَلَمَّا ضُرِبَ الثَّالِثَ قَالَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَلَمَّا ضُرِبَ الرَّابِعَ قَالَ: لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا! فَضُرِبَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ سَوْطًا، وَكَانَتْ تِكَّةُ أَحْمَدَ حَاشِيَةَ ثَوْبٍ فَانْقَطَعَتْ فَنَزَلَ السِّرْوَالُ إِلَى عَانَتِهِ فَرَمَى أَحْمَدُ طَرَفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَمَا كَانَ بِأَسْرَعِ مِنَ ارْتِقَاءِ السِّرْوَالِ، وَلَمْ يَنْزِلْ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ رَأَيْتُكَ تُحَرِّكُ شَفَتَيْكَ فَأَيَّ شَيْءٍ قُلْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي مَلَأْتَ بِهِ الْعَرْشَ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي عَلَى الصَّوَابِ فَلَا تَهْتِكْ لِي سِتْرًا. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِنْدِيُّ: رَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي النَّوْمِ فَقُلْتُ: مَا صَنَعَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي. ثُمَّ قَالَ: يَا أَحْمَدُ ضُرِبْتَ فَيَّ. قَالَ: قَلْتُ نَعَمْ يَا رَبِّ قَالَ: يَا أَحْمَدُ هَذَا وَجْهِي فَانْظُرْ إِلَيْهِ فَقَدَ أَبَحْتُكَ النَّظَرَ إِلَيْهِ. رُوِيَ أَنَّهُ أَرْسَلَ الشَّافِعِيُّ إِلَى بَغْدَادَ يَطْلُبُ قَمِيصَهُ الَّذِي ضُرِبَ فِيهِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَيْهِ فَغَسَلَهُ الشَّافِعِيُّ، وَشَرِبَ مَاءَهُ، وَهَذَا مِنْ أَجْلِ مَنَاقِبِهِ. قَالَ وَلَدُهُ صَالِحٌ: إِنَّهُ حَجَّ خَمْسَ حِجَجٍ ثَلَاثًا مِنْهَا رَاجِلًا، وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَأْتَدِمُ بِالْخَلِّ. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ أَمَرَ أَنْ يُمْسَحَ الْمَوْضِعُ الَّذِي وَقَفَ النَّاسُ فِيهِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَبَلَغَ مُقَامَ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ أَلْفٍ، وَأَسْلَمَ يَوْمَ وَفَاتِهِ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَقَبْرُهُ ظَاهِرٌ بِبَغْدَادَ يُزَارُ، وَيُتَبَرَّكُ بِهِ.
وَكُشِفَ لَمَّا دُفِنَ بِجَنْبِهِ بَعْضُ الْأَشْرَافِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِمِائَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً فَوُجِدَ كَفَنُهُ صَحِيحًا لَمْ يَبْلَ، وَجُثَّتُهُ لَمْ تَتَغَيَّرْ.
[تَنْبِيهٌ]: اعْتُرِضَ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ تَفْضِيلُ كُتُبِ السُّنَنِ عَلَى مُسْنَدِ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ أَكْبَرُ الْمَسَانِيدِ، وَأَحْسَنُهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يُدْخِلْ فِيهِ إِلَّا مَا يُحْتَجُّ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ اخْتَصَرَهُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا. وَقَالَ: مَا اخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَارْجِعُوا فِيهِ إِلَى الْمُسْنَدِ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُ فَحَسَنٌ، وَإِلَّا فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَمِنْ ثَمَّ بَالَغَ بَعْضُهُمْ فَأَطْلَقَ الصِّحَّةَ عَلَى كُلِّ مَا فِيهِ، وَالْحَقُّ أَنَّ فِيهِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً ضَعِيفَةً، وَبَعْضُهَا أَشَدُّ فِي الضَّعْفِ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى إِنَّ ابْنَ الْجَوْزِيِّ قَدْ أَدْخَلَ كَثِيرًا مِنْهَا فِي مَوْضُوعَاتِهِ، لَكِنْ تَعَقَّبَهُ فِي بَعْضِهَا بَعْضُهُمْ، وَفِي سَائِرِهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَحَقَّقَ نَفْيَ الْوَضْعِ عَنْ جَمِيعِ أَحَادِيثِهِ، وَأَنَّهُ أَحْسَنُ انْتِقَاءً، وَتَحْرِيرًا مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي لَمْ يَلْتَزِمْ مُؤَلِّفُوهَا الصِّحَّةَ فِي جَمِيعِهَا كَالسُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ.
قَالَ: وَلَيْسَتِ الْأَحَادِيثُ الزَّائِدَةُ فِيهِ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِأَكْثَرَ ضَعْفًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الزَّائِدَةِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ عَلَيْهِمَا. وَبِالْجُمْلَةِ، فَالسَّبِيلُ وَاحِدٌ لِمَنْ أَرَادَ الِاحْتِجَاجَ بِحَدِيثٍ مِنَ السُّنَنِ، لَا سِيَّمَا سُنَنُ ابْنِ مَاجَهْ، وَمُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، مِمَّا الْأَمْرُ فِيهِ أَشَدُّ، أَوْ بِحَدِيثٍ مِنَ الْمَسَانِيدِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا لَمْ يَشْتَرِطْ جَامِعُوهَا الصِّحَّةَ، وَالْحُسْنَ، وَتِلْكَ السَّبِيلُ أَنَّ الْمُحْتَجَّ إِنْ كَانَ أَهْلًا لِلنَّقْلِ، وَالتَّصْحِيحِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِنَ الْقِسْمَيْنِ حَتَّى يُحِيطَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِذَلِكَ، فَإِنْ وُجِدَ أَهْلًا لِتَصْحِيحٍ أَوْ تَحْسِينٍ قَلَّدَهُ، وَإِلَّا فَلَا يُقْدِمُ عَلَى الِاحْتِجَاجِ فَيَكُونُ كَحَاطِبِ لَيْلٍ، فَلَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِالْبَاطِلِ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.
(وَأَبِي عِيسَى) قِيلَ: يُكْرَهُ هَذِهِ التَّكْنِيَةُ: (مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى التِّرْمِذِيِّ): بِكَسْرِ التَّاءِ، وَالْمِيمِ، وَبِضَمِّهِمَا، وَبِفَتْحِ التَّاءِ، وَكَسْرِ الْمِيمِ مَعَ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ نِسْبَةً لِمَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ عَلَى طَرَفِ جِيحُونَ نَهْرِ بَلَخَ. الْإِمَامُ الْحُجَّةُ الْأَوْحَدُ الثِّقَةُ الْحَافِظُ الْمُتْقِنُ أَخَذَ عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وَمَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، وَسُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَأَخَذَ عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَلَهُ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ مِنْهَا: الشَّمَائِلُ، وَهَذَا كِتَابُهُ الصَّحِيحُ أَحْسَنُ الْكُتُبِ، وَأَحْسَنُهَا تَرْتِيبًا، وَأَقَلُّهَا تَكْرَارًا، وَفِيهِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِ مِنْ ذِكْرِ الْمَذَاهِبِ، وَوُجُوهِ الِاسْتِدْلَالِ، وَتَبْيِينِ أَنْوَاعٍ مِنَ الصَّحِيحِ، وَالْحَسَنِ، وَالْغَرِيبِ، وَفِيهِ جَرْحٌ، وَتَعْدِيلٌ، وَفِي آخِرِهِ كِتَابُ الْعِلَلِ. وَقَدْ جَمَعَ فِيهِ فَوَائِدَ حَسَنَةً لَا يَخْفَى قَدْرُهَا عَلَى مَنْ وَقَفَ عَلَيْهَا ; وَلِذَا قِيلَ: هُوَ كَافٍ لِلْمُجْتَهِدِ، وَمُغْنٍ لِلْمُقَلِّدِ. بَلْ قَالَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْهَرَوِيُّ: هُوَ عِنْدِي أَنْفَعُ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ ; لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَصِلُ لِلْفَائِدَةِ مِنْهُ، وَهُمَا لَا يَصِلُ إِلَيْهِمَا مِنْهُمَا إِلَّا الْعَالِمُ الْمُتَبَحِّرُ. وَقَوْلُ
ابْنِ حَزْمٍ: إِنَّهُ مَجْهُولٌ كَذِبٌ مِنْهُ، قَالَ: عَرَضْتُ هَذَا الْكِتَابَ - يَعْنِي سُنَنَهُ - عَلَى عُلَمَاءِ الْحِجَازِ، وَالْعِرَاقِ، وَخُرَاسَانَ فَرَضُوا بِهِ، وَمَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ فَإِنَّمَا فِي بَيْتِهِ نَبِيٌّ يَتَكَلَّمُ، نَعَمْ، عِنْدَهُ نَوْعُ تَسَاهُلٍ فِي التَّصْحِيحِ، وَلَا يَضُرُّهُ، فَقَدْ حَكَمَ بِالْحُسْنِ مَعَ وُجُودِ الِانْقِطَاعِ فِي أَحَادِيثَ مِنْ سُنَنِهِ، وَحَسَّنَ فِيهَا بَعْضَ مَا انْفَرَدَ رُوَاتُهُ بِهِ كَمَا صَرَّحَ هُوَ بِهِ، فَإِنَّهُ يُورِدُ الْحَدِيثَ، ثُمَّ يَقُولُ عَقِبَهُ: إِنَّهُ حَسَنٌ غَرِيبٌ، أَوْ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. لَكِنْ أُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ هَذَا اصْطِلَاحٌ جَدِيدٌ، وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ. وَقَدْ أَطْلَقَ الْحَاكِمُ، وَالْخَطِيبُ الصِّحَّةَ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ، تُوُفِّيَ بِتِرْمِذَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَعْلَى أَسَانِيدِهِ مَا يَكُونُ وَاسِطَتَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي سُنَنِهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَهُوَ: ««يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ»»، فَإِسْنَادُهُ أَقْرَبُ مِنْ إِسْنَادِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ، فَإِنَّ لَهُمْ ثُلَاثِيَّاتٍ، وَذَكَرَ فِي جَامِعِهِ بِسَنَدِهِ هَذَا الْحَدِيثَ، وَهُوَ: يَا عَلِيُّ، لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُجْنِبَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي، وَغَيْرُكَ. ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ سَمِعَهُ مِنَ الْبُخَارِيِّ.
(وَأَبِي دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيِّ): بِكَسْرِ السِّينِ الْأُولَى، وَيُفْتَحُ، وَبِكَسْرِ الْجِيمِ، وَسُكُونِ السِّينِ الثَّانِيَةِ مُعَرَّبُ سِيسْتَانِ مِنْ نَوَاحِي هُرَاةَ مِنْ بِلَادِ خُرَاسَانَ، وُلِدَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ، وَتُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْحُجَّةُ، سَكَنَ الْبَصْرَةَ، وَقَدِمَ بَغْدَادَ مِرَارًا فَرَوَى سُنَنَهُ بِهَا، وَنَقَلَهُ أَهْلُهَا عَنْهُ، وَعَرَضَهُ عَلَى أَحْمَدَ فَاسْتَجَادَهُ، وَاسْتَحْسَنَهُ، سَمِعَ أَحْمَدَ، وَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ، وَالْقَعْنَبِيَّ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَقُتَيْبَةَ، وَخَلَائِقَ لَا يُحْصَوْنَ. وَرَوَى عَنْهُ النَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُ. قَالَ جَمْعٌ: أُلِينَ الْحَدِيثُ لِأَبِي دَاوُدَ كَمَا أُلِينَ الْحَدِيدُ لِدَاوُدَ. وَكَانَ يَقُولُ: كَتَبْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ انْتَخَبْتُ مِنْهَا مَا ضَمَّنْتُهُ كِتَابَ السُّنَّةِ، جَمَعْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ آلَافِ حَدِيثٍ وَثَمَانِمِائَةِ حَدِيثٍ، ذَكَرْتُ الصَّحِيحَ، وَمَا يُشْبِهُهُ، وَيُقَارِبُهُ، وَيَكْفِي الْإِنْسَانَ لِدِينِهِ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ أَحَدُهَا: قَوْلُهُ ﵊ ««إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»»، وَالثَّانِي: قَوْلُهُ ﵊: ««مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ»»، وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ ﵊: ««لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَرْضَى لِأَخِيهِ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ»»، وَالرَّابِعُ: ««إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ»» الْحَدِيثَ. وَمِنْ أَشْعَارِ الشَّافِعِيِّ:
عُمْدَةُ الدِّينِ عِنْدَنَا كَلِمَاتٌ ... أَرْبَعٌ قَالَهُنَّ خَيْرُ الْبَرِيَّةْ
اتَّقِ السَّيِّئَاتِ، وَازْهَدْ، وَدَعْ مَا ... لَيْسَ يَعْنِيكَ، وَاعْمَلَنَّ بِنِيَّةْ
فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: (ازْهَدْ) حَدِيثَ الْأَرْبَعِينَ: («ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ») .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ شَارِحُهُ: لَمْ يُصَنَّفْ فِي عِلْمِ الدِّينِ مِثْلُهُ، وَهُوَ أَحْسَنُ وَضْعًا، وَأَكْثَرُ فِقْهًا مِنَ الصَّحِيحَيْنِ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: مَا ذَكَرْتُ فِيهِ حَدِيثًا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: مَنْ عِنْدَهُ الْقُرْآنُ، وَكِتَابُ أَبِي دَاوُدَ لَمْ يَحْتَجْ مَعَهُمَا إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ أَلْبَتَّةَ.
وَقَالَ النَّاجِيُّ: كِتَابُ اللَّهِ أَصْلُ الْإِسْلَامِ، وَكِتَابُ أَبِي دَاوُدَ عِيدُ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيُّ بِاكْتِفَاءِ الْمُجْتَهِدِ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ، وَتَبِعَهُ أَئِمَّةُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي لِلْمُشْتَغِلِ بِالْفِقْهِ وَلِغَيْرِهِ الِاعْتِنَاءُ بِهِ ; فَإِنَّ مُعْظَمَ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ الَّتِي يُحْتَجُّ بِهَا فِيهِ مَعَ سُهُولَةِ تَنَاوُلِهِ. وَكَانَ لَهُ كُمٌّ وَاسِعٌ، وَكُمٌّ ضَيِّقٌ فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: أَمَّا الْوَاسِعُ فَلِلْكُتُبِ، وَأَمَّا الضَّيِّقُ فَلِلِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ، وَفَضَائِلُهُ وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ فِي أَعْلَى دَرَجَةٍ مِنَ النُّسُكِ، وَالْعَفَافِ، وَالصَّلَاحِ، وَالْوَرَعِ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: مَا سَكَتَ عَلَيْهِ لَا يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَا رَوَاهُ فِي سُنَنِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ ضَعْفَهُ هُوَ عِنْدَهُ صَحِيحٌ، أَوْ حَسَنٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَا سَكَتَ عَلَيْهِ صَحِيحٌ عِنْدَهُ سِيَّمَا إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَابِ غَيْرُهُ. وَأَطْلَقَ ابْنُ مَنْدَهْ، وَابْنُ السَّكَنِ الصِّحَّةَ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَوَافَقَهُمَا الْحَاكِمُ.
(وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ النَّسَائِيِّ): بِفَتْحِ النُّونِ، وَالْمَدِّ كَمَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَبِالْقَصْرِ كَمَا فِي طَبَقَاتِ الْفُقَهَاءِ نِسْبَةً إِلَى بَلَدٍ بِخُرَاسَانَ قُرَيْبَ مُرْوَ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ مِنْ كُوَرِ نَيْسَابُورَ، أَوْ مِنْ أَرْضِ فَارِسَ فَغَيْرُ صَحِيحٍ. أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ، سَمِعَ مِنْ: إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ أَشْعَثَ، وَمَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، وَعَلِيِّ بْنِ حَجَرٍ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَآخَرِينَ بِبِلَادٍ كَثِيرَةٍ، وَأَقَالِيمَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَأَخَذَ عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرُونَ: كَالطَّبَرَانِيِّ، وَالطَّحَاوِيِّ، وَابْنِ السُّنِّيِّ، وَدَخَلَ دِمَشْقَ فَسُئِلَ عَنْ مُعَاوِيَةَ فَفَضَّلَ عَلَيْهِ عَلِيًّا ; فَأُخْرِجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَحُمِلَ إِلَى الرَّمْلَةِ، وَمَاتَ بِهَا، وَقِيلَ: إِلَى مَكَّةَ، وَدُفِنَ بِهَا بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةَ. وَجَرَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْحُفَّاظِ فَقَالَ: مَاتَ ضَرْبًا بِالْأَرْجُلِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ حِينَ أَجَابَهُمْ لَمَّا سَأَلُوهُ عَنْ فَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ لِيُرَجِّحُوهُ بِهَا عَلَى عَلِيٍّ بِقَوْلِهِ: أَلَا يَرْضَى مُعَاوِيَةُ رَأْسًا بِرَأْسٍ حَتَّى يَفْضُلَ. وَفِي رِوَايَةٍ: مَا أَعْرِفُهُ إِلَّا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطْنَهُ، وَمَا زَالُوا يَضْرِبُونَهُ بِأَرْجُلِهِمْ حَتَّى أُخْرِجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ حُمِلَ إِلَى مَكَّةَ فَمَاتَ مَقْتُولًا شَهِيدًا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالرَّمْلَةِ، وَكَذَا قَالَ الْعَبْدَرِيُّ: إِنَّهُ مَاتَ بِالرَّمْلَةِ بِمَدِينَةِ فِلَسْطِينَ، وَدُفِنَ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَسِنُّهُ ثَمَانٍ وَثَمَانُونَ سَنَةً فِيمَا قَالَهُ الذَّهَبِيُّ، وَمَنْ تَبِعَهُ، وَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ مَاتَ بِمَكَّةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَهُوَ مَدْفُونٌ بِهَا. وَنَقَلَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ عَنْ شَيْخِهِ الْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ، وَوَالِدِهِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ السُّبْكِيِّ أَنَّ النَّسَائِيَّ أَحْفَظُ مِنْ مُسْلِمٍ صَاحِبِ الصَّحِيحِ، وَأَنَّ سُنَنَهُ أَقَلُّ السُّنَنِ بَعْدَ الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثًا ضَعِيفًا، بَلْ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: إِنَّهُ أَشْرَفُ الْمُصَنَّفَاتِ كُلِّهَا، وَمَا وُضِعَ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُهُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ، وَابْنُ السَّكَنِ، وَأَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ، وَأَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ، وَالْخَطِيبُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ: كُلُّ مَا فِيهِ صَحِيحٌ، لَكِنْ فِيهِ تَسَاهُلٌ صَرِيحٌ. وَشَذَّ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ فَفَضَّلَهُ عَلَى كِتَابِ الْبُخَارِيِّ، وَلَعَلَّهُ لِبَعْضِ الْحَيْثِيَّاتِ الْخَارِجَةِ عَنْ كَمَالِ الصِّحَّةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: صَنَّفَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ كِتَابًا يُقَالُ لَهُ: السُّنَنُ الْكَبِيرُ لِلنَّسَائِيِّ، وَهُوَ كِتَابٌ جَلِيلٌ، لَمْ يُكْتَبْ مِثْلُهُ فِي جَمْعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَبَيَانِ مَخْرَجِهِ، وَبَعْدَهُ اخْتَصَرَهُ، وَسَمَّاهُ بِالْمُجْتَنَى بِالنُّونِ ; وَسَبَبُ اخْتِصَارِهِ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أُمَرَاءِ زَمَانِهِ سَأَلَهُ إِنَّ جَمِيعَ أَحَادِيثِ كِتَابِكَ صَحِيحٌ؟ فَقَالَ فِي جَوَابِهِ: لَا، فَأَمَرَهُ الْأَمِيرُ بِتَجْرِيدِ الصِّحَاحِ، وَكِتَابَةِ صَحِيحٍ مُجَرَّدٍ ; فَانْتَخَبَ مِنْهُ الْمُجْتَنَى، وَكُلُّ حَدِيثٍ تُكُلِّمَ فِي إِسْنَادِهِ أَسْقَطَهُ مِنْهُ، فَإِذَا أَطْلَقَ الْمُحَدِّثُونَ بِقَوْلِهِمْ: رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فَمُرَادُهُمْ هَذَا الْمُخْتَصَرُ الْمُسَمَّى بِالْمُجْتَنَى لَا الْكِتَابُ الْكَبِيرُ، وَكَذَا إِذَا قَالُوا: الْكُتُبُ الْخَمْسَةُ، أَوْ أُصُولُ الْخَمْسَةِ فَهِيَ: الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَسُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، وَجَامِعُ التِّرْمِذِيِّ، وَمُجْتَنَى النَّسَائِيِّ.
(وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، ابْنِ مَاجَهْ): بِإِثْبَاتِ أَلْفِ ابْنِ خَطًّا ; فَإِنَّهُ بَدَلٌ مِنَ ابْنِ يَزِيدَ، فَفِي الْقَامُوسِ: مَاجَهْ لَقَبُ وَالِدِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ صَاحِبِ السُّنَنِ لَا جَدُّهُ، وَفِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ أَنَّ مَاجَهْ اسْمُ أُمِّهِ (الْقَزْوِينِيِّ): بِفَتْحِ الْقَافِ نِسْبَةً إِلَى بَلَدٍ مَعْرُوفٍ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ صَاحِبُ السُّنَنِ الَّتِي كَمَّلَ بِهِ الْكُتُبَ السِّتَّةَ، وَالسُّنَنَ الْأَرْبَعَةَ بَعْدَ الصَّحِيحَيْنِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَوَّلُ مَنْ أَضَافَ ابْنَ مَاجَهْ إِلَى الْخَمْسَةِ الْفَضْلُ بْنُ طَاهِرٍ حَيْثُ أَدْرَجَهُ مَعَهَا فِي أَطْرَافِهِ، وَكَذَا فِي شُرُوطِ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ، ثُمَّ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ فِي كِتَابِ الْإِكْمَالِ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ الَّذِي هَذَّبَهُ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ، وَقَدَّمُوهُ عَلَى الْمُوَطَّأِ ; لِكَثْرَةِ زَوَائِدِهِ عَلَى الْخَمْسَةِ بِخِلَافِ الْمُوَطَّأِ، وَهُوَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ: كِتَابٌ مُفِيدٌ قَوِيُّ التَّبْوِيبِ فِي الْفِقْهِ، لَكِنْ فِيهِ أَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ جِدًّا بَلْ مُنْكِرَةٌ. بَلْ نُقِلَ عَنِ الْحَافِظِ الْمِزِّيِّ أَنَّ الْغَالِبَ فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ الضَّعْفُ، وَلِذَا لَمْ يُضِفْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ إِلَى الْخَمْسَةِ، بَلْ جَعَلُوا السَّادِسَ الْمُوَطَّأَ مِنْهُمْ: رَزِينٌ، وَالْمَجْدُ ابْنُ الْأَثِيرِ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ مُسْنَدُ الدَّارِمِيِّ سَادِسًا لِلْخَمْسَةِ بَدَلَهُ ; فَإِنَّهُ قَلِيلُ الرِّجَالِ الضُّعَفَاءِ نَادِرُ الْأَحَادِيثِ الْمُنْكَرَةِ، وَالشَّاذَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَحَادِيثُ مُرْسَلَةٌ، وَمَوْقُوفَةٌ، فَهُوَ مَعَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْهُ. تُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً سَمِعَ أَصْحَابَ مَالِكٍ، وَاللَّيْثَ. وَرَوَى عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ الْقَطَّانُ، وَخَلْقٌ سِوَاهُ، وَلَهُ ثُلَاثِيَّاتٌ مِنْ طَرِيقِ جُبَارَةَ بْنِ الْمُغَلِّسِ، وَلَهُ حَدِيثٌ فِي فَضْلِ قَزْوِينَ أَوْرَدَهُ فِي سُنَنِهِ، وَهُوَ مُنْكَرٌ بَلْ مَوْضُوعٌ، وَلِذَا طَعَنَ فِيهِ، وَفِي كِتَابِهِ.
(وَأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ): السَّمَرْقَنْدِيِّ التَّمِيمِيِّ (الدَّارِمِيِّ): بِكَسْرِ الرَّاءِ نِسْبَةً إِلَى دَارِمِ بْنِ مَالِكٍ بَطْنٍ كَبِيرٍ مِنْ تَمِيمٍ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ عَالِمُ سَمَرْقَنْدَ صَنَّفَ التَّفْسِيرَ، وَالْجَامِعَ، وَمُسْنَدَهُ الْمَشْهُورَ، وَهُوَ عَلَى الْأَبْوَابِ لَا الصَّحَابَةِ خِلَافًا لِمَنْ وَهَمَ فِيهِ. رَوَى عَنْ: الْبُخَارِيِّ، وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَالنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ: رَأَيْتُ الْعُلَمَاءَ بِالْحَرَمَيْنِ، وَالْحِجَازِ، وَالشَّامِ، وَالْعِرَاقِ فَمَا رَأَيْتُ فِيهِمْ أَجْمَعَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ. وَرَوَى عَنْهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ إِمَامُ أَهْلِ زَمَانِهِ تُوُفِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَدُفِنَ يَوْمَ عَرَفَةَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَوُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ أَرْبَعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَلَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ حَدِيثًا هِيَ ثُلَاثِيَّاتٌ.
(وَأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيِّ): بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَيُسَكَّنُ، وَبِضَمِّ الْقَافِ، وَسُكُونِ الطَّاءِ بَعْدَهُ نُونٌ نِسْبَةً لِدَارِ الْقُطْنِ، وَكَانَتْ مَحِلَّةً كَبِيرَةً بِبَغْدَادَ، وَهُوَ إِمَامُ عَصْرِهِ، وَحَافِظُ دَهْرِهِ صَاحِبُ السُّنَنِ، وَالْعِلَلِ، وَغَيْرِهِمَا، انْتَهَى إِلَيْهِ عِلْمُ الْأَثَرِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِعِلَلِ الْحَدِيثِ، وَأَسْمَاءِ الرِّجَالِ، وَأَحْوَالِ الرُّوَاةِ مَعَ الصِّدْقِ، وَالْأَمَانَةِ، وَالثِّقَةِ، وَالْعَدَالَةِ، وَصِحَّةِ الِاعْتِقَادِ، وَالتَّضَلُّعِ بِعُلُومٍ شَتَّى: كَالْقِرَاءَةِ، وَلَهُ فِيهَا كِتَابٌ لَمْ يُسْبَقْ إِلَى مِثْلِهِ. أَخَذَ عَنْهُ الْأَئِمَّةُ: كَأَبِي نُعَيْمٍ، وَالْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيِّ، وَالْبُرْقَانِيِّ، وَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيِّ، وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ، وَالْجَوْهَرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَمَاتَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
(وَأَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيِّ): نِسْبَةً لِبَيْهَقَ عَلَى وَزْنِ صَيْقَلٍ بَلَدٌ قُرْبَ نَيْسَابُورَ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْجَلِيلُ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ الْأُصُولِيُّ الزَّاهِدُ الْوَرِعُ، وَهُوَ أَكْبَرُ أَصْحَابِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ. وَقَدْ أَخَذَ عَنِ ابْنِ فَوْرَكٍ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ. رُوِيَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي مَجْلِسِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ تَرَكَ الْحَاكِمُ رَاوِيًا مِنْ إِسْنَادِ حَدِيثٍ ; فَنَبَّهَ عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ ; فَتَغَيَّرَ الْحَاكِمُ ; فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الْأَصْلِ، فَحَضَرَ الْأَصْلُ ; فَكَانَ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ. رَحَلَ إِلَى الْحِجَازِ، وَالْعِرَاقِ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالتَّصْنِيفِ بَعْدَ أَنْ صَارَ وَاحِدَ زَمَانِهِ، وَفَارِسَ مَيْدَانِهِ. وَأَلَّفَ كِتَابَهُ السُّنَنَ الْكُبْرَى، وَكِتَابَ الْمَبْسُوطِ فِي نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ، وَكِتَابَ مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ، وَقِيلَ: وَصَلَ تَصَانِيفُهُ إِلَى أَلْفِ جُزْءٍ، وَمِنْ تَصَانِيفِهِ: دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ، وَكِتَابُ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَكِتَابُ الْآدَابِ، وَكِتَابُ فَضَائِلِ
الصَّحَابَةِ، وَفَضَائِلِ الْأَوْقَاتِ، وَكِتَابُ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَكِتَابُ الْخِلَافِيَّاتِ، وَكَانَ لَهُ غَايَةُ الْإِنْصَافِ فِي الْمُنَاظَرَةِ، وَالْمُبَاحَثَةِ، وَكَانَ عَلَى سِيرَةِ الْعُلَمَاءِ قَانِعًا مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ، مُتَجَمِّلًا فِي زُهْدِهِ، وَوَرَعِهِ، صَائِمَ الدَّهْرِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثِينَ سَنَةً. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: مَا مِنْ شَافِعِيٍّ إِلَّا وَلِلشَّافِعِيِّ فِي عُنُقِهِ مِنَّةٌ إِلَّا الْبَيْهَقِيَّ فَإِنَّهُ لَهُ عَلَى الشَّافِعِيِّ مِنَّةٌ ; لِتَصَانِيفِهِ فِي نُصْرَةِ مَذْهَبِهِ، وَأَقَاوِيلِهِ. تُوُفِّيَ بِنَيْسَابُورَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَحُمِلَ تَابُوتُهُ إِلَى قَرْيَةٍ مِنْ نَاحِيَةِ بَيْهَقَ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ أَرْبَعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً. قِيلَ: مَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
(وَأَبِي الْحَسَنِ رَزِينِ): بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَكَسْرِ الزَّايِ (بْنِ مُعَاوِيَةَ الْعَبْدَرِيِّ): بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفَتْحِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ، مَنْسُوبٌ إِلَى عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ بَطْنٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهُوَ الْحَافِظُ الْجَلِيلُ صَاحِبُ كِتَابِ التَّجْرِيدِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصِّحَاحِ. مَاتَ بَعْدَ الْعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. (وَغَيْرِهِمْ): بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى (مَثْلُ)، (وَقَلِيلٌ مَا): مَا: زَائِدَةٌ إِبْهَامِيَّةٌ تَزِيدُ الشُّيُوعَ، وَالْمُبَالَغَةَ فِي الْقِلَّةِ (هُوَ) أَيْ: غَيْرُهُمْ، وَالْإِفْرَادُ لِلَفْظِ غَيْرِهِمْ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَلِيلٌ، وَنَظِيرُهُ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] . فَلَمَّا انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى آخِرِ الرِّجَالِ الْمَذْكُورِينَ، وَالْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ سَنَحَ بِالْخَاطِرِ الْفَاتِرِ مَا ذَكَرَهُ السَّادَاتُ الصُّوفِيَّةُ أَرْبَابُ الْهِدَايَةِ: أَنَّ النِّهَايَةَ هِيَ الرُّجُوعُ إِلَى الْبِدَايَةِ ; فَأَنْتَجَ أَنْ أَخْتِمَ ذِكْرَهُمْ بِمَنَاقِبِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، وَالْهُمَامِ الْأَقْدَمِ ; لِيَكُونَ كَمِسْكِ الْخِتَامِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَيْضًا فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ رَاجِيًا حُصُولَ بَرَكَةِ كَمَالِهِ، لَكِنْ بَعْدَ ذِكْرِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، وَأَوْرَدَ اعْتِذَارًا عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَقَدْ بَدَأْنَا بِذِكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُقْدَّمُ زَمَانًا، وَقَدْرًا، وَمَعْرِفَةً، وَعِلْمًا. قُلْتُ: كُلُّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِمَامِنَا غَيْرُ صَحِيحٍ، أَمَّا تَقَدُّمُ زَمَانِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ فَصَرِيحٌ إِذْ وُلِدَ مَالِكٌ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، وَوُلِدَ أَبُو حَنِيفَةَ سَنَةَ ثَمَانِينَ، وَأَمَّا تَقَدُّمُ قَدْرِهِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فَمَرْدُودٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، وَإِمَامُنَا مِنَ التَّابِعِينَ كَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ: ««خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»»، وَأَمَّا مَعْرِفَتُهُ فَمَعْرُوفَةٌ ; لِأَنَّهَا عَمَّتِ الْخَلْقَ شَرْقًا، وَغَرْبًا سِيَّمَا فِي بِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَوِلَايَةِ الْهِنْدِ، وَالرُّومِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ إِمَامًا غَيْرَهُ، وَلَا يَعْلَمُونَ مَذْهَبًا سِوَى مَذْهَبِهِ. وَبِالْجُمْلَةِ، فَأَتْبَاعُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَتْبَاعِ جَمِيعِ الْأَئِمَّةِ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، كَمَا أَنَّ أَتْبَاعَ النَّبِيِّ ﷺ أَكْثَرُ مِنْ أَتْبَاعِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُمْ ثُلُثَا أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَالْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا تَجِيءُ ثُلْثَيِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا عِلْمُهُ فَيَكْفِي مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي حَقِّهِ: الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْفِقْهِ، وَالْعُذْرُ فِي كَثْرَةِ اشْتِغَالِهِ بِالْأُمُورِ الْفِقْهِيَّةِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْفَرْعِيَّةِ، وَالدَّلَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ أَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ الْأَهَمُّ، وَاحْتِيَاجُ النَّاسِ إِلَيْهِ أَتَمُّ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ اشْتِغَالٌ بِالْمَعْنَى الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالدِّرَايَةِ، وَهُوَ مُفَضَّلٌ عَلَى التَّعَلُّقِ بِالْمَبْنَى الَّذِي يُقَالُ لَهُ الرِّوَايَةُ، وَهَذَا فَاقَ عَلَى أَقْرَانِهِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ سَأَلَهُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ مَسَائِلَ، وَأَرَادَ الْبَحْثَ مَعَهُ بِوَسَائِلَ ; فَأَجَابَ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ فَقَالَ لَهُ الْأَوْزَاعِيُّ: مِنْ أَيْنَ هَذَا الْجَوَابُ؟ فَقَالَ: مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَيْتُمُوهَا، وَمِنَ الْأَخْبَارِ، وَالْآثَارِ الَّتِي نَقَلْتُمُوهَا، وَبَيَّنَ لَهُ وَجْهَ دِلَالَاتِهَا، وَطَرِيقَ اسْتِنْبِاطِهَا ; فَأَنْصَفَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَلَمْ يَتَعَسَّفْ فَقَالَ: نَحْنُ الْعَطَّارُونَ، وَأَنْتُمُ الْأَطِبَّاءُ، أَيِ: الْعَارِفُونَ بِالدَّاءِ، وَالدَّوَاءِ. وَأَيْضًا كَانَ عِنْدَهُ أَنَّ نَقْلَ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِاللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى، فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَقِلُّ التَّحْدِيثُ بِالْمَبْنَى مَعَ أَنَّ لَهُ مَسَانِيدَ مُتَعَدِّدَةً، وَأَسَانِيدَ مُعْتَمَدَةً يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْخِبْرَةِ، وَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ، ثُمَّ يَدُلُّ عَلَى عُلُوِّ سَنَدِهِ أَنَّهُ رَوَى الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ، وَلَا يُوهَبُ»» كَذَا ذَكَرَهُ التَّمِيمِيُّ شَارِحُ النُّقَايَةِ فِي فَصْلِ الْوَلَاءِ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ نَقْلًا عَنِ
الْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ أَنَّ الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. وَقَالَ الْفَاضِلُ تِلْمِيذُ الْإِمَامِ ابْنِ الْهُمَامِ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ، ذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ: حَمَلْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَقْرَيْ بُخْتِيٍّ كُتُبًا. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الطَّبَقَاتِ: رَوَى الرَّبِيعُ قَالَ: كَتَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَقَدْ طَلَبَ مِنْهُ كُتُبًا يَنْسَخُهَا فَأَخَّرَهَا عَنْهُ:
قُلْ لِلَّذِي لَمْ تَرَ عَيْنَا مَنْ رَآهُ مِثْلَهُ مِثْلَهُ ... وَمَنْ كَانَ مَنْ رَآهُ قَدْ رَأَى مَنْ قَبْلَهُ
الْعِلْمُ يَنْهَى أَهْلَهُ أَنْ يَمْنَعُوهُ أَهْلَهُ ... لَعَلَّهُ يَبْذُلُهُ لِأَهْلِهِ لَعَلَّهُ
وَفِي الْحَقَائِقِ شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعَانَنِي عَلَى الْفِقْهِ بِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. انْتَهَى. مُحَمَّدٌ لَهُ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مُوَطَّأُ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ، وَلَمَّا ذَكَرَ شَيْخُنَا الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ، وَالْبَحْرُ الْفَهَّامَةُ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَمُفْتِي الْأَنَامِ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ الْكَثِيرَةِ، وَالتَّآلِيفِ الشَّهِيرَةِ، مَوْلَانَا، وَسَيِّدُنَا، وَسَنَدُنَا الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ - مَنَاقِبَ الْإِمَامِ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالشَّافِعِيِّ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ، قَالَ: تَعَيَّنَ عَلَيْنَا إِذْ ذَكَرْنَا تَرَاجِمَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ أَنْ نَخْتِمَ لِرَابِعِهِمُ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِمْ تَبَرُّكًا بِهِ، لِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، وَوُفُورِ عِلْمِهِ، وَوَرَعِهِ، وَزُهْدِهِ، وَتَحْلِيَتِهِ بِالْعُلُومِ الْبَاطِنَةِ فَضْلًا عَنِ الظَّاهِرَةِ بِمَا فَاقَ فِيهِ أَهْلَ عَصْرِهِ، وَفَازَ بِحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَإِذَاعَةِ ذِكْرِهِ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ فَقِيهُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَمِنْ أَكَابِرَ التَّابِعِينَ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ زُوطَى بِضَمِّ الزَّايِ، وَفَتْحِ الطَّاءِ ابْنِ مَاهٍ مَوْلَى تَيْمِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْكُوفِيُّ. وَرَوَى الْخَطِيبُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ حَفِيدِهِ عُمَرَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ ثَابِتًا وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَزُوطَى كَانَ مَمْلُوكًا لِبَنِي تَيْمٍ فَأَعْتَقُوهُ فَصَارَ وَلَاؤُهُ لَهُمْ. وَأَنْكَرَ إِسْمَاعِيلُ أَخُو عُمَرَ الْمَذْكُورِ - حَفِيدُهُ أَيْضًا ابْنُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ - ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّ وَالِدَ ثَابِتٍ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ، وَأَنَّهُمْ أَحْرَارٌ، وَاللَّهِ مَا وَقَعَ عَلَيْنَا رِقٌّ قَطُّ، وُلِدَ جَدِّي سَنَةَ ثَمَانِينَ. وَذَهَبَ بِثَابِتٍ أَبِيهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رِضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَهُوَ صَغِيرٌ ; فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِيهِ، وَفِي ذُرِّيَّتِهِ، وَنَحْنُ نَرْجُو مِنَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدِ اسْتُجِيبَ مِنْ عَلِيٍّ فِينَا! اهـ.
وَهُوَ كَمَا رَجَا ; فَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ بَرَكَةً لَا نِهَايَةَ لِأَقْصَاهَا، وَلَا غَايَةَ لِمُنْتَهَاهَا، وَبَارَكَ فِي أَتْبَاعِهِ فَكَثُرُوا فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ، وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَرَكَةِ صِدْقِهِ، وَإِخْلَاصِهِ مَا اشْتَهَرَ بِهِ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ. أَخَذَ الْفِقْهَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَدْرَكَ أَرْبَعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ بَلْ ثَمَانِيَةً مِنْهُمْ: أَنَسٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَبُو اللَّيْلِ. قِيلَ: وَلَمْ يَلْقَ أَحَدًا مِنْهُمْ. قُلْتُ: لَكِنْ مَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي. وَسَمِعَ مِنْ عَطَاءٍ، وَأَهْلِ طَبَقَتِهِ. رَوَى عَنْهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَوَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَخَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ. وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ هُبَيْرَةَ وَالِيًا عَلَى الْعِرَاقِ لِبَنِي أُمَيَّةَ فَكَلَّمَهُ فِي أَنْ يَلِيَ لَهُ قَضَاءَ الْكُوفَةِ ; فَأَبَى عَلَيْهِ ; فَضَرَبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ عَشَرَةُ أَسْوَاطٍ، وَهُوَ مُصَمِّمٌ عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُ خَلَّى سَبِيلَهُ. وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إِذَا ذَكَرَ ضَرْبَهُ عَلَى الْقَضَاءِ، وَامْتِنَاعَهُ مِنْهُ بَكَى، وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، قُلْتُ: وَكَأَنَّهُ اقْتَدَى بِهِ فِي تَحَمُّلِ ضَرْبِهِ فِي مَسْأَلَةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ. وَاسْتَدْعَاهُ الْمَنْصُورُ أَبُو جَعْفَرٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى بَغْدَادَ لِيُوَلِّيَهُ الْقَضَاءَ فَأَبَى، فَحَلَفَ عَلَيْهِ لَيَفْعَلْنَّ، فَحَلَفَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ، وَتَكَرَّرَ هَذَا مِنْهُمَا ; فَقَالَ الرَّبِيعُ الْحَاجِبُ: أَلَا تَرَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَحْلِفُ؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى كَفَّارَةِ أَيْمَانِهِ أَقْدَرُ مِنِّي عَلَى كَفَّارَةِ أَيْمَانِي ; فَأَمَرَ بِهِ إِلَى السِّجْنِ فِي الْوَقْتِ. وَفِي رِوَايَةٍ: دَعَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ إِلَى الْقَضَاءِ فَأَبَى فَحَبَسَهُ، ثُمَّ دَعَا بِهِ فَقَالَ: أَتَرْغَبُ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ؟ فَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ; لَا أَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ ; فَقَالَ لَهُ: كَذَبْتَ، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: قَدْ حَكَمَ عَلَيَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ لَا أَصْلُحَ لِلْقَضَاءِ ;
لِأَنَّهُ نَسَبَنِي إِلَى الْكَذِبِ، فَإِنْ كُنْتُ كَاذِبًا فَلَا أَصْلُحُ، وَإِنْ كُنْتُ صَادِقًا فَقَدْ أَخْبَرْتُ أَنِّي لَا أَصْلُحُ فَرَدَّهُ إِلَى السِّجْنِ، فَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ يُونُسَ: رَأَيْتُ الْمَنْصُورَ يُحَاوِرُهُ فِي أَمْرِ الْقَضَاءِ، وَهُوَ يَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكْ فِي أَمَانَتِكَ إِلَّا مَنْ يَخَافُ اللَّهَ، وَاللَّهِ مَا أَنَا مَأْمُونُ الرِّضَا فَكَيْفَ أَكُونُ مَأْمُونَ الْغَضَبِ؟ ! فَلَا أَصْلُحُ لِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: كَذَبْتَ، أَنْتَ تَصْلُحُ، فَقَالَ: قَدْ حَكَمْتَ عَلَى نَفْسِكَ، كَيْفَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تُوَلِّيَ قَاضِيًا عَلَى أَمَانَتِكَ، وَهُوَ كَذَّابٌ؟ وَذُكِرَ أَبُو حَنِيفَةَ عِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ، فَقَالَ: أَتَذْكُرُونَ رَجُلًا عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا فَفَرَّ مِنْهَا. وَكَانَ حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الثِّيَابِ طَيِّبَ الرِّيحِ، يُعْرَفُ بِرِيحِ الطِّيبِ إِذَا أَقْبَلَ، كَثِيرَ الْكَرَمِ حَسَنَ الْمُوَاسَاةِ لِإِخْوَانِهِ رَبْعَةً أَحْسَنَ النَّاسِ مَنْطِقًا، وَأَحْلَاهُمْ نَغَمَةً. قَالَ: قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ فَظَنَنْتُ أَنِّي لَا أُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَجَبْتُ عَنْهُ، فَسَأَلُونِي عَنْ أَشْيَاءَ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي فِيهَا جَوَابٌ ; فَجَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أُفَارِقَ حَمَّادًا حَتَّى يَمُوتَ، فَصَحِبْتُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَا صَلَّيْتُ صَلَاةً مُنْذُ مَاتَ إِلَّا اسْتَغْفَرْتُ لَهُ قَبْلَ أَبَوَيَّ، أَوْ قَالَ: مَعَ وَالِدَيَّ، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ لِمَنْ تَعَلَّمْتُ مِنْهُ عِلْمًا، أَوْ تَعَلَّمَ مِنِّي عِلْمًا. قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْمَنْصُورِ فَقَالَ: عَمَّنْ أَخَذْتَ الْعِلْمَ؟ فَقُلْتُ: عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: بَخٍ بَخٍ، اسْتَوْفَيْتَ يَا أَبَا حَنِيفَةَ، وَرَأَى أَبُو حَنِيفَةَ فِي النَّوْمِ كَأَنَّهُ نَبَشَ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَبَعَثَ مَنْ سَأَلَ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ فَقَالَ: مَنْ صَاحِبُ هَذِهِ الرُّؤْيَا؟ وَلَمْ يُجِبْ عَنْهَا، ثُمَّ سَأَلَهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَأَلَهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: صَاحِبُ هَذِهِ الرُّؤْيَا يُبْرِزُ عِلْمًا لَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ إِلَيْهِ مِمَّنْ قَبْلَهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ آيَةً فَقِيلَ لَهُ: فِي الْخَيْرِ أَمْ فِي الشَّرِّ؟ قَالَ: اسْكُتْ يَا هَذَا؟ فَإِنَّهُ يُقَالُ: إِنَّهُ آيَةٌ فِي الْخَيْرِ، وَغَايَةٌ فِي الشَّرِّ، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] . وَقَالَ: كَانَ يَوْمًا فِي الْجَامِعِ فَوَقَعَتْ حَيَّةٌ فَسَقَطَتْ فِي حِجْرِهِ ; فَهَرَبَ النَّاسُ، وَهُوَ لَمْ يَزِدْ عَلَى نَفْضِهَا، وَجَلَسَ مَكَانَهُ، وَكَانَ خَزَّازًا يَبِيعُ الْخَزَّ، وَدُكَّانُهُ مَعْرُوفٌ فِي دَارِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ. وَمَاتَ أَخُو سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ لِعَزَائِهِ، فَجَاءَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَامَ إِلَيْهِ سُفْيَانُ، وَأَكْرَمَهُ، وَأَقْعَدَهُ فِي مَكَانِهِ وَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ قَالَ أَصْحَابُ سُفْيَانَ: رَأَيْنَاكَ فَعَلْتَ شَيْئًا عَجِيبًا! قَالَ: هَذَا رَجُلٌ مِنَ الْعِلْمِ بِمَكَانٍ، فَإِنْ لَمْ أَقُمْ لِعِلْمِهِ قُمْتُ لِسِنِّهِ، وَإِنْ لَمْ أَقُمْ لِسِنِّهِ قُمْتُ لِفِقْهِهِ، وَإِنْ لَمْ أَقُمْ لِفِقْهِهِ قُمْتُ لِوَرَعِهِ. وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: كَانَ النَّاسُ نِيَامًا عَنِ الْفِقْهِ حَتَّى أَيْقَظَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ بِمَا فَتَّقَهُ، وَبَيَّنَهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: النَّاسُ عِيَالُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْفِقْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَبَحَّرَ فِي الْفِقْهِ فَلْيَلْزَمْ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ الرَّبِيعِ: أَقَمْتُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ خَمْسَ سِنِينَ فَمَا رَأَيْتُ أَطْوَلَ صَمْتًا مِنْهُ، فَإِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ فِي الْفِقْهِ سَالَ كَالْوَادِي. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَا قَدِمَ مَكَّةَ فِي وَقْتِنَا رَجُلٌ أَكْثَرُ صَلَاةً مِنْهُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الزَّاهِدُ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَنَامُ فِي اللَّيْلِ. وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ: كَانَ يُسَمَّى الْوَتِدَ لِكَثْرَةِ صَلَاتِهِ. وَقَالَ زُفَرُ: كَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ كُلَّهُ بِرَكْعَةٍ يَقْرَأُ فِيهَا الْقُرْآنَ. وَقَالَ أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو: صَلَّى أَبُو حَنِيفَةَ صَلَاةَ الْفَجْرِ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ عَامَّةَ اللَّيْلِ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ، وَكَانَ يُسْمَعُ بُكَاؤُهُ حَتَّى يُرَحِّمَ عَلَيْهِ جِيرَانُهُ. وَحُفِظَ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَتَمَ الْقُرْآنَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ سَبْعَةَ آلَافِ خَتْمَةٍ، وَلَمَّا غَسَّلَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ لَهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ! لَمْ تُفْطِرْ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَلَمْ تَتَوَسَّدْ يَمِينَكَ فِي اللَّيْلِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَقَدْ أَتْعَبْتَ مَنْ بَعْدَكَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: إِنَّهُ صَلَّى الْخَمْسَ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ يَجْمَعُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ زَائِدَةُ: صَلَّيْتُ مَعَهُ فِي مَسْجِدِهِ الْعِشَاءَ، وَخَرَجَ النَّاسُ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنِّي فِي الْمَسْجِدِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ مَسْأَلَةً، فَقَامَ وَافْتَتَحَ الصَّلَاةَ فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا حَتَّى أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ، وَأَنَا أَنْتَظِرُهُ. وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ: قَامَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْلَةً بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]
يُرَدِّدُهَا، وَيَبْكِي، وَيَتَضَرَّعُ. وَقَالَ وَكِيعٌ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ قَدْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَحْلِفَ بِاللَّهِ فِي عَرْضِ كَلَامِهِ إِلَّا تَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ، فَحَلَفَ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ جَعَلَ إِنْ حَلَفَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ، فَكَانَ إِذَا حَلَفَ صَادِقًا فِي عَرْضِ كَلَامِهِ تَصَدَّقَ بِدِينَارٍ، وَكَانَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى عِيَالِهِ نَفَقَةً تَصَدَّقَ بِمِثْلِهَا، وَكَانَ إِذَا اكْتَسَى ثَوْبًا جَدِيدًا كَسَى بِقَدْرِ ثَمَنِهِ الشُّيُوخَ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَكَانَ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ الطَّعَامُ أَخَذَ مِنْهُ ضِعْفَ مَا يَأْكُلُهُ فَيَجْعَلُهُ عَلَى الْخُبْزِ، ثُمَّ يُعْطِيهِ الْفَقِيرَ، وَوَهَبَ لِمُعَلِّمِ ابْنِهِ حَمَّادٍ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ لَمَّا خَتَمَ. وَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ تَشْتَرِي مِنْهُ ثَوْبَ خَزٍّ فَأَخْرَجَ لَهَا ثَوْبًا فَقَالَتْ: إِنَّهَا ضَعِيفَةٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ فَبِعْنِيهِ بِمَا يَقُومُ عَلَيْكَ، فَقَالَ: خُذِيهِ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، فَقَالَتْ: لَا تَسْخَرْ بِي، وَأَنَا عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، فَقَالَ: إِنِّي اشْتَرَيْتُ ثَوْبَيْنِ فَبِعْتُ أَحَدَهُمَا بِرَأْسِ الْمَالِ إِلَّا أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، فَبَقِيَ هَذَا بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ لِلثَّوْرِيِّ: مَا أَبْعَدَ أَبَا حَنِيفَةَ عَنِ الْغَيْبَةِ، مَا سَمِعْتُهُ يَغْتَابُ عَدُوًّا لَهُ قَطُّ. قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ أَعْقَلُ مِنْ أَنْ يُسَلِّطَ عَلَى حَسَنَاتِهِ مَا يَذْهَبُ بِهَا. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ حَفِيدُهُ: كَانَ عِنْدَنَا رَافِضِيٌّ لَهُ بَغْلَانِ، سَمَّى أَحَدَهُمَا أَبَا بَكْرٍ، وَالْآخَرَ عُمَرَ، فَرَمَحَهُ أَحَدُهُمَا فَقَتَلَهُ فَقِيلَ لِجَدِّي، فَقَالَ: مَا قَتَلَهُ إِلَّا الْمُسَمَّى بِعُمَرَ فَكَانَ كَذَلِكَ. قُلْتُ: لِأَنَّهُ مَظْهَرُ الْجَلَالِ، وَأَبُو بَكْرٍ مَظْهَرُ الْجَمَالِ. وَكَانَ بَعْضُ جَمَاعَةِ الْمَنْصُورِ يَبْغَضُهُ فَلَمَّا رَآهُ عِنْدَ الْمَنْصُورِ قَالَ: الْيَوْمَ أَقْتُلُهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْمُرُنَا بِضَرْبِ عُنُقِ الرَّجُلِ مَا نَدْرِي مَا هُوَ، فَهَلْ لَنَا قَتْلُهُ؟ قَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَأْمُرُ بِالْحَقِّ، أَوْ بِالْبَاطِلِ؟ قَالَ: بِالْحَقِّ، قَالَ: الْزَمِ الْحَقَّ حَيْثُ قَالَ، وَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ لِمَنْ قَرُبَ مِنْهُ: إِنَّ هَذَا أَرَادَ أَنْ يُوبِقَنِي فَرَبَطْتُهُ.
وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَتُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ، وَقِيلَ: فِي السِّجْنِ عَلَى أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ سَنَةَ خَمْسِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَوْ إِحْدَى، أَوْ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ فِي رَجَبٍ بِبَغْدَادَ، وَقَبْرُهُ بِهَا يُزَارُ، وَيُتَبَرَّكُ بِهِ. وَمِنْ وَرَعِهِ أَنَّهُ أَرَادَ شِرَاءَ أَمَةٍ يَتَسَرَّى بِهَا فَاسْتَمَرَّ عِشْرِينَ سَنَةً يُفَتِّشُ السَّبَايَا، وَيَسْأَلُ عَنْهُنَّ حَتَّى اطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ بِشِرَاءِ وَاحِدَةٍ. وَمِنْ كَرَامَاتِهِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ هَرَبَ صَغِيرًا إِلَيْهِ مِنْ أُمِّهِ لِيُتْمِهِ، وَفَقْرِهِ فَجَاءَتْ أُمُّهُ لِلْإِمَامِ، وَقَالَتْ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي أَفْسَدْتَ وَلَدِي فَأَعْطَاهُ لَهَا، ثُمَّ هَرَبَ إِلَيْهِ، وَتَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ الضَّيِّقَةِ: كَيْفَ بِكَ، وَأَنْتَ تَأْكُلُ الْفَالَوْذَجَ فِي صَحْنِ الْفَيْرُوجِ؟ ! فَلَمَّا تُوُفِّيَ، وَوَصَلَ أَبُو يُوسُفَ عِنْدَ الرَّشِيدِ مَا وَصَلَ دَعَاهُ الرَّشِيدُ يَوْمًا، وَأَخْرَجَ لَهُ فَالَوْذَجًا كَذَلِكَ، فَضَحِكَ أَبُو يُوسُفَ فَعَجِبَ مِنْهُ الرَّشِيدُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا حَنِيفَةَ، وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ اهـ. كَلَامُ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ مُلَخَّصًا، وَاكْتَفَيْنَا بِكَلَامِهِ ; فَإِنَّهُ عَلَى الْمُخَالِفِينَ حُجَّةٌ، وَفِيمَا نَقَلَهُ لِلْمُوَافِقِينَ كِفَايَةٌ ; لِأَنَّ الْمُطْنِبَ فِي نَعْتِهِ مُقَصِّرٌ، وَالْمُسْهِبَ فِي مَنْقَبَتِهِ مُخْتَصِرٌ. وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ سَمِعَ رَجُلًا يَقَعُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ فَدَعَاهُ، وَقَالَ: يَا هَذَا، أَتَقَعُ فِي رَجُلٍ سَلَّمَ لَهُ جَمِيعُ النَّاسِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْفِقْهِ، وَهُوَ لَا يُسَلِّمُ لَهُمُ الرُّبْعَ؟ قَالَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: الْفِقْهُ سُؤَالٌ، وَجَوَابٌ، وَهُوَ الَّذِي تَفَرَّدَ بِوَضْعِ الْأَسْئِلَةِ فَسَلِمَ لَهُ نِصْفُ الْعِلْمِ، ثُمَّ أَجَابَ عَنِ الْكُلِّ، وَخُصُومُهُ لَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ أَخْطَأَ فِي الْكُلِّ، فَإِذَا جُعِلَ مَا وَافَقُوا فِيهِ مُقَابَلًا بِمَا خَالَفُوا فِيهِ سَلِمَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعِلْمِ، وَبَقِيَ الرُّبُعُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ النَّاسِ. وَمِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي مَنَاقِبِهِ الْمُسَمَّى بِالْخَيِّرَاتِ الْحِسَانِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: رَأَيْتُ أَبَا حَنِيفَةَ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُهُ رَجُلًا لَوْ كَلَّمَكَ فِي السَّارِيَةِ أَنْ يَجْعَلَهَا ذَهَبًا لَقَامَ بِحُجَّتِهِ. وَلَمَّا دَخَلَ الشَّافِعِيُّ بَغْدَادَ زَارَ قَبْرَهُ، وَصَلَّى عِنْدَهُ رَكْعَتَيْنِ فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرِ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ كَانَتَا الصُّبْحَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقْنُتْ فَقِيلَ
لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أَدَبُنَا مَعَ هَذَا الْإِمَامِ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ نُظْهِرَ خِلَافَهُ بِحَضْرَتِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَتَلْمَذَ لَهُ كِبَارٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَالْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. اهـ.
وَمِنْهُمْ: دَاوُدُ الطَّائِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ، وَفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَكَابِرِ السَّادَةِ الصُّوفِيَّةِ ﵃ أَجْمَعِينَ، وَمَا اسْتَظَلَّ بِحَائِطِ الْمَدْيُونِ حِينَ أَتَاهُ مُتَقَاضِيًا، وَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالٍ أَتَى بِهِ وَكِيلُهُ إِلَيْهِ لَمَّا خَلَطَ ثَمَنَ ثَوْبٍ مَعِيبٍ بِيعَ مَخْفِيًّا، قِيلَ: وَكَانَ الْمَالُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَتَرَكَ لَحْمَ الْغَنَمِ لَمَّا فُقِدَتْ شَاةٌ فِي الْكُوفَةِ سَبْعَ سِنِينَ لَمَّا قِيلَ: إِنَّهَا أَكْثَرُ مَا تَعِيشُ فِيهِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ لَمَّا قَالَ فِيمَا قَدَّمَهُ: (فَأَعْلَمْتُ مَا أَغْفُلُهُ) اسْتَشْعَرَ اعْتِرَاضًا بِأَنَّ الْإِعْلَامَ الْحَقِيقِيِّ إِنَّمَا هُوَ بِإِيرَادِ الْإِسْنَادِ الْكُلِّيِّ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ رِجَالِهِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَحُسْنِهِ، وَضَعْفِهِ، وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ فَاعْتَذَرَ عَنِ الْإِشْكَالِ فَقَالَ:
(وَإِنِّي إِذَا نَسَبْتُ الْحَدِيثَ) أَيْ: كُلَّ حَدِيثٍ (إِلَيْهِمْ) أَيْ: إِلَى بَعْضِ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ الْمَعْرُوفَةِ كُتُبُهُمْ بِأَسَانِيدِهِمْ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ (كَأَنِّي أَسْنَدْتُ) أَيِ: الْحَدِيثَ بِرِجَالِهِ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ) أَيْ: فِيمَا إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا، وَهُوَ الْغَالِبُ، وَإِلَى أَصْحَابِهِ إِذَا كَانَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ الْمَرْفُوعُ حُكْمًا ; (لِأَنَّهُمْ) أَيِ: الْأَئِمَّةُ (قَدْ فَرَغُوا مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْإِسْنَادِ الْكَامِلِ بِذِكْرِهِمْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: مِنَ الْإِسْنَادِ الْمَفْهُومِ مِنْ أَسْنَدْتُ عَلَى حَدِّ: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] . اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾ [البقرة: ٢٣٧] بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، وَالتَّقْدِيرُ: وَعَفْوُكُمْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى نَحْوَ ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَالصَّوَابُ أَنَّهُ عَلَى حَدِّ: اعْدِلُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، ثُمَّ فِي أَصْلِهِ عَلَى حَدِّ: وَأَنْ تَعْفُوا هُوَ أَقْرَبُ، وَهُوَ إِمَّا سَهْوٌ مِنَ الْكُتَّابِ، أَوْ وَهْمٌ مِنْ مُصَنِّفِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَأَغْنَوْنَا): بِهَمْزَةِ قَطْعٍ، أَيْ:، وَجَعَلُونَا فِي غِنًى، وَكِفَايَةٍ (عَنْهُ) أَيْ: عَنْ تَحْقِيقِ الْإِسْنَادِ مِنْ وَصْلِهِ، وَقَطْعِهِ، وَوَقْفِهِ، وَرَفْعِهِ، وَضَعْفِهِ، وَحُسْنِهِ، وَصِحَّتِهِ، وَوَضْعِهِ ; وَمِنْ ثَمَّ لَزِمَ الْأَخْذُ بِنَصِّ أَحَدِهِمْ عَلَى صِحَّةِ السَّنَدِ، أَوِ الْحَدِيثِ، أَوْ عَلَى حُسْنِهِ، أَوْ ضَعْفِهِ، أَوْ وَضْعِهِ، فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَجُوزُ نَقْلُ الْحَدِيثِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُؤَلَّفَةِ الْمُعْتَمَدَةِ الَّتِي اشْتَهَرَتْ، أَوْ صَحَّتْ نِسْبَتُهَا لِمُؤَلِّفِيهَا كَالْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْكُتُبِ الْمُؤَلَّفَةِ، وَسَوَاءٌ فِي جَوَازِ نَقْلِهِ مِمَّا ذُكِرَ أَكَانَ نَقْلُهُ لِلْعَمَلِ بِمَضْمُونِهِ، وَلَوْ فِي الْأَحْكَامِ، أَوْ لِلِاحْتِجَاجِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَعَدُّدُ الْأَصْلِ الْمَنْقُولِ مِنْهُ، وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ مِنَ اشْتِرَاطِهِ حَمَلُوهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَالِاسْتِظْهَارِ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ قَدْ قُوبِلَ عَلَى أَصْلٍ مُعْتَمَدٍ مُقَابَلَةً صَحِيحَةً ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ الثِّقَةُ الَّتِي مَدَارُ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهَا صِحَّةً، وَاحْتِجَاجًا، نَعَمْ، نُسَخُ التِّرْمِذِيِّ مُخْتَلِفَةٌ كَثِيرًا فِي الْحُكْمِ عَلَى الْحَدِيثِ بَلْ، وَسُنَنُ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا، فَلَا بُدَّ مِنَ الْمُقَابَلَةِ عَلَى أُصُولٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْهُمَا، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ فِي النَّقْلِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ لِلْعَمَلِ وَالِاحْتِجَاجِ أَنْ يَكُونَ لَهُ بِهِ رِوَايَةٌ إِلَى مُؤَلِّفِيهَا ; وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ كَافَّةً إِلَى أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ عَلَى سَمَاعِهِ بَلْ إِذَا صَحَّتْ عِنْدَهُ النُّسْخَةُ مِنَ السُّنَنِ جَازَ لَهُ الْعَمَلُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، وَشَذَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، فَقَالَ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقُولَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا، حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْقَوْلُ مَرْوِيًّا، وَلَوْ عَلَى أَقَلِّ وُجُوهِ الرِّوَايَاتِ ; لِقَوْلِهِ ﵊: («مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»)، وَفِي رِوَايَةٍ: بِحَذْفِ مُتَعَمِّدًا، وَتَبِعَهُ الْحَافِظُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ أَنَّهُ يَقْبُحُ لِلطَّالِبِ أَنْ لَا يَحْفَظَ بِإِسْنَادِهِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ يَتَخَلَّصُ بِهَا عَنْ كَذَا، وَعَنْ كَذَا. قَالَ: وَيَتَخَلَّصُ بِهِ مِنَ الْجَرْحِ بِنَقْلِ مَا لَيْسَتْ لَهُ بِهِ رِوَايَةٌ ; فَإِنَّهُ غَيْرُ سَائِغٍ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الدِّرَايَةِ. وَانْتَصَرَ جَمَاعَةٌ لِلْأَوَّلِ، وَقَدْ يَجْمَعُ بَيْنَ الْإِجْمَاعَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إِذَا نَظَرَ فِي الْأَصْلِ الْمُعْتَمَدِ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْحَدِيثَ لِلْعَمَلِ، أَوِ الِاحْتِجَاجِ
وَالثَّانِي: عَلَى مَا إِذَا حَدَّثَ بِأَحَادِيثِهَا مُوهِمًا نَسْبَتَهَا إِلَيْهِ قِرَاءَةً، وَإِسْنَادًا فَهَذَا لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَزِيدِ التَّغْرِيرِ. وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا أَوْرَدَ عَلَى الثَّانِي مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَنْعُ إِيرَادِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا لِمَنْ لَا رِوَايَةٌ لَهُ بِهِ، وَجَوَازُ نَقْلِ مَا لَهُ بِهِ رِوَايَةٌ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا (وَسَرَدْتُ الْكُتُبَ وَالْأَبْوَابَ) أَيْ: أَوْرَدْتُهَا، وَوَضَعْتُهَا مُتَتَابِعَةً مُتَوَالِيَةً (كَمَا سَرَدَهَا) أَيْ: رَتَّبَهَا، وَعَيَّنَهَا الْإِمَامُ الْبَغَوِيُّ فِي الْمَصَابِيحِ (وَاقْتَفَيْتُ) أَيِ: اتَّبَعْتُ (أَثَرَهُ): بِفَتْحَتَيْنِ، وَقِيلَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ: طَرِيقَهُ (فِيهَا) أَيِ: الْكُتُبِ، وَالْأَبْوَابِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمٍ، وَتَأْخِيرٍ، وَزِيَادَةِ عُنْوَانٍ، وَتَغْيِيرٍ ; فَإِنَّ تَرْتِيبَهُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، وَتَبْوِيبَهُ فِي غَايَةٍ مِنَ الِحُسْنِ، وَالْجَمَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِكَمَالِ الْمُتَابَعَةِ، وَتَبْرِئَةً عَمَّا قَدْ يَرِدُ عَلَى إِيرَادِهِ بَعْضَ الْكُتُبِ، وَالْأَبْوَابِ مِنْ وُجُوهِ الْمُنَاسَبَةِ (وَقَسَمْتُ): بِالتَّخْفِيفِ (كُلَّ بَابٍ): وَكَذَا كُلُّ كِتَابٍ أَيْ: جَعَلْتُهُ مَقْسُومًا (غَالِبًا) أَيْ: فِي غَالِبِ الْحَالِ (عَلَى فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ): وَقَيْدُ الْغَالِبِيَّةِ بِمَعْنَى الْأَكْثَرِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُوجَدُ الْفَصْلُ الثَّانِي، أَوِ الثَّالِثُ، أَوْ كِلَاهُمَا فِي بَعْضِ الْأَبْوَابِ مِنَ الْكِتَابِ.
(أَوَّلُهَا) أَيْ: أَوَّلُ الْفُصُولِ فِي هَذَا الْكِتَابِ بَدَلُ قَوْلِ الْبَغَوِيِّ فِي الْمَصَابِيحِ مِنَ الصِّحَاحِ (مَا أَخْرَجَهُ) أَيْ: أَوْرَدَهُ، أَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ بَيْنِ الْأَحَادِيثِ (الشَّيْخَانِ) أَيْ: يَزْعُمُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ: (وَإِنْ عَثَرْتَ عَلَى اخْتِلَافِ الْفَصْلَيْنِ)، أَوِ الْمُرَادُ فِي الْغَالِبِ وَالنَّادِرِ كَالْمَعْدُومِ (أَوْ أَحَدُهُمَا) أَيْ: أَحَدُ الشَّيْخَيْنِ بِزَعْمِهِ أَيْضًا، وَهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ، وَالرَّافِعِيُّ، وَالنَّوَوِيُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (وَاكْتَفَيْتُ): وَفِي نُسْخَةٍ، وَأَكْتَفِي، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْمَعْلُومَ الْتِفَاتًا، وَالْمَجْهُولَ مِنَ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ (بِهِمَا) أَيْ: بِذِكْرِهِمَا فِي التَّخْرِيجِ (وَإِنِ اشْتَرَكَ): وَصِيلَةٌ لَا تَطْلُبُ جَزَاءً وَلَا جَوَابًا (فِيهِ) أَيْ: فِي تَخْرِيجِهِ (الْغَيْرُ) أَيْ: غَيْرُهُمَا مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَالْمُخْرِجِينَ كَبَقِيَّةِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَنَحْوِهَا (لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمَا) أَيْ: عَلَى سَائِرِ الْمُخْرِجِينَ مَعَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا (فِي الرِّوَايَةِ): مُتَعَلِّقٌ بِالْعُلُوِّ، أَيْ: فِي شَرَائِطِ إِسْنَادِهَا، وَالْتِزَامِ صِحَّتِهَا مَا يَلْتَزِمُهُ غَيْرُهُمَا مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمَا أَعْلَى مَرْتَبَةً مِنْهُمَا فِي عُلُوِّ الْإِسْنَادِ، فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ أَخَذَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَهُوَ أَخَذَ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ عَنْ مَالِكٍ، وَلِذَا قَالَ بِشْرٌ الْحَافِي: إِنَّ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ حَدَّثَنَا مَالِكٌ كَذَا، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَدْحًا لِلْإِسْنَادِ بِمُقْتَضَى الْعِلْمِ الظَّاهِرِ، وَيَحْتَمِلُ ذَمًّا بِنَاءً عَلَى التَّصَوُّفِ الَّذِي مَبْنَاهُ عَلَى عِلْمِ الْبَاطِنِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: حَدَّثَنَا بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الدُّنْيَا، وَلَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ قَصْدُهُ السُّمْعَةَ، وَغَرَضُهُ الرِّيَاءَ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْأَئِمَّةَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي شَرْطِهِمَا الَّذِي الْتَزَمَاهُ ; فَإِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَالْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ، وَصَاحِبُهُ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ شَرْطَهُمَا أَنْ يَكُونَ لِلصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ بِالرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَاوِيَانِ فَأَكْثَرُ، ثُمَّ يَكُونَ لِلتَّابِعِيِّ الْمَشْهُورِ رَاوِيَانِ ثِقَتَانِ، ثُمَّ يَرْوِيهِ عَنْهُ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ الْحَافِظُ الْمُتْقِنُ الْمَشْهُورُ، وَلَهُ رُوَاةٌ ثِقَاتٌ مِنَ الطَّبَقَةِ الرَّابِعَةِ، ثُمَّ يَكُونُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ، أَوْ مُسْلِمٍ حَافِظًا مُتْقِنًا مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ فِي رِوَايَتِهِ، وَلَهُ رُوَاةٌ، ثُمَّ يَتَدَاوَلُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ بِالْقَبُولِ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَهُوَ إِنِ انْتَقَضَ فِي بَعْضِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ أَخْرَجَا لَهُمْ، فَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِيمَنْ بَعْدَهُمْ، فَلَيْسَ فِي كِتَابَيْهِمَا حَدِيثٌ أَصْلًا مِنْ رِوَايَةِ مَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا رَاوٍ وَاحِدٌ فَقَطْ اهـ.
قِيلَ: وَالْحَاكِمُ مُوَافِقٌ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الصَّحَابَةِ فَكَأَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي مُسْتَدْرَكِهِ: عَلَى شَرْطِهِمَا، أَوْ شَرْطِ أَحَدِهِمَا عِنْدَ النَّوَوِيِّ، وَابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَالذَّهَبِيِّ كَأَبِي الصَّلَاحِ أَنْ يَكُونَ رِجَالُ ذَلِكَ الْإِسْنَادِ
بِأَعْيَانِهِمْ فِي كِتَابَيْهِمَا، أَوْ كِتَابِ أَحَدِهِمَا، وَإِلَّا قَالَ صَحِيحٌ فَحَسْبُ، وَمُخَالَفَتُهُ لِذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ تُحْمَلُ عَلَى الذُّهُولِ، هَذَا، وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ لَوْ لَمْ يَكْتَفِ الْمُصَنِّفُ بِهِمَا، وَذَكَرَ فِي كُلٍّ حَدِيثَ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ رَوَاهُ كَانَ أَوْلَى، وَأَنْسَبَ، وَأَحْرَى، وَأَصْوَبَ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ وَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِ الصِّحَّةِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِمَا لَكِنْ فِي التَّرْجِيحِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ ذِكْرِ غَيْرِهِمَا ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ السِّتَّةُ مَثَلًا لَا شَكَّ فِي تَرْجِيحِهِ عَلَى الَّذِي رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا، وَلَمْ يُخْرِجْهُ غَيْرُهُمَا.
(وَثَانِيهَا) أَيْ: ثَانِي الْفُصُولِ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي الْمَصَابِيحِ بِقَوْلِهِ: مِنَ الْحِسَانِ (مَا أَوْرَدَهُ غَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ)، وَهُمْ: أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ ; فَإِنَّ أَحَادِيثَ الْمَصَابِيحِ لَا تَتَجَاوَزُ عَنْ كُتُبِ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ، وَأَكْثَرُهَا صِحَاحٌ.
(وَثَالِثُهَا): وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْفَصْلِ الثَّالِثِ (مَا اشْتَمَلَ عَلَى مَعْنَى الْبَابِ) أَيْ: عَلَى مَعْنًى عُقِدَ لَهُ الْبَابُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْكِتَابِ (مِنْ مُلْحَقَاتٍ): بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَمِنْ بَيَانِيَّةٌ لِمَا اشْتَمَلَ (مُنَاسِبَةٍ): بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ: مُشَاكِلَةٍ، وَهِيَ صِفَةُ مُلْحَقَاتٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا زِيَادَاتٌ أَلْحَقَهَا صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ عَلَى وَجْهِ الْمُنَاسَبَةِ بِكُلِّ كِتَابٍ وَبَابٍ غَالِبًا لِزِيَادَةِ الْفَائِدَةِ، وَعُمُومِ الْعَائِدَةِ (مَعَ مُحَافَظَةٍ عَلَى الشَّرِيطَةِ) أَيْ: مِنْ إِضَافَةِ الْحَدِيثِ إِلَى الرَّاوِي مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَنِسْبَتِهِ إِلَى مُخْرِجِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ. وَلَمَّا كَانَ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ مُلْتَزِمًا لِلْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ فِي كِتَابِهِ فِي الْفَصْلَيْنِ، وَلَمْ يَلْتَزِمِ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ كَانَ) أَيِ: الْمُشْتَمِلُ (مَأْثُورًا) أَيْ: مَنْقُولًا، وَمَرْوِيًّا (عَنِ السَّلَفِ) أَيِ: الْمُتَقَدِّمِينَ، وَهُمُ الصَّحَابَةُ (وَالْخَلَفِ) أَيِ: الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُمُ التَّابِعُونَ، وَاعْلَمْ أَنَّ تَقْدِيمَ السَّلَفِ عَلَى الْخَلَفِ ثَابِتٌ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَكَأَنَّهُ وَقَعَ فِي أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ سَهْوًا مِنْ تَقْدِيمِ الْخَلَفِ عَلَى السَّلَفِ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ، وَلِتَوْجِيهِهِ تَكَلُّفٌ، وَقَالَ: الْخَلَفُ هُمْ مِنْ بَعْدِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ الَّتِي أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: («خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»)، وَقَدَّمَهُمْ مَعَ أَنَّ رُتْبَتَهُمُ التَّأْخِيرُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ هَذَا الْحَدِيثُ ; لِأَنَّ تَقْدِيمَهُمْ أَنْسَبُ بِالْغَايَةِ الْمَذْكُورَةِ ; لِأَنَّهُ إِذَا أَتَى بِالْمَأْثُورِ عَنْهُمْ فَمَا عَنِ السَّلَفِ أَوْلَى اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِتَقْدِيمِ الْخَلَفِ عَلَى السَّلَفِ، نَعَمْ، لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْخَلَفِ، وَنَقَلَ فِي كِتَابِهِ عَنِ السَّلَفِ - لَكَانَ يُوَجَّهُ بِهَذَا التَّوْجِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَالسَّلَفِ، وَهُمْ أَهْلُ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ هُمْ خَيْرُ الْأُمَّةِ بِشَهَادَةِ نَبِيِّهِمْ ﷺ. وَزَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْخَلَفِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ، وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا ضَعِيفَةٌ، أَوْ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَزِيَّةً مِنْ حَيْثُ قُوَّةُ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ، وَالصَّبْرُ عَلَى مُرِّ الْحَقِّ فِي زَمَنِ الْجَوْرِ الصِّرْفِ، وَالْمَفْضُولُ قَدْ تُوجَدُ فِيهِ مَزِيَّةٌ بَلْ مَزَايَا لَا تُوجَدُ فِي الْفَاضِلِ، وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ: أَيُّمَا أَفْضَلُ مُعَاوِيَةُ، أَوْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَقَالَ: الْغُبَارُ الَّذِي دَخَلَ فِي أَنْفِ فَرَسِ مُعَاوِيَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ خَيْرٌ مِنْ مِثْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَذَا وَكَذَا مَرَّةً اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ مَا أَرَادَ إِلَّا هَذَا الْمَعْنَى بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ بِعَيْنِهَا، وَهِيَ أَنَّ الْخَلَفَ قَدْ يُوجَدُ فِيهِمُ الْكَمَالَاتُ الْعِلْمِيَّةُ، وَالرِّيَاضَاتُ الْعَمَلِيَّةُ، وَالْحَقَائِقُ الْأُنْسَيَّةُ، وَالدَّقَائِقُ الْقُدُسِيَّةُ، وَحَالَاتٌ مِنَ الْكَرَامَاتِ، وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ بِحَيْثُ إِنَّهُمْ يَكُونُونَ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، كَأَعْرَابِيٍّ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ مِنْ بَعْدُ ; فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ فِي حَقِّهِ: إِنَّهُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْخَلَفِ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَالْمَشَايِخِ الْمُعْتَبَرِينَ. وَأَمَّا فَضِيلَةُ نِسْبَةِ الصُّحْبَةِ فَلَا يُنْكِرُ مُؤْمِنٌ شَرَفَهَا، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِكْسِيرِ فِي عِظَمِ التَّأْثِيرِ. ثُمَّ تَفْسِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى مَا شَرَحَهُ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَكِنْ لَا يُلَائِمُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ ; فَإِنَّهُ مَا يَرْوِي فِي كِتَابِهِ إِلَّا عَنِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَسْمَاءُ رِجَالِهِ الْمَحْصُورِينَ فِي ذِكْرِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، فَإِذَا فَسَّرَ السَّلَفَ بِهِمْ فَلَا يَبْقَى لِذِكْرِ الْخَلَفِ مَعْنًى، وَهَذَا خَلَفٌ (ثُمَّ) أَيْ: مَا ذَكَرْتُ أَنِّي الْتَزَمْتُ مُتَابَعَةَ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ فِي كُلِّ بَابٍ (إِنَّكَ) أَيْ: أَيُّهَا النَّاظِرُ فِي كِتَابِي هَذَا (إِنْ فَقَدْتَ) أَيْ: مِنْ مَحَلِّهِ (حَدِيثًا) أَيْ: مِنْ أَصْلِهِ الَّذِي هُوَ الْمَصَابِيحُ (فِي بَابٍ): مَثَلًا، أَوْ فِي كِتَابٍ أَيْضًا، وَالْمَعْنَى: مَا وَجَدْتُهُ بِالْكُلِّيَّةِ لِئَلَّا
يَشْكُلَ بِنَقْلِهِ مِنْ بَابٍ إِلَى بَابٍ كَمَا فَعَلَهُ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْكِتَابِ (فَذَلِكَ) أَيِ: الْفَقْدُ، وَعَدَمُ الْوَجْدِ لَيْسَ صَادِرًا عَنْ طَعْنٍ، أَوْ سَهْوٍ بَلْ صَدَرَ (عَنْ تَكْرِيرٍ) أَيْ: عَنْ وُقُوعِ تَكْرَارٍ وَقَعَ فِي الْمَصَابِيحِ (أُسْقِطُهُ) أَيْ: أَحْذِفُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ لِتَكْرِيرِهِ، وَأَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِعَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرِهِ ; إِذْ لَا دَاعِي إِلَى إِتْيَانِهِ بَعْدَ ظُهُورِهِ، وَبَيَانِهِ (وَإِنْ وَجَدْتَ آخَرَ) أَيْ: صَادَفْتَ حَدِيثًا آخَرَ (بَعْضَهُ): بِالنَّصْبِ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ (مَتْرُوكًا) أَيْ: بَعْضَهُ حَالَ كَوْنِهِ جَارِيًا، أَوْ بِنَاءً (عَلَى اخْتِصَارِهِ): يَعْنِي اخْتِصَارَ مُحْيِي السُّنَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِيمَا بَعْدُ: (أَتْرُكُهُ، وَأُلْحِقُهُ)، وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إِلَى الْحَدِيثِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (أَوْ مَضْمُومًا إِلَيْهِ تَمَامُهُ): كَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا مِيرْكَشَاهْ، وَاقْتَصَرَ الطِّيبِيُّ عَلَى الْأَوَّلِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ الثَّانِي كَمَا أَفَادَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْكَلَامُ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَيَحْصُلُ تَفْكِيكُ الضَّمِيرِ، وَهُوَ غَيْرُ مُلَائِمٍ، ثُمَّ الْمَعْنَى: أَوْ وَجَدْتَ حَدِيثًا آخَرَ مَضْمُومًا إِلَيْهِ تَمَامُهُ الَّذِي أَسْقَطَهُ الْبَغَوِيُّ، أَوْ أَتَى بِهِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ (فَعَنْ دَاعِي اهْتِمَامٍ): الْفَاءُ جَزَائِيَّةٌ أَيْ: فَذَلِكَ التَّرْكُ، وَالضَّمُّ لَمْ يَقَعِ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا صَدَرَ، وَنَشَأَ عَنْ مُوجِبِ اهْتِمَامٍ. وَقِيلَ: عَنْ بِمَعْنَى اللَّامِ، أَيْ: فَهُوَ لِأَجْلِ بَاعِثِ اهْتِمَامٍ اقْتَضَى أَنِّي (أَتْرُكُهُ) أَيْ: عَلَى اخْتِصَارِهِ فِي الْأَوَّلِ (وَأُلْحِقُهُ): الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، أَيْ: وَأُلْحِقُهُ فِي الثَّانِي لِفَوَاتِ الدَّاعِي، وَالسَّبَبِ إِلَى اخْتِصَارِهِ، فَهُوَ نَشْرٌ مُرَتَّبٌ. قَالَ الْفَاضِلُ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ بِأَنَّ تِلْكَ الرِّوَايَةَ كَانَتْ مُخْتَصَرَةً عَنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ جِدًّا فَأَتْرُكُهُ اخْتِصَارًا، أَوْ كَانَ حَدِيثًا يَشْتَمِلُ عَلَى مَعَانٍ جَمَّةٍ يَقْتَضِي كُلُّ بَابٍ مَعْنًى مِنْ مَعَانِيهِ، وَأَوْرَدَ الشَّيْخُ كُلًّا فِي بَابِهِ فَاقْتَفَيْنَا أَثَرَهُ فِي الْإِيرَادِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذَيْنِ الْوَضْعَيْنِ أَتْمَمْنَاهُ غَالِبًا اهـ قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: كَذَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ، وَحَرَّرَهُ، وَأَسْنَدَ الِاخْتِصَارَ، وَالْإِتْمَامَ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مَعَ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُلَ هَذَا الْكَلَامَ مِنَ الْمُؤَلِّفِ، وَهَذَا الْأَمْرُ مِنَ الشَّارِحِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى سَمَاعِهِ مِنَ الْمُصَنِّفِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الشَّارِحِ أَنَّ هَذَا مَقْصُودُ الْمَاتِنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَإِنْ عَثَرْتَ): بِتَثْلِيثِ الْمُثَلَّثَةِ، وَالْفَتْحُ أَوْلَى. أَيْ: اطَّلَعْتَ أَيُّهَا النَّاظِرُ فِي كِتَابِي هَذَا (عَلَى اخْتِلَافٍ) أَيْ: بَيْنِي، وَبَيْنَ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ (فِي الْفَصْلَيْنِ) أَيِ: الْأَوَّلَيْنِ وَبَيَانِ الِاخْتِلَافِ قَوْلُهُ: (مِنْ ذِكْرِ غَيْرِ الشَّيْخَيْنِ): أَيْ مِنَ الْمُخْرِجِينَ (فِي الْأَوَّلِ) أَيْ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ (وَذِكْرِهِمَا) أَيْ:، أَوْ مِنْ ذِكْرٍ لِلشَّيْخَيْنِ (فِي الثَّانِي) أَيْ: مِنَ الْفَصْلَيْنِ بِأَنْ يُسْنِدَ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ فِيهِ إِلَيْهِمَا، أَوْ إِلَى أَحَدِهِمَا (فَاعْلَمْ): جَزَاءُ الشَّرْطِ أَيْ: إِنِ اطَّلَعْتَ عَلَى مَا ذُكِرَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَا صَدَرَ عَنِّي سَهْوًا، أَوْ غَفْلَةً فَلَا تَظُنَّ هَذَا، وَاعْلَمْ (أَنِّي بَعْدَ تَتَبُّعِي) أَيْ: تَفَحُّصِي، وَتَحَسُّسِي (كِتَابَيِ: الْجَمْعَ): تَثْنِيَةُ مُضَافٍ أَيْ: كِتَابَيْنِ أَحَدُهُمَا الْجَمْعُ (بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ) أَيْ: بَيْنَ كِتَابَيِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ الْمُسَمَّيَيْنِ بِالصَّحِيحَيْنِ (لِلْحُمَيْدِيِّ): مُتَعَلِّقٌ بِالْجَمْعِ، وَهُوَ بِالتَّصْغِيرِ نِسْبَةً لِجَدِّهِ الْأَعْلَى حُمَيْدٍ الْحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ الْأَنْدُلُسِيِّ الْقُرْطُبِيِّ، وَهُوَ إِمَامٌ عَالِمٌ كَبِيرٌ مَشْهُورٌ وَرَدَ بَغْدَادَ، وَسَمِعَ أَصْحَابَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَغَيْرَهُمْ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ ثَمَانِينَ، وَأَرْبَعِمِائَةٍ، (وَجَامِعَ الْأُصُولِ): بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْجَمْعِ، أَيْ: وَالْآخَرُ جَامِعُ الْأُصُولِ، أَيِ: الْكُتُبُ السِّتَّةُ لِلْإِمَامِ مَجْدِ الدِّينِ أَبِي السَّعَادَاتِ الْمُبَارَكِ بْنِ مُحَمَّدِ الْجَزَرِيِّ الشَّهِيرِ بِابْنِ الْأَثِيرِ، وَلَهُ أَيْضًا مَنَاقِبُ الْأَخْيَارِ، وَكِتَابُ النِّهَايَةِ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ، كَانَ عَالِمًا مُحَدِّثًا لُغَوِيًّا، وَكَانَ بِالْجَزِيرَةِ، وَانْتَقَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَمَاتَ بِهَا عَامَ سِتٍّ وَسِتِّمِائَةٍ (اعْتَمَدْتُ عَلَى صَحِيحَيِ الشَّيْخَيْنِ، وَمَتْنَيْهِمَا): عَطْفُ بَيَانٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَوَهَّمَ أَنَّ تَتَبُّعَهُ وَاسْتِقْرَاءَهُ غَيْرُ تَامٍّ، فَإِذَا وَافَقَ الْحُمَيْدِيَّ، وَصَاحِبَ الْأُصُولِ يَصِيرُ الظَّنُّ قَوِيًّا بِصِحَّةِ اسْتِقْرَائِهِ لِلْمُوَافَقَةِ، وَلَوِ اكْتَفَى بِتَتَبُّعِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ لَاحْتُمِلَ وُقُوعُ الْقُصُورِ فِي اسْتِقْرَائِهِمَا فَبَعْدَ اتِّفَاقٍ
الْأَرْبَعَةِ يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِالْجَزْمِ عَلَى سَهْوِ الْبَغَوِيِّ. (وَإِنْ رَأَيْتَ) أَيْ: أَبْصَرْتَ، أَوْ عَرَفْتَ أَيُّهَا النَّاظِرُ فِي الْمِشْكَاةِ، وَأَصْلِهَا مَعَ أُصُولِهِمَا (اخْتِلَافًا فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ) أَيْ: فِي مَتْنِهِ لَا إِسْنَادِهِ بِأَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْحَدِيثِ فِي الْمِشْكَاةِ مُخَالِفًا لِلَفْظِ الْمَصَابِيحِ (فَذَلِكَ) أَيِ: الِاخْتِلَافُ نَاشِئٌ (مِنْ تَشَعُّبِ طُرُقِ الْأَحَادِيثِ) أَيْ: مِنَ اخْتِلَافِ أَسَانِيدِهَا، وَرُوَاتِهَا حَتَّى عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ الْوَاحِدِ إِذْ كَثِيرًا مَا يَقَعُ لِلشَّيْخَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا، أَوْ لِغَيْرِهِمَا سَوْقُ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ بِأَلْفَاظٍ مُتَبَايِنَةٍ مُخْتَلِفَةِ الْمَعَانِي تَارَةً، وَمُؤْتَلَفَتِهَا أُخْرَى (وَلَعَلِّي): لِلْإِشْفَاقِ، أَيْ: إِذَا وَجَدْتَنِي آثَرْتُ لَفْظَ حَدِيثٍ عَلَى الَّذِي رَوَاهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْمَصَابِيحِ لَعَلِّي (مَا اطَّلَعْتُ) أَيْ: مَا وَقَفْتُ (عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ الَّتِي سَلَكَهَا الشَّيْخُ) أَيْ: أَطْلَقَهَا، وَأَوْرَدَهَا فِي مَصَابِيحِهِ ﵁: إِذْ هُوَ إِمَامٌ كَبِيرٌ، وَاطِّلَاعُهُ كَثِيرٌ، فَأَحْذِفُهَا، وَآتِي بِاللَّفْظِ الَّذِي اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ (وَقَلِيلًا مَا تَجِدُ): زِيَادَةُ مَا لِتَأْكِيدِ الْقِلَّةِ، وَنَصَبَ قَلِيلًا عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ لِقَوْلِهِ: (أَقُولُ) أَيْ: وَتَجِدُنِي أَقُولُ قَوْلًا قَلِيلًا مَا أَيْ: فِي غَايَةٍ مِنَ الْقِلَّةِ، وَالْمَقُولُ قَوْلُهُ: (مَا وَجَدْتُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ) أَيْ: مَثَلًا (فِي كُتُبِ الْأُصُولِ) أَيْ: أُصُولِ الْحَدِيثِ مِنَ الْكُتُبِ الْمَبْسُوطَةِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ السَّبْعَةِ عِنْدَ الشَّيْخِ، أَوْ مُطْلَقِ الْأُصُولِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُنْصَبَ قَلِيلًا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ (أَوْ وَجَدْتَ): مِنْ جُمْلَةِ الْمَقُولِ، وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ (خِلَافَهَا فِيهَا) أَيْ: خِلَافَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي الْأُصُولِ (فَإِذَا وَقَفْتَ عَلَيْهِ): الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَصْدَرِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ: (أَقُولُ) أَيْ: إِذَا اطَّلَعْتَ عَلَى قَوْلِي بِمَعْنَى مَقُولِيْ (هَذَا فَانْسُبْ): بِضَمِّ السِّينِ أَيْ: مَعَ هَذَا (الْقُصُورَ) أَيِ: التَّقْصِيرَ فِي التَّتَبُّعِ (إِلَيَّ لِقِلَّةِ الدِّرَايَةِ) أَيْ: دِرَايَتِي، وَتَتَبَّعْ رِوَايَتِي (لَا) أَيْ: لَا تَنْسُبِ الْقُصُورَ (إِلَى جَانِبِ الشَّيْخِ) أَيْ: إِلَى جَانِبِهِ، وَسَاحَةِ بَابِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ، وَالْعُلَمَاءِ الْكَامِلِينَ الرَّاسِخِينَ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي مِنْ مَعْنَى الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: (فَإِذَا وَقَفْتَ) أَيْ: فَإِذَا حَذَفْتُ لَفْظًا وَأَتَيْتُ بِغَيْرِهِ حَسْبَمَا اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ، وَوَقَفْتَ أَنْتَ عَلَيْهِ أَيْ: عَلَى ذَلِكَ اللَّفْظِ فِي الْأُصُولِ فَانْسُبْ إِلَيَّ آخِرَهُ. وَأَنَا أَقُولُ أَيْضًا فَانْسُبِ الْقُصُورَ إِلَيَّ لَا إِلَى الشَّيْخِ (رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَهُ): جُمْلَةٌ دِعَائِيَّةٌ (فِي الدَّارَيْنِ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا بِإِلْهَامِ النَّاسِ التَّرَضِّي، وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ، وَفِي الْعُقْبَى بِإِعْطَائِهِ مَعَالِمَ الْقُرْبِ لَدَيْهِ (حَاشَا): بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ (لِلَّهِ) أَيْ: تَنْزِيهًا لَهُ (مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مِنْ نِسْبَةِ الْقُصُورِ إِلَى الشَّيْخِ، وَهَذَا غَايَةٌ مِنَ الْمُؤَلِّفِ فِي تَعْظِيمِهِ، وَنِهَايَةُ أَدَبٍ مِنْهُ فِي تَكْرِيمِهِ، وَهُوَ حَقِيقٌ بِذَلِكَ، وَزِيَادَةٌ، فَإِنَّ لَهُ حَقَّ الْإِفَادَةِ، وَنِسْبَةَ السِّيَادَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: حَاشَا: حَرْفُ جَرٍّ وُضِعَتْ مَوْضِعَ التَّنْزِيهِ وَالْبَرَاءَةِ، وَفِي مُغْنِي اللَّبِيبِ: الصَّحِيحُ أَنَّ حَاشَا اسْمٌ مُرَادِفٌ لِلتَّنْزِيهِ مِنْ كَذَا. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ مَعْنَاهُ التَّبَرِّي، وَالْبَرَاءَةُ. وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: هُوَ تَنْزِيهٌ، وَاسْتِثْنَاءٌ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: مَعَاذَ اللَّهِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ فِعْلٌ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ. قِيلَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ اسْمٌ مُرَادِفٌ لِلتَّنْزِيهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قُرِئَ حَاشَ لِلَّهِ فِي سُورَةِ يُوسُفَ بِالتَّنْوِينِ، وَهُوَ لَا يَدْخُلُ عَلَى الْفِعْلِ وَالْحَرْفِ، وَقُرِئَ أَيْضًا حَاشَ اللَّهِ بِالْإِضَافَةِ، وَهِيَ مِنْ عَلَامَاتِ الِاسْمِ، وَحِينَئِذٍ لَهُ: (لِلَّهِ) لِبَيَانِ الْمُنَزَّهِ، وَالْمُبَرَّأِ كَأَنَّهُ قَالَ: بَرَاءَةٌ وَتَنْزِيهٌ. ثُمَّ قَالَ: لِلَّهِ بَيَانًا لِلْمُبَرَّأِ وَالْمُنَزَّهِ، فَلَامُهُ كَاللَّامِ فِي سُقْيًا لَكَ، فَعَلَى هَذَا يُقَالُ: مَعْنَى عِبَارَةِ الْمِشْكَاةِ: إِنَّ الشَّيْخَ مُبَرَّأٌ، وَمُنَزَّهٌ عَنْ قِلَّةِ الدِّرَايَةِ، ثُمَّ أَتَى لِبَيَانِ الْمُنَزَّهِ، وَالْمُبَرَّأِ، وَلَهُ: (لِلَّهِ)، وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ بِلَا لَامٍ، وَكَأَنَّهَا لِإِفَادَةِ مَعْنَى الِاخْتِصَاصِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: تَنْزِيهُهُ مُخْتَصٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَهُ أَنْ يُنَزِّهَهُ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ ذَلِكَ، وَفِيهِ غَايَةُ التَّعْظِيمِ لِمَا هُنَالِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَأَقُولُ فِي حَقِّهِ:
أَحَدًا فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الرَّاوِي عَنْهُ (أَوْ ضَعِيفٍ): وَهُوَ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ فِيهِ صِفَاتُ الصَّحِيحِ، وَالْحَسَنِ بِأَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ رُوَاتِهِ قَدْحٌ، أَوْ تُهْمَةٌ (أَوْ غَيْرُهُمَا): اعْتِبَارًا لَا حَقِيقَةً، إِذْ مَا عَدَا الصَّحِيحَ وَالْحَسَنَ دَاخِلٌ تَحْتَ أَنْوَاعِ الضَّعِيفِ. وَالْمُرَادُ بِغَيْرِهِمَا نَحْوُ مُنْكَرٍ: وَهُوَ مَا رَدُّهُ قَطْعِيٌّ، أَوْ رَوَاهُ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِثِقَةٍ، أَوْ شَاذٌّ: وَهُوَ مَا خَالَفَ الثِّقَةُ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ، أَوْ مُعَلَّلٌ: وَهُوَ مَا فِيهِ عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ غَامِضَةٌ قَادِحَةٌ لَمْ يُدْرِكْهَا إِلَّا الْحُذَّاقُ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَعْرِفَةَ أَنْوَاعِ الْحَدِيثِ، وَبَيَانَ حُدُودِهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ قُيُودِهَا يَحْتَاجُ إِلَى بَسْطٍ فِي الْكَلَامِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ إِيرَادِهَا، وَقَدْ أَوْرَدْنَا فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ مَا يَسْتَفِيدُ بِذِكْرِهِ الْمُبْتَدِئُ، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْ تَذَكُّرِهِ الْمُنْتَهِي (بَيَّنْتُ وَجْهَهُ) أَيْ: وَجْهَ غَرَابَتِهِ، أَوْ ضَعْفِهِ، أَوْ نَكَارَتِهِ (غَالِبًا) أَيْ: فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ، وَلَعَلَّ تَرْكَ التَّبْيِينِ فِي بَعْضِ مَوَاضِعِهِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ، أَوْ لِاخْتِلَافٍ فِيهِ، أَوْ لِغَيْرِ هَذَا، وَقَدْ قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: الْمُتَبَادَرُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ أَحَادِيثَ الْحِسَانِ مِنَ الْمَصَابِيحِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ فِي الْمِشْكَاةِ بِالْفَصْلِ الثَّانِي كُلُّ حَدِيثٍ ذَكَرَ الشَّيْخُ فِيهِ أَنَّهُ غَرِيبٌ، أَوْ ضَعِيفٌ، أَوْ مُنْكَرٌ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ وَجْهَهُ بِأَنْ يَقُولَ - أَيِ: الرَّاوِي -: تَفَرَّدَ بِهِ، أَوْ غَيْرُ ثِقَةٍ، أَوْ مُخَالِفٌ لِمَا هُوَ أَوْثَقُ، وَنَحْوُهُ بِذِكْرِ مَنْشَئِهِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ فِي كُلِّ حَدِيثٍ ذَكَرَ مُحْيِي السُّنَّةِ أَنَّهُ ضَعِيفٌ، أَوْ غَرِيبٌ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ قَائِلَهُ الَّذِي هُوَ التِّرْمِذِيُّ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ مِنْ أَرْبَابِ الْأُصُولِ، وَعَيَّنَهُ، وَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ يُشِيرُ التِّرْمِذِيُّ أَحْيَانًا إِلَى وَجْهِ الْغَرَابَةِ، وَبَيَانِ الضَّعْفِ، وَهَذَا الصَّنِيعُ مِنَ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ مُحْيِي السُّنَّةِ أَهْلًا لِلْحُكْمِ بِالضَّعْفِ، وَالصِّحَّةِ فِي الْحَدِيثِ ; فَلَا جَرَمَ نَسَبْتُهُ إِلَى مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ ذَلِكَ انْتَهَى. فَيَكُونُ الْمَعْنَى: بَيَّنْتُ وَجْهَهُ بِنِسْبَةِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إِلَى أَهْلِهِ الْمَرْجُوعِ إِلَيْهِمْ فِيهِ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ عَلَى أَنْ يَكُونَ تَقْوِيَةً لِلشَّيْخِ لَا سَلْبَ الْأَهْلِيَّةِ عَنْهُ، فَالْعِلْمَانِ خَيْرٌ مِنْ عِلْمٍ وَاحِدٍ، بَلْ فِي هَذَا هَضْمٌ لِنَفْسِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَهْلِيَّةٌ لِذَلِكَ (وَمَا لَمْ يُشِرْ إِلَيْهِ) أَيِ: الشَّيْخُ (مِمَّا فِي الْأُصُولِ) أَيْ: مِمَّا أُشِيرَ إِلَيْهِ مِنَ الْمُنْقَطِعِ، وَالْمَوْقُوفِ، وَالْمُرْسَلِ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقَيِّ، وَهُوَ كَثِيرٌ (فَقَدْ قَفَّيْتُهُ): بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: تَبِعْتُهُ تَأَسِّيًا بِهِ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ. وَكَتَبَ مِيرَكُ فِي هَامِشِ الْكِتَابِ قَفَوْتُهُ بِالْوَاوِ، وَرَقَّمَ عَلَيْهِ (ظ) إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ الظَّاهِرُ. وَكَتَبَ عَمُّهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ فِي أَوَّلِ شَرْحِ الْمِشْكَاةِ أَنَّ أَصْلَ سَمَاعِنَا، وَجَمِيعَ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ الْحَاضِرَةِ صُحِّحَتْ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ. مِنَ التَّقْفِيَةِ، وَهِيَ تُسْتَعْمَلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِعَلَى وَالْبَاءِ، وَقَدْ جَاءَ فِي التَّنْزِيلِ: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٤٦] وَتُسْتَعْمَلُ أَيْضًا بِمِنْ، وَالْبَاءِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة: ٨٧] وَالْمَعْنَى هَاهُنَا عَلَى التَّتَبُّعِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ، وَبِالْوَاوِ مِنَ الْقَفْوِ انْتَهَى. وَحَاصِلُ الْمُنَاقَشَةِ أَنَّهُ بِالتَّشْدِيدِ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ بِأَحَدِ الِاسْتِعْمَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَبِالتَّخْفِيفِ، وَالْبَاءِ غَيْرُ وَارِدٍ، وَكِلَاهُمَا مَدْفُوعٌ ; فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ قَفَّيْتُهُ، وَأَقْفَيْتُهُ تَبِعْتُهُ، وَاقْتَدَيْتُ بِهِ، وَفِي الْقَامُوسِ: قَفَوْتُهُ تَبِعْتُهُ كَتَقْفِيَتِهِ، وَاقْتَفَيْتُهُ: وَقَفَّيْتُهُ زَيْدًا أَيْ: أَتْبَعْتُهُ إِيَّاهُ اهـ.
وَالظَّاهِرُ مِنَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ أَنَّ قَفَّى بِالتَّشْدِيدِ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ إِلَى وَاحِدٍ، وَبِالْبَاءِ إِلَى اثْنَيْنِ، وَلِذَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة: ٨٧] أَيْ: أَرْسَلْنَا عَلَى أَثَرِهِ الرُّسُلَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: ٤٤] يُقَالُ: قَفَاهُ إِذَا أَتْبَعَهُ، وَقَفَّاهُ بِهِ أَتْبَعَهُ إِيَّاهُ مِنَ الْقَفَا نَحْوَ ذَنَبِهِ مِنَ الذَّنَبِ انْتَهَى. وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ فَأَمْرُهُ سَهْلٌ بِأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَتْبَعْتُ نَفْسِي إِيَّاهُ (فِي تَرْكِهِ): وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى فَاعِلِهِ، أَوْ مَفْعُولِهِ، أَيْ: فِي تَرْكِ الشَّيْخِ الْحُكْمَ عَلَى الْحَدِيثِ بِشَيْءٍ، أَوْ فِي تَرْكِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِالْمُوَافَقَةِ مَعَهُ فِي السُّكُوتِ عَلَيْهِ (إِلَّا فِي مَوَاضِعَ) أَيْ: قَلِيلَةٌ أُبَيِّنُهَا (لِغَرَضٍ): قَالَ الْفَاضِلُ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الطَّاعِنِينَ أَفْرَزُوا أَحَادِيثَ مِنَ الْمَصَابِيحِ، وَنَسَبُوهَا إِلَى الْوَضْعِ، وَوَجَدْتُ التِّرْمِذِيَّ صَحَّحَهَا، أَوْ حَسَّنَهَا، وَغَيْرَ التِّرْمِذِيِّ أَيْضًا ; فَبَيَّنْتُهُ لِرَفْعِ التُّهْمَةِ
كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: («الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ») فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِوَضْعِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ: إِنَّهُ حَسَنٌ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرِّيَاضِ: إِنَّهُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَمِنَ الْغَرَضِ أَنَّ الشَّيْخَ شَرَطَ فِي الْخُطْبَةِ أَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ الْمُنْكَرِ، وَقَدْ أَتَى فِي كِتَابِهِ بِكَثِيرٍ مِنْهُ، وَبَيَّنَ فِي بَعْضِهَا كَوْنَهُ مُنْكَرًا، وَتَرَكَ فِي بَعْضِهَا ; فَبَيَّنْتُ أَنَّهُ مُنْكَرٌ اهـ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَالْجَوَابُ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ أَنَّهُ أَعْرَضَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْمُجْمَعِ عَلَى نَكَارَتِهِ، وَالَّذِي أَوْرَدَهُ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَصَرَّحَ بِإِنْكَارِهِ الْبَعْضُ لِئَلَّا يُحْمَلَ عَلَى ذُهُولِهِ، وَأَعْرَضَ عَنْ بَيَانِ الْبَعْضِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ بِنَكَارَتِهِ كَانَ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ عِنْدَهُ (وَرُبَّمَا): بِالتَّشْدِيدِ أَشْهَرُ، وَلِلتَّقْلِيلِ أَظْهَرُ، وَمَا كَافَّةٌ (تَجِدُ) أَيْ: أَيُّهَا النَّاظِرُ فِي الْمِشْكَاةِ (مَوَاضِعَ مُهْمَلَةً) أَيْ: غَيْرَ مُبَيَّنٍ فِيهَا ذِكْرُ مُخْرِجِيهَا (وَذَلِكَ) أَيِ: الْإِهْمَالُ، وَعَدَمُ التَّبْيِينِ (حَيْثُ لَمْ أَطَّلِعْ عَلَى رَاوِيهِ) أَيْ: مُخْرِجِهِ (فَتَرَكْتُ الْبَيَاضَ) أَيْ: عَقِبَ الْحَدِيثِ دَلَالَةً عَلَى ذَلِكَ (فَإِنْ عَثَرْتَ عَلَيْهِ) أَيِ: اطَّلَعْتَ أَيُّهَا النَّاظِرُ عَلَى مُخْرِجِهِ (فَأَلْحِقْهُ) أَيْ: ذِكْرَ الْمُخْرِجِ (بِهِ) أَيْ: بِذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَاكْتُبْهُ فِي مَوْضِعِ الْبَيَاضِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَلْحِقْهُ بِذَلِكَ الْبَيَاضِ، وَفِيهِ مُسَامَحَةٌ لَا تَخْفَى (أَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاءَكَ) أَيْ: عَلَى هَذَا الْعَمَلِ، وَالْجَزَاءُ مَمْدُودٌ بِمَعْنَى الثَّوَابِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ لِمَا وَرَدَ عَنْ أُسَامَةَ «مَرْفُوعًا مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ. هَذَا، وَقَدْ بَيَّنَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمَوَاضِعَ الْمُهْمَلَةَ فِي حَاشِيَةِ الْكِتَابِ تَكْمِلَةً، وَتَرْكُ الْبَيَاضِ فِي أَصْلِ الْمُصَنِّفِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ التَّبْيِينَ مِنْ غَيْرِ الْمُؤَلِّفِ (وَسَمَّيْتُ الْكِتَابَ بِمِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ): قَالَ الطِّيبِيُّ: رُوعِيَ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الِاسْمِ، وَالْمَعْنَى، فَإِنَّ الْمِشْكَاةَ يَجْتَمِعُ فِيهَا الضَّوْءُ فَيَكُونُ أَشَدَّ تَقَوِّيًا بِخِلَافِ الْمَكَانِ الْوَاسِعِ، وَالْأَحَادِيثُ إِذَا كَانَتْ غَفْلًا عَنْ سِمَةِ الرُّوَاةِ انْتَشَرَتْ، وَإِذَا قُيِّدَتْ بِالرَّاوِي انْضَبَطَتْ، وَاسْتَقَرَّتْ فِي مَكَانِهَا اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ مِيرَكُ: الْأَظْهَرُ فِي وَجْهِ الْمُطَابَقَةِ أَنَّ كِتَابَهُ مُحِيطٌ، وَمُشْتَمِلٌ عَلَى مَا فِي الْمَصَابِيحِ مِنَ الْأَحَادِيثِ كَمَا أَنَّ الْمِشْكَاةَ مُحِيطَةٌ، وَمُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْمِصْبَاحِ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ بِالْمَصَابِيحِ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي كِتَابِهِ مِمَّا فِي الْمَصَابِيحِ، وَغَيْرِهِ مُشَبَّهًا بِهَا لِأَنَّهَا آيَاتٌ نُورَانِيَّةٌ، وَدَلَالَاتٌ بُرْهَانِيَّةٌ صَدَرَتْ مِنْ مِشْكَاةِ صَدْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَقْتَدِيَ بِهَا أُمَّتُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْأَوْلِيَاءِ فِي بَيْدَاءِ الضَّلَالَةِ، وَصَحْرَاءِ الْجَهَالَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى وَرَدَ: («أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ»)، وَشَبَّهَ كِتَابَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ جَامِعٌ لَهَا، وَمَانِعٌ مِنْ تَفَرُّقِهَا بِالْمِشْكَاةِ، وَهِيَ الْكُوَّةُ الْغَيْرُ النَّافِذَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ مَعْنَى التَّوْرِيَةِ: وَهِيَ أَنْ يُؤْتَى بِكَلِمَةٍ لَهَا مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا قَرِيبٌ، وَالْآخَرُ بِعِيدٌ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ الْبَعِيدَ.
(وَأَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ) أَيْ: جَعْلَ أُمُورِ الْمُرِيدِ عَلَى وَفْقِ الْمُرَادِ، وَهُوَ فِي عُرْفِ الْعُلَمَاءِ خَلْقُ قُدْرَةِ الْعَبْدِ فِي الطَّاعَةِ، وَالْعِبَادَةِ (وَالْإِعَانَةَ) أَيْ: فِي الدِّينِ، وَالدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ، أَوْ عَلَى مَا قَصَدْتُ (وَالْهِدَايَةَ) أَيِ: الدِّلَالَةَ عَلَى مَا أَرَدْتُ، أَوْ ثَبَاتَ الْهِدَايَةِ مِنَ الْبِدَايَةِ إِلَى النِّهَايَةِ (وَالصِّيَانَةَ) أَيِ: الْحِفْظَ، وَالْحِمَايَةَ مِنَ الْعَقَائِدِ الدَّنِيَّةِ، وَالْأَحْوَالِ الرَّدِيَّةِ، أَوِ الْعِصْمَةِ عَنِ الْخَطَلِ، وَالزَّلَلِ، أَوْ عَمَّا يَمْنَعُ إِتْمَامَ الْكِتَابِ مِنَ الْمَوَانِعِ، وَالْعِلَلِ (وَتَيْسِيرَ مَا أَقْصِدُهُ): بِكَسْرِ الصَّادِ أَيْ: تَسْهِيلَ مَا أُرِيدُهُ مِنَ التَّحْرِيرِ، وَالتَّفْتِيشِ، وَالتَّنْقِيرِ (وَأَنْ يَنْفَعَنِي) أَيْ: اللَّهُ بِهَذَا الْكِتَابِ، وَغَيْرِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِهِ، أَيْ: عِلْمًا، وَعَمَلًا، وَتَعْلِيمًا، وَجَوَّزَ أَنْ يَرْجِعَ ضَمِيرُ يَنْفَعُ إِلَى الْكِتَابِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ (فِي الْحَيَاةِ) أَيْ: بِالْمُبَاشَرَةِ (وَبَعْدَ الْمَمَاتِ): بِالسَّبَبِيَّةِ، أَوْ فِي الْحَيَاةِ بِأَنْ يَجْعَلَهُ سَبَبًا لِزِيَادَةِ الْأَعْمَالِ، وَبَاعِثًا لِلتَّرَقِّي إِلَى عُلُوِّ الْأَحْوَالِ، وَبَعْدَ الْمَمَاتِ بِوُصُولِ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، وَحُصُولِ أَعْلَى الْمَقَامَاتِ (وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُسْلِمَاتِ): عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي يَنْفَعُنِي أَيْ: وَأَنْ يَنْفَعَ بِقِرَاءَتِهِ، وَكِتَابَتِهِ، وَوَقْفِهِ، وَنَقْلِهِ إِلَى الْبُلْدَانِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ (حَسْبِيَ اللَّهُ): وَفِي نُسْخَةٍ بِوَاوِ الْعَطْفِ أَيْ: اللَّهُ كَانَ فِي جَمِيعِ أُمُورِي (وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) أَيْ: الْمَوْكُولُ إِلَيْهِ، يَعْنِي هُوَ الْمُفَوَّضُ إِلَيْهِ، وَالْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَالْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ هُوَ. (وَلَا حَوْلَ) أَيْ: عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ (وَلَا قُوَّةَ) أَيْ: عَلَى طَاعَتِهِ (إِلَّا بِاللَّهِ) أَيْ: بِعِصْمَتِهِ، وَمَعُونَتِهِ (الْعَزِيزِ) أَيِ: الْغَالِبِ عَلَى مَا يُرِيدُ، أَوِ الْبَدِيعِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (الْحَكِيمِ) أَيْ: صَاحِبِ الْحِكَمِ، وَالْحِكْمَةِ عَلَى وَجْهِ الْإِتْقَانِ
وَالْإِحْكَامِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ذَكَرَ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا الْوَارِدَانِ فِي خَتْمِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ دُونَ مَا اشْتُهِرَ مِنْ خَتْمِهَا بِالْعَلِيِّ الْعَظِيمِ عَلَى أَنَّ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْحِصْنِ الْحَصِينِ لِلْحَافِظِ الْجَزَرِيِّ رِوَايَةً خَتَمَهَا بِالْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَلَعَلَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى اهـ.
اعْلَمْ أَنَّ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ هِيَ: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ عَلَى مَا فِي مُسْلِمٍ كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ، وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ، وَكَذَا هُوَ فِي أَصْلِ الْحِصْنِ الْحَصِينِ، وَكَتَبَ عَلَى حَاشِيَتِهِ الْعَلِيَّ الْعَظِيمَ، وَنَسَبَهَا إِلَى الْبَزَّارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا كَانَ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُصَنِّفٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنْ يَبْدَأَ كِتَابَهُ بِالْحَدِيثِ الْآتِي الْمُسَمَّى بِطَلِيعَةِ كُتُبِ الْحَدِيثِ. تَنْبِيهًا عَلَى تَصْحِيحِ النِّيَّةِ، وَالْإِخْلَاصِ لِكُلٍّ مِنَ الْعَالِمِ، وَالْمُتَعَلِّمِ، وَأَنَّهُ الْأَسَاسُ الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأَحْوَالِ مِنَ الْعَقَائِدِ، وَالْأَعْمَالِ، وَعَلَى أَنَّ أَوَّلَ الْوَاجِبَاتِ قَصْدُ الْمَقْصِدِ بِالنَّظَرِ الْمُوَصَّلِ إِلَى مَعْرِفَةِ الصَّمَدِ، فَالْقَصْدُ سَابِقٌ، وَمَا بَقِيَ لَاحِقٌ، وَإِنْ طَالَبَ الْحَدِيثُ حُكْمَ الْمُهَاجِرِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُرَاعِيَ الْإِخْلَاصَ لِيَصِلَ إِلَى مَقَامِ الِاخْتِصَاصِ، بَدَأَ بِهِ الْمُصَنِّفُ اقْتِدَاءً بِالْبَغَوِيِّ لَا تَبَعًا لِلْبُخَارِيِّ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ:
شَدِيدًا فِي أَمْرِ اللَّهِ، عَاقِلًا مُجْتَهِدًا صَابِرًا مُحْتَسِبًا، جُعِلَ الْحَقُّ عَلَى لِسَانِهِ، وَأُعِزَّ الدِّينُ بِهِ، وَاسْتَبْشَرَ أَهْلُ السَّمَاءِ بِإِسْلَامِهِ، وَلَهُ فَضَائِلُ لَا تُحَدُّ، وَشَمَائِلُ لَا تُعَدُّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
(١) [(«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»)] قِيلَ: كَلِمَةُ: (إِنَّمَا) بَسِيطَةٌ. وَقِيلَ: مُرَكَّبَةٌ مِنْ: أَنَّ، وَمَا الْكَافَّةِ، أَوِ الزَّائِدَةِ لِلتَّأْكِيدِ. وَقِيلَ: مُرَكَّبَةٌ مِنْ أَنَّ، وَمَا النَّافِيَةِ فَهِيَ عَامِلَةٌ بِرُكْنَيْهَا إِيجَابًا، وَنَفْيًا فَبِحَرْفِ التَّحْقِيقِ يَثْبُتُ الشَّيْءُ، وَبِحَرْفِ النَّفْيِ يُنْفَى مَا عَدَاهُ، وَمَا اعْتَرَاضٌ عَلَيْهِ مِنْ لُزُومِ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَمِنْ: أَنَّ، وَمَا كِلَاهُمَا يَقْتَضِي الصَّدَارَةَ - مَدْفُوعٌ بِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ قَبْلَ التَّرْكِيبِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَقَدْ صَارَ عَلَمًا مُفْرَدًا عَلَى إِفَادَةِ الْحَصْرِ، وَتَضَاعِيفُهُ يُفِيدُ الْقَصْرَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ إِلَّا تَأْكِيدًا لِلْحُكْمِ عَلَى تَأْكِيدٍ، وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ، وَالْأُصُولِ عَلَى أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْحَصْرِ خِلَافًا لِمَا نُقِلَ عَنْ أَكْثَرِ النُّحَاةِ لِصِحَّةِ: إِنَّمَا قَامَ زَيْدٌ فِي جَوَابِ هَلْ قَامَ عَمْرٌو؟ كَمَا يُجَابُ بِـ: مَا قَامَ إِلَّا زَيْدٌ، وَلِوُرُودِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢] وَ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [المائدة: ٩٩] وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهَا لِلْحَصْرِ فَتُثْبِتُ الْمَذْكُورَ، وَتَنْفِي الْحُكْمَ عَنْ غَيْرِهِ فِي نَحْوِ: إِنَّمَا قَامَ زَيْدٌ أَيْ: لَا عَمْرٌو، أَوْ غَيْرُ الْحُكْمِ عَنِ الْمَذْكُورِ فِي نَحْوِ: إِنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ أَيْ: لَا قَاعِدٌ، وَمِمَّا يَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ: («إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ») فَإِنَّ الصَّحَابَةَ الْآخِذِينَ بِقَضَيَّتِهِ لَمْ يُعَارِضْهُمْ جُمْهُورُهُمُ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الْغُسْلِ، وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ بِأَنَّ إِنَّمَا لَا تُفِيدُهُ، وَإِنَّمَا عَارَضُوهُمْ بِأَدِلَّةٍ أُخْرَى كَحَدِيثِ: («إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلِ» "، وَقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ - لِمَا تَفَرَّدَ بِهِ قِيلَ: وَرَجَعَ عَنْهُ لَمَّا اشْتَدَّ إِنْكَارُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَلَيْهِ - بِخَبَرِ: («إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ»)، وَلَمْ يُنَازِعْهُ الصَّحَابَةُ فِيهِ، بَلْ عَارَضُوهُ فِي الْحُكْمِ بِأَدِلَّةٍ أُخْرَى، فَدَلَّ عَلَى اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهَا لِلْحَصْرِ فَالتَّقْدِيرُ: إِنَّ الْأَعْمَالَ تُعْتَبَرُ إِذَا كَانَتْ بِنِيَّةٍ، وَلَا تُعْتَبَرُ إِذَا كَانَتْ بِلَا نِيَّةٍ ; فَتَصِيرُ إِنَّمَا بِمَعْنَى مَا وَإِلَّا. وَقِيلَ: الْحَصْرُ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْجَمْعِ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ ; فَإِنَّهُ مُفِيدٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَصْرِ، فَالْمَعْنَى لَيْسَتِ الْأَعْمَالُ حَاصِلَةً بِالنِّيَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ هُنَا نَفْيُ نَفْسِ الْأَعْمَالِ لِثُبُوتِهَا حِسًّا، وَصُورَةً مِنْ غَيْرِ اقْتِرَانِ النِّيَّةِ بِهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارِ شَيْءٍ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ النَّفْيُ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَارُّ. فَقِيلَ: التَّقْدِيرُ صَحِيحَةٌ، أَوْ تَصِحُّ كَمَا هُوَ رَأْيُ الشَّافِعِيِّ، وَأَتْبَاعِهِ. وَقِيلَ: كَامِلَةٌ، أَوْ تَكْمُلُ عَلَى رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُقَدَّرَ: مُعْتَبَرَةٌ، أَوْ تُعْتَبَرُ ; لِيَشْمَلَ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا سَوَاءٌ كَانَتْ عِبَادَاتٍ مُسْتَقِلَّاتٍ كَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ النِّيَّةَ تُعْتَبَرُ لِصِحَّتِهَا إِجْمَاعًا، أَوْ شُرُوطًا فِي الطَّاعَاتِ كَالطَّهَارَةِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ فَإِنَّهَا تُعْتَبَرُ لِحُصُولِ ثَوَابِهَا اتِّفَاقًا ; لِعَدَمِ تَوَقُّفِ الشُّرُوطِ عَلَى النِّيَّةِ فِي الصِّحَّةِ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي الطَّهَارَةِ فَعَلَيْهِ بَيَانُ الْفِرْقِ، أَوْ أُمُورًا مُبَاحَةً فَإِنَّهَا قَدْ تَنْقَلِبُ بِالنِّيَّاتِ حَسَنَاتٍ كَمَا أَنَّهَا قَدْ تَنْقَلِبُ سَيِّئَاتٍ بِلَا خِلَافٍ. غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الصِّحَّةِ، وَالْكَمَالِ يُعْرَفُ مِنَ الْخَارِجِ، وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا أَنَّ الْأَعْمَالَ جَمْعٌ مُحَلًّى بِاللَّامِ فَيَسْتَغْرِقُ كُلَّ عَمَلٍ سَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ الْعِبَادَاتِ، أَوْ غَيْرِهَا، وَيَشْمَلُ الْمَتْرُوكَاتِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ لَا ثَوَابَ فِي تَرْكِ الزِّنَا، وَالْغَصْبِ، وَنَحْوِهَا إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً بِدُونِهَا، وَكَانَ هَذَا مَلْحَظَ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ أَعْمَالُ الْمُكَلَّفِينَ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَلَا تَرَدُّدَ عِنْدِي أَنَّ الْحَدِيثَ يَشْمَلُ الْأَقْوَالَ، ثُمَّ الْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ. وَقِيلَ لِلْمُصَاحَبَةِ لِيَعْلَمَ مِنْهُ وُجُوبَ الْمُقَارَنَةِ لَكِنَّهَا تُشْعِرُ بِوُجُوبِ اسْتِصْحَابِهَا إِلَى آخِرِ الْعَمَلِ ; لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنَ الْمَعِيَّةِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ. نَعَمْ، يُشْتَرَطُ اتِّفَاقًا اسْتِصْحَابُهَا مَعَ الْعَمَلِ حُكْمًا بِأَنْ لَا يُنْشِئَ مُنَافِيًا، وَأَيْضًا تُشِيرُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ تَقَدُّمِهَا عَلَى الْعَمَلِ، وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ عِنْدَ أَفْرَادِ مَالِ الزَّكَاةِ، وَبِنِيَّةِ الصَّوْمِ فِي اللَّيْلِ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ بِلَا خِلَافٍ فَالْأُولَى هِيَ الْأَوْلَى، وَأَوْقَاتُ النِّيَّاتِ فِي الْعِبَادَاتِ مُخْتَلِفَةٌ، مَحَلُّ بَسْطِهَا الْكُتُبُ الْفِقْهِيَّةُ، وَالنِّيَّةُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَقَدْ تُخَفَّفُ لُغَةً: الْقَصْدُ، وَشَرْعًا: تَوَجُّهُ الْقَلْبِ نَحْوَ الْفِعْلِ ابْتِغَاءً لِوَجْهِ اللَّهِ، وَالْقَصْدُ بِهَا تَمْيِيزُ الْعِبَادَةِ عَنِ الْعَادَةِ فَإِنْ قِيلَ: النِّيَّةُ عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ، وَبِتَسَلْسُلٍ أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ بِدَلَالَةِ الْعَقْلِ، وَبِدَلِيلِ الْخَبَرِ الْمُعْتَبَرِ: («نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ»)، وَبِدَلِيلِ أَنَّ فِي الْعُرْفِ لَا يُطْلَقُ الْعَمَلُ عَلَى فِعْلِ النَّاوِي اهـ.
وَفِيهِ: أَنَّ سَائِرَ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ لَا تُعْتَبَرُ شَرْعًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَأَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ عَمَلُ النِّيَّةُ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ الْجَارِحَةِ لِوُجُوهٍ ذَكَرَهَا الْحُجَّةُ فِي الْإِحْيَاءِ. وَأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْعُرْفِ مَعَ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ، فَالْأَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ اسْتِثْنَاءُ النِّيَّةِ، وَكَذَا الْأُمُورُ الِاعْتِقَادِيَّةُ لِلدَّلَالَةِ الْعَقْلِيَّةِ. ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ النِّيَّةَ بِاللِّسَانِ مَعَ غَفْلَةِ الْجَنَانِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ لِمَا وَرَدَ مِنْ «أَنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَا إِلَى أَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَأَعْمَالِكُمْ» . وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَنِيَّاتِكُمْ، فَلَوْ نَوَى الظُّهْرَ بِقَلْبِهِ فِي وَقْتِهِ، وَتَلَفَّظَ بِنِيَّةِ الْعَصْرِ لَا يَضُرُّهُ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِاللِّسَانِ. وَاخْتَلَفُوا فِي التَّلَفُّظِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّ الْجَهْرَ بِالنِّيَّةِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ سَوَاءٌ يَكُونُ إِمَامًا، أَوْ مَأْمُومًا، أَوْ مُنْفَرِدًا فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُسْتَحَبٌّ لِيَسْهُلَ تَعَقُّلُ مَعْنَى النِّيَّةِ، وَاسْتِحْضَارُهَا. قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَيَحْسُنُ لِاجْتِمَاعِ عَزِيمَتِهِ. قَالَ الْمُحَقِّقُ الْإِمَامُ ابْنُ الْهُمَامِ: قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: لَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِطْرِيقٍ صَحِيحٍ، وَلَا ضَعِيفٍ أَنَّهُ كَانَ ﵊ يَقُولُ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ: أُصَلِّي كَذَا، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، بَلِ الْمَنْقُولُ أَنَّهُ كَانَ ﵊ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ كَبَّرَ، وَهَذِهِ بِدْعَةٌ اهـ. قَالَ: وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِاجْتِمَاعِ عَزِيمَتِهِ أَنَّهُ لَا يَحْسُنُ لِغَيْرِ هَذَا الْقَصْدِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ تَفَرُّقُ خَاطِرِهِ فَإِذَا ذَكَرَ بِلِسَانِهِ كَانَ عَوْنًا عَلَى جَمْعِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ فِي التَّجْنِيسِ. قَالَ: وَالنِّيَّةُ بِالْقَلْبِ لِأَنَّهُ عَمَلُهُ، وَالتَّكَلُّمُ لَا مُعْتَبِرَ بِهِ، وَمَنِ اخْتَارَهُ لِتَجْتَمِعَ عَزِيمَتُهُ اهـ. كَلَامُهُ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ، وَالْمُتَابَعَةُ كَمَا تَكُونُ فِي الْفِعْلِ تَكُونُ فِي التَّرْكِ أَيْضًا، فَمَنْ وَاظَبَ عَلَى فِعْلٍ لَمْ يَفْعَلْهُ الشَّارِعُ، فَهُوَ مُبْتَدِعٌ. وَقَدْ يُقَالُ: نُسَلِّمُ أَنَّهَا بِدْعَةٌ لَكِنَّهَا مُسْتَحْسَنَةٌ اسْتَحَبَّهَا الْمَشَايِخُ لِلِاسْتِعَانَةِ عَلَى اسْتِحْضَارِ النِّيَّةِ لِمَنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا، وَهُوَ ﵊، وَأَصْحَابُهُ لَمَّا كَانُوا فِي مَقَامِ الْجَمْعِ وَالْحُضُورِ لَمْ يَكُونُوا مُحْتَاجِينَ إِلَى الِاسْتِحْضَارِ الْمَذْكُورِ، وَقِيلَ: التَّلَفُّظُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَنَسَبُوهُ إِلَى الْغَلَطِ، وَالْخَطَأِ، وَمُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ، لَكِنْ لَهُ مَحْمَلٌ عِنْدَنَا مُخْتَصٌّ بِمَنِ ابْتُلِيَ بِالْوَسْوَسَةِ فِي تَحْصِيلِ النِّيَّةِ، وَعَجَزَ عَنْ أَدَائِهَا فَإِنَّهُ قِيلَ فِي حَقِّهِ إِذَا تَلَفَّظَ بِالنِّيَّةِ سَقَطَ عَنْهُ الشَّرْطُ دَفْعًا لِلْحَرَجِ. وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ: إِنَّهُ ﵊ نَطَقَ بِالنِّيَّةِ فِي الْحَجِّ فَقِسْنَا عَلَيْهِ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ. قُلْنَا لَهُ: ثَبِّتِ الْعَرْشَ، ثُمَّ انْقُشْ مِنْ جُمْلَةِ الْوَارِدَاتِ فَإِنَّهُ مَا وَرَدَ نَوَيْتُ الْحَجَّ، وَإِنَّمَا وَرَدَ اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ إِلَخْ، وَهُوَ دُعَاءٌ، وَإِخْبَارٌ لَا يَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ إِلَّا بِجَعْلِهِ إِنْشَاءً، وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعَقْدِ، وَالْقَصْدُ الْإِنْشَائِيُّ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ، مَعَ عَدَمِ صِحَّتِهِ جَعْلُهُ مَقِيسًا عَلَيْهِ مُحَالٌ، ثُمَّ قَالَ: وَعَدَمُ وُرُودِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ. قُلْنَا: هَذَا مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُقُوعِهِ حَتَّى يُوجَدَ دَلِيلُ وُرُودِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﵊ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبَّرَ فَلَوْ نَطَقَ بِشَيْءٍ آخَرَ لَنَقَلُوهُ، وَوَرَدَ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتِهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: («إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ») فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ وُجُودِ التَّلَفُّظِ. وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِلْبُخَارِيِّ: هَلْ تَقُولُ شَيْئًا قَبْلَ التَّكْبِيرِ فَقَالَ: لَا. انْتَهَى.
وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ يَتَبَيَّنُ فَسَادُ بَقِيَّةِ كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ مِنْ قَوْلِهِ: وَأَيْضًا فَهُوَ ﵊ لَا يَأْتِي إِلَّا بِالْأَكْمَلِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ إِجْمَاعًا، وَالنَّقْلُ الضَّرُورِيُّ حَاصِلٌ بِأَنَّهُ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ طُولَ عُمُرِهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ أَتَى فِي نَحْوِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ بِالنِّيَّةِ مَعَ النُّطْقِ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ تَرَكَهُ، وَالشَّكُّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ اهـ.
وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْأَفْضَلَ الْمُكَمَّلَ عَدَمُ النُّطْقِ بِالنِّيَّةِ مَعَ أَنَّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، فَإِنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: بِكَرَاهَتِهِ، وَالْحَنْبَلِيَّةَ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ بِدْعَةٌ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الِاتِّفَاقَ بَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَفِيَّةِ فَلَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ مَحَلُّهُ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ بِالِاسْتِعَانَةِ عَلَيْهِ، وَقَدْ ثَبَتَ تَرْكُهُ عِنْدَ الْحُفَّاظِ الْمُحَدِّثِينَ بِلَا رَيْبٍ فَقَوْلُهُ: وَالشَّكُّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ مُجَازَفَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَائِبِ الَّذِي يَتَحَيَّرُ فِيهِ أُولُو الْأَلْبَابِ حَيْثُ جَعَلَ الْوَهْمَ يَقِينًا، وَثُبُوتَ الْحُفَّاظِ رَيْبًا، لَا يُقَالُ:
الْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي لِأَنَّا نَقُولُ: مَحَلُّهُ إِذَا تَعَارَضَ دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى النَّفْيِ، وَالْآخَرُ عَلَى الْإِثْبَاتِ، وَالْخَصْمُ هُنَا سَوَاءٌ جَعَلْنَاهُ مُثْبِتًا، أَوْ نَافِيًا، لَيْسَ مَعَهُ دَلِيلٌ، وَدَلِيلُنَا عَلَى النَّفْيِ ثَابِتٌ بِنَقْلِ الْمُحَدِّثِينَ الْمُؤَيَّدِ بِالْأَصْلِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْوُقُوعِ فَتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ زَلَلٍ، وَمَحَلُّ خَطَلٍ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ الْقِيَمِ ذَكَرَ فِي زَادِ الْمَعَادَ فِي هَدْيِ خَيْرِ الْعِبَادِ، وَهَذَا لَفْظُهُ «كَانَ ﵊ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: (اللَّهُ أَكْبَرُ)»، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا قَبْلَهَا، وَلَا تَلَفَّظَ بِالنِّيَّةِ، وَلَا قَالَ: (أُصَلِّي لِلَّهِ صَلَاةَ كَذَا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ إِمَامًا، أَوْ مَأْمُومًا)، وَلَا قَالَ: أَدَاءً، وَلَا قَضَاءً، وَلَا فَرْضَ الْوَقْتِ، وَهَذِهِ عَشْرُ بِدَعٍ لَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ ﵊ أَحَدٌ قَطُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَلَا ضَعِيفٍ، وَلَا مُسْنَدٍ، وَلَا مُرْسَلٍ لَفْظَةً وَاحِدَةً مِنْهَا الْبَتَّةَ، بَلْ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا اسْتَحَبَّهُ أَحَدٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَلَا الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ، وَإِنَّمَا غَرَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَالصِّيَامِ لَا يَدْخُلُ فِيهَا أَحَدٌ إِلَّا بِذِكْرٍ فَظَنَّ أَنَّ الذِّكْرَ تَلَفُّظُ الْمُصَلِّي بِالنِّيَّةِ، وَأَنَّ مُرَادَ الشَّافِعِيِّ بِالذِّكْرِ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ لَيْسَ إِلَّا، وَكَيْفَ يَسْتَحِبُّ الشَّافِعِيُّ أَمْرًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ، وَأَصْحَابِهِ، وَهَذَا هَدْيُهُمْ، وَسِيرَتُهُمْ ; فَإِنْ أَوْجَدَنَا أَحَدٌ حَرْفًا وَاحِدًا عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ قَبِلْنَاهُ، وَقَابَلْنَاهُ بِالْقَبُولِ، وَالتَّسْلِيمِ، وَلَا هَدْيَ أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِمْ، وَلَا سُنَّةَ إِلَّا مَا تَلَقَّوْهُ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ ﷺ اهـ.
وَصَرَّحَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ الْمُحَدِّثُ بِنَفْيِ رِوَايَةِ التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ عَنِ الْمُحَدِّثِينَ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْفَيْرُوزُأَبَادِي صَاحِبُ الْقَامُوسِ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ. وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي الْمَوَاهِبِ: وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ ﵊ تَلَفَّظَ بِالنِّيَّةِ، وَلَا أَعْلَمَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ التَّلَفُّظَ بِهَا، وَلَا أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ بَلِ الْمَنْقُولُ عَنْهُ فِي السُّنَنِ أَنَّهُ قَالَ: («مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ») . نَعَمِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّلَفُّظِ بِهَا، فَقَالَ قَائِلُونَ: هُوَ بِدْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِعْلُهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهُ عَوْنٌ عَلَى اسْتِحْضَارِ النِّيَّةِ الْقَلْبِيَّةِ، وَعِبَادَةٌ لِلِّسَانِ كَمَا أَنَّهَا عُبُودِيَّةٌ لِلْقَلْبِ، وَالْأَفْعَالُ الْمَنْوِيَّةُ عِبَادَةُ الْجَوَارِحِ، وَبِنَحْوِ ذَلِكَ أَجَابَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ، وَالْحَافِظُ عِمَادُ الدِّينِ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَطْنَبَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ فِي رَدِّ الِاسْتِحْبَابِ، وَأَكْثَرَ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِمَا فِي ذِكْرِهِ طُولٌ يُخْرِجُنَا عَنِ الْمَقْصُودِ، لَاسِيَّمَا وَالَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا اسْتِحْبَابُ النُّطْقِ بِهَا، وَقَاسَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يُلَبِّي بِالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا يَقُولُ: (لَبَّيْكَ عُمْرَةً، وَحَجَّةً)»، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِاللَّفْظِ، وَالْحُكْمِ كَمَا يَثْبُتُ بِالنَّصِّ يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ لَكِنَّهُ تَعَقَّبَ هَذَا بِأَنَّهُ ﵊ قَالَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ إِحْرَامِهِ تَعْلِيمًا لِلصَّحَابَةِ مَا يُهِلُّونَ بِهِ، وَيَقْصِدُونَهُ مِنَ النُّسُكِ، وَلَقَدْ صَلَّى ﵊ ثَلَاثِينَ أَلْفَ صَلَاةً فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: نَوَيْتُ أُصَلِّي صَلَاةَ كَذَا، وَكَذَا، وَتَرْكُهُ سُنَّةٌ كَمَا أَنَّ فِعْلَهُ سُنَّةٌ فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُسَوِّيَ بَيْنَ مَا فَعَلَهُ، وَتَرَكَهُ فَنَأْتِي مِنَ الْقَوْلِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَرَكَهُ بِنَظِيرِ مَا أُتِيَ لَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي فَعَلَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَجِّ، وَالصَّلَاةِ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُقَاسَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، ثُمَّ اللَّامُ فِي النِّيَّاتِ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ أَيْ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِنِيَّاتِهَا، أَوِ الْحَدِيثُ مِنْ بَابِ مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ عَلَى حَدِّ رَكِبَ الْقَوْمُ دَوَابَّهُمْ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هَذَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَأَمَّا أَلْفَاظُهُ فَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَبِالنِّيَّةِ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَالْعَمَلُ بِالنِّيَّةِ كُلُّهَا فِي الصَّحِيحِ، وَأَمَّا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ كَمَا فِي الْكِتَابِ يَعْنِي الْهِدَايَةَ فَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِهِ بُسْتَانِ الْعَارِفِينَ، وَلَمْ يُكْمِلْهُ نَقْلًا عَنِ الْحَافِظِ أَبِي مُوسَى الْأَصْفَهَانِيِّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ، وَأَقَرَّهُ، وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ فِيهِ، إِذْ قَدْ رَوَاهُ كَذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي أَرْبَعِينِهِ، ثُمَّ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ. قُلْتُ: وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ إِمَامِ الْمَذْهَبِ فِي مُسْنَدِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ («الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ») الْحَدِيثَ. وَرَوَاهُ ابْنُ الْجَارُودِ فِي الْمُنْتَقَى: («إِنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى») اهـ.
وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي فَضْلِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ نِصْفُ الْعِلْمِ، وَوَجْهُهُ: أَنَّ النِّيَّةَ عُبُودِيَّةُ الْقَلْبِ، وَالْعَمَلَ عُبُودِيَّةُ الْقَالِبِ، أَوْ أَنَّ الدِّينَ إِمَّا ظَاهِرٌ، وَهُوَ الْعَمَلُ، أَوْ بَاطِنٌ، وَهُوَ النِّيَّةُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ ﵊: («تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ») لِتَعَلُّقِهَا بِالْمَوْتِ الْمُقَابِلِ لِلْحَيَاةِ، وَرُوِيَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رُبُعُ الْعِلْمِ كَمَا قَالَ:
عُمْدَةُ الْخَيْرِ عِنْدَنَا كَلِمَاتٌ ... أَرْبَعٌ قَالَهُنَّ خَيْرُ الْبَرِيَّةْ
اتَّقِ الشُّبَهَاتِ، وَازْهَدْ، وَدَعْ مَا ... لَيْسَ يَعْنِيكَ، وَاعْمَلْ بِنِيَّةْ
إِشَارَةً إِلَى الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعَةِ فَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَ اتِّقَاءَ السَّيِّئَاتِ، وَالزُّهْدَ فِي الْمُبَاحَاتِ، وَتَرْكَ الْفُضُولَاتِ، وَالْعَمَلَ بِالنِّيَّاتِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ. وَرُوِيَ عَنْهُ، وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ثُلُثُ الْإِسْلَامِ، أَوْ ثُلُثُ الْعِلْمِ، وَوَجَّهَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ إِمَّا بِقَلْبِهِ كَالنِّيَّةِ، أَوْ بِلِسَانِهِ، أَوْ بِبَقِيَّةِ جَوَارِحِهِ، وَالْأَوَّلُ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ بَلْ أَرْجَحُهَا؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بِانْفِرَادِهَا، وَهَذَا وَجْهُ خَيْرٍ («نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ»)، وَفِي رِوَايَةٍ أَبْلَغَ، وَفِي أُخْرَى زِيَادَةُ: («إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَيُعْطِي الْعَبْدَ عَلَى نِيَّتِهِ مَا لَا يُعْطِيهِ عَلَى عَمَلِهِ»)، وَذَلِكَ أَنَّ النِّيَّةَ لَا رِيَاءَ فِيهَا، وَالْعَمَلُ يُخَالِطُهُ الرِّيَاءُ، وَلَهُ طُرُقٌ ضَعِيفَةٌ يَتَقَوَّى بِمَجْمُوعِهَا، وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ: («مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ وَاحِدَةً، وَمَنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشَرَةً») الْمُوهِمُ أَنَّ الْعَمَلَ خَيْرٌ مِنْهَا لِأَنَّ كِتَابَةَ الْعَشْرِ لَيْسَتْ عَلَى الْعَمَلِ وَحْدَهُ بَلْ مَعَهَا؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ، وَهُوَ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّتِهَا، وَلِهَذَا يُثَابُ عَلَى النِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ فَانْقَلَبَ هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلًا عَلَى خَيْرِيَّتِهَا، وَظَهَرَ فَسَادُ مَا قِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ النِّيَّةَ خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ بِلَا نِيَّةٍ لَا مَعَهَا لِئَلَّا يَلْزَمَ أَنَّ الشَّيْءَ خَيْرٌ مِنْ نَفْسِهِ مَعَ غَيْرِهِ، وَالْعَجَبُ مِنَ ابْنِ حَجَرٍ حَيْثُ ذَكَرَ هَذَا الْقِيلَ، وَقَرَّرَهُ بِالتَّعْلِيلِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمِنْ خَيْرِيَّتِهَا عَلَى الْعَمَلِ أَنَّهَا تَقْتَضِي التَّخْلِيدَ فِي الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ إِذِ الْمُؤْمِنُ نَاوٍ الْإِيمَانَ دَائِمًا، وَالْكَافِرُ نَاوٍ الْكُفْرَ دَائِمًا فَقُوبِلَ التَّأْبِيدُ بِالتَّأْبِيدِ، وَلَوْ نُظِرَ لِلْعَمَلِ لَكَانَ الثَّوَابُ، أَوِ الْعِقَابُ لِقَدْرِ مُدَّتِهِ فَمَدْخُولٌ وَمَعْلُولٌ فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ نِيَّةُ الْكَافِرِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ، بَلْ مَفْهُومُ الْحَدِيثِ أَنَّ عَمَلَ الْكَافِرِ خَيْرٌ مِنْ نِيَّتِهِ، نَعَمْ ذَكَرُوا فِي جَانِبِ الْجَنَّةِ أَنَّ دُخُولَهَا بِالْإِيمَانِ، وَدَرَجَاتِهَا بِالْأَعْمَالِ، وَخُلُودَهَا بِالنِّيَّةِ، أَوْ مِنْ بَابِ الْإِفْضَالِ فَلَا إِشْكَالَ، وَأَمَّا دُخُولُ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ فَلِكُفْرِهِمْ، وَدَرَكَاتُهَا عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ فَكَانَ مُقْتَضَى الْعَقْلِ فِي ظَاهِرِ الْعَدْلِ أَنَّ الْكَافِرَ الَّذِي عَاشَ فِي الدُّنْيَا مِائَةَ سَنَةٍ مَثَلًا أَنْ يُعَذَّبَ قَدْرَهَا، فَقَالُوا: التَّخْلِيدُ فِي مُقَابَلَةِ نِيَّتِهِ مِنَ التَّأْبِيدِ فَإِنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ عَاشَ أَبَدَ الْآبَادِ لَاسْتَمَرَّ عَلَى كُفْرِهِ الْمُعْتَادِ، ثُمَّ قِيلَ: ضَمِيرُ عَمَلِهِ الْكَافِرِ مَعْهُودٌ، وَهُوَ السَّابِقُ كَبِنَاءِ قَنْطَرَةٍ عَزَمَ مُسْلِمٌ عَلَى بِنَائِهَا، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ خَيْرَ لَيْسَتْ بِمَعْنَى أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ: وَالْمَعْنَى النِّيَّةُ خَيْرٌ مِنْ جُمْلَةِ الْخَيْرَاتِ سَاقِطٌ عَنِ الِاعْتِبَارِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاخْتَلَفُوا فِي النِّيَّةِ السَّيِّئَةِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا عِقَابَ عَلَيْهَا إِلَّا إِنِ انْضَمَّ إِلَيْهَا عَزْمٌ، أَوْ تَصْمِيمٌ أَيْ: عَزْمٌ عَلَى الْفِعْلِ بِالْفِعْلِ، أَوْ تَصْمِيمٌ عَلَى أَنَّهُ سَيَفْعَلُ، وَفِيهِ أَنَّ النِّيَّةَ لَا تَكُونَ إِلَّا مَعَ الْعَزِيمَةِ: وَإِلَّا فَمَعَ التَّرَدُّدِ تُسَمَّى خَطْرَةً، وَهِيَ مَرْفُوعَةٌ بِالْإِجْمَاعِ. قَالَ فِي الْمَدَارِكِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الْآيَةَ، وَلَا تَدْخُلُ الْوَسَاوِسُ، وَحَدِيثُ النَّفْسِ فِيمَا يُخْفِيهِ الْإِنْسَانُ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ الْخُلُوُّ عَنْهُ، وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وَلَكِنْ مَا اعْتَقَدَهُ، وَعَزَمَ عَلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَزْمَ الْكُفْرِ كُفْرٌ، وَخَطْرَةَ الذُّنُوبِ مِنْ غَيْرِ عَزْمٍ مَعْفُوٌّ عَنْهَا، وَعَزْمَ الذَّنْبِ إِذَا نَدِمَ عَلَيْهِ، وَرَجَعَ عَنْهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ بَلْ يُثَابُ، فَأَمَّا إِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ، وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ مُنِعَ عَنْهُ بِمَانِعٍ لَا بِاخْتِيَارِهِ فَإِنَّهُ لَا يُعَاقَبُ عَلَى ذَلِكَ عُقُوبَةَ فِعْلِهِ أَيْ: بِالْعَزْمِ عَلَى الزِّنَا لَا يُعَاقَبُ عُقُوبَةَ الزِّنَا، وَهَلْ يُعَاقَبُ عُقُوبَةَ عَزْمِ الزِّنَا؟ قِيلَ: لَا، لِقَوْلِهِ ﵊: («إِنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ») . وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْخَطْرَةِ دُونَ الْعَزْمِ، وَأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْعَزْمِ ثَابِتَةٌ، وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحُلْوَانِيُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩] الْآيَةَ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَإِنْ قُلْتَ: وَنِيَّةُ الْحَسَنَةِ كَذَلِكَ قَلْتُ: فَرَّقَ بِأَنَّ نَاوِيَ الْحَسَنَةِ يُثَابُ عَلَيْهَا، وَعَلَى نِيَّتِهَا، وَنَاوِي السَّيِّئَةِ إِنَّمَا يُعَاقَبُ عَلَى نِيَّتِهَا فَقَطْ. قُلْتُ: لَا حَاجَةَ إِلَى الْفَرْقِ فَإِنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْفَرْقِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ التَّعَدُّدَ الْحَقِيقِيَّ، فَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَإِنْ أَرَادَ التَّعَدُّدَ الْحُكْمِيَّ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِي الْكَيْفِيَّةِ دُونَ الْكَمِّيَّةِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَمَعْنَى ثَوَابِهِ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ أَنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ حَسَنَةً عَظِيمَةً لَكِنْ بِاعْتِبَارَيْنِ، فَهَذَا جَارٍ فِي السَّيِّئَةِ أَيْضًا. وَمِنْ جُمْلَةِ الْفُرُوعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ بِمُكَفِّرٍ يَدِينُ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ إِذْ لَا نِيَّةَ لَهُ، وَيُؤَيِّدُنَا خَبَرُ مُسْلِمٍ فِي «الَّذِي ضَلَّتْ رَاحِلَتُهُ، ثُمَّ وَجَدَهَا، فَقَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ قَالَ ﵊: (أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ)» .
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَإِنْ قُلْتَ: ظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ قَبُولُ دَعْوَاهُ سَبْقَ اللِّسَانِ هُنَا، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ فَيُنَافِيهِ مَا مَرَّ فِي نَحْوِ الطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَرِينَةٍ فَمَا الْفَرْقُ؟ قُلْتُ: أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَاطِنِ فَهُمَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بَاطِنًا فِيهِمَا حَيْثُ سَبَقَ لِسَانُهُ، وَأَمَّا ظَاهِرًا فَلَا بُدَّ مِنْ قَرِينَةٍ فِي الطَّلَاقِ، وَكَذَا الْكُفْرُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَيُحْتَمَلُ قَبُولُهُ فِيهِ ظَاهِرًا مُطْلَقًا، وَيُفَرِّقُ بِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي حَقِّ اللَّهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِبِنَاءِ حَقِّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَحَقِّ الْآدَمِيِّ عَلَى الْمُشَاحَّةِ، وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ وَطِئَ، أَوْ شَرِبَ، أَوْ قَتَلَ يَظُنُّ الْحَلِيلَةَ [وَنَحْوَ الْمَاءِ، وَغَيْرَ الْمَعْصُومِ] فَبَانَ مُحَرَّمًا لَا يَأْثَمُ، وَفِي عَكْسِهِ يَأْثَمُ اعْتِبَارًا بِالنِّيَّةِ فِيهَا. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: اسْتَثْنَى بَعْضَ الْأَعْمَالِ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ كَصَرِيحِ الطَّلَاقِ، وَالْعِتَاقِ لِأَنَّ تَعْيِينَ الشَّارِعِ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لِأَجْلِ هَذِهِ الْمَعَانِي بِمَنْزِلَةِ النِّيَّةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصِّحَّةِ، وَالْجَوَازِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّوَابِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْحِيحِ النِّيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[(وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ)] أَيِ: الشَّخْصِ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ [(مَا نَوَى)] أَيْ: جَزَاءَ الَّذِي نَوَاهُ مِنْ خَيْرٍ، أَوْ شَرٍّ، أَوْ جَزَاءَ عَمَلٍ نَوَاهُ، أَوْ نِيَّتِهِ دُونَ مَا لَمْ يَنْوِهْ، أَوْ نَوَاهُ غَيْرُهُ لَهُ، فَفِيهِ بَيَانٌ لِمَا تُثْمِرُهُ النِّيَّةُ مِنَ الْقَبُولِ، وَالرَّدِّ، وَالثَّوَابِ، وَالْعِقَابِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ كَإِسْقَاطِ الْقَضَاءِ، وَعَدَمِهِ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْعَمَلِ قَبُولُهُ، وَوُجُودُ ثَوَابِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] فَفَهِمَ مِنَ الْجُمْلَةِ الْأُولَى أَنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَكُونُ مَحْسُوبَةً إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَمِنْ هَذِهِ أَنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ مَقْبُولَةً بِالْإِخْلَاصِ، وَحَاصِلُ الْفَرْقِ أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْأَوَّلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ الْعَمَلِ، وَفِي الثَّانِي مُتَوَجِّهَةٌ إِلَى مَا لِأَجْلِهِ الْعَمَلُ مِنَ الْأَمَلِ، وَقِيلَ: هَذِهِ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولَى تَنْبِيهًا عَلَى سِرِّ الْإِخْلَاصِ، وَنُوقِشَ بِأَنَّ تَنْبِيهَهَا عَلَى ذَلِكَ يَمْنَعُ إِطْلَاقَ كَوْنِهَا مُؤَكِّدَةً، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَعْمَالِ الْعِبَادَاتُ، وَبِالثَّانِي الْأُمُورُ الْمُبَاحَاتُ فَإِنَّهَا لَا تُفِيدُ الْمَثُوبَاتِ إِلَّا إِذَا نَوَى بِهَا فَاعِلُهَا الْقُرُبَاتِ كَالْمَآكِلِ، وَالْمَشَارِبِ، وَالْمَنَاكِحِ، وَسَائِرِ اللَّذَّاتِ إِذَا نَوَى بِهَا الْقُوَّةَ عَلَى الطَّاعَاتِ لِاسْتِيفَاءِ الشَّهَوَاتِ، وَكَالتَّطَيُّبِ إِذَا قَصَدَ إِقَامَةَ السُّنَّةِ، وَدَفْعَ الرَّائِحَةِ الْمُؤْذِيَةِ عَنْ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى، فَفِي الْجُمْلَةِ كُلُّ عَمَلٍ صَدَرَ عَنْهُ لِدَاعِي الْحَقِّ، فَهُوَ الْحَقُّ، وَكَذَا الْمَتْرُوكَاتُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْمَثُوبَاتُ إِلَّا بِالنِّيَّاتِ. رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَرَّ بِكُثْبَانِ رَمْلٍ فِي مَجَاعَةٍ، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: لَوْ كَانَ هَذَا الرَّمْلُ طَعَامًا لَقَسَّمْتُهُ بَيْنَ النَّاسِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِمْ: قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ، وَشَكَرَ حُسْنَ صَنِيعِكَ، وَأَعْطَاكَ ثَوَابَ مَا لَوْ كَانَ طَعَامًا فَتَصَدَّقْتَ بِهِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي إِعْلَامِ الْحَدِيثِ، وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ أَنَّ هَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى إِيجَابِ تَعْيِينِ الْمَنْوِيِّ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَ فِي الْفَائِتَةِ مِنْ كَوْنِهَا ظُهْرًا، أَوْ عَصْرًا، وَلَوْلَاهُ لَدَلَّ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ عَلَى الصِّحَّةِ بِلَا تَعْيِينٍ، أَوْ أَوْهَمَ ذَلِكَ اهـ.
وَكَذَلِكَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا ذَا وَجْهَيْنِ أَوْ وُجُوهٍ مِنَ الْقُرُبَاتِ كَالتَّصْدِيقِ عَلَى الْقَرِيبِ الَّذِي يَكُونُ جَارًا لَهُ، وَفَقِيرًا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْصَافِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِهَا الْإِحْسَانَ، وَلَمْ يَنْوِ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إِذَا نَوَى جَمِيعَ الْجِهَاتِ فَعُلِمَ سِرُّ تَأْخِيرِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَأَنَّهُمَا مُتَغَايِرَتَانِ، قِيلَ: الْمَفْهُومُ مِنْهُ أَنَّ نِيَّةَ الْخَاصِّ فِي ضِمْنِ نِيَّةِ الْعَامِّ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ كَمَا قَالَ بِهِ بَعْضٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ: (الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ) إِلَخْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: النِّيَّةُ فِي الْحَدِيثِ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ لِيَحْسُنَ تَطْبِيقُهُ عَلَى مَا بَعْدَهُ، وَتَقْسِيمُهُ بِقَوْلِهِ: [(فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَ)]: إِلَى [(رَسُولِهِ)]: فَإِنَّهُ تَفْصِيلُ مَا أَجْمَلَهُ، وَاسْتِنْبَاطُ الْمَقْصُودِ عَمَّا أَصَّلَهُ، وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: إِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ تُحْسَبُ بِحَسَبِ النِّيَّةِ إِنْ كَانَتْ خَالِصَةً لِلَّهِ فَهِيَ لَهُ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَتْ لِلدُّنْيَا فَهِيَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِنَظَرِ الْخَلْقِ فَهِيَ لِذَلِكَ، فَالتَّقْدِيرُ إِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَنْوِيَّهُ مِنْ طَاعَةٍ، أَوْ مُبَاحٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ مِنَ الْهَجْرِ، وَهُوَ التَّرْكُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْوَصْلِ، وَالْمُرَادُ هَنَا تَرْكُ الْوَطَنِ الَّذِي بِدَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَهِجْرَةِ الصَّحَابَةِ لَمَّا اشْتَدَّ بِهِمْ أَذَى أَهْلِ مَكَّةَ مِنْهَا إِلَى الْحَبَشَةِ، وَإِلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ هِجْرَتِهِ ﵊، وَبَعْدَهَا، وَلَمَّا احْتَاجُوا إِلَى تَعَلُّمِ الْعُلُومِ مِنْ أَوْطَانِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدْ تُطْلَقُ كَمَا فِي أَحَادِيثَ عَلَى هِجْرَةِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَفِي مَعْنَاهَا
هَجْرُ الْمُسْلِمِ أَخَاهُ، وَهَجْرُ الْمَرْأَةِ مَضْجَعَ زَوْجِهَا، وَعَكْسُهُ، وَمِنْهَا الْهِجْرَةُ مِنْ دِيَارِ الْبِدْعَةِ إِلَى بِلَادِ السُّنَّةِ، وَالْهِجْرَةُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ، وَتَرْكُ الْوَطَنِ لِتَحْصِيلِ الْحَجِّ، وَفِي مَعْنَاهُ الِاعْتِزَالُ عَنِ النَّاسِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊: («لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ») مَحْمُولٌ عَلَى خُصُوصِ الْهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ عُمُومَ الِانْتِقَالِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِيمَانِ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ، وَكَذَا الْهِجْرَةُ مِنَ الْمَعَاصِي ثَابِتَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊: («الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ») . وَالْمُرَادُ الْمُهَاجِرُ الْكَامِلُ. وَهَذَا مَعْنَى حَدِيثِ: («لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ») قِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهَا هَاهُنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لِذِكْرِ الْمَرْأَةِ، وَحِكَايَةِ أَمِّ قَيْسٍ، لَكِنَّ الْعِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَالْمَعْنَى مَنْ قَصَدَ بِهِجْرَتِهِ وَجْهَ اللَّهِ، وَالتَّقَرُّبَ إِلَى رِضَاهُ لَا يَخْلِطُهَا بِشَيْءٍ مِنَ الْأَعْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَخْلِيصِ النِّيَّةِ، أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ تُوْطِئَةً لِذِكْرِ الرَّسُولِ تَخْصِيصًا لَهُ بِاللَّهِ، وَتَعْظِيمًا لِلْهِجْرَةِ إِلَيْهِ، أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ لِلتَّزْيِينِ، وَالْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ الْهِجْرَةَ إِلَيْهِ ﵊ كَالْهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. كَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] فِي الثَّابِتِ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ إِعَادَةُ الْجَارِّ فِي الشَّرْطِ، وَالْجَزَاءِ، وَهِيَ تُفِيدُ الِاسْتِقْلَالَ فِي الْحُكْمِ بِمَعْنَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الْهِجْرَتَيْنِ يَقُومُ مَقَامَ الْأُخْرَى فِي مَرْتَبَةِ الْقَبُولِ: [(فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَ)]: إِلَى [(رَسُولِهِ)]: لَمْ يَقُلْ إِلَيْهِمَا اسْتِلْذَاذًا بِتَكْرِيرِ اسْمِهِمَا، «وَإِلَى» مُتَعَلِّقَةٌ بِهِجْرَتِهِ إِنْ قُدِّرَتْ «كَانَتْ» تَامَّةً، وَبِمَحْذُوفٍ هُوَ خَبَرُهَا إِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً أَيْ: مُنْتَسِبَةً إِلَيْهِمَا، وَالْمُرَادُ أَصْلُ الْكَوْنِ لَا بِالنَّظَرِ إِلَى زَمَنٍ مَخْصُوصٍ، أَوْ وَضْعُهُ الْأَصْلِيُّ مِنَ الْمُضِيِّ، أَوْ هُنَا مِنَ الِاسْتِقْبَالِ لِوُقُوعِهَا فِي حَيِّزِ الشَّرْطِ لَفْظًا، أَوْ مَعْنًى لِلْإِجْمَاعِ عَلَى اسْتِوَاءِ الْأَزْمِنَةِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إِلَّا لِمَانِعٍ، ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الشَّرْطِ، وَالْجَزَاءِ لِحُصُولِ الْفَائِدَةِ فَقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَرَسُولِهِ قَصْدًا، وَنِيَّةً فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَرَسُولِهِ ثَمَرَةً، وَمَنْفَعَةً، فَهُوَ تَمْيِيزٌ لِلنِّسْبَةِ، وَيَجُوزُ حَذْفُهُ لِلْقَرِينَةِ، وَقِيلَ: فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَرَسُولِهِ فِي الدُّنْيَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي الْعُقْبَى، وَقِيلَ: الْجُمْلَةُ الْجَزَائِيَّةُ كِنَايَةٌ عَنْ قَوْلِهِ: فَهِجْرَتُهُ مَقْبُولَةٌ، أَوْ صَحِيحَةٌ فَأُقِيمَ السَّبَبُ مَقَامَ الْمُسَبَّبُ، وَقِيلَ: خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ مِنْ طَرَفِ الْجَزَاءِ أَيْ: فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَرَسُولِهِ مَقْبُولَةٌ أَيْ: فَهِيَ كَمَا نَوَاهَا، وَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ سَوَاءٌ مَاتَ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ وَصَلَ إِلَى الْفَرِيقِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] وَقِيلَ: اتِّحَادُ الشَّرْطِ، وَالْجَزَاءِ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ، وَلِإِرَادَةِ التَّحْقِيرِ فِيمَا سَيَأْتِي فَيَكُونُ التَّغَايُرُ مَعْنًى بِدَلِيلِ قَرَائِنِ السِّيَاقِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْأَوَّلِ مَا وُجِدَ خَارِجًا، وَبِالثَّانِي مَا عُهِدَ ذِهْنًا عَلَى حَدِّ: أَنْتَ أَنْتَ أَيِ: الصَّدِيقُ الْخَالِصُ، وَهُمْ هُمْ أَيِ: الَّذِينَ لَا يُعْرَفُ قَدْرُهُمْ، وَمِنْهُ: أَنَا أَبُو النَّجْمِ، وَشِعْرِي شِعْرِي. أَيْ: الْآنَ هُوَ شِعْرِي الَّذِي كَانَ، وَالْكِبَرُ مَا غَيَّرَ اللِّسَانَ، وَالْحَاصِلُ أَنْ يُقَالَ: فَهِجْرَتُهُ عَظِيمَةٌ، وَنَتِيجَتُهَا جَسِيمَةٌ. [(وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا)]: بِضَمِّ الدَّالِّ، وَيُكْسَرُ، وَهِيَ فُعْلَى مَنِ الدُّنُوِّ، وَهُوَ الْقُرْبُ لِدُنُوِّهَا إِلَى الزَّوَالِ، أَوْ لِقُرْبِهَا مِنَ الْآخِرَةِ مِنَّا، وَلَا تُنَوَّنُ لِأَنَّ أَلِفَهَا مَقْصُورَةٌ لِلتَّأْنِيثِ، أَوْ هِيَ تَأْنِيثُ أَدْنَى، وَهِيَ كَافِيَةٌ فِي مَنْعِ الصَّرْفِ، وَتَنْوِينُهَا فِي لُغَةٍ شَاذٌّ، وَلِإِجْرَائِهَا مَجْرَى الْأَسْمَاءِ، وَلِخَلْعِهَا عَنِ الْوَصْفِيَّةِ نُكِّرَتْ كَرُجْعَى، وَلَوْ بَقِيَتْ عَلَى وَصْفِيَّتِهَا لَعُرِّفَتْ كَالْحُسْنَى، وَاخْتَلَفُوا فِي حَقِيقَتِهَا مَعَ أَنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لَهَا فَقِيلَ: وَهِيَ اسْمُ مَجْمُوعِ هَذَا الْعَالَمِ الْمُتَنَاهِي، فَفِي الْقَامُوسِ الدُّنْيَا نَقِيضُ الْآخِرَةِ، وَلَوْ قَالَ ضِدَّهَا لَكَانَ أَوْلَى إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ مَعَ جَوَازِ أَنَّهُمَا يَرْتَفِعَانِ، وَقِيلَ: هِيَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْجَوِّ، وَالْهَوَاءِ، أَوْ هِيَ كُلُّ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْجَوَاهِرِ، وَالْأَعْرَاضِ الْمَوْجُودَةِ قَبْلَ الْآخِرَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ، وَيُطْلَقُ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا مَجَازًا، وَأُرِيدُ هَاهُنَا شَيْءٌ مِنَ الْحُظُوظِ النَّفْسَانِيَّةِ كَمَالٍ أَوْ جَاهٍ، وَقَدْ تَكُونُ إِشَارَةً إِلَى الْعَاجِلِ، وَالْمَرْأَةُ إِيمَاءٌ إِلَى الْآجِلِ، وَهُوَ الْآخِرَةُ لِانْضِمَامِ الرُّوحَانِيَّةِ إِلَى الْجُسْمَانِيَّةِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَيُفِيدُ حِينَئِذٍ أَنَّ قَصْدَ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ انْحِطَاطٌ تَامٌّ عَمَّنْ لَمْ يَقْصِدْ غَيْرَ وَجْهِهِ تَعَالَى، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، وَعِنْدَ مُحَقِّقِي الْقَوْمِ مَا تَعَلَّقَ دَرْكُهُ بِالْحِسِّ، فَهُوَ دُنْيَا، وَمَا تَعَلَّقَ دَرْكُهُ بِالْعَقْلِ، فَهُوَ أُخْرَى، وَفِي رِوَايَةٍ: وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا أَيْ: لِأَجْلِ عَرَضِهَا، وَغَرَضِهَا فَاللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أَوْ بِمَعْنَى (إِلَى) لِتُقَابِلَ الْمُقَابِلَ
[(يُصِيبُهَا)]، أَيْ: يُحَصِّلُهَا لَكِنْ لِسُرْعَةِ مُبَادَرَةِ النَّفْسِ إِلَيْهَا بِالْجِبِلَّةِ الْأَصْلِيَّةِ شَبَّهَ حُصُولَهَا بِإِصَابَةِ السَّهْمِ لِلْغَرَضِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ أَيْ: يَقْصِدُ إِصَابَتَهَا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ طَلَبَ الدُّنْيَا لِأَنْ يَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى الْأُخْرَى فَلَا يُذَمُّ مَعَ أَنَّ تَرْكَهَا أَوْلَى لِقَوْلِ عِيسَى ﵊: يَا طَالِبَ الدُّنْيَا لِتَبَرَّ تَرْكُكَ الدُّنْيَا أَبَرُّ. [(أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا)]: خُصَّتْ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلَى سَبَبِ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَتِ الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: كَانَ فِينَا رَجُلٌ خَطَبَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا: أُمُّ قَيْسٍ فَأَبَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ حَتَّى يُهَاجِرَ فَهَاجَرَ فَتَزَوَّجَهَا. قَالَ: فَكُنَّا نُسَمِّيهِ مُهَاجِرَ أُمِّ قَيْسٍ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ قَصَدَ فِي ضِمْنِ الْهِجْرَةِ سُنَّةً عَظِيمَةً أَبْطَلَ ثَوَابَ هِجْرَتِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ غَيْرُهُ ; أَوْ دَلَالَةً عَلَى أَعْظَمِ فِتَنِ الدُّنْيَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: ١٤] . وَلِقَوْلِهِ ﵇: («مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ») لَكِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ صَالِحَةً تَكُونُ خَيْرَ مَتَاعِهَا، وَلِقَوْلِهِ ﵊: («الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ») .
[(فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)] أَيْ: مُنْصَرِفَةٌ إِلَى الْغَرَضِ الَّذِي هَاجَرَ إِلَيْهِ فَلَا ثَوَابَ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] أَوِ الْمَعْنَى فَهِجْرَتُهُ مَرْدُودَةٌ، أَوْ قَبِيحَةٌ. قِيلَ: إِنَّمَا ذُمَّ لِأَنَّهُ طَلَبَ الدُّنْيَا فِي صُورَةِ الْهِجْرَةِ فَأَظْهَرَ الْعِبَادَةَ لِلْعُقْبَى، وَمَقْصُودُهُ الْحَقِيقِيُّ مَا كَانَ إِلَّا الدُّنْيَا فَاسْتَحَقَّ الذَّمَّ لِمُشَابَهَتِهِ أَهْلَ النِّفَاقِ، وَلِذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَمَّا رَأَى بَهْلَوَانًا يَلْعَبُ عَلَى الْحَبْلِ: هَذَا أَحْسَنُ مِنْ أَصْحَابِنَا فَإِنَّهُ جَمَلَ الدُّنْيَا بِالدُّنْيَا، وَأَصْحَابُنَا يَأْكُلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مَتَى اجْتَمَعَ بَاعِثُ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ فَلَا ثَوَابَ مُطْلَقًا لِلْخَبَرِ، وَفِي الصَّحِيحِ: («أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ هُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ») . قَالَ الْغَزَالِيُّ: يُعْتَبَرُ الْبَاعِثُ فَإِنْ غَلَبَ بَاعِثُ الْآخِرَةِ أُثِيبَ، أَوْ بَاعِثُ الدُّنْيَا، أَوِ اسْتَوَيَا لَمْ يُثَبْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِ مَنْ حَجَّ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ كَانَ ثَوَابُهُ دُونَ ثَوَابِ الْمُتَخَلِّي عَنْهَا أَنَّ الْقَصْدَ الْمُصَاحِبَ لِلْعِبَادَةِ إِنْ كَانَ مُحَرَّمًا كَالرِّيَاءِ أَسْقَطَهَا مُطْلَقًا، وَهُوَ مَحْمِلُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ لَفْظُهُ، أَوْ غَيْرَ مُحَرَّمٍ أُثِيبَ بِقَدْرِ قَصْدِهِ الْآخِرَةَ أَخْذًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] اهـ.
وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ، وَتَعْلِيلٌ مُسْتَحْسَنٌ هَذَا بِلِسَانِ الْعُلَمَاءِ أَرْبَابِ الْعِبَارَةِ، وَأَمَّا بِلِسَانِ الْعُرَفَاءِ أَصْحَابِ الْإِشَارَةِ فَمَعْنَاهُ مُجْمَلًا أَنَّ أَعْمَالَ ظَاهِرِ الْقَالَبِ مُتَعَلِّقٌ بِمَا يَقَعُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ أَنْوَارِ الْغُيُوبِ، وَالنِّيَّةُ جَمْعُ الْهَمِّ فِي تَنْفِيذِ الْعَمَلِ لِلْمَعْمُولِ لَهُ، وَأَنْ لَا يَسْنَحَ فِي السِّرِّ ذِكْرُ غَيْرِهِ، وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ، ثُمَّ نِيَّةُ الْعَوَامِّ فِي طَلَبِ الْأَعْرَاضِ مَعَ نِسْيَانِ الْفَضْلِ، وَالْإِعْوَاضِ، وَنِيَّةُ الْجَاهِلِ التَّحْصِينُ عَنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَنُزُولِ الْبَلَاءِ، وَنِيَّةُ أَهْلِ النِّفَاقِ التَّزَيُّنُ عِنْدَ النَّاسِ مَعَ إِضْمَارِ الشِّقَاقِ، وَنِيَّةُ الْعُلَمَاءِ إِقَامَةُ الطَّاعَاتِ، وَنِيَّةُ أَهْلِ التَّصَوُّفِ تَرْكُ الِاعْتِمَادِ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْهُمْ مَنِ الْعِبَادَاتِ، وَنِيَّةُ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ رُبُوبِيَّةٌ تَوَلَّتْ عُبُودِيَّةً. وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى مِنْ مَطَالِبِ السُّعَدَاءِ، وَهِيَ الْخَلَاصُ عَنِ الدَّرَكَاتِ السُّفْلَى مِنَ الْكُفْرِ، وَالشِّرْكِ، وَالْجَهْلِ، وَالْمَعَاصِي، وَالسُّمْعَةِ، وَالرِّيَاءِ، وَالْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، وَحَجْبِ الْأَوْصَافِ، وَالْفَوْزِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَا وَهِيَ الْمَعْرِفَةُ، وَالتَّوْحِيدُ، وَالْعِلْمُ، وَالطَّاعَاتُ، وَالْأَخْلَاقُ الْمَحْمُودَةُ، وَجَذَبَاتُ الْحَقِّ، وَالْفَنَاءُ عَنْ إِنَابَتِهِ، وَالْبَقَاءُ بِهُوِيَّتِهِ، أَوْ مِنْ مَقَاصِدِ الْأَشْقِيَاءِ، وَهِيَ إِجْمَالًا مَا يُبْعِدُ
عَنِ الْحَقِّ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ أَيْ: خُرُوجُهُ مِنْ مَقَامِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ اسْتِعْدَادَهُ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ، أَوْ مَنْزِلًا مِنْ مَنَازِلِ النَّفْسِ، أَوْ مَقَامًا مِنْ مَقَامَاتِ الْقَلْبِ إِلَى اللَّهِ لِتَحْصِيلِ مِرَاضِيهِ، وَتَحْسِينِ الْأَخْلَاقِ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَى تَوْحِيدِ الذَّاتِ، وَرَسُولِهِ بِاتِّبَاعِ أَعْمَالِهِ، وَاقْتِفَاءِ أَخْلَاقِهِ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَى طَلَبِ الِاسْتِقَامَةِ فِي تَوْحِيدِ الصِّفَاتِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَتُخْرِجُهُ الْعِنَايَةُ الْإِلَهِيَّةُ مِنْ ظُلُمَاتِ الْحُدُوثِ وَالْفَنَاءِ إِلَى أَنْوَارِ الشُّهُودِ، وَالْبَقَاءِ، وَتَجْذِبُهُ مِنْ حَضِيضِ الْعُبُودِيَّةِ إِلَى ذُرْوَةِ الْعِنْدِيَّةِ، وَيَفْنَى فِي عَالَمِ اللَّاهُوتِ، وَيَبْقَى بِالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ الْأُنْسُ، وَنَزَلَ مَحَلَّةَ الْقُدُسِ بِدَارِ الْقَرَارِ فِي جِوَارِ الْمَلِكِ الْغَفَّارِ، وَأَشْرَقَتْ عَلَيْهِ سُبُحَاتُ الْوَجْهِ الْكَرِيمِ، وَحَلَّ بِقَلْبِهِ رُوحُ الرِّضَا الْعَمِيمِ، وَوَجَدَ فِيهَا الرُّوحَ الْمُحَمَّدِيَّ، وَأَحْبَابًا، وَعَرَفَ أَنَّ لَهُ مَثْوًى، وَمَآبًا. وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا أَيْ: لِتَحْصِيلِ شَهْوَةِ الْحِرْصِ عَلَى الْمَالِ، وَالْجَاهِ، أَوْ تَحْصِيلِ لَذَّةِ شَهْوَةِ الْفَرْجِ فَيَبْقَى مَهْجُورًا عَنِ الْحَقِّ فِي أَوْطَانِ الْغُرْبَةِ، وَدِيَارِ الظُّلْمَةِ لَهُ نَارُ الْفُرْقَةِ، وَالْقَطِيعَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ، وَأَنْشَدَ بَعْضُ الْمُخْلِصِينَ لِبَعْضِ الْمُخْلِطِينَ:
يَا غَافِلَ الْقَلْبِ عَنْ ذِكْرِ الْمَنِيَّاتِ ... عَمَّا قَلِيلٍ سَتَثْوَى بَيْنَ أَمْوَاتِ
إِنَّ الْحِمَامَ لَهُ وَقْتٌ إِلَى أَجَلٍ ... فَاذْكُرْ مَصَائِبَ أَيَّامٍ، وَسَاعَاتِ
لَا تَطْمَئِنَّ إِلَى الدُّنْيَا، وَزِينَتِهَا ... قَدْ حَانَ لِلْمَوْتِ يَا ذَا اللُّبِّ أَنْ يَأْتِي
وَكُنْ حَرِيصًا عَلَى الْإِخْلَاصِ فِي عَمَلٍ ... فَإِنَّمَا الْعَمَلُ الزَّاكِي بِنِيَّاتٍ
قَدْ وَرَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ مَرْفُوعًا: («إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْحَفَظَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: اكْتُبُوا لِعَبْدِي كَذَا وَكَذَا مِنَ الْأَجْرِ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَحْفَظْ ذَلِكَ عَنْهُ، وَلَا هُوَ فِي صَحِيفَتِنَا فَيَقُولُ إِنَّهُ نَوَاهُ») . وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ الْعَلِيَّ، أَنَّ زُبَيْدَةَ رُؤِيَتْ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهَا: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكِ؟ فَقَالَتْ: غَفَرَ لِي، فَقِيلَ لَهَا: بِكَثْرَةِ عِمَارَتِكِ الْآبَارَ، وَالْبِرَكِ، وَالْمَصَانِعِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، وَإِنْفَاقِكِ فِيهَا؟ فَقَالَتْ: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ذَهَبَ ذَلِكَ كُلُّهُ إِلَى أَرْبَابِهِ، وَإِنَّمَا نَفَعَنَا مِنْهُ النِّيَّاتُ فَغَفَرَ لِي بِهَا، اللَّهُمَّ فَأَحْسِنْ نِيَّاتِنَا، وَلَا تُؤَاخِذْنَا بِنِيَّاتِنَا، وَاخْتِمْ بِالْخَيْرِ مَنِيَّاتِنَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ: اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ عَلَى رِوَايَتِهِ، وَيُعَبَّرُ عَنْ هَذَا الْقِسْمِ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَيْ: بِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ لَا بِمَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، لَكِنَّ اتِّفَاقَهَا عَلَيْهِ لَازِمُ ذَلِكَ لِاتِّفَاقِهَا عَلَى تَلَقِّي مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ بِالْقَبُولِ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ بَقِيَّةُ السِّتَّةِ. وَقِيلَ: لَمْ يَبْقَ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهَا مَنْ لَمْ يُخْرِجْهُ سِوَى مَالِكٍ، فَفِي الْجُمْلَةِ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَمِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ مَاكُولَا، وَغَيْرُهُ مِنَ التَّكَلُّمِ فِيهِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَمَا قِيلَ إِنَّهُ مُتَوَاتِرٌ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا عُمَرُ، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ عُمَرَ إِلَّا عَلْقَمَةُ، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ عَلْقَمَةَ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ إِلَّا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، ثُمَّ تَوَاتَرَ عَنْهُ بِحَيْثُ رَوَاهُ عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ إِنْسَانٍ أَكْثَرُهُمْ أَئِمَّةٌ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ: إِنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ سَبْعُمِائَةِ إِنْسَانٍ مِنْ أَعْيَانِهِمْ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَسَعِيدٌ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عُمَرَ تِسْعَةٌ غَيْرُ عَلْقَمَةَ، وَعَنْ عَلْقَمَةَ اثْنَانِ غَيْرُ التَّيْمِيِّ، وَعَنِ التَّيْمِيِّ خَمْسَةٌ غَيْرُ يَحْيَى، فَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى آخِرِهِ غَرِيبٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَوَّلِهِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ جَمْعًا مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَغَيْرِهِمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ جَمِيعَ مَا وَقَعَ مُسْنَدًا فِي الصَّحِيحَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا مِنَ الْأَحَادِيثِ يُقْطَعُ بِصِحَّتِهِ لِتَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةُ، وَكَذَا الْعَمَلُ مَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ نَحْوَ نَسْخٍ، أَوْ تَخْصِيصٍ، وَإِجْمَاعُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَعْصُومٌ عَنِ الْخَطَأِ كَمَا قَالَ ﵊، فَقُبُولُهَا لِلْخَبَرِ الْغَيْرِ الْمُتَوَاتِرِ يُوجِبُ الْعِلْمَ النَّظَرِيَّ، وَعِبَارَةُ الْأُسْتَاذِ، أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيِّ: أَهْلُ الصَّنْعَةِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْأَخْبَارَ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الصَّحِيحَانِ مَقْطُوعٌ بِصِحَّةِ أُصُولِهَا، وَمُتُونِهَا، وَلَا يَحْصُلُ الْخِلَافُ فِيهَا بِحَالٍ، وَإِنْ حَصَلَ اخْتِلَافٌ فَذَلِكَ اخْتِلَافٌ فِي طُرُقِهَا، وَرُوَاتِهَا، فَمَنْ خَالَفَ حُكْمُهُ خَبَرًا مِنْهُمَا
ــ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢ - (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ): أَصْلُهُ بَيْنَ فَأُشْبِعَتِ الْفَتْحَةُ فَقِيلَ بَيْنَا. وَزِيدَتْ مَا فَقِيلَ بَيْنَمَا، وَهُمَا ظَرْفَا زَمَانٍ بِمَعْنَى الْمُفَاجَأَةِ، وَيُضَافَانِ إِلَى الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ تَارَةً، وَإِلَى الْفِعْلِيَّةِ أُخْرَى، وَيَكُونُ الْعَامِلُ مَعْنَى الْمُفَاجَأَةِ فِي إِذْ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ وَقْتَ حُضُورِنَا فِي مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ! فَاجَأَنَا وَقْتُ طُلُوعِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَبَيْنَا ظَرْفٌ لِهَذَا الْمُقَدَّرِ، وَإِذْ مَفْعُولٌ بِهِ بِمَعْنَى الْوَقْتِ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] أَيْ: وَقْتُ ذِكْرِ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ فَجَاءُوا وَقْتَ الِاسْتِبْشَارِ. فَنَحْنُ: مُبْتَدَأٌ، وَعِنْدَ ظَرْفُ مَكَانٍ، وَذَاتَ يَوْمٍ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ عِنْدَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ، أَيْ: بَيْنَ أَوْقَاتٍ نَحْنُ حَاضِرُونَ عِنْدَهُ، فَنَحْنُ مُخْبَرٌ عَنْهُ بِجُمْلَةٍ ظَرْفِيَّةٍ، وَالْمَجْمُوعُ صِفَةُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ الْمَحْذُوفِ، وَزِيَادَةُ ذَاتَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْيَوْمِ مُطْلَقُ الزَّمَانِ لَا النَّهَارُ كَمَا فِي قَوْلِكَ: رَأَيْتُ ذَاتَ زَيْدٍ، وَقِيلَ ذَاتَ مُقْحَمٌ، وَقِيلَ بِمَعْنَى السَّاعَةِ، وَقِيلَ بَيْنَ يُضَافُ إِلَى مُتَعَدِّدٍ لَفْظًا كَقَوْلِكَ: جَلَسْتُ بَيْنَ الْقَوْمِ، أَوْ مَعْنًى كَقَوْلِكَ جِئْتُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، وَإِذَا قُصِدَ إِضَافَتُهُ إِلَى جُمْلَةٍ يُزَادُ أَلِفٌ، أَوْ مَا عِوَضًا عَنِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تَقْتَضِيهَا بَيْنَ، وَقِيلَ فَائِدَةُ الْمَزِيدَتَيْنِ إِنَّمَا هِيَ التَّهَيُّؤُ لِدُخُولِ الْجُمْلَتَيْنِ، وَيَجُوزُ دُخُولُ إِذْ فِي جَوَابِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَيَجُوزُ تَرْكُهُ كَمَا فِي الشِّعْرِ الْفَصِيحِ:
وَبَيْنَا نَحْنُ نَرْقُبُهُ أَتَانَا
وَجَاءَ فِي طَرِيقٍ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَالْحِكْمَةُ فِي تَأْخِيرِ مَجِيئِهِ إِلَى مَا بَعْدَ إِنْزَالِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ تَقْرِيرُ أُمُورِ الدِّينِ الَّتِي بَلَّغَهَا مُتَفَرِّقَةً فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لِتُغْبَطَ، وَتُضْبَطَ، وَقِيلَ مَجِيئُهُ كَانَ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ قُبَيْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَسَبَبُ الْحَدِيثِ مَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ! قَالَ: (سَلُونِي) فَهَابُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْدَةَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ أَيْ: يَعِظُ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ كَانَ ﵊ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، وَفِي أُخْرَى لِأَبِي دَاوُدَ كَانَ ﵊ يَجْلِسُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ فَلَا يَدْرِي أَيُّهُمْ هُوَ حَتَّى يَسْأَلَ فَطَلَبْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا مَجْلِسًا يَعْرِفُهُ الْغَرِيبُ إِذَا أَتَاهُ قَالَ: فَبَنَيْنَا لَهُ دُكَّانًا أَيْ: دِكَّةً مِنْ طِينٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، وَكُنَّا نَجْلِسُ بِجَنْبِهِ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْعَالِمِ الْجُلُوسُ بِمَحَلٍّ مُرْتَفِعٍ مُخْتَصٍّ بِهِ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ لِلتَّعْظِيمِ، وَنَحْوِهِ، ثُمَّ الطُّلُوعُ بِمَعْنَى الظُّهُورِ مِنْ كَمَالِ النُّورِ مُسْتَعَارٌ مِنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى كَمَالِ عَظَمَتِهِ، وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، وَالتَّنْوِينُ فِي رَجُلٍ لِلتَّعْظِيمِ، وَيُحْتَمَلُ التَّنْكِيرُ؛ لِأَنَّ الرَّاوِيَ حِينَ رِوَايَتِهِ، وَإِنْ كَانَ عَارِفًا بِأَنَّهُ جِبْرِيلُ لَكِنَّهُ حَكَى الْحَالَ الْمَاضِيَةَ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ: لَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَلَكَ لَهُ أَنْ يَقْتَدِرَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى التَّشَكُّلِ مِمَّا شَاءَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] وَالْحِكْمَةُ فِي اخْتِيَارِ شَكْلِ الْبَشَرِ الِاسْتِئْنَاسُ لِأَنَّ الْجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ، فَالْمَعْنَى رَجُلٌ فِي الصُّورَةِ إِذْ هُوَ جِبْرِيلُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي رِوَايَةٍ، وَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فِي صُورَةِ دَحْيَةَ الْكَلْبِيِّ مَعْلُولٌ بِأَنَّهُ وَهْمٌ مِنْ رِوَايَةٍ لِقَوْلِ عُمَرَ الْآتِي. وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ. نَعَمْ كَانَ غَالِبًا يَتَمَثَّلُ بِصُورَةِ دَحْيَةَ لِكَمَالِ جَمَالِهِ.
(شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ): بِإِضَافَةِ شَدِيدٍ إِلَى مَا بَعْدَهُ إِضَافَةً لَفْظِيَّةً مُفِيدَةً لِلتَّخْفِيفِ فَقَطْ صِفَةُ رَجُلٍ، وَاللَّامُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ الْعَائِدِ إِلَى الرَّجُلِ. أَيْ: شَدِيدٌ بَيَاضُ ثِيَابِهِ شَدِيدٌ سَوَادُ شَعْرِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّنْوِينِ فِي الصِّفَتَيْنِ الْمُشَبَّهَتَيْنِ، وَرَفْعِ مَا بَعْدَهُمَا عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْبَيَاضِ، وَالنَّظَافَةِ فِي الثِّيَابِ، وَأَنَّ زَمَانَ طَلَبِ الْعِلْمِ أَوَانُ الشَّبَابِ لِقُوَّتِهِ عَلَى تَحَمُّلِ أَعْبَائِهِ، وَقُدْرَتِهِ عَلَى تَعَلُّمِ
أَدَائِهِ، وَقَدَّمَ الْبَيَاضَ عَلَى السَّوَادِ لِأَنَّهُ خَيْرُ الْأَلْوَانِ، وَمُحِيطٌ بِالْأَبْدَانِ، وَلِئَلَّا يَفْتَتِحُ بَغْتَةً بِلَوْنٍ مُتَوَحِّشٍ، وَجَمَعَ الثِّيَابَ دُونَ الشَّعْرِ إِشْعَارًا بِأَنَّ جَمِيعَهَا كَذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ شَدِيدُ سَوَادِ اللِّحْيَةِ، وَبِهَا يَتَبَيَّنُ مَحْمِلُ الشَّعْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ، وَالشَّعَرُ بِفَتْحَتَيْنِ أَفْصَحُ مِنْ سُكُونِ الثَّانِي، وَيُضَمُّ مَعَهُ مُرَاعَاةً لِلسَّجْعِ فِي قَوْلِهِ: (لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ): رُوِيَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْغَائِبِ، وَرَفْعِ الْأَثَرِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ وَالْأَشْهَرِ، وَرُوِيَ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَعْلُومِ، وَنَصْبِ الْأَثَرِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ رَجُلٍ، أَوْ صِفَةٌ لَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْآثَارِ ظُهُورُ التَّعَبِ، وَالتَّغَيُّرِ، وَالْغُبَارِ، وَالسَّفَرُ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّفْرِ، وَهُوَ الْكَشْفُ؛ لِأَنَّهُ يَكْشِفُ أَحْوَالَ الرِّجَالِ، وَأَخْلَاقَهُمْ عِنْدَ مُبَاشَرَةِ الْأَعْمَالِ.
(وَلَا يَعْرِفُهُ): عَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ (مِنَّا) أَيْ: مِنَ الْحَاضِرِينَ فِي الْمَجْلِسِ قُدِّمَ لِلِاهْتِمَامِ عَلَى قَوْلِهِ: (أَحَدٌ): وَقَالَ أَبُو الْفَضَائِلِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْمِصْرِيُّ الْمُشْتَهِرُ بِزَيْنِ الْعَرَبِ فِي شَرْحِهِ لِلْمَصَابِيحِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِلَّا فَالرَّسُولُ ﷺ قَدْ عَرَفَهُ، وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: قَدْ جَاءَ صَرِيحًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَعْرِفْهُ حَتَّى غَابَ جِبْرِيلُ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْبُخَارِيِّ، وَالْمَعْنَى تَعَجَّبْنَا مِنْ كَيْفِيَّةِ إِتْيَانِهِ، وَتَرَدَّدْنَا فِي أَنَّهُ مِنَ الْمَلَكِ، أَوِ الْجِنِّ إِذْ لَوْ كَانَ بَشَرًا مِنَ الْمَدِينَةِ لَعَرَفْنَاهُ، أَوْ كَانَ غَرِيبًا لَكَانَ عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ عَلِمَ عُمَرُ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهَا، ثُمَّ اسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إِلَى ظَنِّهِ، أَوْ إِلَى صَرِيحِ قَوْلِ الْحَاضِرِينَ، وَالثَّانِي أَوْلَى فَقَدْ جَاءَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالُوا: مَا نَعْرِفُ هَذَا كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ. (حَتَّى جَلَسَ): غَايَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ طَلَعَ أَوَّلَهُ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى أَتَى أَيْ: أَقْبَلَ، وَاسْتَأْذَنَ. وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي صُورَةِ شَابٍّ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بَيَاضٌ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (وَعَلَيْكَ السَّلَامُ) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَدْنُو» فَقَالَ: (ادْنُ) فَالتَّقْدِيرُ دَنَا حَتَّى جَلَسَ مُتَوَجِّهًا أَيْ: مَائِلًا (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ): وَالْجُلُوسُ، وَالْقُعُودُ مُتَرَادِفَانِ، وَمَا ذَكَرَهُ التُّورَبِشْتِيُّ، وَغَيْرُهُ أَنَّ الْقُعُودَ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ الْقِيَامِ، وَالْجُلُوسَ مَعَ الِاضْطِجَاعِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ الْأَصْلِيُّ، أَوِ الْغَالِبُ، وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى بَرَكَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا يَجْلِسُ أَحَدُنَا لِلصَّلَاةِ، وَقَوْلُ زَيْنِ الْعَرَبِ أَيْ: جَلَسَ إِلَى جَانِبِهِ، أَوْ مَعَهُ لَا يُلَائِمُهُ قَوْلُهُ: (فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ،) أَيْ: رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّ الْجُلُوسَ عَلَى الرُّكْبَةِ أَقْرَبُ إِلَى التَّوَاضُعِ، وَالْأَدَبِ، وَإِيصَالُ الرُّكْبَةِ بِالرُّكْبَةِ أَبْلَغُ مِنَ الْإِصْغَاءِ، وَأَتَمُّ مِنْ حُصُولِ حُضُورِ الْقَلْبِ، وَأَكْمَلُ فِي الِاسْتِئْنَاسِ، وَأَلْزَمُ لِمُسَارَعَةِ الْجَوَابِ، وَلِأَنَّ الْجُلُوسَ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ حَاجَةِ السَّائِلِ، وَإِذَا عَرَفَ الْمَسْئُولُ حَاجَتَهُ، وَحِرْصَهُ اعْتَنَى، وَبَادَرَ إِلَيْهِ (وَوَضَعَ كَفَّهُ) أَيْ: كَفَّيِ الرَّجُلِ (عَلَى فَخِذَيْهِ،): بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، وَفِي الْقَامُوسِ الْفَخِذُ كَكَتِفِ مَا بَيْنَ السَّاقِ، وَالْوِرْكِ مُؤَنَّثٌ كَالْفَخْذِ، وَيُكَسَّرُ أَيْ: فَخِذَيِ الرَّجُلِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِهَيْئَةِ الْمُتَعَلِّمِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُعَلِّمِ، أَوْ عَلَى فَخِذَيِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، وَغَيْرِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتِي النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا بَيَّنَهُ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِلتَّقَرُّبِ لَدَيْهِ، وَالْإِصْغَاءِ إِلَيْهِ، وَقَصَرَ النَّظَرَ عَلَيْهِ (وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ!): قِيلَ: نَادَاهُ بِاسْمِهِ إِذِ الْحُرْمَةُ تَخْتَصُّ بِالْأُمَّةِ فِي زَمَانِهِ، أَوْ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَلَكٌ مُعَلِّمٌ، وَيُرِيدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] إِذِ الْخِطَابُ لِلْآدَمِيِّينَ فَلَا يَشْمَلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِدَلِيلٍ، أَوْ قُصِدَ بِهِ الْمَعْنَى الْوَصْفِيُّ دُونَ الْمَعْنَى الْعِلْمِيِّ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي الصِّحَاحِ مِنْ نِدَاءِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ بِاسْمِهِ فَذَاكَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وَقِيلَ آثَرَهُ زِيَادَةً فِي التَّعْمِيَةِ إِذْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ لَا يُنَادِيهِ بِهِ إِلَّا الْعَرَبِيُّ الْجِلْفُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ تَحْرِيمِ نِدَائِهِ ﷺ بِاسْمِهِ، قِيلَ: وَلَمْ يُسَلِّمْ مُبَالَغَةً فِي التَّعْمِيَةِ، أَوْ بَيَانًا أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، أَوْ سَلَّمَ، وَلَمْ يَنْقُلْهُ الرَّاوِي، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا سَبَقَ مِنْ رِوَايَةِ الْإِمَامِ، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَمَنْ ذَكَرَهُ مُقْدَّمٌ عَلَى مَنْ سَكَتَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةَ عِلْمٍ. نَعَمْ فِي رِوَايَةٍ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، وَالْجَمْعُ بِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْقُرْطُبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، وَأُخِذَ مِنْهُ أَنَّهُ
يُسَنُّ لِلدَّاخِلِ أَنْ يَعُمَّ بِالسَّلَامِ، ثُمَّ يَخُصَّ مَنْ شَاءَ بِالْكَلَامِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي فَتْحِ الْبَارِي: وَالَّذِي وَقَفْتُ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ إِنَّمَا فِيهِ الْإِفْرَادُ، وَهُوَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ. أَقُولُ: وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ الظَّاهِرِ مِنْ إِيرَادِ الْجَمْعِ إِرَادَةَ التَّعْظِيمِ لَا قَصْدَ التَّعْمِيمِ فَكَأَنَّ الْقُرْطُبِيَّ جَعَلَهُ نَظِيرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] فِي كَوْنِ الْخِطَابِ خَاصًّا، وَالْحُكْمِ عَامًّا (أَخْبِرْنِي) أَيْ: أَعْلِمْنِي، وَصِيغَةُ الْأَمْرِ لِلِاسْتِدْعَاءِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الرَّسُولَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْعُلْوِيَّةِ (عَنِ الْإِسْلَامِ): وَهُوَ لُغَةً الِانْقِيَادُ مُطْلَقًا، وَشَرْعًا الِانْقِيَادُ الظَّاهِرُ بِشَرْطِ انْقِيَادِ الْبَاطِنِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْإِيمَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] وَاللَّامُ فِيهِ لِلْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلِذَلِكَ أَجَابَ عَنْهُ بِالْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ السُّؤَالَ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَجَوَابَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِيمَانِ، وَجَوَابُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَرِيَاضِ الصَّالِحِينَ، وَشَرْحِ السُّنَّةِ بِخِلَافِ الْمَصَابِيحِ، فَإِنَّهُ قَدَّمَ فِيهِ الْإِيمَانَ، وَالتَّصْدِيقَ، وَإِنْ كَانَ مُقَدَّمًا لِأَنَّهُ أَسَاسُ قَاعِدَةِ الْإِسْلَامِ، لَكِنَّ الْمَقَامَ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى التَّصْدِيقِ، وَمَا جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ إِلَّا لِتَعْلِيمِ الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ ﵊ كَانَ يَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ عَلَى مُقْتَضَى الْحِكَمِ التَّدْرِيجِيَّةِ فَيَبْدَأُ بِمَا هُوَ الْأَهَمُّ، وَيَتَرَقَّى مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى فَيَكُونُ الْإِسْلَامُ مُقَدَّمًا عَلَى الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ عَلَى الْإِخْلَاصِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْإِحْسَانِ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ بِتَأْخِيرِ الْإِسْلَامِ عَنِ الْإِيمَانِ، لَكِنْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا عَنْ عُمَرَ، فَفِي إِيرَادِ الْحَدِيثِ هَذَا اللَّفْظَ اعْتِرَاضٌ فِعْلِيٌّ مِنْ صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ عَلَى الْبَغَوِيِّ فِي الْمَصَابِيحِ، وَفِي رِوَايَةٍ بِتَوَسُّطِ الْإِحْسَانِ بَيْنَهُمَا فَقِيلَ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَحَلَّهُ الْقَلْبُ فَذُكِرَ فِي الْقَلْبِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ وَجْهَ التَّوَسُّطِ أَنَّ لَهُ تَعَلُّقًا بِكُلٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّ هَذَا التَّقْدِيمَ، وَالتَّأْخِيرَ مِنَ الرُّوَاةِ؛ لِأَنَّ الْقَضِيَّةَ وَاحِدَةٌ فَكَانَ الْوَاقِعُ أَمْرًا وَاحِدًا عَبَّرَ الرُّوَاةُ عَنْهُ بِأَسَالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ.
(قَالَ: (الْإِسْلَامُ)]: أَعَادَهُ، وَوَضَعَهُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِ إِرَادَةً لِوُضُوحِهِ [(أَنْ تَشْهَدَ)] أَيْ: أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ خِطَابًا عَامًّا، وَلَمْ يَقُلْ تَعْلَمَ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ أَبْلَغُ فِي الِانْكِشَافِ مِنْ مُطْلَقِ الْعِلْمِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَكْفِ أَعْلَمُ عَنْ أَشْهَدُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَأَنَّ مَصْدَرِيَّةٌ، وَالتَّقْدِيرُ الْإِسْلَامُ شَهَادَةُ [(أَنْ)]: وَهِيَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ أَيْ: أَنَّهُ، وَالضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ [(لَا إِلَهَ)]: لَا هِيَ النَّافِيَةُ لِلْجِنْسِ عَلَى سَبِيلِ التَّنْصِيصِ عَلَى نَفْيِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ [(إِلَّا اللَّهُ)]: قِيلَ: خَبَرُ لَا، وَالْحَقُّ أَنَّهُ مَحْذُوفٌ، وَالْأَحْسَنُ فِيهِ لَا إِلَهَ مَعْبُودٌ بِحَقٍّ فِي الْوُجُودِ إِلَّا اللَّهُ، وَلِكَوْنِ الْجَلَالَةِ اسْمًا لِلذَّاتِ الْمُسْتَجْمِعِ لِكَمَالِ الصِّفَاتِ، وَعَلَمًا لِلْمَعْبُودِ بِالْحَقِّ، قِيلَ: لَوْ بُدِّلَ بِالرَّحْمَنِ لَا يَصِحُّ بِهِ التَّوْحِيدُ الْمُطْلَقُ، ثُمَّ قِيلَ: التَّوْحِيدُ هُوَ الْحُكْمُ بِوَحْدَانِيَّةِ الشَّيْءِ، وَالْعِلْمُ بِهَا، وَاصْطِلَاحًا إِثْبَاتُ ذَاتِ اللَّهِ بِوَحْدَانَيَّتِهِ مَنْعُوتًا بِالتَّنَزُّهِ عَمَّا يُشَابِهُهُ اعْتِقَادًا فَقَوْلًا، وَعَمَلًا فَيَقِينًا، وَعِرْفَانًا فَمُشَاهَدَةً، وَعِيَانًا فَثُبُوتًا، وَدَوَامًا. قَالَ الْغَزَالِيُّ: لِلتَّوْحِيدِ لُبَّانِ، وَقِشْرَانِ كَاللَّوْزِ فَالْقِشْرَةُ الْعُلْيَا الْقَوْلُ بِاللِّسَانِ الْمُجَرَّدِ، وَالثَّانِيَةُ الِاعْتِقَادُ بِالْقَلْبِ جَازِمًا، وَاللُّبُّ أَنْ يَنْكَشِفَ بِنُورِ اللَّهِ سِرُّ التَّوْحِيدِ بِأَنْ يَرَى الْأَشْيَاءَ الْكَثِيرَةَ صَادِرَةً عَنْ فَاعِلٍ وَاحِدٍ، وَيَعْرِفَ سِلْسِلَةَ الْأَسْبَابِ مُرْتَبِطَةً بِمُسَبِّبَاتِهَا، وَلُبُّ اللُّبِّ أَنْ لَا يَرَى فِي الْوُجُودِ إِلَّا وَاحِدًا، وَيَسْتَغْرِقُ فِي الْوَاحِدِ الْحَقِّ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إِلَى غَيْرِهِ. [(وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ)]: إِيمَاءٌ إِلَى النُّبُوَّةِ، وَهُمَا أَصْلَانِ مُتَلَازِمَانِ فِي إِقَامَةِ الدِّينِ ضَرُورَةَ تَوَقُّفِ الْإِسْلَامِ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُؤَيِّدُ مَنْ قَالَ الْإِقْرَارُ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ أَيْ: تُوَحِّدَهُ، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا أَيْ: مِنَ الْأَشْيَاءِ، أَوِ الْإِشْرَاكِ. قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: مُجَرَّدُ التَّوْحِيدِ هُوَ الِاحْتِجَابُ بِالْجَمْعِ عَنِ التَّفْصِيلِ، وَهُوَ مَحْضُ الْجَبْرِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْإِبَاحَةِ، وَمُجَرَّدُ إِسْنَادِ الْقَوْلِ، وَالْفِعْلِ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ، وَسَائِرِ الْخَلْقِ احْتِجَابٌ بِالتَّفْصِيلِ عَنِ الْجَمْعِ الَّذِى هُوَ صَرْفُ الْقُدْرَةِ الْمُؤَدِّي إِلَى التَّعَطِيلِ، أَوِ الثَّنَوَيَّةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْحَقُّ الْمَحْضُ. قَالَ فِي الْعَوَارِفِ: الْجَمْعُ اتِّصَالٌ لَا يُشَاهِدُ صَاحِبُهُ إِلَّا الْحَقَّ فَمَنْ شَاهَدَ غَيْرَهُ فَمَا ثَمَّ جَمْعٌ، وَالتَّفْرِقَةُ شُهُودٌ لِمَا شَاهَدَ بِالْمُبَايَنَةِ فَقَوْلُهُ: آمَنَّا بِاللَّهِ جَمْعٌ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا تَفْرِقَةٌ اهـ. وَكَذَا قَوْلُهُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ تَفْرِقَةٌ، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ جَمْعٌ، وَالْأَوَّلُ رَدٌّ عَلَى الْجَبْرِيَّةِ، وَالثَّانِي حَطٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ. وَقَالَ الْجُنَيْدُ: الْقُرْبُ بِالْوَجْدِ جَمْعٌ، وَغَيْبَتُهُ فِي الْبَشَرِيَّةِ تَفْرِقَةٌ، وَكُلُّ جَمْعٍ بِلَا تَفْرِقَةٍ زَنْدَقَةٌ، وَكُلُّ تَفْرِقَةٍ بِلَا جَمْعٍ تَعْطِيلٌ
وَحَسْبُنَا اللَّهُ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. «[(وَتُقِيمَ)، أَيْ: وَأَنْ تُقِيمَ [(الصَّلَاةَ)] أَيْ: الْمَعْهُودَةَ شَرْعًا. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: الْمَكْتُوبَةَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ النَّافِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْإِسْلَامِ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَرْكَانِهِ. يَعْنِي بِأَنْ تُؤَدِّيَهَا، وَتَحْفَظَ شُرُوطَهَا، وَتَعْدِلَ أَرْكَانَهَا، وَتُدَاوِمَ عَلَيْهَا، وَلِذَا لَمْ يَقُلْ، وَتُصَلِّي [(وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ)] أَيْ: وَأَنْ تُعْطِيَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ التَّمْلِيكِ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ زَكَى. بِمَعْنَى طَهُرَ، وَنَمَا، وَهُوَ اسْمٌ لِلْقَدْرِ الْمُخْرِجِ مِنَ النِّصَابِ ; لِأَنَّهُ يُطَهِّرُ الْمُخْرِجَ، أَوِ الْمُخْرَجَ عَنْهُ، وَيَزِيدُ الْبَرَكَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ تَقْيِيدُهَا بِالْمَفْرُوضَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لِلتَّأْكِيدِ [(وَتَصُومَ)]: بِالنَّصْبِ [(رَمَضَانَ)] أَيْ: فِي شَهْرِهِ، وَفِيهِ جَوَازُ ذِكْرِهِ بِلَا كَرَاهَةٍ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ شَهْرٍ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَهُوَ مِنْ رَمَضَ إِذَا احْتَرَقَ مِنَ الرَّمْضَاءِ فَأُضِيفَ إِلَيْهِ الشَّهْرُ، وَسُمِّيَ بِهِ لِارْتِمَاضِهِمْ مِنْ حَرِّ الْجُوعِ، أَوْ مِنْ حَرَارَةِ الزَّمَانِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ، أَوْ لِأَنَّهُ يَحْتَرِقُ بِهِ الذُّنُوبُ، وَتُمْحَى بِهِ الْعُيُوبُ، أَوْ لِأَنَّهُ يَزُولُ مَعَهُ حَرَارَةُ الشَّهَوَاتِ، وَالصَّوْمُ لُغَةً الْإِمْسَاكُ، وَشَرْعًا إِمْسَاكٌ مَخْصُوصٌ بِوَصْفٍ مَخْصُوصٍ، [(وَتَحُجَّ الْبَيْتَ)] أَيِ: الْحَرَامَ ; فَإِنَّ فِيهِ لِلْعَهْدِ، أَوْ هُوَ اسْمُ جِنْسٍ غَلَبَ عَلَى الْكَعْبَةِ عَلَمًا، وَاللَّامُ فِيهِ جُزْءٌ كَمَا فِي النَّجْمِ، وَالْحَجُّ لُغَةً الْقَصْدُ، أَوْ تَكْرَارُهُ مُطْلَقًا، أَوْ إِلَى مُعَظَّمٍ، وَشَرْعًا قَصْدُ بَيْتِ اللَّهِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ [(إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ)] أَيْ: إِلَى الْبَيْتِ، أَوْ إِلَى الْحَجِّ أَيْ: إِنْ أَمْكَنَ لَكَ الْوُصُولُ إِلَيْهِ بِأَنْ وَجَدْتَ زَادًا، أَوْ رَاحِلَةً كَمَا فِي حَدِيثٍ صَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ [(سَبِيلًا)]: تَمْيِيزٌ عَنْ نِسْبَةِ الِاسْتِطَاعَةِ فَأُخِّرَ عَنِ الْجَارِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ، وَهِيَ الطَّرِيقُ الَّذِي فِيهِ سُهُولَةٌ، وَتُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى شَيْءٍ، وَتَنْكِيرُهُ لِلْعُمُومِ إِذِ النَّكِرَةُ فِي الْإِثْبَاتِ قَدْ تُفِيدُ الْعُمُومَ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (عَلِمَتْ نَفْسٌ) لَكِنَّهُ مَجَازٌ، وَتَقْدِيمُ إِلَيْهِ عَلَيْهِ لِلِاخْتِصَاصِ أَيْ: سَبِيلًا مَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ قَرِيبًا، أَوْ بَعِيدًا، وَنَحْوَهُمَا، بِشَرْطِ اخْتِصَاصِ انْتِهَائِهِ إِلَيْهِ لَا إِلَى غَيْرِهِ، وَقِيلَ» سَبِيلًا " مَفْعُولٌ. بِمَعْنَى مُوَصِّلٍ، أَوْ مُبَلِّغٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّهُ بِالْمَالِ، وَأَوْجَبَ الِاسْتِنَابَةَ عَلَى الزَّمَنِ الْغَنِيِّ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّهُ بِالْبَدَنِ فَيَجِبُ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ، وَالْكَسْبِ فِي الطَّرِيقِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّهُ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ، ثُمَّ الِاسْتِطَاعَةُ هِيَ الْقُدْرَةُ مِنْ طَاعَ لَكَ إِذَا سَهُلَ يُطْلَقُ عَلَى سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ، وَصِحَّةِ الْآلَاتِ، وَهِيَ قَدْ تَتَقَدَّمُ عَلَى الْفِعْلِ، وَعَلَى عَرْضٍ فِي الْحَيَوَانِ يَفْعَلُ لَهُ الْأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الْفِعْلِ، وَهِيَ كَمَا فُسِّرَتِ اسْتِطَاعَةٌ خَاصَّةٌ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَلَا يُرَدُّ مَا قِيلَ إِنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الَّتِي بِهَا يَتَمَكَّنُ الْمُكَلَّفُ مِنْ فِعْلِ الْعِبَادَةِ مَشْرُوطَةٌ فِي الْكُلِّ فَكَيْفَ خُصَّ الْحَجُّ بِهَا؟ قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ خُصَّ الْحَجُّ بِالِاسْتِطَاعَةِ دُونَ سَائِرِ الْأَرْكَانِ الْإِسْلَامِيَّةِ مَعَ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الَّتِي يَتَمَكَّنُ الْمُكَلَّفُونَ مِنْ فِعْلِ الطَّاعَةِ مَشْرُوطَةٌ فِي الْكُلِّ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَعْنِيَّ بِهَذِهِ الِاسْتِطَاعَةِ الزَّادُ، وَالرَّاحِلَةُ، وَكَانَ طَائِفَةٌ لَا يَعُدُّونَهَا مِنْهَا، وَيُثْقِلُونَ عَلَى الْحَاجِّ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، أَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ نَاسًا فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَصَرَّحَ تَسْهِيلًا عَلَى الْعِبَادِ، وَمَعَ ذَلِكَ تَرَى كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يَرْفَعُونَ لِهَذَا النَّصِّ الْجَلِيِّ رَأْسًا، وَيُلْقُونَ أَنْفُسَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. أَقُولُ: وَلَعَلَّ فِي هَذَا حِكْمَةً، وَهِيَ أَنْ تَكُونَ حُجَّةً عَلَى الْأَغْنِيَاءِ التَّارِكِينَ لِلْحَجِّ رَأْسًا مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَاهُمْ مَالًا، وَأَثَاثًا، وَإِيرَادُ الْأَفْعَالِ الْمُضَارِعِيَّةِ لِإِفَادَةِ الِاسْتِمْرَارِ التَّجَدُّدِيِّ لِكُلٍّ مِنَ الْأَرْكَانِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَفِي التَّوْحِيدِ الْمَطْلُوبِ الِاسْتِمْرَارُ الدَّائِمُ مُدَّةَ الْحَيَاةِ، وَفِي الصَّلَاةِ دُونَهُ، ثُمَّ فِي الصَّوْمِ، وَالزَّكَاةِ دُونَهَا، وَقَدَّمَ الصَّوْمَ لِتَعَلُّقِهِ بِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، وَأَخَّرَ مَا وَجَبَ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً. وَفِي فَتْحِ الْبَارِي فَإِنْ قِيلَ: السُّؤَالُ عَامٌّ؛ لِأَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَاهِيَّةِ الْإِسْلَامِ. وَالْجَوَابُ خَاصٌّ بِقَوْلِهِ: أَنْ تَعْبُدَ، وَتَشْهَدَ، وَكَذَا قَالَ فِي الْإِيمَانِ: أَنْ تُؤْمِنَ، وَفِي الْإِحْسَانِ أَنْ تَعْبُدَ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ لِنُكْتَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَصْدَرِ، وَ(أَنْ) الْفِعْلِ، لِأَنَّ أَنْ وَالْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ، وَالْمَصْدَرُ لَا يَدُلُّ عَلَى الزَّمَانِ عَلَى أَنَّ فِي رِوَايَةٍ قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ اهـ.
وَقِيلَ: الْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: الْقَصْدُ التَّعْلِيمُ هُوَ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنِ الْمَصْدَرِ الْمُنَاسِبِ لِلسُّؤَالِ إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ، وَيَسْنَحُ بِالْبَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ أَنَّ الْعُدُولَ عَنِ الْمَصْدَرِ الْمُفِيدِ لِلْعِلْمِ إِلَى الْمُضَارِعِ الْمُقْتَضِي لِلْعَمَلِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الْمَعْرِفَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ، وَبِنَحْوِ
هَذَا الْعُدُولِ يَعْلَمُ بُلُوغَ بَلَاغَتِهِ إِلَى أَعْلَى الْغَايَاتِ، وَأَعْلَى النِّهَايَاتِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ حَذْفُ الْحَجِّ، وَفِي أُخْرَى حَذْفُ الصَّوْمِ، وَفَى أُخْرَى الِاقْتِصَارُ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ، وَفِي أُخْرَى عَلَى الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَلَا تَخَالُفَ لِأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ضَبَطَ مَا لَمْ يَضْبِطْهُ غَيْرُهُ ذُهُولًا، أَوْ نِسْيَانًا كَذَا قِيلَ، أَوْ يُقَالُ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ، فَحَذَفَ الْحَجَّ لِأَنَّ وُجُوبَهُ نَادِرٌ، وَفِي الْعُمْرِ مَرَّةً، وَحَذَفَ الصَّوْمَ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا أَسَاسُ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ لِأَنَّهُمَا عُمْدَةُ الْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ، وَالْمَالِيَّةِ، وَالْمَقْصُودُ ظَاهِرُ الطَّاعَةِ، وَالِانْقِيَادِ، وَالْعِبَادَةِ لَا اسْتِيفَاءَ أَفْرَادِهَا، وَإِنْ كَانَتِ الْخَمْسَةُ هِيَ مُعْظَمَ أَرْكَانِهَا فَالْمُرَادُ بِذِكْرِ بَعْضِهَا مَثَلًا هُوَ التَّنْبِيهُ عَلَى بَقِيَّتِهَا، وَلِذَا وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ: وَتَعْتَمِرَ، وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَتُتِمَّ الْوُضُوءَ فَيُحْمَلُ الِاخْتِلَافُ اللَّفْظِيُّ عَلَى التَّحْدِيثِ الْمَعْنَوِيِّ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ تِلْكَ الْأَرْكَانِ ظَاهِرًا تَبِينُ أَحْكَامُهُ فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ، وَبَاطِنًا مِنْ حَقَائِقَ، وَأَسْرَارٍ ذَكَرَهَا أَرْبَابُ الْقُلُوبِ الْأُمَنَاءُ لِأَسْرَارِ الْغُيُوبِ، فَنَحْنُ نَذْكُرُ نُبْذَةً مِنْهَا. أَمَّا التَّوْحِيدُ، فَهُوَ ظُهُورُ فَنَاءِ الْخَلْقِ بِتَشَعْشُعِ أَنْوَارِ الْحَقِّ، وَلَهُ مَرَاتِبُ كَمَا ذَكَرَهُ ذَوُو الْمَنَاقِبِ.
الْأُولَى: التَّوْحِيدُ النَّظَرِيُّ إِنْ عُلِمَ بِالِاسْتِدْلَالِ، أَوِ التَّقْلِيدِيُّ إِنِ اعْتُقِدَ بِمُجَرَّدِ تَصْدِيقِ الْمُخْبِرِ الصَّادِقِ، وَسَلِمَ الْقَلْبُ مِنَ الشُّبْهَةِ، وَالْحَيْرَةِ، وَالرَّيْبِ، هُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ مُتَفَرِّدٌ بِوَصْفِ الْأُلُوهِيَّةِ مُتَوَحِّدٌ بِاسْتِحْقَاقِ الْعُبُودِيَّةِ يَحْقِنُ الدِّمَاءَ، وَالْأَمْوَالَ، وَيَتَخَلَّصُ مِنَ الشِّرْكِ الْجَلِيِّ فِي الْأَحْوَالِ.
الثَّانِيَةُ: التَّوْحِيدُ الْعِلْمِيُّ، وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ الْعَبْدُ بِخُرُوجِهِ مِنْ غِشَاوَةِ صِفَاتِهِ، وَخَلَاصِهِ مِنْ سِجْنِ ظُلُمَاتِ ذَاتِهِ، وَانْسِلَاخِهِ عَنْ لِبَاسِ الِاخْتِيَارِ حَيْرَانَ فِي أَنْوَارِ عَظَمَةِ الْجَبَّارِ، وَلْهَانَ تَحْتَ سُبُحَاتِ سَطَوَاتِ الْأَنْوَارِ، فَيَعْرِفُ أَنَّ الْمُوجِدَ الْمُحَقِّقَ، وَالْمُؤَثِّرَ الْمُطْلَقَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنَّ كُلَّ ذَاتِ فَرْعٍ مِنْ نُورِ ذَاتِهِ، وَكُلَّ صِفَةٍ مِنْ عِلْمٍ، وَقُدْرَةٍ، وَإِرَادَةٍ، وَسَمْعٍ، وَبَصَرٍ عَكْسٌ مِنْ أَنْوَارِ صِفَاتِهِ، وَأَثَرٌ مِنْ آثَارِ أَفْعَالِهِ، وَمَنْشَؤُهُ نُورُ الْمُرَاقَبَةِ، وَهُوَ دُونُ الْمَرْتَبَةِ الْحَالِيَّةِ، لَكِنَّ مِزَاجَهُ مِنْ تَسْنِيمِ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَنْفِي مِنَ الظُّلْمَةِ الْوُجُودِيَّةِ، وَيَرْتَفِعُ بَعْضٌ مِنَ الشِّرْكِ الْخَفِيِّ.
الثَّالِثَةُ: التَّوْحِيدُ الْحَالِّيُّ، وَهُوَ أَنْ يَحْمِلَ التَّوْحِيدَ وَصْفًا لَازِمًا لِذَاتِ الْمُوَحَّدِ بِتَلَاشِي ظُلُمَاتِ رُسُومِ وُجُودِ الْغَيْرِ إِلَّا قَلِيلًا فِي غَلَبَةِ إِشْرَاقِ نُورِ التَّوْحِيدِ، وَاسْتَنَارُ نُورِ حَالِهِ فِي نُورِ عِلْمِ التَّوْحِيدِ كَاسْتِتَارِ نُورِ الْكَوَاكِبِ فِي نُورِ الشَّمْسِ، فَلَمَّا اسْتَنَارَ الصُّبْحُ أَدْرَجَ ضَوْءَ نُورِ الْكَوَاكِبِ، وَاسْتِغْرَاقِهِ فِي مُشَاهَدَةِ جَمَالِ وُجُودِ الْوَاحِدِ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ عِنْدَ شُهُودِهِ إِلَّا ذَاتُ الْوَاحِدِ، وَيَرَى التَّوْحِيدَ صِفَةَ الْوَاحِدِ لَا صِفَتَهُ بَلْ لَا يَرَى ذَلِكَ، قَالَ الْجُنَيْدُ: التَّوْحِيدُ مَعْنًى يَضْمَحِلُّ فِيهِ الرُّسُومُ، وَيَنْدَرِجُ فِيهِ الْعُلُومُ، وَيَكُونُ اللَّهُ كَمَا لَمْ يَزَلْ.
الرَّابِعَةُ: التَّوْحِيدُ الْإِلَهِيُّ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ فِي الْأَزَلِ مَوْصُوفًا بِالْوَحْدَانِيَّةِ فِي الذَّاتِ، وَالْأَحَدِيَّةِ فِي الصِّفَاتِ، كَانَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ، وَالْآنَ كَمَا كَانَ. كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، وَلَمْ يَقُلْ يَهْلِكُ؛ لِأَنَّ عِزَّةَ وَحْدَانِيَّتِهِ لَمْ تَدَعْ لِغَيْرِهِ وُجُودًا، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَنْشَدَ الْعَارِفُ الْأَنْصَارِيُّ لِنَفْسِهِ شِعْرًا:
مَا وَحَدَّ الْوَاحِدُ مِنْ وَاحِدٍ ... إِذْ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جَاحِدُ
تَوْحِيدُ مَنْ يَنْطِقُ عَنْ نَعْتِهِ ... عَارِيَةٌ أَبْطَلَهَا الْوَاحِدُ
تَوْحِيدُهُ إِيَّاهُ تَوْحِيدُهُ ... وَنَعْتُ مَنْ يَنْعَتُهُ لَاحِدُ
وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَقَدْ قِيلَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِعْرَاجَانِ: مِعْرَاجٌ فِي عَالَمِ الْحِسِّ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، ثُمَّ إِلَى عَالَمِ الْمَلَكُوتِ، وَمَحَلِّ الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَمِعْرَاجٌ فِي عَالَمِ الْأَرْوَاحِ مِنَ الشَّهَادَةِ إِلَى الْغَيْبِ، ثُمَّ مِنَ الْغَيْبِ إِلَى غَيْبِ الْغَيْبِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ قَالَ الرَّبُّ ﵎: الْمُسَافِرُ إِذَا عَادَ إِلَى وَطَنِهِ أَتْحَفَ أَصْحَابَهُ، وَإِنَّ تُحْفَةَ أُمَّتِكَ الصَّلَاةُ الْجَامِعَةُ بَيْنَ الْمِعْرَاجَيْنِ الْجُسْمَانِيِّ بِالْآدَابِ، وَالْأَفْعَالِ، وَالرُّوحَانِيِّ بِالْأَذْكَارِ، وَالْأَحْوَالِ. وَلِهَذَا وَرَدَ: الصَّلَاةُ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَصَوْمُ الشَّرِيعَةِ مَنَافِعُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا التَّشَبُّهُ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى لَكَفَى بِهِ فَضْلًا، وَصَوْمُ الطَّرِيقَةِ، فَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْأَكْوَانِ، وَالْإِفْطَارِ بِمُشَاهَدَةِ الرَّحْمَنِ.
صُمْتُ عَنْ غَيْرِهِ فَلَمَّا تَجَلَّى كَانَ لِي شَاغِلٌ عَنِ الْإِفْطَارِ
وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَهِيَ إِشَارَةٌ إِلَى تَزْكِيَةِ أَحْوَالِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ بِتَرْكِ الْأَمْوَالِ، وَصَرْفِهَا إِلَى أَسْبَابِ الْوُصُولِ إِلَى الْأَحْوَالِ، وَتَخْلِيَةِ الْقَلْبِ عَنِ الْأَغْيَارِ، وَتَخْلِيَةِ الرُّوحِ لِظُهُورِ تَجَلِّيَاتِ الْأَنْوَارِ، وَأَمَّا الْحَجُّ، فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى وُجُوبِ زِيَارَةِ بَيْتِ الْجَلِيلِ عَلَى الْخَلِيلِ إِنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ السَّبِيلَ بِأَنْ وَجَدَ شَرَائِطَ السُّلُوكِ، وَإِمْكَانَهُ، وَآدَابَ السَّفَرِ، وَأَرْكَانَهُ، وَهِيَ الْإِحْرَامُ بِالْخُرُوجِ عَنِ الرُّسُومِ، وَالْعَادَاتِ، وَالتَّجَرُّدُ عَنِ الْمَأْلُوفَاتِ، وَالتَّوَجُّهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِصَفَاءِ الطَّوِيَّاتِ، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَاتِ الْمَعْرِفَةِ، وَالْعُكُوفُ عَلَى عَتَبَةِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ، وَالطَّوَافُ بِالْخُرُوجِ عَنِ الْأَطْوَارِ السَّبُعِيَّةِ بِالْأَطْوَافِ السَّبْعِيَّةِ حَوْلَ كَعْبَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ صَفَا الصَّفَاتِ، وَمَرْوَةِ الْمَرَوَاتِ، وَالْحَلْقُ بِمَحْوِ آثَارِ الْعُبُودِيَّةِ بِمُوسَى الْأَنْوَارِ الْإِلَهِيَّةِ، وَقِسْ عَلَيْهِ سَائِرَ الْمَنَاسِكِ، وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ النَّاسِكِ:
يَا مَنْ إِلَى وَجْهِهِ حَجِّي وَمُعْتَمَرِي ... إِنْ حَجَّ قَوْمٌ إِلَى تُرْبٍ، وَأَحْجَارِ
لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ مِنْ قُرْبٍ وَمِنْ بُعْدٍ ... سِرًّا بِسِرٍّ، وَإِضْمَارًا بِإِضْمَارٍ
(قَالَ: صَدَقْتَ): دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّ السَّائِلَ مَا عَدَّهُ مِنَ الصَّوَابِ، وَحَمْلًا لِلسَّامِعِينَ عَلَى حِفْظِ الْجَوَابِ، (فَعَجِبْنَا لَهُ) أَيْ: لِلسَّائِلِ (يَسْأَلُهُ، وَيُصَدِّقُهُ): التَّعَجُّبُ حَالَةٌ لِلْقَلْبِ تَعْرِضُ عِنْدَ الْجَهْلِ بِسَبَبِ الشَّيْءِ، فَوَجْهُ التَّعَجُّبِ أَنَّ السُّؤَالَ يَقْتَضِي الْجَهْلَ غَالِبًا بِالْمَسْئُولِ عَنْهُ، وَالتَّصْدِيقَ يَقْتَضِي عِلْمَ السَّائِلِ بِهِ ; لِأَنَّ صَدَقْتَ إِنَّمَا يُقَالُ إِذَا عَرَفَ السَّائِلُ أَنَّ الْمَسْئُولَ طَابَقَ مَا عِنْدَهُ جُمْلَةً، وَتَفْصِيلًا، وَهَذَا خِلَافُ عَادَةِ السَّائِلِ، وَمِمَّا يَزِيدُ التَّعَجُّبَ أَنَّ مَا أَجَابَهُ ﷺ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، وَلَيْسَ هَذَا الرَّجُلُ مِمَّنْ عُرِفَ بِلِقَائِهِ ﷺ فَضْلًا عَنْ سَمَاعِهِ مِنْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الرَّجُلِ صَدَقْتَ أَنْكَرْنَاهُ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: انْظُرُوا هُوَ يَسْأَلُهُ، وَيُصَدِّقُهُ كَأَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَفِي أُخْرَى مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِثْلَ هَذَا كَأَنَّهُ يُعَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ صَدَقْتَ. قِيلَ: هُوَ مِنْ صَنِيعِ الشَّيْخِ إِذَا امْتَحَنَ الْمُعِيدَ عِنْدَ حُضُورِ الطَّلَبَةِ لِيَزِيدُوا فِي طُمَأْنِينَةٍ، وَثِقَةٍ فِي أَنَّهُ يُعِيدُ الدَّرْسَ، وَيُلْقِي الْمَسْأَلَةَ مِنَ الشَّيْخِ بِلَا زِيَادَةٍ، وَنُقْصَانٍ، وَفِيهِ نُسْخَةٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى - عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٣ - ٥] (قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ): وَفِي رِوَايَةٍ: مَا الْإِيمَانُ، وَاسْتُشْكِلَتْ بِأَنَّ مَا لِلسُّؤَالِ عَنِ الْمَاهِيَّةِ؟ فَالْجَوَابُ غَيْرُ مُطَابِقٍ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ ﵊ عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ عَنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهَا الْأَحَقُّ بِالتَّعْلِيمِ، وَلِأَنَّ التَّصْدِيقَ فِي ضِمْنِهَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْمُطَابَقَةُ حَاصِلَةٌ فِي الْجِهَتَيْنِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ فِي [قَالَ: (أَنْ تُؤْمِنَ)]: أُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ، وَقِيلَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ حَتَّى لَا يَكُونَ تَفْسِيرُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَكُونَ الدَّوْرُ فِي تَعْرِيفِهِ. وَقَوْلُ الطِّيبِيِّ أَيْ: تَعْتَرِفُ، وَلِذَا عُدِّيَ بِالْبَاءِ فِيهِ أَنَّ الِاعْتِرَافَ مِنْ أَجْزَاءِ الْإِسْلَامِ، فَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْإِيمَانَ هُنَا بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ، وَهُوَ يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ، فَفِي الْقَامُوسِ آمَنَ بِهِ إِيمَانًا أَيْ: صَدَّقَهُ، نَعَمْ لَوْ ضَمِنَ مَعْنَى الِاعْتِرَافِ لَكَانَ حَسَنًا، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ أَنْ تُصَدِّقَ مُعْتَرِفًا، أَوْ تَعْتَرِفَ مُصَدِّقًا فَيُفِيدُ كَوْنَ الْإِقْرَارِ شَطْرًا، أَوْ شَرْطًا. قِيلَ: وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مُغَايَرَةِ الْعَمَلِ لِلْإِيمَانِ فَإِنَّهُ أَجَابَ عَنِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ عَنِ الْإِيمَانِ، وَجَعَلَهُ تَصْدِيقًا [(بِاللَّهِ)] أَيْ: بِتَوْحِيدِ ذَاتِهِ، وَتَفْرِيدِ صِفَاتِهِ، وَبِوُجُوبِ وَجُودِهِ، وَبِثُبُوتِ كَرَمِهِ، وَجُودِهِ، وَسَائِرِ صِفَاتِ كَمَالِهِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ جَلَالِهِ، وَجَمَالِهِ. قِيلَ: الصِّفَةُ إِمَّا حَقِيقَةٌ لَا يَتَوَقَّفُ تَصَوُّرُهَا عَلَى شَيْءٍ كَالْحَيَاةِ، أَوْ إِضَافِيَّةٌ يُتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ لِوُجُوبِ الْقِدَمِ، أَوْ وُجُودِيَّةٌ، وَهِيَ صِفَاتُ الْإِكْرَامِ، أَوْ سَلْبِيَّةٌ، وَهِيَ صِفَاتُ الْجَلَالِ، وَتَنْحَصِرُ الْوُجُودِيَّةُ فِي ثَمَانِيَةٍ نَظَمَهَا الشَّاعِرُ فِي قَوْلِهِ:
حَيَاةٌ وَعِلْمٌ قُدْرَةٌ وَإِرَادَةٌ ... كَلَامٌ وَإِبْصَارٌ وَسَمْعٌ مَعَ الْبَقَا
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: هَذَا الْحَدِيثُ بَيَانُ أَصْلِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ، وَالْإِسْلَامِ، وَهُوَ الِانْقِيَادُ، وَحُكْمُ الْإِسْلَامِ يَثْبُتُ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَإِنَّمَا أَضَافَ إِلَيْهِمَا الْأَعْمَالَ الْمَذْكُورَةَ؛ لِأَنَّهَا أَظْهَرُ شَعَائِرِهِ، ثُمَّ قِيلَ: الْإِيمَانُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْإِسْلَامِ كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ قَيْسٍ، وَاسْمُ الْإِسْلَامِ يَتَنَاوَلُ أَصْلَ الْإِيمَانِ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ، وَالطَّاعَاتُ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ اسْتِسْلَامٌ فَعُلِمَ أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ، وَيَفْتَرِقَانِ، وَأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَهَذَا التَّحْقِيقُ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ اهـ.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ فِي الشَّرْعِ نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْأَكْثَرِينَ ; لِأَنَّ انْقِيَادَ الظَّاهِرِ لَا يَنْفَعُ بِدُونِ انْقِيَادِ الْبَاطِنِ، وَكَذَا الْعَكْسُ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ لِأَنَّ مَبْنَى الْأَوَّلِ عَلَى الْحُكْمِ الدُّنْيَوِيِّ، وَمَدَارَ الثَّانِي عَلَى الْأَمْرِ الْأُخْرَوِيِّ، أَوِ الْأَوَّلُ بِنَاؤُهُ عَلَى اللُّغَةِ، وَالثَّانِي مَدَارُهُ عَلَى الشَّرِيعَةِ، وَصَنَّفَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِمَامَانِ كَبِيرَانِ، وَأَكْثَرَا مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ، أَوْ مُتَرَادِفَانِ، وَتَكَافَآ فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ التَّحْقِيقُ أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ بِاعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ مُتَّحِدَانِ فِي الْمَصَادِقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ التَّصْدِيقُ إِذْعَانُ النَّفْسِ، وَقَبُولُهَا بِمَا يَجِبُ قَبُولُهُ، وَهُوَ: تَقْلِيدِيٌّ، وَتَحْقِيقِيٌّ. وَالتَّحْقِيقِيُّ إِمَّا اسْتِدْلَالِيٌّ، أَوْ ذَوْقِيٌّ، وَالذَّوْقِيُّ إِمَّا كَشْفِيٌّ وَاقِفٌ عَلَى حَدِّ الْعِلْمِ، أَوِ الْغَيْبِ، أَوْ غَيْبِيٌّ غَيْرُ وَاقِفٍ عَلَيْهِ، وَالْغَيْبِيُّ إِمَّا مُشَاهَدَةٌ، أَوْ شُهُودٌ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ الْمُمْتَنِعُ الزَّوَالِ، وَالثَّانِي الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الثَّابِتُ بِالْبُرْهَانِ، وَالثَّالِثُ الْمُمْتَنِعُ الزَّوَالِ الثَّابِتُ بِالْوِجْدَانِ، وَالثَّلَاثَةُ مَرَاتِبُ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ، وَالْأَخِيرَانِ عِلْمُ الْيَقِينِ، وَالرَّابِعُ هُوَ الْمُشَاهَدَةُ الرُّوحَانِيَّةُ مَعَ بَقَاءِ الِاثْنَيْنِيَّةِ، وَيُسَمَّى عَيْنَ الْيَقِينِ، وَالْخَامِسُ هُوَ الشُّهُودُ الْحَقَّانِيُّ عِنْدَ تَجَلِّي الْوَحْدَةِ الذَّاتِيَّةِ، وَزَوَالِ الِاثْنَيْنِيَّةِ، وَيُسَمَّى حَقَّ الْيَقِينِ، هَذَا وَإِنَّ لِلْإِيمَانِ وَجُودًا غَيْبِيًّا، وَوُجُودًا ذِهْنِيًّا، وَوُجُودًا لَفْظِيًّا، أَمَّا الْأَوَّلُ، فَهُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ فِي مُعْتَقَدِهِ مِنْ أَنَّهُ نُورٌ يُقْذَفُ فِي الْقَلْبِ مِنْ نُورِ الذَّاتِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ أَصْلَهُ نُورٌ يَقْذِفُهُ الْحَقُّ مِنْ مَلَكُوتِهِ إِلَى قُلُوبِ عِبَادِهِ فَيُبَاشِرُ أَسْرَارَهُمْ، وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِالْحَضْرَةِ ثَابِتٌ فِي قُلُوبِهِمْ، فَإِذَا انْكَشَفَ جَمَالُ الْحَقِّ لَهُ ازْدَادَ ذَلِكَ النُّورُ فَيَتَقَوَّى إِلَى أَنْ يَنْبَسِطَ، وَيَنْشَرِحَ الصَّدْرُ، وَيَطَّلِعَ الْعَبْدُ عَلَى حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ، وَيَتَجَلَّى لَهُ الْغَيْبُ، وَغَيْبُ الْغَيْبِ، وَيَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَنْبَعِثُ مِنْ قَلَمِهِ دَاعِيَةُ الِاتِّبَاعِ، فَيَنْضَافُ إِلَى نُورِ مَعْرِفَتِهِ أَنْوَارُ الْأَعْمَالِ، وَالْأَخْلَاقِ ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥] وَذَلِكَ الْقَذْفُ، وَالْكَشْفُ يَتَعَلَّقُ بِمُرَادِ اللَّهِ فِي أَحَايِينَ، نَسِيمُ الصِّفَاتِ لَا يَقْدِرُ عَلَى كَسْبِهِ، نَعَمْ شَرَائِطُهُ مُكْتَسَبَةٌ، وَأَمَّا الْوُجُودُ الذِّهْنِيُّ فَمُلَاحَظَةُ ذَلِكَ النُّورِ، وَمُطَالَعَتُهُ بِالتَّصْدِيقِ، وَأَمَّا الْوُجُودُ اللَّفْظِيُّ، فَهُوَ الشَّهَادَتَانِ، وَكَمَا أَنَّ إِيمَانَ الْعَوَامِّ هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ، وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالْعَمَلُ بِالْأَرْكَانِ، فَإِيمَانُ الْخَوَاصِّ عُزُوبُ النَّفْسِ مِنَ الدُّنْيَا، وَسُلُوكُهُ طَرِيقَ الْعُقْبَى، وَشُهُودُ الْقَلْبِ مَعَ الْمَوْلَى، وَإِيمَانُ خَوَاصِّ الْخَوَاصِّ مُلَازَمَةُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَإِنَابَةُ الْخَلْقِ إِلَى الْفَنَاءِ فِي اللَّهِ، وَإِخْلَاصُ السِّرِّ لِلْبَقَاءِ بِاللَّهِ ذَوَّقَنَا اللَّهُ.
ــ
[(وَمَلَائِكَتِهِ)]: جَمْعُ مَلَاكٍ، وَأَصْلُهُ مَأْلَكٌ بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَةِ مِنَ الْأَلُوكَةِ، وَهِيَ الرِّسَالَةُ قُدِّمَتِ اللَّامُ عَلَى الْهَمْزَةِ، وَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِهَا إِلَى مَا قَبْلَهَا فَصَارَ مَلَكٌ، وَلَمَّا جُمِعَتْ رُدَّتِ الْهَمْزَةُ، وَقِيلَ قُلِبَتْ أَلِفًا، وَقُدِّمَتِ اللَّامُ، وَجُمِعَ عَلَى فَعَائِلَ كَشَمْأَلٍ، وَشَمَائِلَ، ثُمَّ تُرِكَتْ هَمْزَةُ الْمُفْرَدِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَأُلْقِيَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى اللَّامِ، وَالتَّاءُ لِتَأْنِيثِ الْجَمْعِ، أَوْ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنَاهُ أُطْلِقَتْ بِالْغَلَبَةِ عَلَى الْجَوَاهِرِ الْعُلْوِيَّةِ النُّورَانِيَّةِ الْمُبَرَّأَةِ عَنِ الْكُدُورَاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ، وَهِيَ وَسَائِطُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَنْبِيَائِهِ، وَخَاصَّةً أَصْفِيَاءَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ نُورَانَيَّةٌ مُقْتَدِرَةٌ عَلَى تَشَكُّلَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الصُّعُودُ، وَالنُّزُولُ، وَالتَّسْبِيحُ لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ النَّفَسِ مِنَّا، فَمَشَقَّةُ التَّكْلِيفِ مُنْتَفِيَةٌ، وَالْمَعْنَى نَعْتَقِدُ بِوُجُودِهِمْ تَفْصِيلًا فِيمَا عُلِمَ اسْمُهُ مِنْهُمْ ضَرُورَةً كَجِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، وَعِزْرَائِيلَ، وَإِجْمَالًا فِي غَيْرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ، وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ، وَلَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، وَأَنَّ مِنْهُمْ كِرَامًا كَاتِبِينَ، وَحَمَلَةَ الْعَرْشِ الْمُقَرَّبِينَ، وَأَنَّ لَهُمْ أَجْنِحَةً مَثْنَى، وَثُلَاثَ، وَرُبَاعَ، وَأَنَّهُمْ مُنَزَّهُونَ عَنْ وَصْفِ الْأُنُوثَةِ، وَالذُّكُورَةِ، وَأَمَّا كَوْنُ الرُّسُلِ أَفْضَلَ مِنْهُمْ، أَوْ هُمْ فَلَا يَجِبُ اعْتِقَادُ أَحَدِهِمَا فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ ظَنِّيَّةٌ. فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْمُوجِبُ لِدُخُولِ الْإِيمَانِ بِهَا فِي مَفْهُومِ الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ مَعْرِفَةُ الْمَبْدَأِ، أَوِ الْمَعَادِ؟ فَأُجِيبَ: بِأَنَّ النَّاسَ يَنْقَسِمُ إِلَى فَطِنٍ يَرَى الْمَعْقُولَ كَالْمَحْسُوسِ، وَيُدْرِكُ الْغَائِبَ كَالْمُشَاهَدِ، وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، وَإِلَى مَنِ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ مُتَابَعَةُ الْحِسِّ، وَمُتَابَعَةُ الْوَهْمِ فَقَطْ، وَهُمْ أَكْثَرُ الْخَلَائِقِ، فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مُعَلِّمٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْحَقِّ، وَيَذُودُهُمْ عَنِ الزَّيْغِ الْمُطْلَقِ، وَيَكْشِفُ لَهُمُ الْمُغَيَّبَاتِ، وَيُحِلُّ عَنْ عُقُولِهِمُ الشُّبُهَاتِ، وَمَا هُوَ إِلَّا النَّبِيُّ الْمَبْعُوثُ لِهَذَا الْأَمْرِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُشْتَعِلَ الْقَرِيحَةِ ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥] يَحْتَاجُ إِلَى نُورٍ يُظْهِرُ لَهُ الْغَائِبَ، وَهُوَ الْوَحْيُ، وَالْكِتَابُ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْقُرْآنُ نُورًا، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَامِلٍ، وَمُوَصِّلٍ، وَهُوَ الْمَلَكُ الْمُتَوَسِّطُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧]
فَالْمُرَادُ لَا يَصِيرُ مُؤْمِنًا إِلَّا إِذَا تَعَلَّمَ مِنَ النَّبِيِّ مَا يُحَقِّقُهُ بِإِرْشَادِ الْكِتَابِ الْوَاصِلِ إِلَيْهِ بِتَوَسُّطِ الْمَلَكِ أَنَّ لَهُ إِلَهًا وَاجِبَ الْوُجُودِ فَائِضَ الْجُودِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَثْبُتُ بِالشَّرْعِ، [(وَكُتُبِهِ)] أَيْ: وَنَعْتَقِدُ بِوُجُودِ كُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى رُسُلِهِ تَفْصِيلًا فِيمَا عُلِمَ يَقِينًا كَالْقُرْآنِ، وَالتَّوْرَاةِ، وَالزَّبُورِ، وَالْإِنْجِيلِ، وَإِجْمَالًا فِيمَا عَدَاهُ، وَأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالْقُرْآنِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ نَسْخٌ، وَلَا تَحْرِيفٌ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . وَأَمَّا كَوْنُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ مَخْلُوقٍ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَهْلِ السُّنَّةِ. قِيلَ: الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةُ كُتُبٍ، مِنْهَا عَشْرُ صَحَائِفَ نَزَلَتْ عَلَى آدَمَ وَخَمْسُونَ عَلَى شِيثَ، وَثَلَاثُونَ عَلَى إِدْرِيسَ، وَعَشَرَةٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَالْأَرْبَعَةُ السَّابِقَةُ، وَأَفْضَلُهَا الْقُرْآنُ، [(وَرُسُلِهِ)] بِأَنْ تَعْرِفَ أَنَّهُمْ بَلَّغُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، وَتُؤْمِنَ بِوُجُودِهِمْ فِيمَنْ عُلِمَ بِنَصٍّ، أَوْ تَوَاتَرَ تَفْصِيلًا، وَفِي غَيْرِهِمْ إِجْمَالًا. وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَرَادُفِ الرَّسُولِ، وَالنَّبِيِّ فَإِنَّهُ كَمَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ يَجِبُ بِالْأَنْبِيَاءِ. وَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: «قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ وَفَاءُ عِدَّةِ الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: (مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا») اهـ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّغَايُرِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّبِيَّ إِنْسَانٌ بَعَثَهُ اللَّهُ، وَلَوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّبْلِيغِ، وَالرَّسُولَ مَنْ أُمِرَ بِهِ فَكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ، وَلَا عَكْسَ، فَلَعَلَّ وَجْهَ التَّخْصِيصِ أَنَّ الرَّسُولَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ فِي الْإِيمَانِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ مُبَلِّغٌ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ بِالْأَنْبِيَاءِ إِنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ جِهَةِ تَبْلِيغِ الرُّسُلِ، فَإِنَّهُ لَا تَبْلِيغَ لِلْأَنْبِيَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مَنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] لِأَنَّ الْمَنْفِيَّ هُوَ التَّفْصِيلُ، وَالثَّابِتَ هُوَ الْإِجْمَالُ، أَوِ النَّفْيُ مُقَيِّدٌ بِالْوَحْيِ الْجَلِيِّ، وَالثُّبُوتُ مُتَحَقِّقٌ بِالْوَحْيِ الْخَفِيِّ. فَإِنْ قُلْتَ: مَا فَائِدَةُ ذِكْرِ مَا بَعْدَ الرُّسُلِ، وَمَا قَبْلَهُمْ مَعَ أَنَّ الْإِيمَانَ بِهِمْ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإِيمَانِ بِجَمِيعِ مَا جَاءُوا بِهِ يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: التَّنْبِيهُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْوَاقِعِ؟ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ الْمَلَكَ بِالْكِتَابِ إِلَى الرَّسُولِ لِمَعْرِفَةِ الْمَبْدَأِ، أَوِ الْمَعَادِ، وَأَنَّ الْخَيْرَ، وَالشَّرَّ يَجْرِيَانِ عَلَى الْعِبَادِ بِمُقْتَضَى مَا قَدَّرَهُ، وَقَضَاهُ، وَأَرَادَهُ، وَلِهَذَا قَدَّمَ الْمَلَائِكَةَ لَا لِكَوْنِهِمْ أَفْضَلَ مِنَ الرُّسُلِ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ، وَلَا مِنَ الْكُتُبِ إِذْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ مِمَّا يَقْتَضِيهِ حِكْمَةُ عَالِمِ التَّكْلِيفِ، وَالْوَسَائِطِ، وَإِلَّا فَمَا قَامَ لِي مَعَ اللَّهِ وَقْتٌ لَا يَسَعُنِي فِيهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، مَعْلُومٌ لِنَبِيِّنَا ﷺ إِذْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَمْكِينِهِ فِي وَقْتِ كُشُوفِ الْمُشَاهَدَةِ، وَاسْتِغْرَاقِهِ فِي بَحْرِ الْوَحْدَةِ حَيْثُ لَا يَبْقَى فِيهِ أَثَرُ الْبَشَرِيَّةِ، وَالْكَوْنَيْنِ، وَهَذَا مَحَلُّ اسْتِقَامَتِهِ فِي مَشْهَدِ التَّمْكِينِ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] وَلَيْسَ هُنَاكَ مَقَامُ جِبْرِيلَ، وَجَمِيعِ الْكَرُوبِيِّينَ، وَلَا مَقَامُ الصَّفِيِّ، وَالْخَلِيلِ، وَمَنْ دُونَهُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَانَ أَكْثَرَ أَوْقَاتِهِ كَذَلِكَ لَكِنْ يَرُدُّهُ اللَّهُ إِلَى تَأْدِيبِ أُمَّتِهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِيُجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ التَّلْوِينِ، وَلَا يَذُوبَ فِي أَنْوَارِ كِبْرِيَاءِ الْأَزَلِ، [(وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)] أَيْ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَهُوَ الْأَحْسَنُ لِيَشْمَلَ أَحْوَالَ الْبَرْزَخِ فَإِنَّهُ آخِرُ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَأَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ، وَلِأَنَّهُ مُقَدِّمَتُهُ، أَوْ لِأَنَّهُ أُخِّرَ عَنْهُ الْحِسَابُ، وَالْجَزَاءُ، وَقِيلَ هُوَ الْأَبَدُ الدَّائِمُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ لِتَأَخُّرِهِ عَنِ الْأَوْقَاتِ الْمَحْدُودَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ تُؤْمِنَ بِوُجُودِهِ، وَبِمَا فِيهِ مِنَ الْبَعْثِ الْجُسْمَانِيِّ، وَالْحِسَابِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ. وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: وَالْبَعْثِ الْآخِرِ، فَهُوَ تَأْكِيدٌ كَأَمْسِ الذَّاهِبِ، أَوْ لِإِفَادَةِ تَعَدُّدِهِ ; فَإِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْإِخْرَاجُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، أَوْ مِنْ بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ إِلَى الدُّنْيَا، وَالثَّانِي الْبَعْثُ مِنْ بُطُونِ الْقُبُورِ إِلَى مَحَلِّ الْحَشْرِ، وَالنُّشُورِ. وَفِي أُخْرَى لَهُ: وَبِلِقَائِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ، فَاللِّقَاءُ الِانْتِقَالُ إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ، وَالْبَعْثُ بَعْثُ الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ، وَمَا بَعْدَهُ مِنْ حِسَابٍ، وَمِيزَانٍ، وَجَنَّةٍ، وَنَارٍ، وَقَدْ صُرِّحَ بِهَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فِي رِوَايَةٍ. وَقِيلَ: اللِّقَاءُ الْحِسَابُ، وَقِيلَ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْبَعْثِ بِعْثَةُ الْأَنْبِيَاءِ [(وَتُؤْمِنَ)]، أَيْ: وَأَنْ تُؤْمِنَ [(بِالْقَدَرِ)]: بِفَتْحِ الدَّالِّ، وَيُسَكَّنُ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ، وَقَضَاهُ، وَإِعَادَةُ الْعَامِلِ إِمَّا
لِبُعْدِ الْعَهْدِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
لَقَدْ عَلِمَ الْحَيُّ الْيَمَانِيُّ أَنَّنِي ... إِذَا قُلْتُ أَمَّا بَعْدُ أَنِّي خَطِيبُهَا
أَوْ لِشَرَفِ قَدْرِهِ، وَتَعَاظُمِ أَمْرِهِ وَقَعَ فِيهِ الِاهْتِمَامُ لِأَنَّهُ مَحَارُ الْأَفْهَامِ، وَمَزَالُّ الْأَقْدَامِ، وَقَدْ عَلِمَ ﵊ أَنَّ الْأُمَّةَ سَيَخُوضُونَ فِيهِ، وَبَعْضُهُمْ يَتَّقُونَهُ فَاهْتَمَّ بِشَأْنِهِ، ثُمَّ قَرَّرَهُ بِالْإِبْدَالِ بِقَوْلِهِ: [(خَيْرِهِ، وَشَرِّهِ)] أَيْ: نَفْعِهِ، وَضُرِّهِ، وَزِيدَ فِي رِوَايَةٍ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ، فَإِنَّ الْبَدَلَ تَوْضِيحٌ مَعَ التَّوْكِيدِ الْمُفِيدِ لِلتَّعْمِيمِ لِتَكْرِيرِ الْعَامِلِ، وَعِنْدِي أَنَّ إِعَادَةَ الْعَامِلِ هُنَا أَفَادَتْ أَنَّ هَذَا الْمُؤْمِنَ بِهِ دُونَ مَا سَبَقَ، فَإِنَّ مَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ كَفَرَ بِخِلَافِ مَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ التَّذْيِيلِ، وَالتَّكْمِيلِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْمَلَكِ: خَيْرِهِ، وَشَرِّهِ بَدَلُ بَعْضٍ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِاعْتِبَارِ كُلٍّ مِنَ الْمَعْطُوفِ، وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ بَدَلُ الْكُلِّ، وَالرَّابِطَةُ بَعْدَ الْعَطْفِ، وَالْمَعْنَى تَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ الْخَيْرَ، وَالشَّرَّ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلَائِقِ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ مُتَعَلِّقٌ بِقَضَاءِ اللَّهِ مُرْتَبِطٌ بِقَدَرِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] وَهُوَ مُرِيدٌ لَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] فَالطَّاعَاتُ يُحِبُّهَا، وَيَرْضَاهَا بِخِلَافِ الْكُفْرِ، وَالْمَعَاصِي. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] وَالْإِرَادَةُ لَا تَسْتَلْزِمُ الرِّضَا، ثُمَّ الْقَضَاءُ هُوَ الْحُكْمُ بِنِظَامِ جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ عَلَى تَرْتِيبٍ خَاصٍّ فِي أُمِّ الْكِتَابِ أَوَّلًا، ثُمَّ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ثَانِيًا عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، وَالْقَدَرُ تُعَلُّقُ الْإِرَادَةِ بِالْأَشْيَاءِ فِي أَوْقَاتِهَا، وَهُوَ تَفْصِيلُ قَضَائِهِ السَّابِقِ بِإِيجَادِهَا فِي الْمَوَادِّ الْجُزْئِيَّةِ الْمُسَمَّاةِ بِلَوْحِ الْمَحْوِ، وَالْإِثْبَاتِ كَمَا يُسَمَّى الْكِتَابُ بِلَوْحِ الْقَضَاءِ، وَاللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ بِلَوْحِ الْقَدَرِ فِي وَجْهِ هَذَا تَحْقِيقُ كَلَامِ الْقَاضِي. وَلَمَّا كَانَ الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ مُسْتَلْزِمًا لِلْإِيمَانِ بِالْقَضَاءِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، وَذَكَرَ الرَّاغِبُ أَنَّ الْقَدَرَ هُوَ التَّقْدِيرُ، وَالْقَضَاءَ هُوَ التَّفْصِيلُ، فَهُوَ أَخَصُّ، وَمَثَّلَ هَذَا بِأَنَّ الْقَدَرَ مَا أُعِدَّ لِلُّبْسِ، وَالْقَضَاءَ بِمَنْزِلَةِ اللُّبْسُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ. كَانَ فِي الْبَدْءِ عِلْمٌ، ثُمَّ ذِكْرٌ، ثُمَّ مَشِيئَةٌ، ثُمَّ تَدْبِيرٌ، ثُمَّ مَقَادِيرُ، ثُمَّ إِثْبَاتٌ فِي اللَّوْحِ، ثُمَّ إِرَادَةٌ، ثُمَّ قَضَاءٌ، فَإِذَا قَالَ: كُنْ فَكَانَ عَلَى الْهَيْئَةِ إِلَى عِلْمٍ فَذِكْرٍ، ثُمَّ شَاءَ فَدَبَّرَ، ثُمَّ قَدَّرَ، ثُمَّ أَثْبَتَ، ثُمَّ قَضَى، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ مَا مِنْ شَيْءٍ مِنْ حَيْثُ اسْتَقَامَ فِي الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ إِلَى أَنِ اسْتَقَامَ فِي اللَّوْحِ، ثُمَّ اسْتَبَانَ إِلَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ أُمُورٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: إِنَّ الْقَدَرَ كَتَقْدِيرِ النَّقَّاشِ الصُّورَةَ فِي ذِهْنِهِ، وَالْقَضَاءَ كَرَسْمِهِ تِلْكَ الصُّورَةَ لِلتِّلْمِيذِ بِالْأُسْرُبِ، وَوَضْعُ التِّلْمِيذِ الصِّبْغَ عَلَيْهَا مُتَّبِعًا لِرَسْمِ الْأُسْتَاذِ هُوَ الْكَسْبُ، وَالِاخْتِيَارُ، وَهُوَ فِي اخْتِيَارِهِ لَا يَخْرُجُ عَنْ رَسْمِ الْأُسْتَاذِ كَذَلِكَ الْعَبْدُ فِي اخْتِيَارِهِ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنِ الْقَضَاءِ، وَالْقَدَرِ، وَلَكِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا، هَذَا وَالْقَدَرِيَّةُ فَسَّرُوا الْقَضَاءَ بِعِلْمِهِ بِنِظَامِ الْمَوْجُودَاتِ، وَأَنْكَرُوا تَأْثِيرَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَفْعَالِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَمُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ خَيْرَهَا، وَشَرَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى مُرَادَةٌ لَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ هِيَ مُكْتَسَبَةٌ لِلْعِبَادِ لِأَنَّ لَهُمْ نَوْعَ اخْتِيَارٍ فِي كَسْبِهَا، وَإِنْ رَجَعَ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَى إِرَادَتِهِ وَخَلْقِهِ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْأَلُونَ. وَهَذَا أَوْسَطُ الْمَذَاهِبِ، وَأَعْدَلُهَا، وَأَوْفَقُهَا لِلنُّصُوصِ، فَهُوَ الْحَقُّ، وَالصَّوَابُ خِلَافًا لِلْجَبْرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعِبَادَ مَجْبُورُونَ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، إِذْ يَلْزَمُهُمْ أَنْ لَا تَكْلِيفَ، وَمَنِ اعْتَرَفَ مِنْهُمْ بِهَذَا اللَّازِمِ، فَهُوَ كَافِرٌ بِخِلَافِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ سَلْبَ قُدْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ أَصْلِهَا إِنَّمَا هُوَ تَعْظِيمٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ أَنْ يُشْرِكَهُ فِيهَا أَحَدٌ بِوَجْهٍ فَإِنَّهُ مُبْتَدِعٌ، وَخِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ النَّافِينَ لِلْقَدَرِ، وَهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَ نَفْسِهِ، وَأَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُؤَثِّرُ فِيهَا، وَأَنَّ إِرَادَتَهُ لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا لِاسْتِقْلَالِ قُدْرَةِ الْعَبْدِ بِالْإِيجَادِ، وَالتَّأْثِيرِ فِي أَفْعَالِهِ، إِذْ يَلْزَمُهُمْ أَنَّ لَهُ تَعَالَى شُرَكَاءَ فِي مُلْكِهِ سُبْحَانَهُ، فَمَنِ اعْتَقَدَ حَقِيقَةَ الشَّرِكَةِ قَصْدًا فَقَدْ كَفَرَ، أَوْ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الْفِعْلِ الْقَبِيحِ، فَهُوَ مُبْتَدِعٌ. رُوِيَ أَنَّهُ كَتَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِىُّ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵃ يَسْأَلُهُ عَنِ الْقَضَاءِ، وَالْقَدَرِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَقَدَرِهِ خَيْرِهِ، وَشَرِّهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ حَمَلَ ذَنْبَهُ عَلَى رَبِّهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُطَاعُ اسْتِكْرَاهًا، وَلَا يُعْصَى بِغَلَبَةٍ لِأَنَّهُ تَعَالَى مَالِكٌ لِمَا مَلَّكَهُمْ
وَقَادِرٌ عَلَى مَا أَقْدَرَهُمْ، فَإِنْ عَمِلُوا بِالطَّاعَةِ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا عَمِلُوا، وَإِنْ عَمِلُوا بِالْمَعْصِيَةِ فَلَوْ شَاءَ لَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا عَمِلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ هُوَ الَّذِي جَبَرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ جَبَرَ اللَّهُ الْخَلْقَ عَلَى الطَّاعَةِ لَأَسْقَطَ عَنْهُمُ الثَّوَابَ، وَلَوْ جَبَرَهُمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لَأَسْقَطَ عَنْهُمُ الْعِقَابَ، وَلَوْ أَهْمَلَهُمْ كَانَ ذَلِكَ عَجْزًا فِي الْقُدْرَةِ، وَلَكِنْ لَهُ فِيهِمُ الْمَشِيئَةُ الَّتِي غَيَّبَهَا عَنْهُمْ، فَإِنْ عَمِلُوا بِالطَّاعَةِ فَلَهُ الْمِنَّةُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ عَمِلُوا بِالْمَعْصِيَةِ فَلَهُ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، وَالسَّلَامُ، فَهَذِهِ رِسَالَةٌ يَظْهَرُ عَلَيْهَا أَنْوَارُ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْقَدَرِ يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ بِتَوْحِيدِ ذَاتِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ إِتْيَانَ الْمَقْدُورَاتِ وَأَحْكَامِهَا عَلَى مَا هُوَ حَقُّهَا فِي أَزْمِنَةٍ وَأَمْكِنَةٍ مَخْصُوصَةٍ تَدُلُّ عَلَى تَوَحُّدِ الْحُكْمِ بِتَقْدِيرِهَا الْمُقْتَضِي لِتَوَحُّدِ الْمُقَدِّرِ، وَالْعِلْمِ بِصِفَاتِهِ كَسِعَةِ عِلْمِهِ وَرَحْمَتِهِ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَآثَارِ قُدْرَتِهِ، وَحِكْمَتِهِ لِلْمَخْلُوقِينَ، وَنُفُوذِ قَضَائِهِ فِيهِمْ، وَالْعِلْمِ بِكَمَالِ صُنْعِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَأَنَّ الْحَوَادِثَ مُسْتَنِدَةٌ إِلَى الْأَسْبَابِ الْإِلَهِيَّةِ فَيَعْلَمُ أَنَّ الْحَذَرَ لَا يَقْطَعُ الْقَدَرَ، وَلَا يُنَازِعُ أَحَدًا فِي طَلَبِ شَيْءٍ مِنَ اللَّذَّاتِ، وَلَا يَأْنَسُ بِهَا إِذَا وَجَدَهَا، وَلَا يَغْضَبُ بِسَبَبِ فَوْتِ شَيْءٍ مِنَ الْمَطَالِبِ، وَلَا بِوُقُوعِ شَيْءٍ مِنَ الْمَهَارِبِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: ««مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ»». فَيَكُونُ مُسْتَسْلِمًا لِلْحَقِّ فِيمَا أَرَادَهُ مِنَ الْقَضَاءِ الْمُطْلَقِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ مَعَ سَائِرِ الْخَلْقِ. قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: إِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ وُجُودَ مَخْلُوقَاتِهِ لِمَظَاهِرِ تَجَلِّي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، فَلِكُلٍّ مِنْهَا مِقْدَارٌ مُقَدَّرٌ لِمَظَاهِرِ تَجَلِّي مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مِمَّا يَلِيقُ بِهِ، وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهُ، وَبِذَلِكَ يُسَبِّحُ لَهُ كَمَا قَالَهُ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وَلِكُلِّ ذَرَّةٍ لِسَانٌ مَلَكُوتِيٌّ نَاطِقٌ بِالتَّسْبِيحِ، وَالتَّحْمِيدِ تَنْزِيهًا لِصَانِعِهِ، وَحَمْدًا لَهُ عَلَى مَا أَوْلَاهُ مِنْ مَظْهَرِيَّتِهَا لِلصِّفَاتِ الْجَمَالِيَّةِ وَالْجَلَالِيَّةِ فَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا مَقَادِيرُ لِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ دُونَ ذَاتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَسَعُهَا إِلَّا قَلْبُ الْمُؤْمِنِ لَا يَسَعُنِي أَرْضِي، وَلَا سَمَائِي، وَلَكِنْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، وَلِذَا قِيلَ: قَلْبُ الْمُؤْمِنِ عَرْشُ اللَّهِ. وَقَالَ أَبُو يَزِيدَ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ: لَوْ وَقَعَ الْعَالَمُ أَلْفَ أَلْفِ مَرَّةٍ فِي زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا قَلْبِ الْعَارِفِ مَا أَحَسَّ بِهِ.
ــ
[قَالَ: (صَدَقْتَ) قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ]: قِيلَ أَيِ: الْمَعْهُودُ ذِهْنًا فِي الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦] وَ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الْآيَاتِ مَا اشْتَمَلَ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَعْمَالِ، وَالْأَخْلَاقِ وَالْأَحْوَالِ، وَالْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْنَى الْأَخَصُّ فَقِيلَ أَرَادَ بِهِ الْإِخْلَاصَ، فَإِنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ مَعًا لِأَنَّ مَنْ تَلَفَّظَ بِالْكَلِمَةِ، وَجَاءَ بِالْعَمَلِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْإِخْلَاصِ لَمْ يَكُنْ إِيمَانُهُ صَحِيحًا قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ. فَكَانَ الْمُخْلِصُ فِي الطَّاعَةِ يُوصِلُ الْفِعْلَ الْحِسِّيَّ إِلَى نَفْسِهِ، وَالْمُرَائِي يُبْطِلُ عَمَلَ نَفْسِهِ، وَالْإِخْلَاصُ تَصْفِيَةُ الْعَمَلِ مِنْ طَلَبِ عِوَضٍ، وَغَرَضِ عَرَضٍ، وَرُؤْيَةِ رِيَاءٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إِحْسَانُ الْعَمَلِ، وَهُوَ إِحْكَامُهُ وَإِتْقَانُهُ، وَهُوَ يَشْمَلُ الْإِخْلَاصَ، وَمَا فَوْقَهُ مِنْ مَرْتَبَةِ الْحُضُورِ مَعَ اللَّهِ، وَنَفْيِ الشُّعُورِ عَمَّا سِوَاهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْجَوَابُ. [قَالَ: (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ)]، أَيْ: تُوَحِّدَهُ، وَتُطِيعَهُ فِي أَوَامِرِهِ، وَزَوَاجِرِهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنْ تَخْشَى اللَّهَ، وَمَآلُهُمَا وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ أَثَرُ الْخَشْيَةِ، وَهِيَ مُنْتِجَةٌ لِلْعِبَادَةِ، وَهِيَ الطَّاعَةُ مَعَ الْخُضُوعِ وَالْمَذَلَّةِ. قَالَ الرَّاغِبُ: الْعِبَادَةُ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ مُنَافٍ لِلشَّهَوَاتِ الْبَدَنِيَّةِ تَصْدُرُ عَنْ نِيَّةٍ يُرَادُ بِهَا التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى طَاعَةً لِلشَّرِيعَةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَهِيَ الْغَايَةُ الْقُصْوَى مِنْ إِبْدَاعِ الْخَلْقِ، وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ. وَكُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ مَعْرِفَةً ازْدَادَ عُبُودِيَّةً، وَلِذَا خُصَّ الْأَنْبِيَاءُ، وَأُولُو الْعَزْمِ بِخَصَائِصَ فِي الْعِبَادَةِ، وَلَا يَنْفَكُّ الْعَبْدُ عَنْهَا مَا دَامَ حَيًّا بَلْ فِي الْبَرْزَخِ عَلَيْهِ عُبُودِيَّةٌ أُخْرَى لَمَّا سَأَلَهُ الْمَلَكَانِ عَنْ رَبِّهِ، وَدِينِهِ، وَنَبِيِّهِ، وَفِي الْقِيَامَةِ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ، وَإِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ كَانَتْ عُبُودِيَّتُهُ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ مَقْرُونًا بِأَنْفَاسِهِ، وَفِي كَلَامِ الصُّوفِيَّةِ: أَنَّ الْعِبَادَةَ حِفْظُ الْحُدُودِ وَالْوَفَاءُ
بِالْعُهُودِ، وَقَطْعُ الْعَلَائِقِ وَالشُّرَكَاءِ عَنْ شِرْكٍ، وَالْفَنَاءُ عَنْ مُشَاهَدَتِكَ فِي مُشَاهَدَةِ الْحَقِّ، وَلَهُ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَعْبُدَهُ رَهْبَةً مِنَ الْعِقَابِ وَرَغْبَةً فِي الثَّوَابِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْعِبَادَةِ، وَهَذِهِ لِمَنْ لَهُ عِلْمُ الْيَقِينِ. أَوْ يَعْبُدَهُ تَشَوُّقًا لِعِبَادَتِهِ وَقَبُولَ تَكَالِيفِهِ، وَتُسَمَّى بِالْعُبُودِيَّةِ، وَهَذِهِ لِمَنْ لَهُ عَيْنُ الْيَقِينِ، أَوْ يَعْبُدَهُ لِكَوْنِهِ إِلَهًا وَكَوْنِهِ عَبْدًا، وَالْإِلَهِيَّةُ تُوجِبُ الْعُبُودِيَّةَ، وَتُسَمَّى بِالْعُبُودَةِ، وَهَذِهِ لِمَنْ لَهُ حَقُّ الْيَقِينِ، وَالشِّرْكُ رُؤْيَةُ ضُرٍّ، أَوْ نَفْعٍ مِمَّا سِوَاهُ، وَإِثْبَاتُ وُجُودِ غَيْرِ اللَّهِ ذَاتًا، أَوْ صِفَةً، أَوْ فِعْلًا [(كَأَنَّكَ تَرَاهُ)]: مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ: عِبَادَةٌ شَبِيهَةٌ بِعِبَادَتِكَ حِينَ تَرَاهُ، أَوْ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ أَيْ: حَالَ كَوْنِكَ مُشَبَّهًا بِمَنْ يَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ خَوْفًا مِنْهُ وَحَيَاءً، وَخُضُوعًا، وَخُشُوعًا، وَأَدَبًا، وَصَفَاءً، وَوَفَاءً، وَهَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِنْ قَامَ بَيْنَ يَدَيْ مَوْلَاهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِمَّا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ إِحْسَانِ الْعَمَلِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى مَا سِوَاهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي عِبَادَةِ الْعَبْدِ مَعَ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ بِمُقْتَضَاهُ إِذْ لَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ يَرَى مَنْ يَعْمَلُ لَهُ الْعَمَلَ يَعْمَلُ لَهُ أَحْسَنَ مَا يُمْكِنُ عَمَلُهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ التَّحْسِينَ لِرُؤْيَةِ الْمَعْمُولِ لَهُ الْعَامِلَ حَتَّى لَوْ كَانَ الْعَامِلُ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَعْمُولَ لَهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَاهُ يَجْتَهِدُ فِي إِحْسَانِهِ الْعَمَلَ أَيْضًا، وَلِذَا قَالَ: [(فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ)] أَيْ: تُعَامِلُهُ مُعَامَلَةَ مَنْ تَرَاهُ [(فَإِنَّهُ يَرَاكَ)] أَيْ: فَعَامِلْ مُعَامَلَةَ مَنْ يَرَاكَ، أَوْ فَأَحْسِنْ فِي عَمَلِكَ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنْ لَمْ تَرَهُ أَيْ: بِأَنْ غَفَلْتَ عَنْ تِلْكَ الْمُشَاهَدَةِ الْمُحَصِّلَةِ لِغَايَةِ الْكَمَالِ فَلَا تَغْفُلْ عَمَّا يَجْعَلُ لَكَ أَصْلَ الْكَمَالِ، فَإِنَّ مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ جُلُّهُ. بَلِ اسْتَمِرَّ عَلَى إِحْسَانِ الْعِبَادَةِ مَهْمَا أَمْكَنَ فَإِنَّهُ يَرَاكَ أَيْ: دَائِمًا، فَاسْتَحْضِرْ ذَلِكَ لِتَسْتَحْيِيَ مِنْهُ حَتَّى لَا تَغْفُلَ عَنْ مُرَاقَبَتِهِ، وَلَا تُقَصِّرَ فِي إِحْسَانِ طَاعَتِهِ ; وَحَاصِلُ الْكَلَامِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ مِثْلَ الرُّؤْيَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ فَلَا تَغْفُلْ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، فَالْفَاءُ دَلِيلُ الْجَوَابِ، وَتَعْلِيلُ الْجَزَاءِ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَهَا لَا يَصْلُحُ لِلْجَوَابِ، لِأَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ حَاصِلَةٌ. سَوَاءٌ رَآهُ الْعَبْدُ أَمْ لَا. بَلِ الْجَوَابُ مَحْذُوفٌ اسْتِغْنَاءً عَنْهُ بِالْمَذْكُورِ لِأَنَّهُ لَازِمُهُ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَكُنْ بِحَيْثُ إِنَّهُ يَرَاكَ، وَهُوَ مُوهِمٌ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَلَيْسَ مَعْنَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَعْبُدُ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَاعْبُدْهُ كَأَنَّهُ يَرَاكَ كَمَا ظَنَّ فَإِنَّهُ خَطَأٌ بَيِّنٌ اهـ.
وَأَرَادَ بِهِ الرَّدَّ عَلَى الطِّيبِيِّ، وَبَيَانُهُ أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَنَا مُتَحَقِّقَةٌ دَائِمًا حَالَةَ الْعِبَادَةِ، وَغَيْرِهَا، فَالتَّعْبِيرُ بِكَأَنَّهُ يَرَاكَ خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، وَوَهَمَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: كَأَنَّكَ تَرَاهُ أَيْ: كَأَنَّكَ تَرَاهُ وَيَرَاكَ فَحَذَفَ الثَّانِيَ لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ، وَهُوَ غَلَطٌ قَبِيحٌ لِمَا تَقَدَّمَ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: وَهُوَ يَرَاكَ ; وَحَاصِلُ جَمِيعِ الْأَقْوَالِ الْحَثُّ عَلَى الْإِخْلَاصِ فِي الْأَعْمَالِ، وَمُرَاقَبَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ. قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: الْأَوَّلُ إِشَارَةٌ إِلَى مَقَامِ الْمُكَاشَفَةِ، وَمَعْنَاهُ إِخْلَاصُ الْعُبُودِيَّةِ، وَرُؤْيَةُ الْغَيْرِ بِنَعْتِ إِدْرَاكِ الْقَلْبِ عِيَانَ جَلَالِ ذَاتِ الْحَقِّ، وَفَنَائِهِ عَنِ الرُّسُومِ فِيهِ. وَالثَّانِي إِلَى مَقَامِ الْمُرَاقَبَةِ فِي الْإِجْلَالِ، وَحُصُولِ الْحَيَاءِ مِنَ الْعِلْمِ بِاطِّلَاعِ ذِي الْجَلَالِ. قِيلَ: الْمَعْنَى فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِأَنْ تَكُونَ فَانِيًا تَرَاهُ بَاقِيًا فَإِنَّهُ يَرَاكَ فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ غَيْرِ نُقْصَانٍ وَزَوَالٍ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُسَاعِدُهُ الرَّسْمُ بِالْأَلِفِ فَمَدْفُوعٌ بِحَمْلِهِ عَلَى لُغَةٍ، أَوْ عَلَى إِشْبَاعِ حَرَكَةٍ، أَوْ عَلَى حَذْفِ مُبْتَدَأٍ، وَهُوَ أَنْتَ، وَجَازَ حَذْفُ الْفَاءِ مِنَ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الْوَاقِعَةِ مَوْقِعَ الْجَزَاءِ، وَالْمَعْنَى أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ فِي حَالِ شُعُورِكَ بِوُجُودِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] أَيِ: الْمَوْتُ بِإِجْمَاعِ الْمُفَسِّرِينَ، فَإِذَا فَنَيْتَ، وَمِتَّ مَوْتًا حَقِيقِيًّا تَرَاهُ رُؤْيَةً حَقِيقِيَّةً، وَتَرْتَفِعُ الْعِبَادَاتُ التَّكْلِيفِيَّةُ وَالتَّكَلُّفِيَّةُ، وَإِذَا مِتَّ مَوْتًا مَجَازِيًّا، وَدَخَلْتَ فِي حَالِ الْفَنَاءِ، وَبَقِيتَ فِي مَقَامِ الْبَقَاءِ تَرَاهُ رُؤْيَةَ مُشَاهَدَةٍ غَيْبِيَّةٍ تُسْقِطُ عَنْكَ ثِقَلَ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، أَوْ نَفْسَ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرِيَّةِ عِنْدَ غَلَبَاتِ الْجَذَبَاتِ الْبَاطِنِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَرَاكَ مُتَعَلِّقٌ بِالْكَلَامِ السَّابِقِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ مَا أَيْضًا بِاللَّاحِقِ، وَإِنَّمَا أَطْنَبْتُ فِي الْمَقَامِ لِتَخْطِئَةِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ فِي ذَلِكَ الْكَلَامِ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، وَفِي بَعْضِهِا فَإِنْ لَمْ تَرَهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ فَإِنَّ الْقَائِلَ بِمَا تَقَدَّمَ مَا ادَّعَى الْمُرَادَ مِنَ الْحَدِيثِ الْمُؤَدَّى بِالْعِبَارَةِ، بَلْ ذَكَرَ مَعْنًى يُؤْخَذُ مِنْ فَحْوَى الْكَلَامِ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ. قِيلَ: وَفِي قَوْلِهِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ دَلِيلٌ لِمَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا لَا تَقَعُ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ («وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا») قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: لِأَنَّ الْبَصَرَ فِي الدُّنْيَا خُلِقَ لِلْفَنَاءِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى رُؤْيَةِ الْبَاقِي بِخِلَافِهِ فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّهُ لَمَّا خُلِقَ لِلْبَقَاءِ الْأَبَدِيِّ قَوِيَ
وَقَدَرَ عَلَى نَظَرِ الْبَاقِي سُبْحَانَهُ، فَرُؤْيَتُهُ ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بِعَيْنِ رَأْسِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ إِمَّا عَلَى أَنَّهُ مُسْتَثْنًى، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ فِي الْمَلَكُوتِ الْأَعْلَى الَّذِي لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ حَالُ الدُّنْيَا، وَنِزَاعُ الْمُعْتَزِلَةِ مَعْرُوفٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، هَذَا وَقَدْ جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّ جِبْرِيلَ هُنَا أَيْضًا قَالَ: صَدَقْتَ، وَلَعَلَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ لَمْ يَذْكُرْهُ نِسْيَانًا، أَوِ اخْتِصَارًا، أَوِ اعْتِمَادًا عَلَى الْمَذْكُورِ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَشَرْحِ السُّنَّةِ مَسْطُورٌ، وَقِيلَ: إِنَّمَا لَمْ يَقُلْ هَاهُنَا صَدَقْتَ لِأَنَّ الْإِحْسَانَ هُوَ الْإِخْلَاصُ، وَهُوَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمُسَلْسَلِ الرَّبَّانِيِّ: «الْإِخْلَاصُ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِي أَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَنْ أَحْبَبْتُ مِنْ عِبَادِي» اهـ.
وَمَا ذُكِرَ أَوَّلًا هُوَ الْأَوْلَى (قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ) أَيْ: عَنْ وَقْتِ قِيَامِهَا لِمَا فِي رِوَايَةِ: مَتَى السَّاعَةُ، لَا وُجُودُهَا؛ لِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الزَّمَانِ عَبَّرَ بِهَا عَنْهَا، وَإِنْ طَالَ زَمَنُهَا اعْتِبَارًا بِأَوَّلِ زَمَانِهَا، فَإِنَّهَا تَقَعُ بَغْتَةً، أَوْ لِسُرْعَةِ حِسَابِهَا، أَوْ عَلَى الْعَكْسِ لِطُولِهَا، أَوْ تَفَاؤُلًا كَالْمَفَازَةِ لِلْمَهْلَكَةِ، أَوْ لِأَنَّهَا عِنْدَ اللَّهِ كَسَاعَةٍ عِنْدَ الْخَلْقِ كَذَا فِي الْكَشَّافِ. وَالسَّاعَةُ لُغَةً مِقْدَارٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِنَ الزَّمَانِ، وَعُرْفًا جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. قِيلَ: وَالسَّاعَةُ كَمَا تُطْلَقُ عَلَى الْقِيَامَةِ، وَهِيَ السَّاعَةُ الْكُبْرَى تُطْلَقُ عَلَى مَوْتِ أَهْلِ الْقَرْنِ الْوَاحِدِ، وَهِيَ السَّاعَةُ الْوُسْطَى كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵊ حِينَ سَأَلُوهُ عَنِ السَّاعَةِ فَأَشَارَ إِلَى أَصْغَرِهِمْ، («إِنْ يَعِشْ هَذَا لَا يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ») إِذِ الْمُرَادُ انْقِضَاءُ عَصْرِهِمْ، وَلِذَا أَضَافَ إِلَيْهِمْ وَعَلَى الْمَوْتِ، وَهِيَ السَّاعَةُ الصُّغْرَى، وَوَرَدَ: مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ. قَالَ: (مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا)، أَيْ: عَنْ وَقْتِهَا. قِيلَ، حَقُّ الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهُ لِيَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى اللَّامِ. أُجِيبَ: بِأَنَّهُ كَمَا يُقَالُ سَأَلْتُ عَنْ زَيْدٍ الْمَسْأَلَةَ يُقَالُ سَأَلْتُهُ عَنْهَا، وَهُوَ الِاسْتِعْمَالُ الْأَكْثَرُ فَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ رَاجِعٌ إِلَى اللَّامِ، وَالْمَجْرُورُ إِلَى السَّاعَةِ، وَمَا نَافِيةٌ أَيْ: لَيْسَ الَّذِي سُئِلَ عَنْهَا. (بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ): نَفَى أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِأَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ - فِي أَمْرِ السَّاعَةِ - لِأَنَّهَا مِنْ مَفَاتِيحِ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (أَكَادُ أُخْفِيهَا) . قِيلَ أَيْ: عَنْ ذَاتِي مُبَالِغَةً عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ يَجِبُ فِي الْجُمْلَةِ أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، فَلَا يُقَالُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَعْلَمِيَّةِ نَفْيُ أَصْلِ الْعِلْمِ عَنْهَا مَعَ أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي انْتِفَاءِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، وَمَسَاقُ الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: لَسْتُ أَعْلَمَ بِعِلْمِ السَّاعَةِ مِنْكَ لَكِنَّهُ عَدَلَ لِيُفِيدَ الْعُمُومَ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى كُلُّ سَائِلٍ وَمَسْئُولٍ سِيَّانِ فِي ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةٍ فَنَكَّسَ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ أَعَادَ فَلَمْ يُجِبْهُ شَيْئًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَالْبَاءُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. قِيلَ: وَمَا أَفْهَمَهُ مِنْ أَنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي الْعِلْمِ بِهِ غَيْرُ الْمُرَادِ فَإِنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي نَفْيِ الْعِلْمِ بِهِ، أَوْ فِي الْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ اسْتَأْثَرَ بِهِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَعْلَمَانِهِ مِنْهُ، وَهُوَ نَفْسُ وُجُودِهَا، وَهَذَا وَقَعَ بَيْنَ عِيسَى وَجِبْرِيلَ أَيْضًا إِلَّا أَنَّ عِيسَى كَانَ سَائِلًا وَجِبْرِيلُ مَسْئُولًا فَانْتَفَضَ بِأَجْنِحَتِهِ فَقَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ. رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَلِمَ سَأَلَ جِبْرِيلُ عَنِ السَّاعَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ، وَمَا التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْآيَةِ، وَبَيْنَ مَا اشْتُهِرَ عَنِ الْعُرَفَاءِ مِنَ الْأَخْبَارِ الْغَيْبِيَّةِ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي مُعْتَقَدِهِ، وَنَعْتَقِدُ أَنَّ الْعَبْدَ يُنْقَلُ فِي الْأَحْوَالِ حَتَّى يَصِيرَ إِلَى نَعْتِ الرُّوحَانِيَّةِ فَيَعْلَمَ الْغَيْبَ، وَتُطْوَى لَهُ الْأَرْضُ، وَيَمْشِي عَلَى الْمَاءِ، وَيَغِيبُ عَنِ الْأَبْصَارِ ; فَالْجَوَابُ: أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ فَلِتَنْبِيهِهِمْ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْجَوَابُ عَمَّا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَلَا الِاسْتِنْكَافُ مِنْ قَوْلِ لَا أَدْرِي الَّذِي هُوَ نِصْفُ الْعِلْمِ كَمَا نَبَّهَهُمْ مِمَّا لَهُ الْجَوَابُ عَنْهُ مِمَّا قَدْ سَلَفَ بِحُسْنِ السُّؤَالِ الَّذِي هُوَ نِصْفُ الْعِلْمِ فَتَمَّ الْعِلْمُ بِذَلِكَ، وَأَمَّا عَنِ الثَّانِي فَلِأَنَّ لِلْغَيْبِ مَبَادِئَ وَلَوَاحِقَ، فَمَبَادِئُهُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَأَمَّا اللَّوَاحِقُ، فَهُوَ مَا أَظْهَرَهُ عَلَى بَعْضِ أَحِبَّائِهِ لَوْحَةَ عِلْمِهِ، وَخَرَجَ ذَلِكَ عَنِ الْغَيْبِ الْمُطْلَقِ، وَصَارَ غَيْبًا إِضَافِيًّا، وَذَلِكَ إِذْ تَنَوَّرَ الرُّوحُ الْقُدُسِيَّةُ،
وَازْدَادَ نُورِيَّتُهَا، وَإِشْرَاقُهَا بِالْإِعْرَاضِ عَنْ ظُلْمَةِ عَالَمِ الْحِسِّ، وَتَحْلِيَةُ مِرْآةِ الْقَلْبِ عَنْ صَدَأِ الطَّبِيعَةِ، وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَفَيَضَانُ الْأَنْوَارِ الْإِلَهِيَّةِ حَتَّى يَقْوَى النُّورُ، وَيَنْبَسِطَ فِي فَضَاءِ قَلْبِهِ فَتَنْعَكِسُ فِيهِ النُّقُوشُ الْمُرْتَسِمَةُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَيَطَّلِعُ عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ، وَيَتَصَرَّفُ فِي أَجْسَامِ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ، بَلْ يَتَجَلَّى حِينَئِذٍ الْفَيَّاضُ الْأَقْدَسُ بِمَعْرِفَتِهِ الَّتِي هِيَ أَشْرَفُ الْعَطَايَا فَكَيْفَ بِغَيْرِهَا؟ (قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ أَمَارَةٍ أَيْ: عَلَامَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ أَشْرَاطِهَا، وَهُوَ جَمْعُ شَرْطٍ بِالْفَتْحِ بِمَعْنَى الْعَلَامَةِ، وَالْمُرَادُ شَيْءٌ مِنْ عَلَامَاتِهَا الدَّالَّةِ عَلَى قُرْبِهَا، وَلِذَا قِيلَ أَيْ: مُقَدِّمَاتُهَا، وَقِيلَ صِغَارُ أُمُورِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ سَأُخْبِرُكَ، وَفِي أُخْرَى، وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، وَجُمِعَ بِأَنَّهُ ابْتَدَأَهُ بِقَوْلِهِ، وَسَأُخْبِرُكَ، فَقَالَ السَّائِلُ: فَأَخْبِرْنِي، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَةٍ: وَلَكِنْ إِنْ شِئْتَ نَبَّأَتُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا. قَالَ: أَجَلْ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَحَدِّثْنِي [(قَالَ: (أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا)] أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ عَلَامَاتِهَا أَوْ إِحْدَى أَمَارَاتِهَا وِلَادَةُ الْأَمَةِ مَالِكَهَا وَمَوْلَاهَا، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ عَلَامَاتُهَا وِلَادَةُ الْأَمَةِ، وَرُؤْيَةُ الْحُفَاةِ فَاحْتَاجَ إِلَى أَنْ يَقُولَ أَخْبَرَ عَنِ الْجَمْعِ بِاثْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا أَقَلُّهُ كَمَا عَلَيْهِ جُمِعَ، وَتَأْنِيثُهَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَإِنْ ذُكِّرَ فِي رِوَايَاتٍ أُخَرَ بِاعْتِبَارِ التَّسْمِيَةِ، لِيَشْمَلَ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، أَوْ فِرَارًا مِنْ شَرِكَةِ لَفْظِ رَبِّ الْعِبَادِ، وَإِنْ جَوَّزَ إِطْلَاقَهُ عَلَى غَيْرِهِ تَعَالَى بِالْإِضَافَةِ دُونَ التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ أَرَادَ الْبِنْتَ فَيُعْرَفُ الِابْنُ بِالْأَوْلَى، وَالْإِضَافَةُ إِمَّا لِأَجْلِ أَنَّهُ سَبَبُ عِتْقِهَا، أَوْ لِأَنَّهُ وَلَدُ رَبِّهَا، أَوْ مَوْلَاهَا بَعْدَ الْأَبِ، وَفَسَّرَ هَذَا الْقَوْلَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِأَنَّ السَّبْيَ يَكْثُرُ بَعْدَ اتِّسَاعِ رُقْعَةِ الْإِسْلَامِ فَيَسْتَرِدُّ النَّاسُ إِمَاءَهُمْ، فَيَكُونُ الْوَلَدُ كَالسَّيِّدِ لِأُمِّهِ لِأَنَّ مِلْكَهَا رَاجِعٌ إِلَيْهِ فِي التَّقْدِيرِ، وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى قُوَّةِ الدِّينِ، وَاسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ مِنَ الْأَمَارَاتِ؛ لِأَنَّ بُلُوغَ الْغَايَةِ مُنْذِرٌ بِالتَّرَاجُعِ وَالِانْحِطَاطِ الْمُؤْذِنِ بِقِيَامِ السَّاعَةِ، أَوْ إِلَى أَنَّ الْأَعِزَّةَ تَصِيرُ أَذِلَّةً لِأَنَّ الْأُمَّ مُرَبِّيَةٌ لِلْوَلَدِ مُدَبِّرَةٌ أَمْرَهُ فَإِذَا صَارَ الْوَلَدُ رَبَّهَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ بِنْتًا يَنْقَلِبُ الْأَمْرُ كَمَا أَنَّ الْقَرِينَةَ الثَّانِيَةَ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، وَهِيَ أَنَّ الْأَذِلَّةَ يَنْقَلِبُونَ أَعِزَّةً مُلُوكَ الْأَرْضِ فَيَتَلَاءَمُ الْمَعْطُوفَانِ، وَهَذَا إِخْبَارٌ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ، وَانْقِلَابِ أَحْوَالِ النَّاسِ بِحَيْثُ لَا يُشَاهَدُ قَبْلَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثٍ أَنَّهُ («إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ، وَوُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ») . وَقِيلَ: سُمِّيَ وَلَدُهَا سَيِّدَهَا؛ لِأَنَّ لَهُ وَلَاءَهَا بِإِرْثِهِ لَهُ عَنْ أَبِيهِ إِذَا مَاتَ، أَوْ أَنَّهُ كَسَيِّدِهَا لِصَيْرُورَةِ مَالِ أَبِيهِ إِلَيْهِ غَالِبًا فَتَصِيرُ أُمُّهُ كَأَنَّهَا أَمَتَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِمَاءَ تَلِدْنَ الْمُلُوكَ فَتَكُونُ أُمُّهُ مِنْ جُمْلَةِ رَعِيَّتِهِ، وَأُيِّدَ بِأَنَّ الرُّؤَسَاءَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَانُوا يَسْتَنْكِفُونَ غَالِبًا مِنْ وَطْءِ الْإِمَاءِ، وَيَتَنَافَسُونَ فِي الْحَرَائِرِ، ثُمَّ انْعَكَسَ الْأَمْرُ سِيَّمَا مِنْ أَثْنَاءِ دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ الْقَوْلُ بِأَنَّ السَّبْيَ إِذَا كَثُرَ قَدْ يُسْبَى الْوَلَدُ صَغِيرًا، ثُمَّ يُعْتَقُ، وَيَصِيرُ رَئِيسًا بَلْ مَلِكًا، ثُمَّ يَسْبِي أُمَّهُ فَيَشْتَرِيهَا عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا بِهَا ثُمَّ يَسْتَخْدِمُهَا، وَقَدْ يَطَؤُهَا أَوْ يُعْتِقُهَا وَيَتَزَوَّجُهَا، وَقِيلَ مَعْنَاهُ فَسَادُ الْأَحْوَالِ بِكَثْرَةِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَتُرَدَّدُ فِي أَيْدِي الْمُشْتَرِينَ حَتَّى يَشْتَرِيَهَا ابْنُهَا أَوْ يَطَأَهَا، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ بَعْلِهَا، وَإِنْ فُسِّرَ بِسَيِّدِهَا، وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْإِشَارَةُ إِلَى كَثْرَةِ عُقُوقِ الْأَوْلَادِ فَيُعَامِلُ الْوَلَدُ أُمَّهُ مُعَامَلَةَ السَّيِّدِ أَمَتَهُ مِنَ الْخِدْمَةِ وَغَيْرِهَا، وَخُصَّ بِوَلَدِ الْأَمَةِ لِأَنَّ الْعُقُوقَ فِيهِ أَغْلَبُ، وَعَبَّرَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِإِذَا بَدَلَ أَنِ الْمَفْتُوحَةِ إِشَارَةً إِلَى تَحَقُّقِ الْوُقُوعِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا يُقَالُ: إِذَا قَامَتِ الْقِيَامَةُ، وَلَا يُقَالُ: إِنْ بِالْكَسْرِ لِأَنَّهُ كُفْرٌ لِإِشْعَارِهِ بِالشَّكِّ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي جَزْمِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ نَظَرٌ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ عَرَفَ هَذَا الْمَعْنَى وَاعْتَقَدَهُ، وَإِلَّا فَكَثِيرًا مَا يُسْتَعْمَلُ إِنْ مَوْضِعَ إِذْ، أَوْ بِالْعَكْسِ لِأَغْرَاضٍ بُيِّنَتْ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي [(وَأَنْ تَرَى)]: خِطَابٌ عَامٌّ لِيَدُلَّ عَلَى بُلُوغِ الْخَطْبِ فِي الْعِلْمِ مَبْلَغًا لَا يَخْتَصُّ بِهِ رُؤْيَةُ رَاءٍ [(الْحُفَاةَ)]: بِضَمِّ الْحَاءِ جَمْعُ الْحَافِي، وَهُوَ مَنْ لَا نَعْلَ لَهُ، [(الْعُرَاةَ)]: جَمْعُ الْعَارِي، وَهُوَ صَادِقٌ عَلَى مَنْ يَكُونُ بَعْضُ بَدَنِهِ مَكْشُوفًا مِمَّا يَحْسُنُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَلْبُوسًا [(الْعَالَةَ)]: جَمْعُ عَائِلٍ، وَهُوَ الْفَقِيرُ مِنْ عَالَ يَعِيلُ إِذَا افْتَقَرَ، أَوْ مِنْ عَالَ يَعُولُ إِذَا افْتَقَرَ وَكَثُرَ عِيَالُهُ، [(رِعَاءَ الشَّاءِ)]: بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَالْمَدِّ جَمْعُ رَاعٍ كَتَاجِرٍ وَتِجَارٍ، وَالشَّاءُ جَمْعُ شَاةٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: الْإِبِلِ الْبُهْمِ بِضَمِّ الْبَاءِ أَيْ: السُّودِ، وَهُوَ بِجَرِّ الْمِيمِ وَرَفْعِهَا، وَصَفًا لِلرُّعَاةِ، جَمْعُ بَهِيمٍ، فَيَكُونُ كِنَايَةً عَنْ حَالِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يَعُودُ لَهُمْ أَصْلٌ مِنْ أُبْهِمَ الْأَمْرُ، إِذَا لَمْ يُعْرَفْ حَقِيقَتُهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى سَوَادِ اللَّوْنِ لِأَنَّ الْأُدْمَةَ غَالِبُ أَلْوَانِ الْعَرَبِ، أَوْ لِلْإِبِلِ جَمْعُ بَهْمَاءَ إِذِ السُّودُ شَرُّهَا عِنْدَهُمْ، وَخَيْرُهَا عِنْدَهُمُ الْحُمْرُ، وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ: خَيْرٌ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، وَفِي رِوَايَةٍ الْبَهْمِ بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَلَا وَجْهَ لَهُ مَعَ ذِكْرِ الْإِبِلِ بَلْ مَعَ حَذْفِهِ الَّذِي هُوَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ إِذْ هُوَ جَمْعُ بَهْمَةٍ
وَهِيَ صِغَارُ الضَّأْنِ وَالْمَعِزِ، وَرُجِّحَتْ هَذِهِ عَلَى تِلْكَ؛ لِأَنَّ رِعَاءَ الْغَنَمِ أَضْعَفُ أَهْلِ الْبَادِيَةِ بِخِلَافِ رِعَاءِ الْإِبِلِ فَهُمْ أَهْلُ فَخْرٍ وَخُيَلَاءَ. [(يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ)] أَيْ: يَتَفَاضَلُونَ فِي ارْتِفَاعِهِ وَكَثْرَتِهِ وَيَتَفَاخَرُونَ فِي حُسْنِهِ وَزِينَتِهِ، وَهُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ إِنْ جَعَلْتَ الرُّؤْيَةَ فِعْلَ الْبَصِيرَةِ، أَوْ حَالٌ إِنْ جَعَلْتَهَا فِعْلَ الْبَاصِرَةِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ وَأَشْبَاهَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْفَاقَةِ تُبْسَطُ لَهُمُ الدُّنْيَا مِلْكًا، أَوْ مُلْكًا فَيَتَوَطَّنُونَ الْبِلَادَ، وَيَبْنُونَ الْقُصُورَ الْمُرْتَفِعَةَ، وَيَتَبَاهَوْنَ فِيهَا، فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى تَغَلُّبِ الْأَرَاذِلِ، وَتَذَلُّلِ الْأَشْرَافِ، وَتَوَلِّي الرِّئَاسَةِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَتَعَاطِي السِّيَاسَةِ مَنْ لَا يَسْتَحْسِنُهَا، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا إِشَارَةٌ إِلَى عَكْسِ ذَلِكَ، وَقِيلَ: كِلَاهُمَا إِشَارَةٌ إِلَى اتِّسَاعِ دِينِ الْإِسْلَامِ فَيَتَنَاسَبُ الْمُتَعَاطِفَانِ فِي الْكَلَامِ، وَلَعَلَّ تَخْصِيصَهُمَا لِجَلَالَةِ خَطْبِهِمَا، وَنَبَاهَةِ شَأْنِهِمَا، وَقُرْبِ وُقُوعِهِمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْأُولَى إِيمَاءً إِلَى كَثْرَةِ الظُّلْمِ وَالْفِسْقِ وَالْجَهْلِ وَبُلُوغِهَا مَبْلَغَ الْعُلْيَا، وَالثَّانِيَةُ إِلَى غَلَبَةِ مَحَبَّةِ الدُّنْيَا، وَنِسْيَانِ مَنَازِلِ الْعُقْبَى، وَيُقَالُ: تَطَاوَلَ الرَّجُلُ إِذَا تَكَبَّرَ فَلَا يَرِدُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ قَوْلِهِ: التَّفَاعُلُ فِيهِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْعُرَاةِ الْمَوْصُوفِينَ بِمَا ذَكَرَ لَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِمَّا كَانَ عَزِيزًا فَذَلَّ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ، وَقَالَ: الْمَعْنَى أَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ الْعَارِينَ عَنِ الِقِيَامِ بِالدِّيَانَةِ يَسْكُنُونَ الْبِلَادَ، وَيَتَّخِذُونَ الْقُصُورَ الرَّفِيعَةَ، وَيَتَكَبَّرُونَ عَلَى الْعُبَّادِ وَالزُّهَّادِ، وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ انْقِلَابَ الدُّنْيَا مِنَ النِّظَامِ يُؤْذِنُ بِأَنْ لَا يُنَاسِبَ فِيهَا الْمَقَامَ فَلَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ الْكِرَامِ، كَمَا أَنْشَدَتِ الْمَلِكَةُ حُرَقَةُ بِنْتُ النُّعْمَانِ لَمَّا سُبِيَتْ، وَأُحْضِرَتْ عِنْدَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ:
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالْأَمْرُ أَمْرُنَا ... إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
فَأُفٍّ لِدُنْيَا لَا يَدُومُ نَعِيمُهَا ... تَقَلَّبُ تَارَاتٍ بِنَا وَتَصَرَّفُ
فَهَنِيئًا لِمَنْ جَعَلَ الدُّنْيَا كَسَاعَةٍ، وَاشْتَغَلَ فِيهَا بِالطَّاعَةِ قِيَامًا بِأَمْرِ الْحَبِيبِ، فَإِنَّ كُلَّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ. قَالَ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ - مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ١ - ٢] (قَالَ) أَيْ: عُمَرُ (ثُمَّ انْطَلَقَ) أَيِ: السَّائِلُ (فَلَبِثْتُ) أَيْ: أَنَا. وَفِي رِوَايَةٍ فَلَبِثَ أَيْ: هُوَ (مَلِيًّا): بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنَ الْمَلَاوَةِ إِذِ الْمَهْمُوزُ بِمَعْنَى الْغَنِيِّ أَيْ: زَمَانًا، أَوْ مُكْثًا طَوِيلًا، وَبَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَالتِّرْمِذِيِّ قَالَ عُمَرُ: فَلَبِثْتُ ثَلَاثًا، وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَفِي أُخْرَى فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَفِي أُخْرَى لِابْنِ حِبَّانَ بَعْدَ ثَالِثَةٍ، وَفِي أُخْرَى لِابْنِ مَنْدَهْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَفِي وُرُودِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ رَدٌّ عَلَى مَنْ وَهَمَ أَنَّ رِوَايَةَ ثَلَاثًا مُصَحَّفَةٌ مِنْ رِوَايَةِ مَلِيًّا، وَالْمَعْنَى أَنِّي لَمْ أَسَتَخْبِرْ مِنْهُ ﵊ مَهَابَةً، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ أَنَّهُ ﵊ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْلِسِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ عُمَرَ لَمْ يَحْضُرْ فِي الْحَالِ بَلْ قَامَ فَأَخْبَرَ الصَّحَابَةَ، ثُمَّ أَخْبَرَ عُمَرَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (ثُمَّ قَالَ لِي: (يَا عُمَرُ! أَتَدْرِي) أَيْ: أَتَعْلَمُ، وَفِي الْعُدُولِ نُكْتَةٌ لَا تَخْفَى (مَنِ السَّائِلُ؟) أَيْ: مَا يُقَالُ فِي جَوَابِ هَذَا بَشَرٌ السُّؤَالِ (قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ): لِأَنَّ الْأَمَارَاتِ السَّابِقَةَ وَالتَّعَجُّبَ أَوْقَعَهُمْ فِي التَّرَدُّدِ أَهُوَ بَشَرٌ أَمْ مَلَكٌ، وَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي فِي الشَّرِكَةِ عَلَى أَنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ كَثِيرًا يُرَادُ بِهِ أَصْلُ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ شَرِكَةٍ. (قَالَ: (فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ) أَيْ: إِذَا فَوَّضْتُمُ الْعِلْمَ إِلَى اللَّهِ، وَرَسُولِهِ فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَى تَأْوِيلِ الْأَخْبَارِ أَيْ: تَفْوِيضُكُمْ ذَلِكَ سَبَبٌ لِلْإِخْبَارِ بِهِ، وَقَرِينَةُ الْمَحْذُوفِ قَوْلُهُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَالْفَاءُ فَصِيحَةٌ ; لِأَنَّهَا تُفْصِحُ عَنْ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، وَأَكَّدَ الْكَلَامَ لِأَنَّ السَّائِلَ طَالِبٌ مُتَرَدِّدٌ، وَفِي رِوَايَةٍ رُدُّوهُ فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوهُ فَمَا رَأَوْا شَيْئًا. قَالَ الْقَاضِي: وَجِبْرِيلُ مَلَكٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَمِنْ خَوَاصِّ الْمَلَكِ أَنْ يَتَمَثَّلَ لِلْبَشَرِ فَيَرَاهُ جِسْمًا. اهـ.
قِيلَ: وَالسِّرُّ فِي التَّوَسُّطِ أَنَّ الْمُكَالَمَةَ تَقْتَضِي مُنَاسَبَةً بَيْنَ الْمُتَخَاطِبَيْنِ فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ تَوَسُّطَ جِبْرِيلَ لِيَتَلَقَّفَ الْوَحْيَ بِوَجْهِهِ الَّذِي فِي عَالَمِ الْقُدْرَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ تَلَقُّفًا رُوحَانِيًّا، أَوْ مِنَ اللَّوْحِ، وَيُلْقِيهِ بِوَجْهِهِ الَّذِي فِي عَالَمِ الْحِكْمَةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرُبَّمَا يَنْزِلُ الْمَلَكُ إِلَى صُورَةِ الْبَشَرِ، وَرُبَّمَا يَرْتَقِي النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ يَرْتَقِي إِلَى الْمَرْتَبَةِ الْمَلَكِيَّةِ، وَيَتَعَرَّى عَنِ الْكُسْوَةِ الْبَشَرِيَّةِ فَيَرِدُ الْوَحْيُ عَلَى الْقَلْبِ فِي لُبْسَةِ الْجَلَالِ، وَأُبَّهَةِ الْكِبْرِيَاءِ وَالْكَمَالِ، وَيَأْخُذُ بِمَجَامِعِهِ
فَإِذَا سُرِّيَ عَنْهُ وَجَدَهُ الْمُنْزِلُ مُلْقًى فِي الرُّوعِ كَمَا فِي الْمَسْمُوعِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ أَحْيَانًا: («يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ»»، ثُمَّ جِبْرِيلُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا مَعَ كَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا يَاءٌ، وَبِفَتْحِهَا وَهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مَعَ يَاءٍ وَتَرْكِهَا، أَرْبَعُ لُغَاتٍ مُتَوَاتِرَاتٍ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ. [(أَتَاكُمْ)]: اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ، أَوْ خَبَرٌ لِجِبْرِيلَ عَلَى أَنَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ [(يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ)] «: جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فِي أَتَاكُمْ أَيْ: عَازِمًا تَعْلِيمَكُمْ، فَهُوَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ الْإِتْيَانِ مُعَلِّمًا، أَوْ مَفْعُولٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ اللَّامِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَالْمُرَادُ تَثْبِيتُهُمْ عَلَى عِلْمِهِمْ، وَتَقْدِيرُهُ بِطَرِيقِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ لِيَتَمَكَّنَ غَايَةَ التَّمَكُّنِ فِي نُفُوسِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَحْصُولَ بَعْدَ الطَّلَبِ أَعَزُّ مِنَ الْمُنْسَاقِ بِلَا تَعَبٍ، وَإِسْنَادُ التَّعْلِيمِ إِلَيْهِ مَجَازٌ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ، وَأَضَافَ الدِّينَ إِلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمُ الْمُخْتَصُّونَ بِالدِّينِ الْقَيِّمِ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ، أَوِ الْخِطَابُ مَخْصُوصٌ بِالصَّحَابَةِ خُصُوصًا، أَوْ عُمُومًا، فَإِنَّ سَائِرَ النَّاسِ يَأْخُذُونَ دِينَهُمْ مِنْهُمْ ﵃، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ وَالْإِحْسَانَ يُسَمَّى دِينًا فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] الْمُرَادُ بِهِ الْكَامِلُ، وَكَذَا قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] وَفِي رِوَايَةٍ: أَرَادَ أَنْ تَعْلَمُوا إِذَا لَمْ تَسْأَلُوا، وَفِي أُخْرَى: «وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مَا كُنْتُ أَعْلَمَ بِهِ مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ، وَبِأَنَّهُ لَجِبْرِيلُ»، وَفِي أُخْرَى: ثُمَّ وَلَّى، فَلَمَّا لَمْ يُرَ طَرِيقُهُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا جِبْرِيلُ، أَتَاكُمْ لِيُعَلِّمَكُمْ دِينَكُمْ خُذُوا عَنْهُ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا شُبِّهَ عَلَيَّ مُنْذُ أَتَانِي قَبْلَ مَرَّتِي هَذِهِ، وَمَا عَرَفْتُهُ حَتَّى وَلَّى»». (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) أَيْ: عَنْ عُمَرَ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مَعَ تَغْيِيرٍ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْأَرْبَعِينَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَمْ يُخْرِجْهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ لِاخْتِلَافٍ فِيهِ عَلَى بَعْضِ رُوَاتِهِ. وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبُو عَوَانَةَ الْإِسْفِرَايِينِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الطُّرُقِ مُشْتَمِلٌ عَلَى فَوَائِدَ غَزِيرَةٍ، وَفَوَائِدَ كَثِيرَةٍ لَمْ تُوجَدْ فِي طَرِيقِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذَا حَدِيثٌ جَلِيلٌ سُمِّيَ حَدِيثَ جِبْرِيلَ، وَأُمَّ الْأَحَادِيثِ، وَأُمَّ الْجَوَامِعِ؛ لِأَنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلشَّرِيعَةِ، وَالطَّرِيقَةِ، وَالْحَقِيقَةِ بَيَانًا إِجْمَالِيًّا عَلَى الْوَجْهِ الْأَتَمِّ الَّذِي عُلِمَ تَفَاصِيلُهَا مِنَ السُّنَنِ النَّبَوِيَّةِ، وَالشَّرَائِعِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ عَلَى صَاحِبِهَا أُلُوفُ التَّحِيَّةِ، كَمَا أَنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ تُسَمَّى أُمَّ الْقُرْآنِ، وَأُمَّ الْكِتَابِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمَعَانِي الْقُرْآنِيَّةِ، وَالْحِكَمِ الْفُرْقَانِيَّةِ بِالدَّلَالَاتِ الْإِجْمَالِيَّةِ، فَحَدِيثُ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ بِمَنْزِلَةِ الْبَسْمَلَةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ بِمَنْزِلَةِ الْفَاتِحَةِ الْمُصَدَّرَةِ بِالْحَمْدَلَةِ، وَهَذَا وَجْهٌ وَجِيهٌ، وَتَنْبِيهٌ نَبِيهٌ لِاخْتِيَارِهَا فِي صَدْرِ الْكِتَابِ، وَمَفْتَحِ الْأَبْوَابِ.
٣ - وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ مَعَ اخْتِلَافٍ، وَفِيهِ: ««وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ، مُلُوكَ الْأَرْضِ فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ» ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤] الْآيَةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣ - (وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ) أَيْ: هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا (مَعَ اخْتِلَافٍ) أَيْ: بَيْنَ بَعْضِ أَلْفَاظِهِمَا (وَفِيهِ) أَيْ: فِي مَرْوِيِّ أَبِي هُرَيْرَةَ (رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ): فَأَخَذُوا يَرُدُّونَهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ جِبْرِيلُ. ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَتَقَدَّمَ الْجَمْعُ عَنِ النَّوَوِيِّ مَعَ أَنَّ كَوْنَ هَذَا الْإِخْبَارِ فِي الْمَجْلِسِ غَيْرَ صَرِيحٍ، فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِعْلَامِ عُمَرَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الصَّحِيحِ، وَفِيهِ أَيْضًا: (وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ) أَيْ: عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ (الْبُكْمَ) أَيْ: عَنِ النُّطْقِ بِالصِّدْقِ جُعِلُوا لِبَلَادَتِهِمْ، وَحَمَاقَتِهِمْ، وَعَدَمِ تَمْيِيزِهِمْ كَأَنَّهُ أُصِيبَتْ مَشَاعِرُهُمْ مَعَ كَوْنِهَا سَلِيمَةً تُدْرِكُ مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ (مُلُوكَ الْأَرْضِ): مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لَرَأَيْتَ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ، وَالْمُرَادُ بِأُولَئِكَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ لِمَا فِي رِوَايَةٍ، قَالَ: مَا الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ؟ قَالَ: الْعُرَيْبُ مُصَغَّرُ الْعَرَبِ (فِي خَمْسٍ): هُوَ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلَى الْحَالِ أَيْ: تَرَاهُمْ مُلُوكَ الْأَرْضِ مُتَفَكِّرِينَ فِي خَمْسِ كَلِمَاتٍ إِذْ مِنْ شَأْنِ الْمُلُوكِ الْجُهَّالِ التَّفَكُّرُ فِي أَشْيَاءَ تَعْنِيهِمْ، وَلَا تَعْنِيهِمْ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِأَعْلَمَ أَيْ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ فِي عِلْمِ الْخَمْسِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِهَا مُخْتَصٌّ بِهِ تَعَالَى، وَفِيهِ إِشَارَةٌ
ظَاهِرَةٌ إِلَى إِبْطَالِ الْكِهَانَةِ، وَالتَّنْجِيمِ، وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ تَسَوُّرٌ عَلَى عِلْمِ شَيْءٍ كُلِّيٍّ أَوْ جُزْئِيٍّ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسِ، وَإِرْشَادٌ لِلْأُمَّةِ، وَتَحْذِيرٌ لَهُمْ عَنْ إِتْيَانِ مَنْ يَدَّعِي عِلْمَ الْغَيْبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] .
فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ أَخْبَرَ الْأَنْبِيَاءُ، وَالْأَوْلِيَاءُ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ الْحَصْرُ؟ قُلْتُ: الْحَصْرُ بِاعْتِبَارِ كُلِّيَّاتِهَا دُونَ جُزْئِيَّاتِهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا - إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] بِنَاءً عَلَى اتِّصَالِ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أُوتِيَ نَبِيُّكُمْ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ سِوَى هَذِهِ الْخَمْسِ، وَأَخْرَجَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِنَحْوِهِ مَرْفُوعًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَنِ ادَّعَى عِلْمَ شَيْءٍ مِنْهَا غَيْرَ مُسْتَنِدٍ إِلَيْهِ ﵊ كَانَ كَاذِبًا فِي دَعْوَاهُ. قَالَ: وَأَمَّا ظَنُّ الْغَيْبِ فَقَدْ يَجُوزُ مِنَ الْمُنَجِّمِ وَغَيْرِهِ إِذَا كَانَ عَنْ أَمْرٍ عَادِيٍّ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعِلْمٍ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ وَالْجُعْلِ وَإِعْطَائِهَا فِي ذَلِكَ اهـ.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ ذَكَرَ الْعِلْمَ بِوَقْتِ الْكُسُوفِ قَبْلَ ظُهُورِهِ فَأُنْكِرَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّمَا الْغَيْبُ خَمْسٌ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ. وَمَا عَدَا ذَلِكَ غَيْبٌ يَعْلَمُهُ قَوْمٌ، وَيَجْهَلُهُ قَوْمٌ اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ بِأَخْبَارِ بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ مِنْ مَضْمُونِ كُلِّيَّاتِ الْآيَةِ، فَلَعَلَّهُ بِطَرِيقِ الْمُكَاشَفَةِ أَوِ الْإِلْهَامِ أَوِ الْمَنَامِ الَّتِي هِيَ ظَنِّيَّاتٌ لَا تُسَمَّى عُلُومًا يَقِينَيَّاتٍ، وَقِيلَ الْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ أَيْ: ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي خَمْسٍ، أَوْ تَجِدُ ذَلِكَ فِي خَمْسٍ، وَقِيلَ فِي بِمَعْنَى مَعَ، وَقِيلَ: بِمَعْنَى: مِنْ، أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ خَمْسٍ، وَقِيلَ: هُوَ مَرْفُوعُ الْمَحَلِّ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ أَيِ: السَّاعَةُ ثَابِتَةٌ، أَوْ مَعْدُودَةٌ فِي خَمْسٍ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ: هِيَ فِي خَمْسٍ مِنَ الِغَيْبِ أَيْ: عَدَمُ وَقْتِ السَّاعَةِ مُنْدَرِجٌ فِي جُمْلَةِ خَمْسِ كَلِمَاتٍ [(لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ)]: كَمَا أَفَادَهُ تَقُومُ عِنْدَهُ فِي الْآيَةِ الْآتِيَةِ، إِذِ الظَّرْفُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ، لِأَنَّ تَقْدِيمَ مَا حَقُّهُ التَّأْخِيرُ يُفِيدُ الْحَصْرَ، وَعَطْفُ يُنَزِّلُ وَمَا بَعْدَهُ بِتَقْدِيرِ أَنِ الْمَصْدَرِيَّةِ عَلَى السَّاعَةِ، وَجُمْلَةُ وَمَا تَدْرِي الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا إِثْبَاتُ ذَلِكَ الْمَعْنَى عَنِ الِغَيْرِ فِيهِمَا لِلَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِنْ لَمْ يُفَسَّرِ الْخَمْسُ بِمَفَاتِيحِ الْغَيْبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] وَأَمَّا إِذَا فُسِّرَتْ بِهَا فَالْحَصْرُ جَلِيٌّ لَا يُحْتَاجُ الِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَوَابَ تَضَمَّنَ زِيَادَةً عَلَى السُّؤَالِ اهْتِمَامًا بِذَلِكَ إِرْشَادًا لِلْأُمَّةِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْكَثِيرَةِ الْفَوَائِدِ الْعَظِيمَةِ الْعَوَائِدِ، (ثُمَّ قَرَأَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] أَيْ: آيَةُ تِلْكَ الْخَمْسِ بِكَمَالِهَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ بَيَانًا لَهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ قَرَأَ أَبَا هُرَيْرَةَ فَتَكُونَ الْآيَةُ اسْتِشْهَادًا وَمِصْدَاقًا لِلْحَدِيثِ (وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ) قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ أَيْ: وَهُوَ يُنَزِّلُ الْمَطَرَ الَّذِي يُغِيثُ النَّاسَ فِي أَمْكِنَتِهِ وَأَزْمِنَتِهِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ (الْآيَةَ): مِنْ قَوْلِ أَحَدِ الرُّوَاةِ بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي، أَوْ يَعْنِي، أَوِ اقْرَأْ، أَوْ قَرَأَ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ، وَبِالرَّفْعِ أَيْ: الْآيَةُ مَعْلُومَةٌ مَشْهُورَةٌ إِذَا قَرَأَهَا، وَقِيلَ بِالْجَرِّ وَالتَّقْدِيرُ قَرَأَ، أَوِ اقْرَأْ إِلَى الْآيَةِ أَيْ: آخِرِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ إِلَى (خَبِيرٌ) وَأُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ إِلَى (الْأَرْحَامِ) وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةَ ثِقَةٍ وَإِفَادَةٍ، وَالرِّوَايَتَانِ تَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ لَفْظَةَ الْآيَةِ لَيْسَتْ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَمَا ظَنَّ بَعْضُهُمْ، وَتَمَامُهَا (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) أَيْ: وَهُوَ يَعْلَمُ تَفْصِيلَ مَا فِي أَرْحَامِ الْإِنَاثِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَوَاحِدٍ وَمُتَعَدِّدٍ، وَكَامِلٍ وَنَاقِصٍ، وَمُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ، وَطَوِيلٍ وَقَصِيرٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ [الرعد: ٨] أَيْ: تَنْقُصُ: وَمَا تَزْدَادُ أَيْ: مِنْ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَالْجُثَّةِ وَالْعَدَدِ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨] أَيْ: بِقَدَرٍ وَاحِدٍ لَا يَتَجَاوَزُهُ، وَعَدَلَ عَنِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ:
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] ; لِأَنَّ الدِّرَايَةَ اكْتِسَابُ عِلْمِ الشَّيْءِ بِحِيلَةٍ فَإِذَا انْتَفَى ذَلِكَ عَنْ كُلِّ نَفْسٍ مَعَ كَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِهَا، وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ عَلَى عِلْمٍ كَانَ عَدَمُ اطِّلَاعِهَا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ ذَاتُ النَّفْسِ، أَوْ ذَاتُ الرُّوحِ، وَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ النَّفْسِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلِذَا قِيلَ بِالْمُشَاكَلَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] وَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ بِهَا الذَّاتُ الْمُطْلَقُ فَيَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا وَرَدَ: (سُبْحَانَكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ) . (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ) أَيْ: بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ جُزْئِيَّاتِهَا وَكُلِّيَّاتِهَا خُصُوصًا وَغَيْرِهَا عُمُومًا (خَبِيرٌ) أَيْ: بِبَاطِنِهَا، كَمَا أَنَّهُ عَالِمٌ بِظَاهِرِهَا، مَعْنَاهُ يُخْبِرُ بِبَعْضِهَا مِنْ جُزْئِيَّاتِهَا لِبَعْضِ عِبَادِهِ الْمَخْصُوصِينَ، وَقَدْ أَخْبَرَ فِي مَوَاضِعِ كِتَابِهِ أَنَّ عِلْمَ السَّاعَةِ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ، ثُمَّ أَدْبَرَ، فَقَالَ: (رُدُّوهُ) فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ: اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى مَرْوِيِّ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ لَكِنِ اسْتَدْرَكَهُ مِيرَكُ، وَقَالَ: إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَقُلْ: (الصُّمَّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الْأَرْضِ)، بَلْ قَالَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ: (وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الْإِبِلِ الْبُهْمِ فِي الْبُنْيَانِ) وَفِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ: (وَإِذَا كَانَ الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ رُءُوسَ النَّاسِ فَذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا)، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ.
٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤ - (وَعَنْ) أَيْ: وَرُوِيَ عَنِ (ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَسْلَمَ مَعَ أَبِيهِ بِمَكَّةَ، وَهُوَ صَغِيرٌ، وَأَوَّلُ مَشَاهِدِهِ الْخَنْدَقُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَرَعِ وَالْعِلْمِ وَالزُّهْدِ قَالَ جَابِرٌ: مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا مَالَتْ بِهِ الدُّنْيَا وَمَالَ بِهَا مَا خَلَا عُمَرَ، وَابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ.
وَقَالَ نَافِعٌ: مَا مَاتَ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى أَعْتَقَ أَلْفَ إِنْسَانٍ أَوْ زَادَ، وُلِدَ قَبْلَ الْوَحْيِ بِسَنَةٍ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَ أَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ فِي الْحِلِّ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْحَجَّاجِ، وَدُفِنَ بِذِي طُوًى فِي مَقْبَرَةِ الْمُهَاجِرِينَ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ قَدْ أَمَرَ رَجُلًا فَسَمَّ زُجَّ رُمْحِهِ، وَزَاحَمَهُ فِي الطَّرِيقِ، وَوَضَعَ الزِّجَ فِي ظَهْرِ قَدَمِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ خَطَبَ يَوْمًا، وَأَخَّرَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ الشَّمْسَ لَا تَنْتَظِرُكَ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَضُرَّكَ الَّذِي فِي عَيْنِكَ. قَالَ: "لَا تَفْعَلْ فَإِنَّكَ سَفِيهٌ مُسَلَّطٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَخْفَى قَوْلَهُ ذَلِكَ عَنِ الِحَجَّاجِ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ، وَكَانَ يَتَقَدَّمُهُ فِي الْمَوَاقِفِ بِعَرَفَةَ، وَغَيْرِهَا إِلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَفَ فِيهَا، وَكَانَ ذَلِكَ يَعِزُّ عَلَى الْحَجَّاجِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَدَّعِيَ الْخِلَافَةَ فَحَصَلَ لَهُ الشَّهَادَةُ، وَلَهُ أَرْبَعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً. رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (بُنِيَ الْإِسْلَامُ)] هُوَ: اسْمٌ لِلشَّرِيعَةِ دُونَ الْإِيمَانِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْإِذْعَانِ بِالْقَلْبِ، وَالِاسْتِسْلَامِ بِجَمِيعِ الْقُوَى وَالْجَوَارِحِ: فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَهُوَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ ﵊ حَيْثُ قَالَ لَهُ: أَسْلِمْ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الِأَوَّلِ، وَالْمُرَادُ لَهُ الْإِسْلَامُ الْكَامِلُ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى بَيَانِ أَرْكَانِهِ مَعَ إِيمَاءٍ إِلَى بَقِيَّةِ شُعَبِ إِيمَانِهِ فَلَا يَتَوَجَّهُ مَا قِيلَ إِنَّمَا يَصِحُّ الْحَدِيثُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ الْإِسْلَامَ عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الثَّلَاثِ. [(عَلَى خَمْسٍ)] أَيْ: خَمْسِ دَعَائِمَ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ، أَوْ خِصَالٍ أَيْ: قَوَاعِدَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بِالتَّاءِ أَيْ: خَمْسَةِ أَشْيَاءَ، أَوْ أَرْكَانٍ، أَوْ أُصُولٍ، وَإِنَّمَا جَازَ هُنَا لِحَذْفِ الْمَعْدُودِ شُبِّهَتْ حَالَةُ الْإِسْلَامِ مَعَ أَرْكَانِهِ الْخَمْسِ عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ بِحَالِ خِبَاءٍ أُقِيمَ عَلَى خَمْسَةِ أَعْمِدَةٍ، وَقُطْبُهَا الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ الْأَرْكَانُ هِيَ الشَّهَادَةُ النَّاشِئَةُ عَنْ صَمِيمِ الْقَلْبِ الشَّاهِدِ عَلَيْهِ لَفَظُ الشَّهَادَةِ الْمُشَبَّهَةِ بِالْعَمُودِ الْوَسَطِ لِلْخَيْمَةِ، وَبَقِيَّةُ شُعَبِ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الْأَوْتَادِ لِلْخِبَاءِ. قَالَ الْحَسَنُ ﵁ فِي مَجْمَعِ شُهُودِ جِنَازَةٍ لِلْفَرَزْدَقِ: مَا أَعْدَدْتَ لِهَذَا الْمَقَامِ؟ فَقَالَ: شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُنْذُ كَذَا سَنَةً. فَقَالَ الْحَسَنُ: هَذَا الْعَمُودُ فَأَيْنَ الْأَطْنَابُ، وَهُوَ تَمْثِيلٌ شَبَّهَ الْإِسْلَامَ بِخَيْمَةٍ عَمُودُهَا كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، وَالْأَطْنَابُ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ [(شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)]: بِالْجَرِّ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ عَلَى أَنَّهُ عَطْفُ بَيَانٍ، أَوْ بَدَلٌ مِنْ خَمْسٍ بَدَلَ كُلٍّ، وَهُوَ مَجْمُوعُ الْمَجْرُورَاتِ الْمُتَعَاطِفَةِ مِنْ كُلٍّ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بَدَلَ بَعْضٍ مَعَ مُلَاحَظَةِ الرَّبْطِ قَبْلَ الْعَطْفِ لِعَدَمِ الرَّابِطِ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي، وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ
مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَهُوَ: هِيَ، أَوْ إِحْدَاهُمَا، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ: مِنْهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَ(أَنْ) مُخَفَّفَةٌ، وَ(لَا) نَافِيَةٌ لِلْجِنْسِ، وَ(إِلَهَ) اسْمُهَا رُكِّبَ مَعَهَا تَرْكِيبَ خَمْسَةَ عَشَرَ فَفَتْحَةُ فَتْحَتِهِ بِنَاءٌ لَا إِعْرَابٌ خِلَافًا لِلزَّجَّاجِ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّهُ نُصِبَ بِهَا لَفْظًا، وَخَبَرُهَا مَحْذُوفٌ اتِّفَاقًا تَقْدِيرُهُ مَوْجُودٌ إِنْ أُرِيدَ بِالْإِلَهِ الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ، وَإِلَّا فَتَقْدِيرُهُ مَعْبُودٌ بِحَقٍّ، وَإِلَّا حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ، وَقِيلَ: بِمَعْنَى غَيْرِ، وَهِيَ مَعَ مَا بَعْدَهَا صِفَةُ اللَّهِ، وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وَجَوَّزَ نَصْبَ الْجَلَالَةِ نَعْتًا لِإِلَهٍ عَلَى أَنَّ إِلَّا بِمَعْنَى غَيْرِ، وَقِيلَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَاللَّهُ مَرْفُوعٌ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنْ ضَمِيرِ الْخَبَرِ الْمُسْتَتِرِ فِيهِ، وَقِيلَ بَدَلٌ مِنَ اسْمِ لَا بِاعْتِبَارِ مَحَلِّهِ قَبْلَهَا، وَقِيلَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ لَا [(وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ)] أَيِ: الْكَامِلُ [(وَرَسُولُهُ) أَيْ: الْمُكَمِّلُ، وَلِتَلَازُمِ الشَّهَادَتَيْنِ شَرْعًا جُعِلَتَا خَصْلَةً وَاحِدَةً، وَاقْتَصَرَ فِي رِوَايَةٍ عَلَى إِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ اكْتِفَاءً، أَوْ نِسْيَانًا. قِيلَ: وَأُخِذَ مِنْ جَمْعِهِمَا كَذَلِكَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْإِتْيَانِ بِهِمَا عَلَى التَّوَالِي، وَالتَّرْتِيبِ، [(وَإِقَامِ الصَّلَاةِ)] أَيْ: الْمَفْرُوضَةِ، وَحُذِفَتْ تَاءُ الْإِقَامَةِ الْمُعَوَّضَةِ عَنْ عَيْنِ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفَةِ عِنْدَ الْإِضَافَةِ لِطُولِ الْعِبَارَةِ، هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ عَلَى مَا قَالَهُ الزُّجَاجُ، وَقِيلَ هُمَا مَصْدَرَانِ. [(وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ)] أَيْ: إِعْطَائِهَا وَتَمْلِيكِهَا لِمَصَارِفِهَا، وَالْمُرَادُ بِهَا الصَّدَقَةُ الْمَكْتُوبَةُ [(وَالْحَجِّ)]: بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا مَصْدَرَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ، وَحَجِّ الْبَيْتِ أَيْ: قَصْدِهِ لِأَدَاءِ النُّسُكِ فَاللَّامُ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَقِيلَ اللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الصَّوْمَ فُرِضَ قَبْلَ الزَّكَاةِ، وَهِيَ قَبْلَ الْحَجِّ، وَلَعَلَّ النُّكْتَةَ فِي التَّقْدِيمِ الذِّكْرِيِّ هِيَ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ إِمَّا بَدَنِيَّةٌ فَقَطْ، أَوْ مَالِيَّةٌ فَقَطْ، أَوْ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا، أَوْ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الطَّاعَةَ الْمُثَلَّثَةَ إِمَّا يَوْمِيَّةٌ، أَوْ سَنَوِيَّةٌ، أَوْ عُمْرِيَّةٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ الِاسْتِطَاعَةَ ; لِشُهْرَتِهَا، أَوْ عَلَى اعْتِبَارِهَا فِي كُلِّ طَاعَةٍ.
[(وَصَوْمِ رَمَضَانَ)] أَيْ: أَيَّامِهِ بِشَرَائِطَ، وَأَرْكَانٍ مَعْلُومَةٍ. قِيلَ: فِيهِ حَذْفُ شَهْرٍ، وَفِيهِ أَنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ لِلشَّهْرِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥] إِضَافَتُهُ بَيَانِيَّةٌ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْحَجِّ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِذَا قَدَّمَ الْبُخَارِيُّ كِتَابَ الْحَجِّ عَلَى الصَّوْمِ، وَالْجُمْهُورُ أَخَّرُوهُ عَنْ جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ لِكَوْنِ وُجُوبِهِ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْعُمْرِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُفْتَتَحِ كِتَابِ الْإِيمَانِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يُطْلَقُ عَلَى الْأَفْعَالِ، وَأَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ قَدْ يَكُونَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَجْهُ ذِكْرِ الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ مَعَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَإِنْ تَوَقَّفَ الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمَا فَقَطِ التَّنْبِيهُ عَلَى تَعْظِيمِ شَأْنِهَا، وَأَنَّهَا أَظْهَرُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ إِذْ بِهَا يَتِمُّ الِاسْتِسْلَامُ، وَبِتَرْكِ بَعْضِهَا يَنْحَلُّ قَيْدُ الِانْقِيَادِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ إِلَى كُفْرٍ حَيْثُ لَا إِنْكَارَ إِجْمَاعًا إِلَّا مَا جَاءَ عَنْ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لِدَلِيلٍ خَاصٍّ كَقَوْلِهِ ﵊: ««مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ»»: وَلَمْ يَذْكُرِ الْجِهَادَ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِلَّا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَالْكَلَامُ فِي فُرُوضِ الْعَيْنِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَلِهَذَا زِيدَ فِي آخِرِهِ فِي رِوَايَةٍ، وَأَنَّ الْجِهَادَ مِنَ الِعَمَلِ الْحَسَنِ، قِيلَ وَجْهُ الْحَصْرِ فِي تِلْكَ الْخَمْسَةِ أَنَّ الْعِبَادَةَ إِمَّا فِعْلٌ أَوْ تَرْكٌ. الثَّانِي الصَّوْمُ، وَالْأَوَّلُ إِمَّا لِسَانِيٌّ وَهُوَ الشَّهَادَتَانِ، أَوْ بَدَنِيٌّ وَهُوَ الصَّلَاةُ، أَوْ مَالِيٌّ وَهُوَ الزَّكَاةُ، أَوْ مَالِيٌّ وَبَدَنِيٌّ وَهُوَ الْحَجُّ، وَقُدِّمَتِ الشَّهَادَتَانِ؛ لِأَنَّهُمَا الْأَصْلُ، ثُمَّ الصَّلَاةُ لِأَنَّهَا الْعِمَادُ الْأَعْظَمُ، وَمِنْ ثَمَّ جَاءَ فِي حَدِيثٍ: وَعَمُودُهَا الصَّلَاةُ. وَفِي حَدِيثٍ: «الصَّلَاةُ عِمَادُ الدِّينِ» . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الِفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وَلِذَا سُمِّيَتْ أُمَّ الْعِبَادَاتِ كَمَا سُمِّيَتِ الْخَمْرُ أُمَّ الْخَبَائِثِ، ثُمَّ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهَا قَرِينَتُهَا فِي مَوَاضِعَ مِنَ الِقُرْآنِ، وَلِلْمُنَاسَبَةِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ، ثُمَّ الْحَجُّ لِكَوْنِهِ مُجْمِعًا لِلْعِبَادَتَيْنِ، وَمَحَلًّا لِلْمَشَقَّتَيْنِ، وَلِأَنَّ تَارِكَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ عَلَى مَدْرَجَةِ خَاتِمَةِ السُّوءِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الَّذِي
اخْتُلِفَ فِي ضَعْفِهِ، وَصِحَّتِهِ: «مَنِ اسْتَطَاعَ الْحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا»، وَيَدُلُّ عَلَى أَصَالَةِ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] حَيْثُ وُضِعَ مَنْ كَفَرَ مَوْضِعَ مَنْ لَمْ يَحُجَّ مَعَ إِفَادَةِ مُبَالَغَةِ التَّهْدِيدِ فِي قَوْلِهِ: «عَنِ الْعَالَمِينَ»، حَيْثُ عَدَلَ عَنْهُ، وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ عَنِ الصَّوْمِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ فَرِعَايَةٌ لِلتَّرْتِيبِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ فُرِضَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَالْحَجُّ فُرِضَ سَنَةَ خَمْسٍ، أَوْ سِتٍّ، أَوْ ثَمَانٍ، أَوْ تِسْعٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا، وَالْأَحَادِيثُ الثَّلَاثَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعِينِيَّةِ النَّوَوِيَّةِ.
٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: تَصْغِيرُ هِرَّةٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي اسْمِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَنَسَبِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَأَشْهَرُ مَا قِيلَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبْدُ شَمْسٍ أَوْ عَبْدُ عَمْرٍو، وَفِي الْإِسْلَامِ عَبْدُ اللَّهِ أَوْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ دَوْسِيُّ. قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ: أَصَحُّ شَيْءٍ عِنْدَنَا فِي اسْمِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ فَهُوَ كَمَنْ لَا اسْمَ لَهُ، أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ وَشَهِدَهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لَزِمَهُ وَوَاظَبَ عَلَيْهِ رَاغِبًا فِي الْعِلْمِ، رَاضِيًا بِشِبَعِ بَطْنِهِ، وَكَانَ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ، وَكَانَ مِنْ أَحْفَظِ الصَّحَابَةِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: رَوَى عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ مَا بَيْنَ صَحَابِيٍّ وَتَابِعِيٍّ، فَمِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَجَابِرٌ، وَأَنَسٌ. قِيلَ: سَبَبُ تَلْقِيبِهِ بِذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَحْمِلُ يَوْمًا هِرَّةً فِي كُمِّي، فَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (مَا هَذِهِ؟): فَقُلْتُ: هِرَّةٌ، فَقَالَ: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: وَجَدْتُ هِرَّةً، وَحَمَلْتُهَا فِي كُمِّي، فَقِيلَ لِي: مَا هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: هِرَّةً، فَقِيلَ لِي: أَنْتَ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَرَجَّحَ بَعْضُهُمُ الْأَوَّلَ، وَقِيلَ: وَكَانَ يَلْعَبُ بِهَا وَهُوَ صَغِيرٌ، وَقِيلَ: كَانَ يُحْسِنُ إِلَيْهَا، وَقِيلَ: الْمُكَنِّي لَهُ بِذَلِكَ وَالِدُهُ، ثُمَّ جَرُّ «هُرَيْرَةَ» هُوَ الْأَصْلُ، وَصَوَّبَهُ جَمَاعَةٌ ; لِأَنَّهُ جُزْءُ عَلَمٍ، وَاخْتَارَ آخَرُونَ مَنْعَ صَرْفِهِ كَمَا هُوَ الشَّائِعُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ صَارَ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ رِعَايَةُ الْأَصْلِ وَالْحَالِ مَعًا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ فِي لَفْظَةٍ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ إِذَا وَقَعَتْ فَاعِلًا مَثَلًا فَإِنَّهَا تُعْرَبُ إِعْرَابَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ نَظَرًا لِلْحَالِ، وَنَظِيرُهُ خَفِيٌّ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ رِعَايَتُهُمَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ لَا مِنْ جِهَتَيْنِ كَمَا هُنَا، وَكَانَ الْحَامِلُ عَلَيْهِ الْخِفَّةَ وَاشْتِهَارَ الْكُنْيَةِ حَتَّى نُسِيَ الِاسْمُ الْأَصْلِيُّ بِحَيْثُ اخْتُلِفَ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا حَتَّى قَالَ النَّوَوِيُّ: اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ قَوْلًا، وَبَلَغَ مَا رَوَاهُ خَمْسَةَ آلَافِ حَدِيثٍ وَثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعَةً وَسِتِّينَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَمَا قِيلَ إِنَّ قَبْرَهُ بِقُرْبِ عُسْفَانَ لَا أَصْلَ لَهُ كَمَا ذَكَرَهُ السَّخَاوِيُّ وَغَيْرُهُ. [(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (الْإِيمَانُ)] أَيْ: ثَمَرَاتُهُ، وَفُرُوعُهُ فَأُطْلِقَ الْإِيمَانُ - وَهُوَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ - عَلَيْهَا مَجَازًا؛ لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِهِ وَلَوَازِمِهِ [(بِضْعٌ وَسَبْعُونَ)]، وَفِي رِوَايَةٍ: بِضْعَةٌ، وَالْبَاءُ مَكْسُورَةٌ فِيهِمَا وَقَدْ تُفْتَحُ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَا فِي الْعَدَدِ لِمَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالْعَشَرَةِ. وَفِي «الْقَامُوسِ»: هُوَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ أَوْ إِلَى الْخَمْسِ، أَوْ مَا بَيْنَ الْوَاحِدِ إِلَى الْأَرْبَعَةِ، أَوْ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى تِسْعٍ، أَوْ هُوَ سَبْعٌ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ، وَالَّذِي فِي الْأَصْلِ هُوَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، جَرَى عَلَيْهَا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ بِضْعٌ وَسِتُّونَ، وَرَجَّحْتُ بِأَنَّهَا الْمُتَيَقَّنُ، وَصَوَّبَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْأُولَى بِأَنَّهَا الَّتِي فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ، وَرَجَّحَهَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةُ ثِقَاتٍ، وَاعْتَرَضَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ زِيَادَةَ الثِّقَةِ أَنْ يُزَادَ لَفْظٌ فِي الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنِ اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ مَعَ عَدَمِ تَنَافٍ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى؛ إِذْ ذِكْرُ الْأَقَلِّ لَا يَنْفِي الْأَكْثَرَ، وَأَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ أَوَّلًا بِالسِّتِّينَ، ثُمَّ أُعْلِمَ بِزِيَادَةٍ فَأَخْبَرَ بِهَا، وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيَادَةِ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ الْكِرْمَانِيُّ، فَصَحَّ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ، وَالْأَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّكْثِيرُ لَا التَّحْدِيدُ، وَيُحْمَلُ الِاخْتِلَافُ عَلَى تَعَدُّدِ الْقَضِيَّةِ، وَلَوْ مِنْ جِهَةِ رَاوٍ وَاحِدٍ، وَقَوْلُهُ: [(شُعْبَةً)] هِيَ فِي الْأَصْلِ غُصْنُ الشَّجَرِ وَفَرْعُ كُلِّ أَصْلٍ، وَأُرِيدَ بِهَا هُنَا الْخَصْلَةُ الْحَمِيدَةُ أَيْ: الْإِيمَانُ ذُو خِصَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا، وَفِي أُخْرَى: أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ بَابًا، أَيْ نَوْعًا مِنْ خِصَالِ الْكَمَالِ، وَفِي أُخْرَى: ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ شَرِيعَةً، مَنْ وَافَى اللَّهَ بِشَرِيعَةٍ مِنْهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَرَوَى ابْنُ شَاهِينَ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مِائَةَ خُلُقٍ، مَنْ أَتَى بِخُلُقٍ مِنْهَا
دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَفُسِّرَتْ بِنَحْوِ الْحَيَاءِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالسَّخَاءِ، وَالتَّسَامُحِ، وَغَيْرِهَا مِنْ أَخْلَاقِهِ تَعَالَى الْمَذْكُورَةِ فِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا. [(فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)] أَيْ: هَذَا الذِّكْرُ فَوُضِعَ الْقَوْلُ مَوْضِعَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ بِلَفْظِ: أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لَا مَوْضِعَ الشَّهَادَةِ ; لِأَنَّهَا مَنْ أَصْلِهِ لَا مَنْ شُعَبِهِ، وَالتَّصْدِيقُ الْقَلْبِيُّ خَارِجٌ عَنْهَا بِالْإِجْمَاعِ، كَذَا قِيلَ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى جَعْلِ الْإِقْرَارِ شَطْرَ الْإِيمَانِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَرْطٌ فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْقَوْلِ الشَّهَادَةَ لَإِنْبَائِهِ عَنِ التَّوْحِيدِ الْمُتَعَيَّنِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ الَّذِي لَا يَصِحُّ غَيْرُهُ إِلَّا بَعْدَ صِحَّتِهِ، فَهُوَ الْأَصْلُ الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ سَائِرُ الشُّعَبِ، أَوْ لِتَضَمُّنِهِ شَرْعًا مَعْنَى التَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ التَّصْدِيقُ وَالْتِزَامُهُ عُرْفًا سَائِرَ الْعِبَادَاتِ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَفْضَلُهَا مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّهُ يُوجِبُ عِصْمَةَ الدَّمِ وَالْمَالِ لَا أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقْصَدَ الزِّيَادَةُ الْمُطْلَقَةُ لَا عَلَى مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ أَيْ: الْمَشْهُورُ مِنْ بَيْنِهَا بِالْفَضْلِ فِي الْأَدْيَانِ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. [(وَأَدْنَاهَا)] أَيْ: أَقْرَبُهَا مَنْزِلَةً وَأَدْوَنُهَا مِقْدَارًا وَمَرْتَبَةً، بِمَعْنَى أَقْرَبُهَا تَنَاوُلًا وَأَسْهَلُهَا تَوَاصُلًا، مِنَ الدُّنُوِّ بِمَعْنَى الْقُرْبِ، فَهُوَ ضِدُّ: فُلَانٌ بَعِيدُ الْمَنْزِلَةِ، أَيْ: رَفِيعُهَا، وَمِنْ ثَمَّ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَكَانَ أَفْضَلِهَا بِلَفْظِ: فَأَرْفَعُهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَقْصَاهَا، أَوْ مِنَ الدَّنَاءَةِ أَيْ أَقَلُّهَا فَائِدَةً ; لِأَنَّهَا دَفْعُ أَدْنَى ضَرَرٍ [(إِمَاطَةُ الْأَذَى)] أَيْ: إِزَالَتُهُ، وَهُوَ مُصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمُؤْذِي، أَوْ مُبَالِغَةٌ، أَوِ اسْمٌ لِمَا يُؤْذِي بِهِ كَشَوْكَةٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ قَذَرٍ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْأَبْرَارِ: هُمُ الَّذِينَ لَا يُؤْذُونَ الذَّرَّ، وَلَا يَرْضَوْنَ الضُّرَّ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِمَاطَةُ الْعَظْمِ أَيْ: مَثَلًا [(عَنِ الطَّرِيقِ)]: وَفِي طَرِيقِ أَهْلِ التَّحْقِيقِ أُرِيدَ بِالْأَذَى النَّفْسُ الَّتِي هِيَ مَنْبَعُ الْأَذَى لِصَاحِبِهَا وَغَيْرِهِ، فَالشُّعْبَةُ الْأُولَى مِنَ الْعِبَادَاتِ الْقَوْلِيَّةُ، وَالثَّانِيَةُ مِنَ الطَّاعَةِ الْفِعْلِيَّةِ، أَوِ الْأُولَى فِعْلِيَّةٌ وَالثَّانِيَةُ تَرْكِيَّةٌ، أَوِ الْأُولَى مِنَ الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْحَقِّ وَالثَّانِيَةُ مِنَ الْمُجَامَلَةِ مَعَ الْخَلْقِ، أَوِ الْأُولَى مِنَ التَّعْظِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَالثَّانِيَةُ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، أَوِ الْأُولَى مِنَ الْقِيَامِ بِحَقِّ اللَّهِ وَالثَّانِيَةُ مِنَ الْقِيَامِ بِحَقِّ الْعِبَادِ، فَمَنْ قَامَ بِهِمَا صِدْقًا كَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ حَقًّا [(وَالْحَيَاءُ)]: بِالْمَدِّ [(شُعْبَةٌ)] أَيْ: عَظِيمَةٌ [(مِنَ الْإِيمَانِ)] أَيْ: مِنْ شُعَبِهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْحَيَاءُ الْإِيمَانِيُّ، وَهُوَ خُلُقٌ يَمْنَعُ الشَّخْصَ مِنَ الْفِعْلِ الْقَبِيحِ بِسَبَبِ الْإِيمَانِ؛ كَالْحَيَاءِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَالْجِمَاعِ بَيْنَ النَّاسِ، لَا النَّفْسَانِيُّ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ فِي النُّفُوسِ، وَهُوَ تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ يَعْتَرِي الْمَرْءَ مِنْ خَوْفِ مَا يُلَامُ وَيُعَابُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أُفْرِدَ مِنْ سَائِرِ الشُّعَبِ ; لِأَنَّهُ الدَّاعِي إِلَى الْكُلِّ ; فَإِنَّ الْحَيِيَّ يَخَافُ فَضِيحَةَ الدُّنْيَا وَفَظَاعَةَ الْعُقْبَى فَيَنْزَجِرُ عَنِ الْمَنَاهِي وَيَرْتَدِعُ عَنِ الْمَلَاهِي، وَلِذَا قِيلَ: حَقِيقَةُ الْحَيَاءِ أَنَّ مَوْلَاكَ لَا يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ، وَهَذَا مَقَامُ الْإِحْسَانِ الْمُسَمَّى بِالْمُشَاهَدَةِ النَّاشِئُ عَنْ حَالِ الْمُحَاسَبَةِ، وَالْمُرَاقَبَةِ، فَهَذَا الْحَدِيثُ الْجَلِيلُ مُجْمَلُ حَدِيثِ جِبْرِيلَ، فَأَفْضَلُهَا مُشِيرٌ إِلَى الْإِيمَانِ، وَأَدْنَاهَا مُشْعِرٌ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَالْحَيَاءُ مُوصِلٌ إِلَى الْإِحْسَانِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ﵊ («اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ) قَالُوا: إِنَّا لَنَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: (لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتَحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ يُحْفَظَ الرَّأْسُ وَمَا حَوَى، وَالْبَطْنُ وَمَا وَعَى، وَيُذْكَرُ الْمَوْتُ، وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا وَآثَرَ الْآخِرَةَ عَلَى الْأُولَى، فَمَنْ يَعْمَلْ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ») . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّ: الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: تَتَبَّعْتُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مُدَّةً وَعَدَدْتُ الطَّاعَاتِ فَإِذَا هِيَ تَزِيدُ عَلَى الْبِضْعِ وَالسَّبْعِينَ شَيْئًا كَثِيرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى السُّنَّةِ فَعَدَدْتُ كُلَّ طَاعَةٍ عَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْإِيمَانِ فَإِذَا هِيَ تَنْقُصُ فَضَمَمْتُ مَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِذَا هِيَ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ الْمُرَادُ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: قَدْ تَكَلَّفَ جَمَاعَةٌ عَدَّهَا بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ - يَعْنِي الْبَيْضَاوِيَّ وَالْكِرْمَانِيَّ وَغَيْرَهُمَا - وَأَقْرَبُهُمْ عَدًّا ابْنُ حِبَّانَ حَيْثُ ذَكَرَ كُلَّ خَصْلَةٍ سُمِّيَتْ فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ إِيمَانًا، وَقَدْ تَبِعَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَتَبِعْنَاهُمَا، وَذَلِكَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَصِفَاتِهِ، وَحُدُوثِ مَا دُونَهُ، وَبِمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْقَدَرِ، وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمَحَبَّةُ
دَفَنْتُ مِنْ صُلْبِي مِائَةً إِلَّا اثْنَيْنِ، وَإِنَّ ثَمَرَتِي لَتَحْمِلُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، وَلَقَدْ بَقِيتُ حَتَّى سَئِمْتُ الْحَيَاةَ، وَأَنَا أَرْجُو الرَّابِعَةَ، أَيِ الْمَغْفِرَةَ. قِيلَ: عُمِّرَ مِائَةَ سَنَةٍ وَزِيَادَةً، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ، انْتَقَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ لِيُفَقِّهَ النَّاسَ. رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو حَمْزَةَ، وَهِيَ اسْمُ بَقْلَةٍ حِرِّيفِيَّةٍ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَنَسٍ: كَنَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَقْلَةٍ كُنْتُ أَجْتَنِيهَا. [قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (وَلَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ)]: وَفِي رِوَايَةٍ: الرَّجُلُ، وَفِي أُخْرَى: أَحَدٌ، وَهِيَ أَشْمَلُ مِنْهُمَا، وَالْأُولَى أَخَصُّ أَيْ: إِيمَانًا كَامِلًا [(حَتَّى أَكُونَ)] بِالنَّصْبِ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ، وَحَتَّى جَارَّةٌ [(أَحَبَّ إِلَيْهِ)]: أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَلِلتَّوَسُّعِ فِي الظَّرْفِ قُدِّمَ الْجَارُّ عَلَى مَعْمُولِ أَفْعَلَ وَهُوَ قَوْلُهُ: [(مِنْ وَالِدِهِ)] أَيْ: أَبِيهِ، وَخُصَّ عَنِ الْأُمِّ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ، فَمَحَبَّتُهُ أَعْظَمُ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُهُمَا، وَهُوَ وَوَالِدِهِ [(وَوَلَدِهِ)] أَيِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَقُدِّمَ الْوَالِدُ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ، وَأَسْبَقُ فِي الْوُجُودِ، وَتَقَدَّمَ الْوَلَدُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ؛ لِأَنَّ مَحَبَّتَهُ أَكْثَرُ، وَخُصَّا لِأَنَّهُمَا أَعَزُّ مِنْ غَيْرِهِمَا غَالِبًا، وَأُبْدِلَا فِي رِوَايَةٍ بِالْمَالِ وَالْأَهْلِ تَعْمِيمًا لِكُلِّ مَا تُحِبُّهُ النَّفْسُ، فَذِكْرُهُمَا إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ أَعِزَّتِهِ، وَمِنْ ثَمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا وَاسْتِغْرَاقًا بِقَوْلِهِ: [(وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)] عَطْفًا لِلْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، ثُمَّ النَّفْسُ دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْعُمُومِ لُغَةً، وَإِنْ كَانَتْ خَارِجَةً عُرْفًا لِمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الْآتِي الْمُوَافِقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤] الْآيَةَ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْحُبُّ الطَّبِيعِيُّ ; لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ، وَ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] بَلِ الْمُرَادُ الْحُبُّ الْعَقْلِيُّ الَّذِي يُوجِبُ إِيثَارَ مَا يَقْتَضِي الْعَقْلُ رُجْحَانَهُ، وَيَسْتَدْعِي اخْتِيَارَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْهَوَى كَحُبِّ الْمَرِيضِ الدَّوَاءَ، فَإِنَّهُ يَمِيلُ إِلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ، وَيَتَنَاوَلُ بِمُقْتَضَى عَقْلِهِ؛ لَمَّا عَلِمَ وَظَنَّ أَنَّ صَلَاحَهُ فِيهِ، وَإِنْ نَفَرَ عَنْهُ طَبْعُهُ مَثَلًا لَوْ أَمَرَهُ ﷺ بِقَتْلِ أَبَوَيْهِ وَأَوْلَادِهِ الْكَافِرِينَ، أَوْ بِأَنْ يُقَاتِلَ الْكُفَّارَ حَتَّى يَكُونَ شَهِيدًا لَأَحَبَّ أَنْ يَخْتَارَ ذَلِكَ؛ لِعِلْمِهِ أَنَّ السَّلَامَةَ فِي امْتِثَالِ أَمْرِهِ، أَوِ الْمُرَادُ الْحُبَّ الْإِيمَانِيُّ النَّاشِئُ عَنِ الْإِجْلَالِ وَالتَّوْقِيرِ وَالْإِحْسَانِ وَالرَّحْمَةِ، وَهُوَ إِيثَارُ جَمِيعِ أَغْرَاضِ الْمَحْبُوبِ عَلَى جَمِيعِ أَغْرَاضِ غَيْرِهِ حَتَّى الْقَرِيبِ وَالنَّفْسِ، وَلَمَّا كَانَ جَامِعًا لِمُوجِبَاتِ الْمَحَبَّةِ مِنْ حُسْنِ الصُّورَةِ وَالسِّيرَةِ وَكَمَالِ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ غَيْرُهُ اسْتَحَقَّ أَنْ يَكُونَ أَحَبَّ إِلَى الْمُؤْمِنِ مِنْ نَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، سِيَّمَا وَهُوَ الرَّسُولُ مِنْ عِنْدِ الْمَحْبُوبِ الْحَقِيقِيِّ الْهَادِي إِلَيْهِ، وَالدَّالُّ عَلَيْهِ، وَالْمُكَرَّمُ لَدَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَمِنْ مَحَبَّتِهِ نَصْرُ سُنَّتِهِ، وَالذَّبُّ عَنْ شَرِيعَتِهِ، وَتَمَنِّي إِدْرَاكِهِ فِي حَيَّاتِهِ لِيَبْذُلَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ دُونَهُ اهـ.
وَمِمَّنِ ارْتَقَى إِلَى غَايَةِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ وَنِهَايَةِ هَذِهِ الْمَزِيَّةِ سَيِّدُنَا عُمَرُ ﵁ فَإِنَّهُ لَمَّا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ أَخْبَرَ بِالصِّدْقِ حَتَّى وَصَلَ بِبَرَكَةِ صِدْقِهِ إِلَى كَمَالِ ذَلِكَ، فَقَالَ بِمُقْتَضَى الْأَمْرِ الطَّبِيعِيِّ: لَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ: («لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكِ») . فَقَالَ عُمَرُ: فَإِنَّكَ الْآنَ وَاللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ: («الْآنَ يَا عُمَرُ تَمَّ إِيمَانُكَ») . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ احْتِمَالَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ فَهِمَ أَوَّلًا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحُبُّ الطَّبِيعِيُّ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْحُبُّ الْإِيمَانِيُّ وَالْعَقْلِيُّ، فَأَظْهَرَ بِمَا أَضْمَرَ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ أَوْصَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مَقَامِ الْأَتَمِّ بِبِرْكَةِ تَوْجِيهِهِ ﵊ فَطَبَعَ فِي قَلْبِهِ حُبَّهُ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ حَيَاتُهُ وَلُبُّهُ؛ وَلِهَذَا قِيلَ: فَهَذِهِ الْمَحَبَّةُ مِنْهُ ﵁ لَيْسَتِ اعْتِقَادَ الْأَعْظَمِيَّةِ فَحَسْبُ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ حَاصِلَةً لِعُمَرَ قَبْلَ ذَلِكَ قَطْعًا، بَلْ أَمْرٌ يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ بِهِ يَفْنَى الْمُتَحَلِّي بِهِ عَنْ حَظِّ نَفْسِهِ، وَتَصِيرُ خَالِيَةً عَنْ غَيْرِ مَحْبُوبِهِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَكُلُّ مَنْ صَحَّ إِيمَانُهُ بِهِ - عَلَيْهِ
- الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا يَخْلُو عَنْ وِجْدَانِ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمَحَبَّةِ الرَّاجِحَةِ، وَإِنِ اسْتَغْرَقَ بِالشَّهَوَاتِ وَحُجِبَ بِالْغَفَلَاتِ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّا نَرَى أَكْثَرَهُمْ إِذَا ذُكِرَ ﷺ اشْتَاقَ إِلَى رُؤْيَتِهِ، وَآثَرَهَا عَلَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ، وَأَوْقَعَ نَفْسَهُ فِي الْمَهَالِكِ أَوِ الْمَخَاوِفِ مَعَ وِجْدَانِهِ مِنْ نَفْسِهِ الطُّمَأْنِينَةَ بِذَلِكَ وِجْدَانًا لَا تَرَدُّدَ فِيهِ، وَشَاهِدُ ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ إِيثَارُ كَثِيرِينَ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ الشَّرِيفِ، وَرُؤْيَةِ مَوَاضِعِ آثَارِهِ عَلَى جَمِيعِ مَا ذُكِرَ؛ لِمَا وَقَرَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ مَحَبَّتِهِ غَيْرَ أَنَّ قُلُوبَهُمْ لَمَّا تَوَالَتْ غَفَلَاتُهَا وَكَثُرَتْ شَهَوَاتُهَا كَانَتْ فِي أَكْثَرِ أَوْقَاتِهَا مُشْتَغِلَةً بِلَهْوِهَا ذَاهِلَةً عَمَّا يَنْفَعُهَا، وَمَعَ ذَلِكَ هُمْ فِي بَرَكَةِ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ الْمَحَبَّةِ، فَيُرْجَى لَهُمْ كُلُّ خَيْرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَا شَكَّ أَنَّ حَظَّ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَتَمُّ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرَةُ الْمَعْرِفَةِ، وَهُمْ بِقَدْرِهِ وَمَنْزِلَتِهِ أَعْلَمُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِي الْحَدِيثِ تَلْمِيحٌ إِلَى صِفَةِ النَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّةِ وَالْأَمَّارَةِ، فَمَنْ رَجَحَ جَانِبُ نَفْسِهِ الْمُطْمَئِنَّةِ كَانَ حُبُّهُ ﵊ رَاجِحًا، وَمَنْ رَجَحَ جَانِبُ نَفْسِهِ الْأَمَارَةِ كَانَ بِالْعَكْسِ اهـ. وَاللَّوَّامَةُ حَالَةٌ بَيْنَهُمَا مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهِمَا، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهَا مَعَهُمَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ مَنْ مَاتَ مُوَحِّدًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قَطْعًا عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِنْ كَانَ سَالِمًا عَنِ الْمَعَاصِي كَالصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونِ الَّذِي اتَّصَلَ جُنُونُهُ بِالْبُلُوغِ، وَالتَّائِبِ تَوْبَةً صَحِيحَةً مِنَ الشِّرْكِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَعَاصِي إِذَا لَمْ يُحْدِثْ بَعْدَ تَوْبَتِهِ، وَالْمُوَفَّقُ الَّذِي مَا لَمَّ بِمَعْصِيَةٍ قَطُّ - فَكُلُّ هَذَا الصِّنْفِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَدْخُلُونَ النَّارَ أَصْلًا، لَكِنَّهُمْ يَرِدُونَهَا عَلَى الْخِلَافِ الْوَارِدِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُرُورُ عَلَى الصِّرَاطِ، وَهُوَ جِسْرٌ مَنْصُوبٌ عَلَى ظَهْرِ جَهَنَّمَ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهَا، وَأَمَّا مَنْ كَانَتْ لَهُ مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ وَمَاتَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فَهُوَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ بِالْقَدْرِ الَّذِي يُرِيدُهُ سُبْحَانَهُ ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، فَلَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ أَحَدٌ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ وَلَوْ عَمِلَ مِنَ الْمَعَاصِي مَا عَمِلَ، كَمَا لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ مَاتَ عَلَى كُفْرٍ وَلَوْ عَمِلَ مَا عَمِلَ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ بِحَيْثُ حَصَلَ الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ، فَإِنْ خَالَفَهُ ظَاهِرُ حَدِيثٍ وَجَبَ تَأْوِيلُهُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
٨ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ؛ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ»» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٨ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ [قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ)]: مُبْتَدَأٌ، وَالشَّرْطِيَّةُ خَبَرٌ، وَجَازَ مَعَ أَنَّهُ نَكِرَةٌ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: خِصَالٌ ثَلَاثٌ. قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: مِثَالُ الِابْتِدَاءِ بِنَكِرَةٍ هِيَ وَصْفُ قَوْلِ الْعَرَبِ: ضَعِيفٌ عَاذَ بِحَرْمَلَةَ. أَيْ: إِنْسَانٌ ضَعِيفٌ الْتَجَأَ إِلَى ضَعِيفٍ، وَالْحَرْمَلَةُ: شَجَرَةٌ ضَعِيفَةٌ. أَوْ ثَلَاثُ خِصَالٍ، وَالتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ هَذَا فِي غَيْرِ كُلٍّ وَبَعْضٍ، أَوْ تَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ، فَسَاغَ الِابْتِدَاءُ بِهِ، وَيَجُورُ أَنْ تَكُونَ الشَّرْطِيَّةُ صِفَةً لِثَلَاثٍ، وَيَكُونُ الْخَبَرُ مَنْ كَانَ، وَالْمَعْنَى: ثَلَاثٌ مَنْ وُجِدْنَ أَوِ اجْتَمَعْنَ فِيهِ. [(وَجَدَ)]، أَيْ: أَدْرَكَ وَصَادَفَ وَذَاقَ [(بِهِنَّ)] أَيْ بِسَبَبِ وُجُودِهِنَّ فِي نَفْسِهِ [(حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ)] أَيْ لَذَّتَهُ وَرَغْبَتَهُ. زَادَ النَّسَائِيُّ: وَطَعْمُهُ. وَأُوثِرَتِ الْحَلَاوَةُ لِأَنَّهَا أَظْهَرُ اللَّذَّاتِ الْحِسِّيَّةِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ إِذَا دَخَلَتْ قَلْبًا لَا تَخْرُجُ مِنْهُ أَبَدًا، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى بِشَارَةِ حُسْنِ الْخَاتِمَةِ لَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَى حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ اسْتِلْذَاذُ الطَّاعَاتِ وَإِيثَارُهَا عَلَى جَمِيعِ الشَّهَوَاتِ وَالْمُسْتَلَذَّاتِ وَتَحَمُّلُ الْمَشَاقِّ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَجَرُّعُ الْمَرَارَاتِ فِي الْمُصِيبَاتِ، وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ، وَفِيهِ تَلْمِيحٌ إِلَى الصَّحِيحِ الَّذِي يُدْرِكُ الطُّعُومَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ وَالْمَرِيضِ الصَّفْرَاوِيُّ الَّذِي بِضِدِّهِ إِذْ يَجِدُ طَعْمَ الْعَسَلِ مِنْ نَقْصِ ذَوْقِهِ بِقَدْرِ نَقْصِ صِحَّتِهِ، فَالْقَلْبُ السَّلِيمُ مِنْ أَمْرَاضِ الْغَفْلَةِ، وَالْهَوَى يَذُوقُ طَعْمَهُ وَيَتَلَذَّذُ مِنْهُ وَيَتَنَعَّمُ بِهِ كَمَا يَذُوقُ الْفَمُ طَعْمَ الْعَسَلِ وَغَيْرِهِ مِنْ لَذِيذِ الْأَطْعِمَةِ وَيَتَنَعَّمُ بِهَا، بَلْ تِلْكَ اللَّذَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ أَعْلَى، فَإِنَّ فِي جَنْبِهَا يُتْرَكُ لَذَّاتُ الدُّنْيَا بَلْ جَمِيعُ نَعِيمِ الْأُخْرَى، [(مَنْ كَانَ)]: لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ - إِمَّا بَدَلٌ، أَوْ بَيَانٌ، أَوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ: هِيَ أَوْ هُنَّ أَوْ إِحْدَاهَا، وَعَلَى الثَّانِي خَبَرٌ أَيْ: مَحَبَّةُ مَنْ كَانَ [(اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ)]: بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ وَإِفْرَادُهُ لِأَنَّهُ وُصِلَ بِمَنْ، وَالْمُرَادُ الْحُبُّ الِاخْتِيَارِيُّ الْمَذْكُورُ (مِمَّا سِوَاهُمَا)]: يَعُمُّ ذَوِي الْعُقُولِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمَالِ، وَالْجَاهِ، وَسَائِرِ الشَّهَوَاتِ وَالْمُرَادَاتِ، وَقَدْ
جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ اللَّهِ وَنَفْسِهِ بِلَفْظِ الضَّمِيرِ فِي مَا سِوَاهُمَا، مَعَ نَهْيِهِ عَنْهُ قَائِلًا وَمِنْ عَصَاهُمَا فَقَدْ غَوَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ لَهُ مَا لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ، وَلِذَا قَالَ ﵊ فِي خُطْبَةِ النِّكَاحِ: («مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَلَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ») . وَوَجْهُ التَّخْصِيصِ أَنَّهُ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ إِيهَامُ التَّسْوِيَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ لَوْ جُمِعَ، وَإِلَيْهِ مَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَلِذَا قِيلَ: الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْمَنْعِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ الْآخَرَ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ؛ وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ وَالثَّانِي فِعْلٌ، وَقِيلَ: تَثْنِيَةُ الضَّمِيرِ هُنَا لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ مِنَ الْمَحَبَّتَيْنِ لَا كُلُّ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّهَا وَحْدَهَا ضَائِعَةٌ لَاغِيَةٌ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وَالْأَمْرُ بِالْإِفْرَادِ هُنَالِكَ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْعِصْيَانَيْنِ مُسْتَقِلٌّ بِاسْتِلْزَامِ الْغَوَايَةِ، فَإِنَّ الْعَطْفَ يُفِيدُ تَكْرِيرَ الْعَامِلِ وَاسْتِقْلَالَهُ بِالْحُكْمِ، فَهُوَ فِي قُوَّةِ التَّكْرَارِ؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ عَصَى اللَّهَ فَقَدْ غَوَى، وَمَنْ عَصَى رَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى، وَلَا يُقَالُ: عِصْيَانُ أَحَدِهِمَا عِصْيَانٌ لِلْآخَرِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ الِانْفِرَادُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ كَذَلِكَ، لَكِنَّ الْمُرَادَ تَفْظِيعُ الْمَعْصِيَةِ بِأَنَّهُ لَوْ فُرِضَ وُجُودُهَا مِنْ رَسُولِهِ وَحْدَهُ لَكَانَتْ مُسْتَقِلَّةً بِالْإِغْوَاءِ، فَكَيْفَ وَهِيَ لَا تُوجَدُ إِلَّا مِنْهُمَا، وَهُوَ مَعْنًى دَقِيقٌ فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ لِطَيْفٌ وَإِنْهَاءٌ شَرِيفٌ إِلَى أَنَّ الْمَحَبَّةَ مَادَّةُ الِاجْتِمَاعِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ بِحَيْثُ إِنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ الْمُغَايَرَةُ، وَلِذَا قِيلَ: أَنَا مَنْ أَهْوَى، وَمَنْ أَهْوَى أَنَا.
وَالْمُخَالَفَةُ مُوجِبَةٌ لِلِافْتِرَاقِ؛ وَلِذَا قَالَ: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ)، وَلِتِلْكَ الْمَحَبَّةِ عَلَامَاتٌ مِنْ أَظْهَرِهَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ بِقَوْلِهِ: حَقِيقَةُ الْمَحَبَّةِ أَنْ لَا تَزِيدَ بِالْعَطَاءِ، وَلَا تَنْقُصَ بِالْجَفَاءِ، وَلَا يَتِمُّ هَذَا إِلَّا لِصَدِيقٍ جَذَبَتْهُ أَزْمَةُ الْعِنَايَةِ حَتَّى أَوْقَفَتْهُ عَلَى عَتَبَةِ الْوِلَايَةِ، وَأَحَلَّتْهُ فِي رِيَاضِ الشُّهُودِ الْمُطْلَقِ، فَرَأَى أَنَّ مَحْبُوبَهُ هُوَ الْحَقُّ وَمَا سِوَاهُ بَاطِلٌ مُحَقَّقٌ. [(وَمَنْ أَحَبَّ)] أَيْ: وَثَانِيَتُهُمَا مَحَبَّةُ مَنْ أَحَبَّ [(عَبْدًا)] أَيْ مَوْسُومًا بِالْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، حُرًّا كَانَ أَوْ مَمْلُوكًا [(لَا يُحِبُّهُ)] أَيْ: لِشَيْءٍ [(إِلَّا لِلَّهِ)]، وَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ أَيْ: لَا يُحِبُّهُ لِغَرَضٍ وَعَرَضٍ وَعِوَضٍ، وَلَا يَشُوبُ مَحَبَّتَهُ حَظٌّ دُنْيَوِيٌّ وَلَا أَمْرٌ بَشَرِيٌّ، بَلْ مَحَبَّتُهُ تَكُونُ خَالِصَةً لِلَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ مُتَّصِفًا بِالْحُبِّ فِي اللَّهِ، وَدَاخِلًا فِي الْمُتَحَابِّينَ لِلَّهِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ، أَوِ الْمَفْعُولِ، أَوْ مِنْهُمَا [(وَمَنْ يَكْرَهُ)] أَيْ: وَثَالِثَتُهُمَا كَرَاهَةُ مَنْ يَكْرَهُ [(أَنْ يَعُودَ)] أَيْ: يَرْجِعَ، أَوْ يَتَحَوَّلَ [(فِي الْكُفْرِ)]، وَقِيلَ: أَنْ يَصِيرَ بِدَلِيلِ تَعْدِيَتِهِ بِفِي عَلَى حَدِّ (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) فَيَشْمَلُ مَنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ كُفْرٌ أَيْضًا، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ: [(بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ)] أَيْ: أَخْلَصَهُ وَنَجَّاهُ مِنَ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ أَنْقَذَ بِمَعْنَى حَفَظَ بِالْعِصْمَةِ ابْتِدَاءً بِأَنْ يُولَدَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيَسْتَمِرَّ بِهَذَا الْوَصْفِ عَلَى الدَّوَامِ، أَوْ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ، أَوْ لَا يَشْمَلُهُ وَلَكِنَّهُ مَفْهُومٌ مِنْ طَرِيقِ الْمُسَاوَاةِ بَلِ الْأَوْلَى، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] أَيْ: بِهِدَايَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ، فَهُوَ يَعُمُّ الِابْتِدَاءَ وَالِانْتِهَاءَ. [(كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ)] أَيْ: وَكَرَاهَةُ مَنْ يَكْرَهُ الصَّيْرُورَةَ فِي الْكُفْرِ مِثْلَ كَرَاهَةِ الرَّمْيِ وَالطَّرْحِ فِي النَّارِ. وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ حَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ، وَفِي أُخْرَى لَهُمَا مَنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا. وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: وَأَنْ تُوقَدَ نَارٌ عَظِيمَةٌ فَيَقَعَ فِيهَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، يَعْنِي أَنَّ الْوُقُوعَ فِي نَارِ الدُّنْيَا أَوْلَى بِالْإِيثَارِ مِنَ الْعَوْدِ فِي الْكُفْرِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِ السَّادَةِ الصُّوفِيَّةِ: الْحِجَابُ أَشَدُّ الْعَذَابِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْخَصْلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ أَبْوَابِ التَّحَلِّي بِالْفَوَاضِلِ وَالْفَضَائِلِ، وَالْخَصْلَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْ أَنْوَاعِ التَّخَلِّي مِنَ الرَّذَائِلِ فَفِيهَا تَحْثِيثٌ وَتَحْرِيضٌ وَتَرْغِيبٌ وَتَحْرِيصٌ عَلَى تَحْصِيلِ بَقِيَّةِ الشَّمَائِلِ، وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْمَذْكُورَاتِ أُمَّهَاتٌ لِغَيْرِ الْمَسْطُورَاتِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ: («ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ») كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ.
٩ - وَعَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا») رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٩ - (وَعَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) أَيْ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ أَسَنَّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِسَنَتَيْنِ، وَمِنْ لَطَافَةِ فَهْمِهِ وَمَتَانَةِ عِلْمِهِ أَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ: أَنْتَ أَكْبَرُ أَمِ النَّبِيُّ ﷺ؟ قَالَ: هُوَ أَكْبَرُ، وَأَنَا أَسَنُّ. وَأُمُّهُ أَوَّلُ امْرَأَةٍ كَسَتِ الْكَعْبَةَ الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ وَأَصْنَافَ الْكِسْوَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبَّاسَ ضَلَّ وَهُوَ صَبِيٌّ فَنَذَرَتْ إِنْ وَجَدَتْهُ أَنْ تَكْسُوَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، فَوَجَدَتْهُ فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ رَئِيسًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِلَيْهِ كَانَتْ عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالسِّقَايَةُ. أَمَّا السِّقَايَةُ فَهِيَ مَعْرُوفَةٌ بِسِقَايَةِ الْحَاجِّ، وَأَمَّا الْعِمَارَةُ فَإِنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ قُرَيْشًا عَلَى عِمَارَتِهِ وَبِالْخَيْرِ وَتَرْكِ السِّبَابِ فِيهِ وَقَوْلِ الْهَجْرِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: عَتَقَ الْعَبَّاسُ عِنْدَ مَوْتِهِ سَبْعِينَ مَمْلُوكًا، وُلِدَ قَبْلَ سَنَةِ الْفِيلِ، وَمَاتَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَكَانَ أَسْلَمَ قَدِيمًا وَكَتَمَ إِسْلَامَهُ، وَخَرَجَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مُكْرَهًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: [(«مَنْ لَقِيَ الْعَبَّاسَ فَلَا يَقْتُلْهُ فَإِنَّهُ خَرَجَ مُكْرَهًا»)] فَأَسَرَهُ أَبُو الْيَسِيرِ كَعْبُ بْنُ عُمَرَ، فَفَادَى نَفْسَهُ، وَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ مُهَاجِرًا، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. [قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ)] أَيْ: نَالَ وَأَدْرَكَ وَأَصَابَ وَوَجَدَ حَلَاوَتَهُ وَلَذَّتَهُ، وَأَصْلُ الذَّوْقِ وُجُودُ أَدَقِّ طَعْمٍ فِي الْفَمِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الذَّوْقُ الْمَعْنَوِيُّ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: ذَوْقًا حِسِّيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا. [(مَنْ رَضِيَ)] أَيْ: قَنِعَ نَفْسَهُ، وَطَابَ قَلْبُهُ، وَانْشَرَحَ صَدْرُهُ، وَاكْتَفَى [(بِاللَّهِ رَبًّا)] أَيْ: مَالِكًا وَسَيِّدًا وَمُتَصَرِّفًا، وَنَصَبَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَكَذَا أَخَوَاتُهُ، [(وَبِالْإِسْلَامِ)] أَيِ الشَّامِلِ لِلْإِيمَانِ [(دِينًا)]: عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ [(وَبِمُحَمَّدٍ)]ﷺ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُلْحَقٌ، وَلَيْسَ لَفْظَ النُّبُوَّةِ [(رَسُولًا)] عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الرِّضَا الِانْقِيَادُ الْبَاطِنُ وَالظَّاهِرُ، وَالْكَمَالُ أَنْ يَكُونَ صَابِرًا عَلَى بَلَائِهِ، وَشَاكِرًا عَلَى نَعْمَائِهِ، وَرَاضِيًا بِقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ، وَمَنْعِهِ وَإِعْطَائِهِ، وَأَنْ يَعْمَلَ بِجَمِيعِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ بِامْتِثَالِ الْأَوَامِرِ، وَاجْتِنَابِ الزَّوَاجِرِ، وَأَنْ يَتْبَعَ الْحَبِيبَ حَقَّ مُتَابَعَتِهِ فِي سُنَّتِهِ، وَآدَابِهِ، وَأَخْلَاقِهِ، وَمُعَاشَرَتِهِ، وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَالتَّوَجُّهِ الْكُلِّيِّ إِلَى الْعُقْبَى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: («أَلِظُّوا أَلْسِنَتَكُمْ قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ رَبُّنَا، وَالْإِسْلَامَ دِينُنَا، وَمُحَمَّدٌ نَبِيُّنَا فَإِنَّكُمْ تُسْأَلُونَ عَنْهَا فِي قُبُورِكُمْ») . قَالَ السُّيُوطِيُّ: فِي سَنَدِهِ عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ.
١٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ») رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁): مَرَّ ذِكْرُهُ [(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (وَالَّذِي)] أَيْ: وَاللَّهِ الَّذِي [(نَفْسُ مُحَمَّدٍ)] أَيْ رُوحُهُ، وَذَاتُهُ، وَصِفَاتُهُ، وَحَالَاتُهُ، وَإِرَادَتُهُ، وَحَرَكَاتُهُ، وَسَكَنَاتُهُ [(بِيَدِهِ)] أَيْ كَائِنَةٌ بِنِعْمَتِهِ، وَحَاصِلَةٌ بِقُدْرَتِهِ، وَثَابِتَةٌ بِإِرَادَتِهِ، وَوَجْهُ اسْتِعَارَةِ الْيَدِ لِلْقُدْرَةِ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَظْهَرُ سُلْطَانُهَا فِي أَيْدِينَا، وَهِيَ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ، وَمَذْهَبُ السَّلَفِ فِيهَا تَفْوِيضُ عِلْمِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَعَ التَّنْزِيهِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَهُوَ أَسْلَمُ حَذَرًا مِنْ أَنْ يُعَيَّنَ لَهُ غَيْرُ مُرَادٍ لَهُ تَعَالَى، وَيُؤَيِّدُهُ وَقْفُ الْجُمْهُورِ عَلَى الْجَلَالَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وَعَدُّوهُ وَقْفًا لَازِمًا، وَهُوَ مَا فِي وَصْلِهِ إِيهَامُ مَعْنًى فَاسِدٍ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: تَأْوِيلُ الْيَدِ بِالْقُدْرَةِ يُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيلِ مَا أَثْبَتَهُ تَعَالَى لِنَفَسِهِ، وَبِهَا الَّذِي يَنْبَغِي الْإِيمَانُ بِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ عَلَى مَا أَرَادَهُ، وَلَا يُشْتَغَلُ بِتَأْوِيلِهِ فَنَقُولُ: لَهُ يَدٌ عَلَى مَا أَرَادَهُ لَا كَيَدِ الْمَخْلُوقِينَ، وَمَذْهَبُ الْخَلَفِ فِيهَا تَأْوِيلُهُ بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَنْزِيهُهُ عَنِ الْجِسْمِ وَالْجِهَةِ
وَلَوَازِمِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى» الرَّاسِخُونَ «فِي الْعِلْمِ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ:»أَنَا أَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، وَأَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ. قِيلَ: وَهَذَا أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ أَيْ: يَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدِ عِلْمٍ وَحِكْمَةٍ حَتَّى يُطَابِقَ التَّأْوِيلُ سِيَاقَ ذَلِكَ النَّصِّ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ مَذْهَبَ الْخَلَفِ أَكْثَرُ عِلْمًا، فَالْمَذْهَبَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْأَوْلَى مَاذَا، أَهُوَ التَّفْوِيضُ أَمِ التَّأْوِيلُ؟ وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْخِلَافِ عَلَى اخْتِلَافِ الزَّمَانِ، فَكَانَ التَّفْوِيضُ فِي زَمَانِ السَّلَفِ أَوْلَى؛ لِسَلَامَةِ صُدُورِهِمْ وَعَدَمِ ظُهُورِ الْبِدَعِ فِي زَمَانِهِمْ، وَالتَّأْوِيلُ فِي زَمَانِ الْخَلَفِ أَوْلَى؛ لِكَثْرَةِ الْعَوَامِّ وَأَخْذِهِمْ بِمَا يَتَبَادَرُ إِلَى الْأَفْهَامِ، وَغُلُوِّ الْمُبْتَدَعَةِ بَيْنَ الْأَنَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. ثُمَّ هُوَ قَسَمٌ، جَوَابُهُ [(لَا يَسْمَعُ بِي)]: وَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ يَقُولَ: وَالَّذِي نَفْسِي، لَكِنَّهُ جَرَّدَ مِنْ نَفْسِهِ النَّفِيسَةَ مِنَ اسْمِهِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ هُوَ؛ لِيَكُونَ أَبْلَغَ وَأَوْقَعَ فِي النَّفْسِ، ثُمَّ الْتَفَتَ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى التَّكَلُّمِ تَنْزِيلًا مِنْ مَقَامِ الْجَمْعِ إِلَى التَّفْرِقَةِ، وَمِنَ الْكَوْنِ مَعَ الْحَقِّ إِلَى الِاشْتِغَالِ بِدَعْوَةِ الْخَلْقِ، وَالِانْتِقَالِ مِنْ خِزَانَةِ الْكَمَالِ إِلَى مَنَصَّةِ التَّكْمِيلِ. قَالَ الْعَارِفُ السَّهْرَوَرْدِيُّ: الْجَمْعُ اتِّصَالٌ لَا يُشَاهِدُ صَاحِبُهُ إِلَّا الْحَقَّ، فَمَتَّى شَاهَدَ غَيْرَهُ فَمَا ثَمَّ جَمْعٌ، فَقَوْلُهُ: «آمَنَّا بِاللَّهِ» جَمْعٌ، وَ«مَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا» تَفْرِقَةٌ. وَقَالَ الْجُنَيْدِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ، - وَيُسَمَّى سَيِّدَ الطَّائِفَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ قَطُّ بِمَا لَا يُطَابِقُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ -: الْقُرْبُ بِالْوَجْدِ جَمْعٌ، وَغَيْبَتُهُ فِي الْبَشَرِيَّةِ تَفْرِقَةٌ، وَكُلُّ جَمْعٍ بِلَا تَفْرِقَةٍ زَنْدَقَةٌ، وَكُلُّ تَفْرِقَةٍ بِلَا جَمْعٍ تَعْطِيلٌ. ثُمَّ قِيلَ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ، أَوْ بِمَعْنَى «مِنْ»، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا لِتَأْكِيدِ التَّعْدِيَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا) أَوْ ضِمْنَ مَعْنَى الْإِخْبَارِ أَيْ: مَا يَسْمَعُ مُخْبِرًا بِبَعْثِي، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى لَا يَعْلَمُ رِسَالَتِي [(أَحَدٌ)] أَيْ: مِمَّنْ هُوَ مَوْجُودٌ أَوْ سَيُوجَدُ «[(مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ)] أَيْ: أُمَّةِ الدَّعْوَةِ، وَ» مِنْ «تَبْعِيضِيَّةٌ، وَقِيلَ: بَيَانِيَّةٌ [(يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ)]: صِفَتَانِ لِـ» أَحَدٌ «- وَحُكْمُ الْمُعَطِّلَةِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ يُعْلَمُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى - أَوْ بَدَلَانِ عَنْهُ، بَدَلُ الْبَعْضِ مِنَ الْكُلِّ، وَخُصَّا لِأَنَّ كُفْرَهُمَا أَقْبَحُ، وَعَلَى كُلٍّ لَا زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ الْحُكْمِ [(ثُمَّ يَمُوتُ)]: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ وَلَوْ تَرَاخَى إِيمَانُهُ وَوَقَعَ قَبْلَ الْغَرْغَرَةِ نَفَعَهُ [(وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ)] أَيْ: مِنَ الدِّينِ الْمَرْضِيِّ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ أَوْ عَطْفٌ [(إِلَّا كَانَ)] أَيْ: فِي عِلْمِ اللَّهِ، أَوْ بِمَعْنَى يَكُونُ، وَتَعْبِيرُهُ بِالْمُضِيِّ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ مِنْ أَعَمِّ الْأَحْوَالِ [(مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)] أَيْ مُلَازِمِيهَا بِالْخُلُودِ فِيهَا، وَأَمَّا الَّذِي سَمِعَ وَآمَنَ فَحُكْمُهُ عَلَى الْعَكْسِ، وَأَمَّا الَّذِي لَمْ يَسْمَعُ وَلَمْ يُؤْمِنْ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ هَذَا الْوَعِيدِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ» لَا «فِي:»لَا يَسْمَعُ «بِمَعْنَى» لَيْسَ «، وَ» ثُمَّ يَمُوتُ «عَطْفٌ عَلَى» يَسْمَعُ «الْمُثْبَتِ،» وَلَمْ يُؤْمِنْ " عَطْفٌ عَلَى يَمُوتُ، أَوْ حَالٌ مِنْ فَاعِلِهِ وَلَيْسَ لِنَفْيِ هَذَا الْمَجْمُوعِ، وَتَقْدِيرُهُ: لَيْسَ أَحَدٌ يَسْمَعُ بِهِ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ، أَوْ غَيْرُ مُؤْمِنٍ كَائِنًا مِنْ أَصْحَابِ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
١١ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمِهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا - فَلَهُ أَجْرَانِ») مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١١ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁): أَسْلَمَ بِمَكَّةَ، وَهَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، ثُمَّ قَدِمَ مَعَ أَهْلِ السَّفِينَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ، وَلَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْبَصْرَةَ سَنَةَ عَشْرٍ، فَافْتَتَحَ أَبُو مُوسَى الْأَهْوَازَ، وَلَمْ يَزَلْ عَلَى الْبَصْرَةِ إِلَى صَدْرٍ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، ثُمَّ عُزِلَ عَنْهَا فَانْتَقَلَ إِلَى الْكُوفَةِ فَأَقَامَ بِهَا، وَكَانَ وَالِيًا عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ، ثُمَّ انْتَقَلَ أَبُو مُوسَى إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ التَّحْكِيمِ فَلَمْ يَزَلْ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: [(ثَلَاثَةٌ) أَيْ: أَشْخَاصٌ،» ثَلَاثَةٌ «مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ [(لَهُمْ أَجْرَانِ)] أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَجْرَانِ عَظِيمَانِ مُخْتَصَّانِ بِهِ لَا مُشَارَكَةَ لِغَيْرِهِ فِيهِمَا [(رَجُلٌ)]: بَدَلٌ مِنَ الْمُبْتَدَأِ بَدَلُ بَعْضٍ وَالْعَطْفُ بَعْدَ الرَّبْطِ، أَوْ بَدَلُ كُلٍّ وَالرَّبْطُ بَعْدَ الْعَطْفِ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: أَحَدُهُمْ، أَوْ مُبْتَدَأٌ مَوْصُوفٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ أَيْ: مِنْهُمْ، أَوْ هُوَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَ» لَهُمْ أَجْرَانِ «صِفَتُهُ، وَالْمَرْأَةُ فِي حُكْمِ الرَّجُلِ [(مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ)]: خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وَاخْتَلَفَ الشُّرَّاحُ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ النَّصْرَانِيُّ أَوِ الْيَهُودِيُّ أَيْضًا، وَإِلَى الْأَوَّلِ جَنَحَ صَاحِبُ» الْأَزْهَارِ "، وَأَيَّدَهُ بِالدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ، وَمَالَ غَيْرَهُ إِلَى
الثَّانِي، وَأَيَّدَهُ بِمُؤَيِّدَاتٍ نَقْلِيَّةٍ، وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ النَّصْرَانِيَّةَ هَلْ هِيَ نَاسِخَةٌ لِلْيَهُودِيَّةِ أَمْ لَا. وَعَلَى كُلٍّ فَمَنْ كَذَّبَهُ مِنْهُمْ وَاسْتَمَرَّ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا بِنَبِيِّهِ.
فَإِنْ قُلْتَ: يُؤَيِّدُ إِرَادَةَ الْإِنْجِيلِ وَحْدَهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ (فَإِذَا آمَنَ بِعِيسَى ثُمَّ آمَنَ بِي فَلَهُ أَجْرَانِ) . قُلْتُ: لَا يُؤَيِّدُهُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ عَلَى عِيسَى إِنَّمَا هُوَ لِحِكْمَةٍ هِيَ بُعْدُ بَقَاءِ مُؤْمِنٍ بِمُوسَى دُونَ عِيسَى مَعَ صِحَّةِ إِيمَانِهِ بِأَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ دَعْوَةُ عِيسَى إِلَى بِعْثَةِ نَبِيِّنَا فَآمَنَ بِهِ، وَهَذَا وَإِنِ اسْتُبْعِدَ وَجُودُهُ لَكِنْ فِي حَمْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى مَا يَشْمَلُهُ فَائِدَةٌ هِيَ أَنَّ الْيَهُودَ مَنْ بَنَى إِسْرَائِيلَ وَمَنْ دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّةِ مِنْ غَيْرِهِمْ وَلَمْ يَبْلُغْهُ دَعْوَةُ عِيسَى يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَهُودِيٌّ مُؤْمِنٌ بِنَبِيِّهِ مُوسَى وَلَمْ يُكَذِّبْ نَبِيًّا آخَرَ بَعْدَهُ، فَإِذَا أَدْرَكَ بَعْثَةَ نَبِيِّنَا وَآمَنَ بِهِ تَنَاوَلَهُ الْخَبَرُ الْمَذْكُورُ وَالْأَجْرُ الْمَسْطُورُ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ عَرَبٌ نَحْوَ الْيَمَنِ مُتَهَوِّدُونَ وَلَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ عِيسَى لِاخْتِصَاصِ رِسَالَتِهِ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِجْمَاعًا دُونَ غَيْرِهِمْ، فَاتَّضَحَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَادَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ ذِهْنًا فِي نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَةِ، وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِالْعُمُومِ الْآيَةُ النَّازِلَةُ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَشْبَاهِهِ، وَهِيَ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيَّ، وَفِيمَنْ آمَنَ بِي. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي سَلْمَانَ وَابْنِ سَلَامٍ، وَلَا تَنَافِي فِي أَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ نَصْرَانِيًّا وَالثَّانِيَ كَانَ يَهُودِيًّا. فَإِنْ قُلْتَ يَهُودُ الْمَدِينَةِ لَمْ يُؤْمِنُوا بِعِيسَى فَكَيْفَ اسْتَحَقُّوا الْأَجْرَيْنِ؟ قُلْتُ: لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ إِيمَانِهِمْ بِهِ، وَحَاشَا مِثْلَ ابْنِ سَلَامٍ وَأَضْرَابِهِ مَعَ سَعَةِ عُلُومِهِمْ وَكَمَالِ عُقُولِهِمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِعِيسَى، كَذَا حَقَّقَهُ ابْنُ حَجَرٍ. وَالْمُرَادُ مَنْ آمَنَ بِنَبِيِّهِ إِيمَانًا صَحِيحًا بِأَنْ يُؤْمِنَ الْيَهُودِيُّ بِمُوسَى ﵊ قَبْلَ الْعِلْمِ بِنَسْخِ شَرْعِهَا بِالْإِنْجِيلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ نَاسِخٌ، وَإِلَّا فَقَبْلَ نَسْخِهِ بِشَرِيعَتِنَا، وَالْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ بِعِيسَى ﵊ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ عَلِمَ رِسَالَتَهُ إِلَيْهِ قَبْلَ نَسْخِ شَرْعِهِ بِشَرِيعَتِنَا، وَإِنَّمَا قَيَّدُوا بِمَا قَبْلَ النَّسْخِ وَلِأَنَّ الْمُؤْمِنَ بِنَبِيٍّ بَعْدَ أَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ غَيْرِهِ النَّاسِخَةِ لَهُ لَا أَجْرَ لَهُ عَلَى إِيمَانِهِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَنَّهُ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَقِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى هَذَا التَّقْيِيدِ إِذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ طَرُوُّ الْإِيمَانِ بِنَبِيِّنَا ﵊ سَبَبًا لِثَوَابِهِ عَلَى الْإِيمَانِ السَّابِقِ ; كَمَا أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ يُثَابُ عَلَى حَسَنَاتِهِ السَّابِقَةِ فِي الْكُفْرِ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] وَكَذَا كِتَابُهُ ﵊ إِلَى هِرَقْلَ: («أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجَرَكَ مَرَّتَيْنِ») . وَقَوْمُهُ لَمْ يَكُونُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِنَّمَا دَخَلُوا فِي النَّصْرَانِيَّةِ بَعْدَ التَّبْدِيلِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ. وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَضْعِيفُ الْأَجْرِ لَهُ مِنْ جِهَةِ إِسْلَامِهِ وَمِنْ جِهَةِ أَنْ يَكُونَ إِسْلَامُهُ سَبَبًا لِإِسْلَامِ أَتْبَاعِهِ. [(وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ)] أَيْ إِيمَانًا صَحِيحًا أَيْضًا، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: «وَبِمُحَمَّدٍ» مَعَ أَنَّهُ أَخْصَرُ؛ لِلْإِشْعَارِ بِتَخْصِيصِ كُلٍّ مِنَ النَّبِيِّينَ بِالْإِيمَانِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ دُونَ التَّبَعِيَّةِ، ثُمَّ الْإِيمَانُ بِهِ مُتَضَمِّنٌ لِلْإِيمَانِ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، فَالْمَقْصُودُ أَنَّ إِيمَانَهُ السَّابِقَ مُثَابٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ كَانَ حَقًّا [(وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ)]: وُصِفَ بِهِ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ لَا مُطْلَقَ الْعَبْدِ، إِذْ جَمِيعُ النَّاسِ عِبَادُ اللَّهِ [(إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ)] مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَنَحْوِهِمَا [(وَحَقَّ مَوَالِيهِ)] أَيْ أَسْيَادَهُ وَمُلَّاكَهُ وَمُتَوَلِّي أَمْرِهِ، مِنْ خِدْمَتِهِمُ الْجَائِزَةِ جُهْدَهُ وَطَاقَتَهُ، وَجَمَعَ الْمَوَالِي لِأَنَّ «أَلْ» فِي الْعَبْدِ لِلْجِنْسِ، فَلِكُلِّ عَبْدٍ مَوْلًى عِنْدَ التَّوْزِيعِ، أَوْ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُشْتَرِكًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يُؤَدِّيَ حُقُوقَ جَمِيعِهِمْ فَيُعْلَمُ الْمُنْفَرِدُ بِالْأَوْلَى، أَوْ لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَعَدَّدَ مَوَالِيهِ بِالْمُنَاوَبَةِ عَلَى جَرْيِ الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ فَيَقُومُ بِحَقِّ كُلٍّ مِنْهُمْ، [(وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا)] أَيْ: يُجَامِعُهَا، وَفَائِدَةُ هَذَا الْقَيْدِ أَنَّهُ مَعَ هَذَا أَيْضًا يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ فِي تَرْبِيَتِهَا، وَقِيلَ: لَيْسَ الْمُرَادُ وُقُوعَ الْوَطْءِ بِالْفِعْلِ، بَلْ بِالْقُوَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ إِسْقَاطُهُ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَهِيَ: «إِذَا أَدَّبَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ
فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا - كَانَ لَهُ أَجْرَانِ» [(فَأَدَّبَهَا)] أَيْ عَلَّمَهَا الْخِصَالَ الْحَمِيدَةَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِآدَابِ الْخِدْمَةِ؛ إِذِ الْأَدَبُ هُوَ حُسْنُ الْأَحْوَالِ مِنَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، وَحُسْنُ الْأَخْلَاقِ [(فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا)] بِأَنْ يَكُونَ بِلُطْفٍ مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ [(وَعَلَّمَهَا)]: مَا لَا بُدَّ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ لَهَا [(فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا)]: بِتَقْدِيمِ الْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ [(ثُمَّ أَعْتَقَهَا)] أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ ابْتِغَاءً لِمَرْضَاةِ اللَّهِ [(فَتَزَوَّجَهَا)] تَحْصِينًا لَهُ، وَرَحْمَةً عَلَيْهَا [(فَلَهُ)] أَيْ فَلِلرَّجُلِ الْأَخِيرِ [(أَجْرَانِ)] أَجْرٌ عَلَى عِتْقِهِ، وَأَجْرٌ عَلَى تَزَوُّجِهِ، كَذَا قَالُوهُ، وَقِيلَ: أَجْرٌ عَلَى تَأْدِيبِهِ وَمَا بَعْدَهُ، وَأَجْرٌ عَلَى عِتْقِهِ وَمَا بَعْدَهُ، وَيَكُونُ هَذَا هُوَ فَائِدَةُ الْعَطْفِ، ثُمَّ إِشَارَةٌ إِلَى بُعْدِ مَا بَيْنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ، قِيلَ: وَفِي تَكْرِيرِ الْحُكْمِ اهْتِمَامٌ بِشَأْنِ الْأَمَةِ وَتَزَوُّجِهَا، وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ فِي (فَلَهُ) إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ، فَيَكُونُ التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ أَوْ لِطُولِ الْكَلَامِ فَيَكُونُ كَالْفَذْلَكَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩] الْآيَةَ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ اخْتِصَارِ الرَّاوِي أَوْ نِسْيَانِهِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا ذُكِرَ فِي الْأَمَةِ «فَلَهُ أَجْرَانِ» دُونَ مَا سَبَقَ تَأْكِيدًا لِحَالِهَا، فَإِنَّ مَا يُوجِبُ الْأَجْرَيْنِ فِيهَا مُسْتَحَبٌّ جَائِزُ التَّرْكِ، وَهُوَ الْإِعْتَاقُ وَالتَّزَوُّجُ، فَاحْتِيجَ إِلَى التَّأْكِيدِ لِئَلَّا يُتْرَكَ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَإِنَّهُ وَاجِبٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ، أَوْ إِشْعَارًا بِأَنَّ مَا يُوجِبُ الْأَجْرَيْنِ مُخْتَصًّا بِالْأَمَةِ مِنْ جُمْلَةِ مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنَ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ هُوَ الْإِعْتَاقُ وَالتَّزَوُّجُ، فَلِذَا ذُكِرَ عَقِيبَهُمَا «فَلَهُ أَجْرَانِ» بِخِلَافِ التَّأْدِيبِ وَالتَّعْلِيمِ، فَإِنَّهُمَا مُوجِبَانِ لِلْأَجْرِ فِي الْأَجْنَبِيِّ وَالْأَوْلَادِ، وَجَمِيعُ النَّاسِ فَلَا يَكُونُ مُخْتَصًّا بِالْإِمَاءِ، وَمِنْ ثَمَّةَ اتَّجَهَ سِيَاقُ الشَّعْبِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُتَزَوِّجَ لِعَتِيقَتِهِ كَالرَّاكِبِ لِبَدَنَتِهِ أَيْ: فَلَا أَجْرَ لَهُ، وَكَانَ هَذَا هُوَ الْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ تَفْسِيرِهِمُ الْأَجْرَيْنِ بِوَاحِدٍ عَلَى الْعِتْقِ وَآخَرَ عَلَى التَّزَوُّجِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُحْسِنًا إِلَيْهَا إِحْسَانًا أَعْظَمَ بَعْدَ إِحْسَانٍ أَعْظَمَ بِالْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ تَخْلِيصٌ مِنْ قَهْرِ الرِّقِّ وَأَسْرِهِ، وَالثَّانِي فِيهِ التَّرَقِّي إِلَى إِلْحَاقِ الْمَقْهُورِ بِقَاهِرِهِ، قَالَ تَعَالَى فِي الزَّوْجَاتِ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْعِلَّةُ فِي تَخْصِيصِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ وَالْحَالُ أَنَّ غَيْرَهُمْ أَيْضًا كَذَلِكَ مِثْلَ مَنْ صَامَ وَصَلَّى، فَإِنَّ لِلصَّلَاةِ أَجْرًا وَلِلصَّوْمِ أَجْرًا، وَكَذَا مِثْلَ الْوَلَدِ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ وَالِدِهِ؟ قُلْتُ: الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْفَاعِلَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمْ جَامِعٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ بَيْنَهُمَا مُخَالَفَةٌ عَظِيمَةٌ كَأَنَّ الْفَاعِلَ لَهُمَا فَاعِلٌ لِلضِّدَّيْنِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ هَذِهِ الضِّدِّيَّةَ بِعَيْنِهَا مَوْجُودَةٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الْوَالِدِ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَأَمْثَالُهَا، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ لِذِكْرِهَا نَفْيُ مَا عَدَاهَا عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَلِذَا قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْسَنَ فِي مَعْنَيَيْنِ مِنْ أَيِّ فِعْلٍ كَانَ مِنْ أَفْعَالِ الْبِرِّ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ. وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الطَّوَائِفَ الثَّلَاثَةَ لِكُلٍّ مِنْهَا أَجْرَانِ بِسَبَبِ عَمَلٍ وَاحِدٍ، بِشَرْطِ مُقَارَنَةِ عَمَلٍ آخَرَ، فَالَّذِي آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ لَهُ أَجْرَانِ بِسَبَبِ الْإِيمَانِ بِنَبِيِّنَا، لَكِنْ بِشَرْطِ الْإِيمَانِ بِنَبِيِّهِ، وَالْعَبْدُ الْمَولَى لَهُ أَجْرَانِ بِسَبَبِ أَدَاءِ حَقِّ اللَّهِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَدَاءِ حَقِّ مَوْلَاهُ، تَأَمَّلْ اهـ.
وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ ظَهَرَ لَكَ أَنَّ الْمُقَارَنَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ أَصْلًا، وَأَنَّ الْأَجْرَيْنِ إِنَّمَا هُوَ فِي مُقَابَلَةِ الْإِيمَانَيْنِ وَأَدَاءِ الْحَقَّيْنِ، فَالْوَجْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ نَسْخِ الْأَدْيَانَ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنْ لَا ثَوَابَ لِأَصْحَابِهَا مُطْلَقًا - دَفَعَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَكَذَا الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَنَّ ثَوَابَ عِبَادَةِ الْمَمْلُوكِ لِلْمَالِكِ، فَلِذَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ، وَرُبَّمَا كَانَ يُقَالُ: إِنَّ إِعْتَاقَ الْجَارِيَةِ وَتَزَوُّجَهَا لِغَرَضِ نَفْسِهِ، وَهُوَ طَبْعٌ، فَلَا يَكُونُ فِيهِمَا أَجْرٌ، فَرَفَعَهُ وَبَالَغَ فِيهِ وَقَالَ: لَهُ أَجْرَانِ، أَوْ يُقَالُ: لَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِي زَمَانِ الْجَاهِلِيَّةِ مُمْتَنِعًا مِنَ الْعَمَلِ الثَّانِي فَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ وَحَضَّهُمْ عَلَى الْفِعْلِ بِقَوْلِهِ:
عَنْهَا الْبَوَاقِي، وَلِذَا اسْتَغْنَى عَنْ عَدِّهَا وَتَرْكِ السَّيِّئَاتِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ هُوَ الْإِعْرَاضُ عَنِ الْفُضُولِ الْمَالِيَّةِ، بَلْ عَنْ كُلِّ مَوْجُودٍ وَهْمِيٍّ بِالْمَوْجُودِ الْحَقِيقِيِّ، وَبَذْلُ الْمَالِ الَّذِي هُوَ شَقِيقُ الرُّوحِ؛ لِاسْتِفْتَاحِ أَبْوَابِ الْفُتُوحِ، وَاللَّامُ فِيهِمَا لِلْعَهْدِ أَوْ، لِلْجِنْسِ فَيَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِلِ كَقَوْلِهِمْ: هُوَ الرَّجُلُ كَأَنَّ مَا عَدَا صَلَاةَ الْمُسْلِمِينَ وَزَكَاتَهُمْ لَيْسَ صَلَاةً وَلَا زَكَاةً. [(فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ)] أَيِ الْمَذْكُورَ مِنَ الشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَيُسَمَّى الْقَوْلُ فِعْلًا؛ لِأَنَّهُ عَمَلُ اللِّسَانِ، أَوْ تَغْلِيبًا [(عَصَمُوا)] بِفَتْحِ الصَّادِ أَيْ: حَفِظُوا وَمَنَعُوا [(مِنِّي)] أَيْ مِنْ أَتْبَاعِي أَوْ مِنْ قِبَلِي وَجِهَةِ دِينِي [(دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ)] أَيِ اسْتِبَاحَتَهُمْ بِالسَّفْكِ وَالنَّهْبِ الْمَفْهُومِ مِنَ الْمُقَاتَلَةِ [(إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ)] أَيْ دِينِهِ، وَالْإِضَافَةُ لَامِيَّةٌ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ مِنْ أَعَمِّ عَامِّ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، أَيْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِهْدَارُ دِمَائِهِمْ وَاسْتِبَاحَةُ أَمْوَالِهِمْ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ، إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ مِنِ اسْتِيفَاءِ قَصَاصِ نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ، إِذَا قُتِلَ أَوْ قُطِعَ، وَمِنْ أَخْذِ مَالٍ إِذَا غُصِبَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ الْإِسْلَامِيَّةِ، كَقَتْلٍ لِنَحْوِ زِنَا مُحْصَنٍ، وَقَطْعٍ لِنَحْوِ سَرِقَةٍ، وَتَغْرِيمِ مَالٍ لِنَحْوِ إِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ الْمُحْتَرَمِ، وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ بِحَذْفِ مَوْصُوفٍ، أَيْ إِلَّا دِمَاءً أَوْ أَمْوَالًا مُلْتَبِسَةً بِحَقٍّ، [وَحِسَابُهُمْ] أَيْ فِيمَا يَسْتُرُونَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي بَعْدَ ذَلِكَ [عَلَى اللَّهِ]، وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أَوْ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جَزَاءِ الشَّرْطِ، وَالْمَعْنَى أَنَّا نَحْكُمُ بِظَاهِرِ الْحَالِ وَالْإِيمَانِ الْقَوْلِي، وَنَرْفَعُ عَنْهُمْ مَا عَلَى الْكُفَّارِ، وَنُؤَاخِذُهُمْ بِحُقُوقِ الْإِسْلَامِ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ حَالِهِمْ، لَا أَنَّهُمْ مُخْلِصُونَ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى حِسَابَهُمْ، فَيُثِيبُ الْمُخْلِصَ، وَيُعَاقِبُ الْمُنَافِقَ، وَيُجَازِي الْمُصِرَّ بِفِسْقِهِ، أَوْ يَعْفُو عَنْهُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَأَبْطَنَ الْكُفْرَ يُقْبَلُ إِسْلَامُهُ فِي الظَّاهِرِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ، وَهُوَ مَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُخْفِي الْكُفْرَ، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِأَنْ يُقِرَّ أَوْ يُطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى كُفْرٍ كَانَ يُخْفِيهِ، فَقِيلَ: لَا تُقْبَلُ وَيَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ، لَكِنَّهُ إِنْ صَدَقَ فِي تَوْبَتِهِ نَفَعَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ مِنْهُ مَرَّةً فَقَطْ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ السَّيْفِ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً لِلضَّلَالِ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْقِتَالَ وَالْعِصْمَةَ إِنَّمَا هُمَا فِي الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَأَمَّا الْأُمُورُ الْأُخْرَوِيَّةُ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَكَمِّيَّتِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا، فَهُوَ مُفَوَّضٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا دَخْلَ لَنَا فِيهِ اهـ.
وَقَدْ يَرْجِعُ إِلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْحِسَابَ كَالْوَاجِبِ فِي تَحَقُّقِ الْوُقُوعِ، وَقِيلَ: هُوَ وَاجِبٌ شَرْعًا بِحَسَبِ وَعْدِهِ تَعَالَى بِهِ، فَيَجِبُ أَنْ يَقَعَ لَا أَنَّهُ تَعَالَى يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي زَعْمِهِمْ وُجُوبَهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عَقْلًا، ثُمَّ الْحِسَابُ مَصْدَرٌ كَالْمُحَاسَبَةِ، وَهُوَ الْعَدُّ. قِيلَ: وَمَعْنَى حِسَابِهِمْ عَلَى اللَّهِ أَنَّهُ يُعْلِمُهُمْ مَا لَهُمْ وَمَا عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَخْلُقَ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ فِي قُلُوبِهِمْ بِمَقَادِيرِ أَعْمَالِهِمْ، وَبِمَا لَهُمْ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا حِسَابَ عَلَى الْخَلْقِ، بَلْ يَقِفُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، وَيُعْطَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، فَيُقَالُ: قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْهَا، ثُمَّ يُعْطَوْنَ حَسَنَاتِهِمْ فَيُقَالُ: قَدْ ضَاعَفْتُهَا لَكُمْ، فَيَكُونُ مَجَازًا مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ؛ لِأَنَّ الْحِسَابَ سَبَبٌ لِحُصُولِ عِلْمِ الْإِنْسَانِ بِمَا لَهُ أَوْ عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّهُ يُجَازِيهِمْ إِذِ الْحِسَابُ سَبَبٌ لِلْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢] وَمَعْنَى سُرْعَتِهِ أَنَّ قُدْرَتَهُ تَعَالَى مُتَعَلِّقَةٌ بِجَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْتَقِرَ فِي إِحْدَاثِ شَيْءٍ إِلَى فِكْرٍ، وَرَوِيَّةٍ، وَمُدَّةٍ، وَعُدَّةٍ؛ وَلِذَا وَرَدَ أَنَّهُ يُحَاسِبُ الْخَلْقَ فِي مِقْدَارِ حَلْبَةِ شَاةٍ أَوْ فِي لَمْحَةٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيِ اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى رِوَايَةِ جَمِيعِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، إِلَّا أَنَّ مُسْلِمًا لَمْ يَذْكُرْ: [إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ]: لَكِنَّهُ مُرَادٌ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ [التوبة: ٥] أَيْ عَنِ الْكُفْرِ بِإِتْيَانِ الشَّهَادَتَيْنِ ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وَفِي الْجَامِعِ
عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةِ، أَيْ دُخُولًا أَوَّلِيًّا غَيْرَ مَسْبُوقٍ بِنَوْعٍ مِنَ الْعَذَابِ (قَالَ: تَعْبُدُ اللَّهَ) خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، أَوْ فِي تَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ بِتَقْدِيرِ «أَنْ»، وَلَمَّا حُذِفَتْ رُفِعَ الْفِعْلُ، وَقِيلَ مَعَ بَقَاءِ أَثَرِهِ مِنَ النَّصْبِ، أَوْ تَنْزِيلًا مَنْزِلَةَ الْمَصْدَرِ بِذِكْرِ الْفِعْلِ وَإِرَادَةِ الْحَدَثِ كَمَا فِي: تَسْمَعُ بِالْمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]، وَهُوَ فِي الْحَدِيثِ مَرْفُوعٌ الْمَحَلَّ بِالْخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ هُوَ، يَعْنِي الْعَمَلَ الَّذِي إِذَا عَمِلْتَهُ دَخَلْتَ الْجَنَّةَ هُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ. . إِلَخْ. ثُمَّ قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْعِبَادَةِ التَّوْحِيدُ لِلْعَطْفِ، وَالْأَصْلُ الْمُغَايَرَةُ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلنُّبُوَّةِ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ بِدُونِهَا، فَذِكْرُهُ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِهَا، وَقِيلَ: السَّائِلُ كَانَ مُؤْمِنًا، فَذَكَرَهُ لِشَرَفِهِ وَكَوْنِهِ أَصْلًا، وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ (وَلَا تُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا) أَيْ مِنَ الْأَشْيَاءِ، أَوْ مِنَ الشِّرْكِ جَلِيًّا أَوْ خَفِيًّا، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ أَيْ غَيْرَ مُشْرِكٍ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِبَادَةِ التَّوْحِيدُ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ، وَعَلَى الثَّانِي قِيلَ: إِنَّمَا ذَكَرَهُ رَدًّا عَلَى الْكُفَّارِ حَيْثُ قَالُوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفًى﴾ [الزمر: ٣] وَبَيَانًا إِلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَكْمُلُ إِلَّا إِذَا سَلَمَتْ مِنْ طُرُقِ الرِّيَاءِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] قَالَ الْعَارِفُونَ: التَّعَبُّدُ إِمَّا لِنَيْلِ الثَّوَابِ، أَوِ التَّخَلُّصِ مِنَ الْعِقَابِ، وَهِيَ أَنْزَلُ الدَّرَجَاتِ، وَتُسَمَّى عِبَادَةٌ؛ لِأَنَّ مَعْبُودَهُ فِي الْحَقِيقَةِ ذَلِكَ الْمَطْلُوبُ، بَلْ نَقَلَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ إِجْمَاعَ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ عِبَادَتِهِ. أَوْ لِلتَّشَرُّفِ بِخِدْمَتِهِ تَعَالَى وَالِانْتِسَابِ إِلَيْهِ، وَتُسَمَّى عُبُودِيَّةٌ، وَهِيَ أَرْفَعُ مِنَ الْأُولَى، وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ خَالِصَةً لَهُ، أَوْ لِوَجْهِهِ تَعَالَى وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ شَيْءٍ آخَرَ، وَتُسَمَّى عُبُودَةٌ، وَهِيَ أَعْلَى الْمَقَامَاتِ وَأَرْفَعُ الْحَالَاتِ (وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ) أَيِ الْمَفْرُوضَةَ عَلَى الْأَعْيَانِ بِشَرَائِطِهَا، وَأَرْكَانِهَا الْمَعْلُومَةِ (وَتُؤَدِّي) أَيْ تُعْطِي (الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ): وَالتَّغَايُرُ بَيْنَهُمَا لِلتَّفَنُّنِ، وَهِيَ هُنَا لِلتَّأْكِيدِ؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ، وَهُوَ مُطْلَقُ الصَّدَقَةِ بِخِلَافِ الْأُولَى فَإِنَّهَا احْتِرَازِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى أَدَاءُ مِقْدَارِهَا الْمُعَيَّنَةِ لِمَصَارِفِهَا الْمُقَرَّرَةِ، فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيَّ شَيْئًا، وَقِيلَ: قَصَدَ بِهِ التَّصْدِيقَ وَالْمُبَالَغَةَ وَالْقَبُولَ أَيْ قَبِلْتُ قَوْلَكَ فِيمَا سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَبُولًا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ السُّؤَالِ، وَلَا نَقْصَ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ الْقَبُولِ. وَهَذَا قَبْلَ مَشْرُوعِيَّةِ النَّوَافِلِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا فَإِنَّهَا مُتَمِّمَاتٌ وَمُكَمِّلَاتٌ لِلْفَرَائِضِ، لَا زِيَادَةٌ عَلَيْهَا، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى الْأَجْنَاسِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَا الْحَجَّ وَلَا الصَّوْمَ فِي رِوَايَةٍ، وَلَا الزَّكَاةَ فِي أُخْرَى، وَلَا الْإِيمَانَ فِي أُخْرَى، وَذَكَرَ فِي بَعْضِهَا صِلَةَ الرَّحِمِ، وَفِي بَعْضِهَا أَدَاءَ الْخُمُسِ. وَأَجَابَ ابْنُ الصَّلَاحِ كَالْقَاضِي عِيَاضٍ بِأَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ تَفَاوُتُ الرُّوَاةِ حِفْظًا وَإِتْقَانًا. (فَلَمَّا وَلَّى) أَيْ أَدْبَرَ الْأَعْرَابِيُّ وَذَهَبَ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ سَرَّهُ) أَيْ أَوْقَعَهُ فِي السُّرُورِ وَأَعْجَبَهُ، وَالْفَاعِلُ هُوَ (أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ) جَوَابُ الشَّرْطِ، أَوْ خَبَرٌ مُتَضَمَّنُهُ (إِلَى هَذَا) أَيْ هَذَا الرَّجُلِ؛ لِعَزْمِهِ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورَاتِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورَاتِ، فَعَلَى مَنْ أَرَادَ اللُّحُوقَ بِهِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُصَمِّمَ عَلَى مَا صَمَّمَ عَلَيْهِ؛ لِيَكُونَ مِنَ النَّاجِينَ، وَلِيُحْشَرَ مَعَ السَّابِقِينَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ إِلَى الْفَرْدِ الْجِنْسِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، أَوْ إِلَى الْفَرْدِ الشَّخْصِيِّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَيَكُونُ الْعِلْمُ إِمَّا بِالْوَحْيِ أَوْ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
١٥ - وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ - وَفِي رِوَايَةٍ: غَيْرَكَ - قَالَ: «قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ»». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٥ - (وَعَنْ سُفْيَانَ) بِتَثْلِيثِ السِّينِ وَالضَّمُّ هُوَ الْمَشْهُورُ (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ ابْنِ رَبِيعَةَ (الثَّقَفِيِّ) بِفَتْحَتَيْنِ، نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةِ ثَقِيفٍ، يُكْنَى أَبَا عَمْرٍو، وَقِيلَ أَبَا عَمْرَةَ، يُعَدُّ فِي أَهْلِ الطَّائِفِ لَهُ صُحْبَةٌ، وَكَانَ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَلَى الطَّائِفِ، مَرْوِيَّاتُهُ خَمْسَةُ أَحَادِيثَ (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ) أَيْ فِيمَا يَكْمُلُ بِهِ الْإِسْلَامُ، وَيُرَاعَى بِهِ حُقُوقُهُ، وَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَوَابِعِهِ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فِي مَبَادِئِ الْإِسْلَامِ وَغَايَاتِهِ (قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ
أَحَدًا بَعْدَكَ) أَيْ قَوْلًا جَامِعًا لَا أَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى سُؤَالِ أَحَدٍ بَعْدَ سُؤَالِكِ هَذَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] أَيْ مِنْ بَعْدِ إِمْسَاكِهِ (- وَفِي رِوَايَةٍ: غَيْرَكَ -) أَيْ لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ، وَالْأَوَّلُ مُسْتَلْزِمٌ لِهَذَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَسْأَلْ أَحَدًا بَعْدَ سُؤَالِهِ لَمْ يَسْأَلْ غَيْرَهُ، وَكَذَا يَظْهَرُ وَجْهُ أَوْلَوِيَّةِ الْأَوَّلِ فَجَعَلَهُ أَصْلًا، وَالثَّانِي رِوَايَةٌ خِلَافًا لِمَا فَعَلَ النَّوَوِيُّ فِي أَرْبَعِينِهِ (قَالَ: قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ) أَيْ بِجَمِيعِ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ (ثُمَّ اسْتَقِمْ) هَذَا مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] يَعْنِي عَلَى امْتِثَالِ الْأَوَامِرِ، وَاجْتِنَابِ الزَّوَاجِرِ ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] الْآيَاتِ.
فَالتَّوْحِيدُ حَاصِلٌ بِقَوْلِهِ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، وَالطَّاعَةُ بِأَنْوَاعِهَا مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: (ثُمَّ اسْتَقِمْ)؛ لِأَنَّ الِاسْتِقَامَةَ امْتِثَالُ كُلِّ مَأْمُورٍ وَاجْتِنَابُ كُلِّ مَحْذُورٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ أَعْمَالُ الْقُلُوبِ وَالْأَبْدَانِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ، إِذْ لَا تَحْصُلُ الِاسْتِقَامَةُ مَعَ شَيْءٍ مِنَ الِاعْوِجَاجِ، وَلِذَا قَالَتِ الصُّوفِيَّةُ: الِاسْتِقَامَةُ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ كَرَامَةٍ، أَوْ نَقُولُ آمَنْتُ بِاللَّهِ شَامِلٌ لِلْإِتْيَانِ بِكُلِّ الطَّاعَاتِ وَالِاجْتِنَابِ عَنْ كُلِّ الْمَنْهِيَّاتِ، وَقَوْلُهُ: ثُمَّ اسْتَقِمْ مَحْمُولٌ عَلَى الثَّبَاتِ فِيهِمَا، وَلِعَظَمَةِ أَمْرِ الِاسْتِقَامَةِ قَالَ ﵇: («شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُودٍ»)؛ لِأَنَّهُ نَزَلَ فِيهَا: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] وَهِيَ جَامِعَةٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ التَّكَالِيفِ. وَقَالَتِ الصُّوفِيَّةُ: لِأَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ مَعَ كَوْنِ الْمَدْعُوِّ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ أَمْرٌ صَعْبٌ لَا يُمْكِنُ إِلَّا إِذَا كَانَ الدَّاعِي عَلَى بَصِيرَةٍ يَرَى أَنَّهُ يَدْعُوهُ مِنِ اسْمٍ إِلَى اسْمٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] مَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ آيَةٌ كَانَتْ أَشَدَّ وَلَا أَشَقَّ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ. وَلِذَا قَالَ ﵊ لَمَّا قَالُوا لَهُ: قَدْ أَسْرَعَ إِلَيْكَ الشَّيْبُ: («شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا») . وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: الِاسْتِقَامَةُ أَمْرٌ صَعْبٌ شَدِيدٌ لِشُمُولِهَا الْعَقَائِدَ بِأَنْ يَجْتَنِبَ التَّشْبِيهَ وَالتَّعْطِيلَ، وَالْأَعْمَالَ بِأَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ، وَالْأَخْلَاقَ بِأَنْ يَبْعُدَ عَنْ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: الِاسْتِقَامَةُ عَلَى الصِّرَاطِ فِي الدُّنْيَا صَعْبٌ كَالْمُرُورِ عَلَى صِرَاطِ جَهَنَّمَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ اهـ. وَمِمَّا يَزِيدُ صُعُوبَةَ هَذَا الْمَرْقَى خَبَرُ (اسْتَقِيمُوا، وَلَنْ تُحْصُوا) أَيْ وَلَنْ تَطِيقُوا أَنْ تَسْتَقِيمُوا حَقَّ الِاسْتِقَامَةِ، وَلَكِنِ اجْتَهِدُوا فِي الطَّاعَةِ حَقَّ الْإِطَاعَةِ، فَإِنَّ مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى أَنَّ أَحَدًا لَا يَظُنُّ بِنَفْسِهِ الِاسْتِقَامَةَ، وَلَا يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ خَرَجَ بِالْكُلِّيَّةِ مِنْ صِفَةِ النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ، فَيَقَعُ فِي الْعُجْبِ وَالْغُرُورِ اللَّذَيْنِ هُمَا أَقْبَحُ مِنْ كُلِّ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْمَلَامَةُ، نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ.
وَقَدْ يُقَالُ: السِّينُ لِطَلَبِ الْقِيَامِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الْحَالَاتِ وَالْمَقَامَاتِ فِي جَمِيعِ السَّاعَاتِ إِلَى الْمَمَاتِ، ثُمَّ قَدْ يُقَالُ: الْحِكْمَةُ فِي عَدَمِ الْإِطَاقَةِ عَلَى دَوَامِ الْإِطَاعَةِ أَنَّ تُرَابَ الْإِنْسَانِ عُجِنَ بِمَاءِ النِّسْيَانِ النَّاشِئِ عَنْهُ الْعِصْيَانَ؛ وَلِذَا قَالَ ﵊: («كُلُّكُمْ خَطَّاءُونَ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ») فَجِنْسُ الْإِنْسَانِ كَنَوْعِ النِّسْوَانِ الَّتِي خُلِقْنَ مِنَ الضِّلَعِ الْأَعْوَجِ فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُنَّ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى صِفَةِ الْإِدَامَةِ، وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وَلَا يَزُولُ طَبْعٌ عَمَّا جُبِلَ عَلَيْهِ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْإِشَارَةِ إِلَيْهِ هَذَا، وَلَفْظَةُ (ثُمَّ) مُسْتَعَارَةٌ لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِقَامَةَ أَفْضَلُ مِنْ قَوْلِهِ: آمَنْتُ بِاللَّهِ؛ لِشُمُولِهَا الْعَقَائِدَ وَالْأَعْمَالَ وَالْأَخْلَاقَ. ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَالْإِمَامُ، وَهِيَ لُغَةً ضِدُّ الِاعْوِجَاجِ أَيِ الِاسْتِوَاءِ فِي جِهَةِ الِانْتِصَابِ، وَتَنْقَسِمُ إِلَى اسْتِقَامَةِ الْعَمَلِ، وَهُوَ الِاقْتِصَادُ فِي غَيْرِ مُتَعَدٍّ مِنْ مَنْهَجِ السُّنَّةِ، وَلَا مُتَجَاوِزٍ عَنْ حَدِّ الْإِخْلَاصِ إِلَى الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، أَوْ رَجَاءِ الْعِوَضِ، أَوْ طَلَبِ الْغَرَضِ، وَاسْتِقَامَةِ الْقَلْبِ وَهِيَ الثَّبَاتُ عَلَى الصَّوَابِ، وَعِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ هِيَ اسْتِوَاءُ الْقَصْدِ فِي السَّيْرِ إِلَى اللَّهِ، وَثَبَاتُ الْقُوَى عَلَى حُدُودِهَا بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهِيَ دُونَ الِاسْتِقَامَةِ فِي السَّيْرِ فِي اللَّهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ فِي الطَّرِيقِ وَالسُّلُوكِ إِلَيْهِ بِأَحَدَيْهِ الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ، وَأَمَّا السَّيْرُ فِي اللَّهِ فَهُوَ الِاتِّصَافُ بِصِفَاتِهِ، وَالِاسْتِقَامَةُ فِي اللَّهِ
مَجْهُولًا، وَرَفْعِ دَوِيٍّ عَلَى النِّيَابَةِ، وَكَذَا الْوَجْهَانِ فِي قَوْلِهِ: (وَلَا نَفْقَهُ) أَيْ لَا نَفْهَمُ مِنْ جِهَةِ الْبُعْدِ (مَا يَقُولُ) لِضَعْفِ صَوْتِهِ (حَتَّى دَنَا) أَيْ (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، أَيْ إِلَى أَنْ قَرُبَ فَفَهِمْنَا (فَإِذَا) لِلْمُفَاجَأَةِ (هُوَ) أَيِ الرَّجُلُ (يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ) أَيْ عَنْ فَرَائِضِهِ الَّتِي فُرِضَتْ عَلَى مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ، وَصَدَّقَ رَسُولَهُ لَا عَنْ حَقِيقَتِهِ؛ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرِ الشَّهَادَتَيْنِ، وَلِكَوْنِ السَّائِلِ مُتَّصِفًا بِهِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا: أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ؟ وَيُمْكِنُ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ مَاهِيَّةِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّهَادَةَ وَلَمْ يَسْمَعْهَا الرَّاوِي أَوْ نَسِيَهَا، أَوِ اخْتَصَرَهَا لِكَوْنِهَا مَعْلُومَةً عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ، وَقِيلَ: لَمْ يَذْكُرِ الْحَجَّ لِأَنَّ الْحَدِيثَ حِكَايَةُ حَالِ الرَّجُلِ خَاصَّةً لِقَوْلِهِ: عَلَيَّ، فَأَجَابَهُ ﵊ بِمَا عَرَفَ مِنْ حَالِهِ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ وَجَبَ الْحَجُّ عَلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَمْ يُفْرَضْ حِينَئِذٍ، أَوْ أُسْقِطَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ: فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ) بِالرَّفْعِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيِ الْإِسْلَامُ، وَالْمُرَادُ فَرْضُهُ إِقَامَةُ خَمْسِ صَلَوَاتٍ، أَوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ الْخَبَرَ أَيْ مِنْ شَرَائِعِهِ أَدَاءُ خَمْسِ صَلَوَاتٍ، وَيَجُوزُ نَصْبُهُ بِتَقْدِيرِ خُذْ، أَوِ اعْمَلْ، أَوْ صَلِّ، وَهُوَ أَحْسَنُ. وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فَأَعْرَبَ بِقَوْلِهِ بِالْجَرِّ بَدَلًا مِنَ الْإِسْلَامِ، أَوْ بِقَسِيمَيْهِ أَيْ هُوَ أَوْ خُذْ اهـ. وَالَّذِي اخْتَارَهُ مِنَ الْجَرِّ لَا يَصِحُّ رِوَايَةً وَدِرَايَةً، أَمَّا الْأَوَّلُ فَيَظْهَرُ لَكَ مِنْ تَتَبُّعِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْبَدَلَ وَالْمُبْدَلَ لَا يَكُونَانِ إِلَّا فِي كَلَامٍ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ الْمَقُولَ لَا يَكُونُ إِلَّا جُمْلَةً، فَأَحَدُ جُزْأَيْهِ الْمَوْجُودُ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا، وَأَنَّهُ إِذَا جُعِلَ بَدَلًا لَا يَبْقَى لِلسُّؤَالِ جَوَابًا، فَلَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَقَالَ) أَيِ الرَّجُلُ (هَلْ عَلَيَّ) أَيْ يَجِبُ مِنَ الصَّلَاةِ (غَيْرُهُنَّ؟) أَيْ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، أَوِ الْجَارُّ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَغَيْرُهُنَّ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ (فَقَالَ) ﷺ: (لَا) أَيْ لَا شَيْءَ عَلَيْكَ غَيْرُهَا، وَهَذَا قَبْلَ وُجُوبِ الْوِتْرِ، أَوْ أَنَّهُ تَابِعٌ لِلْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْعِيدِ لَيْسَتْ مِنَ الْفَرَائِضِ الْيَوْمِيَّةِ بَلْ هِيَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ السَّنَوِيَّةِ (إِلَّا أَنْ): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ (تَطَّوَّعَ): بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَالْوَاوِ، وَأَصْلُهُ تَتَطَوَّعَ بِتَاءَيْنِ، فَأُبْدِلَتْ وَأُدْغِمَتْ، وَرُوِيَ بِحَذْفِ إِحْدَاهَا وَتَخْفِيفِ الطَّاءِ، وَالْمَعْنَى إِلَّا أَنْ تَشْرَعَ فِي التَّطَوُّعِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكَ إِتْمَامُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَلِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى وُجُوبِ الْإِتْمَامِ. وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: هَذَا مُجَرَّدُ دَعْوَى بِلَا سَنَدٍ - مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ السَّنَدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ، مَعَ أَنَّ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ سَنَدٌ مُعْتَمَدٌ لِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ الْمَسْطُورِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
وَقَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ الْحَنَفِيَّةَ حَيْثُ اسْتَدَلُّوا بِهِ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ الْإِتْمَامَ فَرْضٌ، وَهُمْ إِنَّمَا يَقُولُونَ بِوُجُوبِهِ - مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْآيَةَ قَطْعِيَّةٌ وَالدَّلَالَةُ ظَنِّيَّةٌ.
وَقَوْلُهُ: وَاسْتِثْنَاءُ الْوَاجِبِ مِنَ الْفَرْضِ مُنْقَطِعٌ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَنَا فَرْضٌ عَمَلِيٌّ لَا اعْتِقَادِيٌّ، وَهَذَا الِاعْتِبَارُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَرْضٌ، فَالْمُرَادُ بِالْفَرْضِ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْنَى الْأَعَمُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، مَعَ أَنَّهُ لَا مَحْذُورَ فِي جَعْلِ الِاسْتِثْنَاءِ مُنْقَطِعًا لِصِحَّةِ الْكَلَامِ كَمَا اخْتَارَهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَقَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ مِنَ النَّفْيِ لَا يُفِيدُ الْإِثْبَاتَ بَلِ الْحُكْمُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ عِنْدَهُمْ مَدْخُولٌ، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ لَوِ اسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ دَلِيلَهُمُ الْآيَةُ وَالْإِجْمَاعُ، وَإِنَّمَا حَمَلُوا لَفْظَ الْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُسْتَفَادِ مِنْهُمَا، ثُمَّ هَذَا مُطَّرِدٌ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ عِنْدَنَا حَيْثُ يَلْزَمُ النَّفْلُ بِالشُّرُوعِ، وَوَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَعَلَيْهِ الْفَرْقُ، وَإِلَّا فَيَكْفِينَا قِيَاسُ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ عَلَيْهِمَا أَيْضًا، أَوِ الْمَعْنَى إِلَّا أَنْ تُوجِبَ عَلَى نَفْسِكَ بِالنَّذْرِ، وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، وَعَدَلَ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: لَكِنَّ التَّطَوُّعَ مُسْتَحَبٌّ، فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ مَدْخُولٍ لَا مُنْقَطِعٍ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَدُلُّ عَلَى إِيجَابِ إِتْمَامِ التَّطَوُّعِ بِالشُّرُوعِ فِيهِ. أَقُولُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا، وَالْمَعْنَى لَكِنَّ التَّطَوُّعَ بِاخْتِيَارِكَ أَيِ ابْتِدَاءٌ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا، أَوِ انْتِهَاءٌ أَيْضًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى الْخَيْرَاتِ وَتَرْكِ الْوُقُوفِ عَلَى مُجَرَّدِ الْوَاجِبَاتِ. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ) عَطْفٌ عَلَى خَمْسٍ، وَجُمْلَةُ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ مُعْتَرِضَةٌ (قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟) أَيْ هَلْ عَلَيَّ صَوْمٌ فَرْضٌ سِوَى صَوْمِ رَمَضَانَ (قَالَ) بِحَذْفِ الْفَاءِ فِي الْأُصُولِ الْحَاضِرَةِ (لَا) فَلَا يَجِبُ صَوْمُ عَاشُورَاءَ
سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا قَبْلَ رَمَضَانَ أَمْ لَا (إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ قَالَ) أَيْ طَلْحَةُ (وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ) هَذَا قَوْلُ الرَّاوِي، فَإِنَّهُ نَسِيَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوِ الْتَبَسَ عَلَيْهِ فَقَالَ: ذَكَرَ الزَّكَاةَ، وَهَذَا يُؤْذِنُ بِأَنَّ مُرَاعَاةَ الْأَلْفَاظِ مُعْتَبَرَةٌ فِي الرِّوَايَةِ، فَإِذَا الْتُبِسَ عَلَيْهِ بَعْضُهَا يُشِيرُ فِي أَلْفَاظِهِ إِلَى مَا يُنْبِئُ عَنْهُ كَمَا فَعَلَ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ (فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ فَقَالَ: لَا) قِيلَ: يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ بِشُرُوطِهَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ إِنْ أُرِيدَ بِهِ الْحُقُوقُ الْأَصْلِيَّةُ الْمُتَكَرِّرَةُ تَكْرَارَهَا، وَإِلَّا فَحُقُوقُ الْمَالِ كَثِيرَةٌ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَنَفَقَةِ ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَالْأُضْحِيَّةِ (إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ قَالَ) أَيْ طَلْحَةُ (فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ (يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا) أَيْ فِي الْإِبْلَاغِ أَوْ فِي نَفْسِ الْفَرِيضَةِ (وَلَا أَنْقُصُ عَنْهُ) أَيْ شَيْئًا، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَفْلَحَ الرَّجُلُ) أَيْ دَخَلَ فِي الْفَلَاحِ، وَالْمَعْنَى فَازَ وَظَفِرَ وَأَدْرَكَ بُغْيَتَهُ، وَهِيَ ضَرْبَانِ: دُنْيَوِيٌّ وَهُوَ الظَّفَرُ فَلَا يَطْلُبُ مَعَهُ الْحَيَاةَ وَالْأَسْبَابَ، وَأُخْرَوِيٌّ، وَهُوَ مَا يَحْصُلُ بِهِ النَّجَاةُ مِنَ الْعَذَابِ، وَالْفَوْزُ بِالثَّوَابِ. قَالُوا: وَلَا كَلِمَةَ أَجْمَعُ لِلْخَيْرَاتِ مِنْهُ، وَمِنْ ثَمَّ فُسِّرَ بِأَنَّهُ بَقَاءٌ بِلَا فَنَاءٌ، وَغِنًى بِلَا فَقْرٍ، وَعِزٌّ بِلَا ذُلٍّ، وَعِلْمٌ بِلَا جَهْلٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَفْلَحَ وَاللَّهِ. وَفِي أُخْرَى صَحِيحَةٍ: بِلَا شَكٍّ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَفْلَحَ وَأَبِيهِ، وَفِيهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّهُ وَرَدَ: مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ قَبْلَ النَّهْيِ، وَقِيلَ: فِيهِ حَذْفٌ مُضَافٌ أَيْ وَرَبِّ أَبِيهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ وَاللَّهِ، وَأَنَّ الْكَاتِبَ قَصَرَ اللَّامَيْنِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْكَرَاهَةَ فِي غَيْرِ الشَّارِعِ كَمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجْرٍ فَضَعَّفَ الْأَقْوَالَ الْمَذْكُورَةَ جَمِيعَهَا، وَحَمَلَ عَلَى أَنَّ هَذَا وَقَعَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ (إِنْ صَدَقَ): بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا، أَيْ لِصِدْقِهِ، وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ قِيلَ: إِنَّمَا حَكَمَ ﵊ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مُطْلَقًا فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُنَا عَلَّقَ الْفَلَاحَ بِصِدْقِهِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَ بِحُضُورِ الْأَعْرَابِيِّ لِئَلَّا يَغْتَرَّ فَيُشْكِلَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا ذَهَبَ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ. . . إِلَخْ. وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ أَنْ يُطْلِعَهُ اللَّهُ عَلَى صِدْقِهِ، ثُمَّ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَكُونَ مُفْلِحًا؛ لِأَنَّ الْمُفْلِحَ هُوَ النَّاجِي مِنَ السَّخَطِ وَالْعَذَابِ، فَكُلُّ مُؤْمِنٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَلَيْسَ كُلُّ مُؤْمِنٍ مُفْلِحًا، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] الْآيَاتِ. وَقَالَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] الْآيَاتِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
١٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ الْقَوْمُ؟ أَوْ: مَنِ الْوَفْدُ؟» قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: "مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ - أَوْ: بِالْوَفْدِ - غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنَّ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرُهُ مَنْ وَرَاءَنَا وَنَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَسَأَلُوهُ عَنِ الْأَشْرِبَةِ فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ؛ أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: (أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ (شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ) . وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الْحَنْتَمِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَقَالَ: (احْفَظُوهُنَّ، وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ)» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
ــ
١٧ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ): هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمُّهُ لُبَابَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ أُخْتُ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وُلِدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ: عَشْرٍ. كَانَ حَبْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَعَالِمَهَا، وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْحِكْمَةِ، وَالْفِقْهِ، وَالتَّأْوِيلِ، وَرَأَى جِبْرِيلَ ﵇ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُقَرِّبُهُ وَيُشَاوِرُهُ بَيْنَ أَجِلَّةِ الصَّحَابَةُ، وَكُفَّ بَصَرُهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَمَاتَ بِالطَّائِفِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ
فِي أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. (قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ) الْوَفْدُ: جَمْعُ وَافِدٍ، وَهُوَ الَّذِي أَتَى إِلَى الْأَمِيرِ بِرِسَالَةٍ مِنْ قَوْمٍ، وَقِيلَ: رَهْطٌ كِرَامٌ. وَعَبَدُ الْقَيْسِ أَبُو قَبِيلَةٍ عَظِيمَةٍ تَنْتَهِي إِلَى رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدٍّ بْنِ عَدْنَانَ، وَرَبِيعَةُ قَبِيلَةٌ عَظِيمَةٌ فِي مُقَابَلَةِ مُضَرَ، وَكَانَ قَبِيلَةُ عَبْدِ الْقَيْسِ يَنْزِلُونَ الْبَحْرَيْنِ وَحَوَالَيِ الْقَطِيفِ، وَمَا بَيْنَ هَجَرَ إِلَى الدِّيَارِ الْمُضَرِيَّةِ، وَكَانَتْ وِفَادَتُهُمْ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَسَبَبُهَا أَنَّ مُنْقِذَ بْنَ حِبَّانَ مِنْهُمْ كَانَ يَتَّجِرُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَامَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْرَافِ قَوْمِهِ مُسَمِّيًا لَهُ بِأَسْمَائِهِمْ فَأَسْلَمَ، وَتَعَلَّمَ الْفَاتِحَةَ وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى هَجَرَ وَمَعَهُ كِتَابُهُ ﵊ فَكَتَمَهُ أَيَّامًا لَكِنْ أَنْكَرَتْ زَوْجَتُهُ صَلَاتَهُ وَمُقَدِّمَاتِهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِأَبِيهَا الْمُنْذِرِ رَئِيسِهِمْ فَتَجَاذَبَا فَوَقَعَ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِالْكِتَابِ إِلَى قَوْمِهِ وَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ، فَأَسْلَمُوا وَأَجْمَعُوا عَلَى الْمَسِيرِ إِلَيْهِ ﵊ فَتَوَجَّهَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَاكِبًا، فَحِينَ قَرُبُوا مِنَ الْمَدِينَةِ قَالَ ﵊ لِجُلَسَائِهِ: («أَتَاكُمْ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ خَيْرُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَفِيهِمُ الْأَشَجُّ») أَيِ الْمُنْذِرُ، سَمَّاهُ ﵊ بِذَلِكَ لِأَثَرٍ بِوَجْهِهِ. وَرُوِيَ أَنَّهُمْ أَرْبَعُونَ، وَجُمِعَ بِأَنَّ لَهُمْ وِفَادَتَيْنِ، أَوْ بِأَنَّ أَشْرَافَهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ. (لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ) أَيْ حَضَرُوهُ (قَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (ﷺ: مَنِ الْقَوْمُ؟) بِفَتْحِ الْمِيمِ (أَوْ: مَنِ الْوَفْدُ)؟ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالسُّؤَالُ إِنَّمَا هُوَ لِلِاسْتِئْنَاسِ (قَالُوا: رَبِيعَةُ) أَيْ قَالَ بَعْضُ الْوَفْدِ: نَحْنُ رَبِيعَةُ، أَوْ وَفْدُ رَبِيعَةَ، أَوْ قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: هُمْ رَبِيعَةُ، أَوْ وَفْدُ رَبِيعَةَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ أَيْ تُسَمَّى رَبِيعَةَ، أَوْ يُسَمَّوْنَ رَبِيعَةَ (قَالَ: مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ) أَوْ (بِالْوَفْدِ) أَيْ أَصَابَ الْوَفْدُ رُحْبًا وَسَعَةً، أَوْ أَتَى الْقَوْمُ مَوْضِعًا وَاسِعًا، فَالْبَاءُ زَائِدَةٌ فِي الْفَاعِلِ، وَمَرْحَبًا مَفْعُولٌ بِهِ لِمُقَدَّرٍ، أَوْ أَتَى اللَّهُ بِالْقَوْمِ مَرْحَبًا، فَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَمَرْحَبًا مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْمَفَاعِيلِ الْمَنْصُوبَةِ بِمُضْمِرٍ وُجُوبًا لِكَثْرَةِ دَوَرَانِهِ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَيُقَالُ هَذَا لِلتَّأْنِيسِ وَإِزَالَةِ الْحُزْنِ وَالِاسْتِحْيَاءِ عَنْ نَفْسِ مَنْ أَتَاهُمْ مِنْ وَافِدٍ، أَوْ بَاغِي خَيْرٍ، أَوْ قَاصِدِ حَاجَةٍ، وَتَقْدِيرُ ابْنِ حَجَرٍ: صَادَفْتُمْ، أَوْ أَصَبْتُمْ غَيْرُ ظَاهِرٍ مَعَ وُجُودِ الْقَوْمِ. (غَيْرَ خَزَايَا) بِفَتْحِ الْخَاءِ جَمْعُ خَزْيَانَ، مِنَ الْخِزْيِ وَهُوَ الذُّلُّ وَالْإِهَانَةُ، وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْوَفْدِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ الْفِعْلُ الْمُقَدَّرُ فِي مَرْحَبًا. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: (بِالْوَفْدِ الَّذِينَ جَاءُوا غَيْرَ خَزَايَا) وَجُوِّزَ جَرُّهُ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الْقَوْمِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: وَرُوِيَ بِالْكَسْرِ صِفَةٌ، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّ «غَيْرَ» مُتَوَغِّلَةٌ فِي النَّكِرَةِ بِحَيْثُ إِنَّهَا لَا تَصِيرُ مَعْرِفَةً بِالْإِضَافَةِ، وَلَوْ إِلَى الْمَعْرِفَةِ (وَلَا نَدَامَى): جَمْعُ نَدْمَانَ بِمَعْنَى نَادِمٍ، أَوْ جَمْعُ نَادِمٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، إِذْ قِيَاسُهُ: (نَادِمِينَ) ازْدِوَاجًا لِلْخَزَايَا، وَالْمَعْنَى مَا كَانُوا بِالْإِتْيَانِ إِلَيْنَا خَاسِرِينَ خَائِبِينَ؛ لِأَنَّهُمْ مَا تَأَخَّرُوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَلَا أَصَابَهُمْ قِتَالٌ وَلَا سَبْيٌ فَيُوجِبُ اسْتِحْيَاءً أَوِ افْتِضَاحًا أَوْ ذُلًّا أَوْ نَدَمًا (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ) أَيْ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ (إِلَّا فِي الشَّهْرِ) مِنَ الشُّهْرَةِ، وَالظُّهُورِ (الْحَرَامِ): وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ، لِأَنَّ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ أَرْبَعَةٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَمُحَرَّمٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبٌ فَرْدٌ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ اعْتِذَارًا عَنْ عَدَمِ الْإِتْيَانِ إِلَيْهِ ﵊ فِي غَيْرِ هَذَا الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانُوا يُحَارِبُونَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَيَكْفُونَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ؛ تَعْظِيمًا لَهَا وَتَسْهِيلًا عَلَى زُوَّارِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ مِنَ الْحُرُوبِ وَالْغَارَاتِ الْوَاقِعَةِ مِنْهُمْ فِي غَيْرِهَا، فَلَا يَأْمَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْمَسَالِكِ وَالْمَرَاحِلِ إِلَّا فِيهَا، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ يُمْكِنُ مَجِيءُ هَؤُلَاءِ إِلَيْهِ ﵊ فِيهَا دُونَ مَا عَدَاهَا؛ لِأَمْنِهِمْ فِيهَا مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ الْحَاجِزِينَ بَيْنَ مَنَازِلِهِمْ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ،
وَكَانَ هَذَا التَّعْظِيمُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] (وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ): الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ «نَأْتِيكَ»، أَوْ بَيَانٌ لِوَجْهِ عَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَأَصْلُ الْحَيِّ مَنْزِلُ الْقَبِيلَةِ، سُمِّيَتْ بِهِ اتِّسَاعًا لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَحْيَا بِبَعْضٍ، أَوْ يُحَمِّسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا (مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ): تَبْعِيضِيَّةٌ، أَوْ بَيَانِيَّةٌ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَمُضَرُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ ابْنُ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ، فَهُوَ أَخُو رَبِيعَةَ أَبِي عَبْدِ الْقَيْسِ (فَمُرْنَا بِأَمْرٍ): الْأَظْهَرُ أَنَّ الْأَمْرَ بِمَعْنَى الشَّأْنِ، وَاحِدُ الْأُمُورِ، وَالْبَاءُ صِلَةٌ، وَالتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَعْنَى اللَّفْظِ وَمَوْرِدُهُ، وَقِيلَ: الْأَمْرُ وَاحِدُ الْأَوَامِرِ، أَيِ الْقَوْلُ الطَّالِبُ لِلْفِعْلِ، وَالتَّنْكِيرُ لِلتَّقْلِيلِ، وَالْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ اللَّفْظُ، وَالْمَأْمُورُ بِهِ مَحْذُوفٌ أَيْ مُرْنَا نَعْمَلْ بِقَوْلِكَ: آمِنُوا، أَوْ قُولُوا آمَنَّا، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ: وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الرَّاوِي: أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ اهـ. فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِمَعْنَى الشَّأْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَقَالَ الرَّاوِي: قَالَ ﵊ لَهُمْ: آمِنُوا، أَوْ قُولُوا: آمَنَّا. (فَصْلٍ): بِمَعْنَى فَاصِلٍ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَهُوَ صِفَةٌ لِأَمْرٍ أَيْ أَمْرٌ قَاطِعٌ، أَوْ بِمَعْنَى مُفَصَّلٍ لِتَفْصِيلِهِ ﷺ الْإِيمَانَ بِأَرْكَانِهِ الْخَمْسَةِ، أَوْ مَفْصُولٌ أَيْ مُبِينٌ وَاضِحٌ بِهِ الْمُرَادُ مِنْ غَيْرِهِ، وَحَكَى الْإِضَافَةَ (نُخْبِرُ): بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِأَمْرٍ أَوِ اسْتِئْنَافٍ، وَبِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ (بِهِ): بِسَبَبِهِ كَذَا قِيلَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لِلتَّعْدِيَةِ (مَنْ وَرَاءَنَا): بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْهَمْزَةِ، أَيْ مَنْ خَلْفَنَا مَنْ قَوْمِنَا، أَوْ مِنْ بَعْدِنَا مِمَّنْ يُدْرِكُنَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِكَسْرِهَا اهـ.
وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ الْمَفْعُولِ. (وَنَدْخُلُ) عَطْفًا عَلَى نُخْبِرُ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ (بِهِ) أَيْ بِسَبَبِ قَبُولِ أَمْرِكَ وَالْعَمَلِ بِهِ، أَوْ بِالْإِخْبَارِ بِهِ الْمَفْهُومِ مَنْ «نُخْبِرُ» (الْجَنَّةَ) أَيْ مَعَ الْفَائِزِينَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَعَ النَّاجِينَ اهـ. وَفِيهِ مُنَاقَشَةٌ لَا تَخْفَى، وَدُخُولُ الْجَنَّةِ إِنَّمَا هُوَ بِفَضْلِ اللَّهِ لَكِنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ سَبَبُهُ كَمَا أَنَّ الْأَكْلَ سَبَبُ الشِّبَعِ، وَالْمُشْبِعُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى بِفَضْلِهِ؛ إِذْ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، أَوِ الْمُضَافُ مُقَدَّرٌ أَيْ دَرَجَاتُهَا فَإِنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ الْأَعْمَالِ، وَدُخُولُ الْجَنَّةِ بِالْإِفْضَالِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا عَلَى حَدِّ: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] أَيْ بِعَمَلِكُمْ، وَلَا يُنَافِيهِ خَبَرُ: («لَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ») ; لِأَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ كَوْنِ الْعَمَلِ سَبَبًا مُسْتَقِلًّا فِي الدُّخُولِ، بِدَلِيلِ قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: («وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ») . وَهَذَا أَوْلَى مِنَ الْجَوَابِ بِأَنَّ الْبَاءَ فِي الْآيَةِ لِلْمُلَابَسَةِ أَيْ أُورِثْتُمُوهَا مُلَابَسَةً لِأَعْمَالِكُمْ، أَيْ لِثَوَابِهَا، أَوْ لِلْمُقَابَلَةِ كَـ «بِعْتُهُ بِدِرْهَمٍ»، أَوِ الْمُرَادُ الْجَنَّةُ الْعَالِيَةُ، أَوْ بِأَنَّ دَرَجَاتِهَا بِالْعَمَلِ وَدُخُولَهَا بِالْفَضْلِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الدُّخُولُ بِسَبَبِ الْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ مِنْ رَحْمَتِهِ تَعَالَى أَيْ فَلَمْ يَقَعِ الدُّخُولُ إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمُقَدِّمَةَ الْأُولَى خِلَافُ صَرِيحِ الْحَدِيثِ، وَيُدْفَعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا تَقَرَّرَ مِنِ انْتِفَاءِ كَوْنِهِ سَبَبًا مُسْتَقِلًّا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، إِذِ الْقَصْدُ بِهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَرَى عَمَلَهُ مُتَكَفِّلًا بِدُخُولِهَا مِنْ غَيْرِ مُلَاحِظَةٍ لِكَوْنِهِ مِنْ جُمْلَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ. اهـ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ انْتِفَاءُ دُخُولِهَا بِالْعَمَلِ عَلَى وَجْهِ الْعَدْلِ، وَإِثْبَاتُهُ عَلَى طَرِيقِ الْفَضْلِ فَمَا بَيْنَهُمَا تَنَافٍ يَقْبَلُ الْفَصْلَ. (وَسَأَلُوهُ) أَيِ الْوَفْدُ (عَنِ الْأَشْرِبَةِ) - جَمْعُ شَرَابٍ، وَهُوَ يَشْرَبُ - أَيْ عَنْ حُكْمِ ظُرُوفِهَا بِحَذْفِ الْمُضَافِ، أَوِ الْأَشْرِبَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْأَوَانِي الْمُخْتَلِفَةِ، بِحَذْفِ الصِّفَةِ، وَالْمُرَادُ: عَنْ حُكْمِهَا (فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ) أَيْ بِأَرْبَعِ خِصَالٍ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا الْأَهَمُّ بِالسُّؤَالِ، وَالْأَتَمُّ فِي تَحْصِيلِ الْكَمَالِ (وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ) أَيْ أَرْبَعِ خِصَالٍ، وَهِيَ أَنْوَاعُ الشُّرْبِ بِاعْتِبَارِ أَصْنَافِ الظُّرُوفِ الْآتِيَةِ. (أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ): نُصِبَ عَلَى الْحَالِ أَيْ وَاحِدًا فِي الذَّاتِ مُنْفَرِدًا فِي الصِّفَاتِ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الْأَفْعَالِ. وَهَذَا الْأَمْرُ تَوْطِئَةٌ، فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ مِنْ فُرُوعِ التَّكَالِيفِ، وَهِيَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْإِيمَانِ، فَإِنَّهُ شَرْطُ صِحَّتِهَا، وَمَبْدَأُ ثُبُوتِهَا (قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟) ذَكَرَهُ تَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَى تَفْرِيغِ أَذْهَانِهِمْ لِضَبْطِ مَا يُلْقَى إِلَيْهِمْ فَيَكُونُ أَوْقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) تَأَدُّبًا وَطَلَبًا لِلسَّمَاعِ مِنْهُ ﷺ لِأَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ ابْنِ حَجْرٍ: هُوَ بِمَعْنَى عَالِمٍ عَلَى حَدِّ: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) ثُمَّ أَغْرَبَ
وَكَانَ هَذَا التَّعْظِيمُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] (وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ): الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ «نَأْتِيكَ»، أَوْ بَيَانٌ لِوَجْهِ عَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَأَصْلُ الْحَيِّ مَنْزِلُ الْقَبِيلَةِ، سُمِّيَتْ بِهِ اتِّسَاعًا لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَحْيَا بِبَعْضٍ، أَوْ يُحَمِّسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا (مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ): تَبْعِيضِيَّةٌ، أَوْ بَيَانِيَّةٌ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَمُضَرُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ ابْنُ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ، فَهُوَ أَخُو رَبِيعَةَ أَبِي عَبْدِ الْقَيْسِ (فَمُرْنَا بِأَمْرٍ): الْأَظْهَرُ أَنَّ الْأَمْرَ بِمَعْنَى الشَّأْنِ، وَاحِدُ الْأُمُورِ، وَالْبَاءُ صِلَةٌ، وَالتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَعْنَى اللَّفْظِ وَمَوْرِدُهُ، وَقِيلَ: الْأَمْرُ وَاحِدُ الْأَوَامِرِ، أَيِ الْقَوْلُ الطَّالِبُ لِلْفِعْلِ، وَالتَّنْكِيرُ لِلتَّقْلِيلِ، وَالْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ اللَّفْظُ، وَالْمَأْمُورُ بِهِ مَحْذُوفٌ أَيْ مُرْنَا نَعْمَلْ بِقَوْلِكَ: آمِنُوا، أَوْ قُولُوا آمَنَّا، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ: وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الرَّاوِي: أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ اهـ. فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِمَعْنَى الشَّأْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَقَالَ الرَّاوِي: قَالَ ﵊ لَهُمْ: آمِنُوا، أَوْ قُولُوا: آمَنَّا. (فَصْلٍ): بِمَعْنَى فَاصِلٍ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَهُوَ صِفَةٌ لِأَمْرٍ أَيْ أَمْرٌ قَاطِعٌ، أَوْ بِمَعْنَى مُفَصَّلٍ لِتَفْصِيلِهِ ﷺ الْإِيمَانَ بِأَرْكَانِهِ الْخَمْسَةِ، أَوْ مَفْصُولٌ أَيْ مُبِينٌ وَاضِحٌ بِهِ الْمُرَادُ مِنْ غَيْرِهِ، وَحَكَى الْإِضَافَةَ (نُخْبِرُ): بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِأَمْرٍ أَوِ اسْتِئْنَافٍ، وَبِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ (بِهِ): بِسَبَبِهِ كَذَا قِيلَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لِلتَّعْدِيَةِ (مَنْ وَرَاءَنَا): بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْهَمْزَةِ، أَيْ مَنْ خَلْفَنَا مَنْ قَوْمِنَا، أَوْ مِنْ بَعْدِنَا مِمَّنْ يُدْرِكُنَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِكَسْرِهَا اهـ.
وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ الْمَفْعُولِ. (وَنَدْخُلُ) عَطْفًا عَلَى نُخْبِرُ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ (بِهِ) أَيْ بِسَبَبِ قَبُولِ أَمْرِكَ وَالْعَمَلِ بِهِ، أَوْ بِالْإِخْبَارِ بِهِ الْمَفْهُومِ مَنْ «نُخْبِرُ» (الْجَنَّةَ) أَيْ مَعَ الْفَائِزِينَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَعَ النَّاجِينَ اهـ. وَفِيهِ مُنَاقَشَةٌ لَا تَخْفَى، وَدُخُولُ الْجَنَّةِ إِنَّمَا هُوَ بِفَضْلِ اللَّهِ لَكِنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ سَبَبُهُ كَمَا أَنَّ الْأَكْلَ سَبَبُ الشِّبَعِ، وَالْمُشْبِعُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى بِفَضْلِهِ؛ إِذْ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، أَوِ الْمُضَافُ مُقَدَّرٌ أَيْ دَرَجَاتُهَا فَإِنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ الْأَعْمَالِ، وَدُخُولُ الْجَنَّةِ بِالْإِفْضَالِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا عَلَى حَدِّ: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] أَيْ بِعَمَلِكُمْ، وَلَا يُنَافِيهِ خَبَرُ: («لَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ») ; لِأَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ كَوْنِ الْعَمَلِ سَبَبًا مُسْتَقِلًّا فِي الدُّخُولِ، بِدَلِيلِ قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: («وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ») . وَهَذَا أَوْلَى مِنَ الْجَوَابِ بِأَنَّ الْبَاءَ فِي الْآيَةِ لِلْمُلَابَسَةِ أَيْ أُورِثْتُمُوهَا مُلَابَسَةً لِأَعْمَالِكُمْ، أَيْ لِثَوَابِهَا، أَوْ لِلْمُقَابَلَةِ كَـ «بِعْتُهُ بِدِرْهَمٍ»، أَوِ الْمُرَادُ الْجَنَّةُ الْعَالِيَةُ، أَوْ بِأَنَّ دَرَجَاتِهَا بِالْعَمَلِ وَدُخُولَهَا بِالْفَضْلِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الدُّخُولُ بِسَبَبِ الْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ مِنْ رَحْمَتِهِ تَعَالَى أَيْ فَلَمْ يَقَعِ الدُّخُولُ إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمُقَدِّمَةَ الْأُولَى خِلَافُ صَرِيحِ الْحَدِيثِ، وَيُدْفَعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا تَقَرَّرَ مِنِ انْتِفَاءِ كَوْنِهِ سَبَبًا مُسْتَقِلًّا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، إِذِ الْقَصْدُ بِهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَرَى عَمَلَهُ مُتَكَفِّلًا بِدُخُولِهَا مِنْ غَيْرِ مُلَاحِظَةٍ لِكَوْنِهِ مِنْ جُمْلَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ. اهـ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ انْتِفَاءُ دُخُولِهَا بِالْعَمَلِ عَلَى وَجْهِ الْعَدْلِ، وَإِثْبَاتُهُ عَلَى طَرِيقِ الْفَضْلِ فَمَا بَيْنَهُمَا تَنَافٍ يَقْبَلُ الْفَصْلَ. (وَسَأَلُوهُ) أَيِ الْوَفْدُ (عَنِ الْأَشْرِبَةِ) - جَمْعُ شَرَابٍ، وَهُوَ يَشْرَبُ - أَيْ عَنْ حُكْمِ ظُرُوفِهَا بِحَذْفِ الْمُضَافِ، أَوِ الْأَشْرِبَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْأَوَانِي الْمُخْتَلِفَةِ، بِحَذْفِ الصِّفَةِ، وَالْمُرَادُ: عَنْ حُكْمِهَا (فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ) أَيْ بِأَرْبَعِ خِصَالٍ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا الْأَهَمُّ بِالسُّؤَالِ، وَالْأَتَمُّ فِي تَحْصِيلِ الْكَمَالِ (وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ) أَيْ أَرْبَعِ خِصَالٍ، وَهِيَ أَنْوَاعُ الشُّرْبِ بِاعْتِبَارِ أَصْنَافِ الظُّرُوفِ الْآتِيَةِ. (أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ): نُصِبَ عَلَى الْحَالِ أَيْ وَاحِدًا فِي الذَّاتِ مُنْفَرِدًا فِي الصِّفَاتِ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الْأَفْعَالِ. وَهَذَا الْأَمْرُ تَوْطِئَةٌ، فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ مِنْ فُرُوعِ التَّكَالِيفِ، وَهِيَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْإِيمَانِ، فَإِنَّهُ شَرْطُ صِحَّتِهَا، وَمَبْدَأُ ثُبُوتِهَا (قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟) ذَكَرَهُ تَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَى تَفْرِيغِ أَذْهَانِهِمْ لِضَبْطِ مَا يُلْقَى إِلَيْهِمْ فَيَكُونُ أَوْقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) تَأَدُّبًا وَطَلَبًا لِلسَّمَاعِ مِنْهُ ﷺ لِأَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ ابْنِ حَجْرٍ: هُوَ بِمَعْنَى عَالِمٍ عَلَى حَدِّ: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) ثُمَّ أَغْرَبَ
لِيَتْرُكَهُ النَّاسُ مَرَّةً، فَإِذَا تَرَكَهُ النَّاسُ وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ يَزُولُ التَّشْدِيدُ بَعْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ، هَذَا وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الظُّرُوفِ بَاقٍ لَمْ يُنْسَخْ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ اسْتُفْتِيَ عَنِ الِانْتِبَاذِ فَذَكَرَهُ، فَلَوْ نُسِخَ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَيُرَدُّ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ النُّسَخُ، فَلَا يَكُونُ إِيرَادُهُ لَهُ حُجَّةً عَلَى مَنْ بَلَغَهُ. (وَقَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (احْفَظُوهُنَّ) أَيِ الْكَلِمَاتِ الْمَذْكُورَاتِ مِنَ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ وَاعْمَلُوا بِهِنَّ، (وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ) أَيْ أَعْلَمُوهُنَّ (مَنْ وَرَاءَكُمْ) أَيِ الَّذِينَ خَلْفَكُمْ مِنَ الْقَوْمِ؛ لِتَكُونُوا عَالِمِينَ مُعَلِّمِينَ وَكَامِلِينَ مُكَمِّلِينَ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَجَرِّ مَا بَعْدَهُ، وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى تَقْدِيرِ الْمَفْعُولِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ (وَلَفْظُهُ) أَيْ لَفَظُ الْحَدِيثِ لِلْبُخَارِيِّ، يَعْنِي وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ، فَبِهَذَا الْمَعْ١٨ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: («بَايَعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ. فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ إِلَى اللَّهِ؛ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ») فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨ - (وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: ﵁) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ، يُكْنَى أَبَا الْوَلِيدِ الْأَنْصَارِيَّ، كَانَ نَقِيبًا، وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، ثُمَّ وَجَّهَهُ عُمَرُ إِلَى الشَّامِ قَاضِيًا وَمُعَلِّمًا، فَأَقَامَ بِحِمْصَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى فِلَسْطِينَ وَمَاتَ بِهَا فِي الرَّمْلَةِ، وَقِيلَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْنُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ. رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَحَوْلَهُ): نَصَبَهُ عَلَى الظَّرْفِ، وَهُوَ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ: (عِصَابَةٌ): بِالْكَسْرِ اسْمُ جَمْعٍ كَالْعُصْبَةِ، لِمَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْأَرْبَعِينَ، مِنَ الْعَصْبِ وَهُوَ الشَّدُّ، كَأَنَّ بَعْضَهُمْ يَشُدُّ بَعْضًا، أَوْ مِنَ الْعَصَبِ لِأَنَّهُ يَشُدُّ الْأَعْضَاءَ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (مِنْ أَصْحَابِهِ): صِفَةٌ لِعِصَابَةٍ (بَايِعُونِي) أَيْ عَاقِدُونِي وَعَاهَدُونِي تَشْبِيهًا لِنَيْلِ الثَّوَابِ فِي مُقَابَلَةِ الطَّاعَةِ بِعَقْدِ الْبَيْعِ الَّذِي هُوَ مُقَابَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ، وَوَجْهُ الْمُفَاعَلَةِ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَصِيرُ كَأَنَّهُ بَاعَ مَا عِنْدَهُ مِنْ صَاحِبِهِ وَأَعْطَاهُ خَالِصَةَ نَفْسِهِ وَطَاعَتَهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] الْآيَةَ (عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا): مَفْعُولٌ بِهِ أَوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، قِيلَ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الرِّيَاءُ (وَلَا تَسْرِقُوا) وَهُوَ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ مُحْرَزًا بِخُفْيَةٍ (وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ): بِدَفْنِهِمْ أَحْيَاءً، فَصِبْيَانَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ وَافْتِقَارٍ، وَبَنَاتَكُمْ خَوْفَ لُحُوقِ عَارٍ وَعَيْبٍ (وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ): الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ وَهُوَ الْكَذِبُ الَّذِي يَبْهَتُ سَامِعَهُ، الْمُرَادُ بِهِ الْقَذْفُ (تَفْتَرُونَهُ) أَيْ تَخْتَلِقُونَهُ وَتَخْتَرِعُونَهُ صِفَةُ بُهْتَانٍ (بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) أَيْ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، وَعُبِّرَ بِهِمَا عَنِ الذَّاتِ وَالنَّفْسِ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ الْأَفْعَالِ تُزَاوَلُ وَتُعَالَجُ بِالْيَدِ وَالرِّجْلِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: لَا تَبْهَتُوا النَّاسَ بِالْعُيُوبِ كِفَاحًا وَشِفَاهًا كَيْ لَا يُشَاجِرَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، كَمَا يُقَالُ: فَعَلْتُ هَذَا بَيْنَ يَدَيْكَ أَيْ بِحَضْرَتِكَ، وَهَذَا النَّوْعُ أَشُدُّ الْبَهْتِ، أَوْ لَا تَنْسِبُوهُ مَبْنِيًّا عَلَى ظَنٍّ فَاسِدٍ وَغَيْرِ مُبْطِنٍ مِنْ ضَمَائِرِكُمْ وَقُلُوبِكُمُ الَّتِي هِيَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَلَا تُلْحِقُوا بِالرِّجَالِ الْأَوْلَادَ مِنْ غَيْرِ أَصْلَابِهِمْ، فَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَتْ تَلْتَقِطُ الْمَوْلُودَ وَتَقُولُ لِزَوْجِهَا: هُوَ وَلَدِي مِنْكَ، فَعُبِّرَ بِالْبُهْتَانِ الْمُفْتَرَى بَيْنَ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا عَنِ الْوَلَدِ الَّذِي تُلْحِقُهُ بِزَوْجِهَا كَذِبًا؛ لِأَنَّ بَطْنَهَا الَّذِي يَحْمِلُهُ بَيْنَ يَدَيْهَا، وَفَرْجَهَا الَّذِي تَلِدُ مِنْهُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا. (وَلَا تَعْصُوا) بِضَمِّ الصَّادِ - تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (فِي مَعْرُوفٍ): مَا عُرِفَ فِي الشَّرْعِ حُسْنُهُ، أَوْ قُبْحُهُ (فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ): بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ (فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: لَفَظُ «وَفَى» دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَجْرَ إِنَّمَا يُنَالُ بِالْوَفَاءِ بِالْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الْوَفَاءَ هُوَ الْإِتْيَانُ بِجَمِيعِ مَا الْتَزَمَهُ مِنَ الْعُهُودِ وَالْحُقُوقِ، وَأَمَّا الْعِقَابُ فَإِنَّهُ يُنَالُ بِتَرْكِ أَيِّ وَاحِدٍ كَانَ اهـ.نَى صَارَ الْحَدِيثُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ.
كُنَّ، وَالثَّالِثُ: أَكْثَرُ، أَيْ أُعْلِمْتُ بِأَنَّكُنَّ أَكْثَرُ دُخُولًا فِي النَّارِ مِنَ الرِّجَالِ، وَالصَّدَقَةُ تَقِي مِنْهَا. كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ، اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ؛ وَلِأَنَّ عِلَّةَ كَوْنِهِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ مَحَبَّتُهُنَّ لِلدُّنْيَا، وَبِالتَّصَدُّقِ يَزُولُ، أَوْ يُنْقَصُ رَذِيلَةُ الْبُخْلِ النَّاشِئِ عَنْ مَحَبَّتِهَا الْمَذْمُومَةِ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ وَرَدَ: («الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى») . (فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أَصْلُهُ بِمَا حُذِفَتْ أَلْفُ مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةِ بِدُخُولِ حَرْفِ الْجَرِّ عَلَيْهَا تَخْفِيفًا، وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ بَعْدَهَا، وَالْوَاوُ إِمَّا لِلْعَطْفِ عَلَى مُقَدَّرٍ قَبْلَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: فَقُلْنَ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ نَكُونُ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ؟ أَوْ زَائِدَةٌ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ لَا سُؤَالٌ مُسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ. (قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ) أَصْلُهُ إِبْعَادُ اللَّهِ تَعَالَى الْعَبْدَ مِنْ رَحْمَتِهِ بِسَخَطِهِ، وَمِنَ الْإِنْسَانِ الدُّعَاءُ بِالسَّخِطِ وَالْإِبْعَادِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَفِيهِ مُصَادَرَةٌ لِسَعَةِ رَحْمَتِهِ الَّتِي سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِهِ لِمُعَيَّنٍ، وَلَوْ كَافِرًا لَمْ يُعْلَمْ مَوْتُهُ عَلَى الْكُفْرِ يَقِينًا؛ إِذْ كَيْفَ يُبْعَدُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ خَاصَّةُ أَمْرِهِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فِي الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَمُوتَ مُسْلِمًا؟ بِخِلَافِ مَنْ عُلِمَ مِنَ الشَّارِعِ مَوْتُهُ كَافِرًا كَأَبِي جَهْلٍ، أَوْ أَنَّهُ سَيَمُوتُ كَذَلِكَ كَإِبْلِيسَ فَإِنَّهُ لَا حَرَجَ فِي لَعْنِهِ، وَبِخِلَافِ اللَّعْنِ لَا لِمُعَيَّنٍ بَلْ يُوصَفُ كَلَعْنِ اللَّهِ الْوَاصِلَةَ وَآكِلَ الرِّبَا وَالْكَاذِبَ؛ لِأَنَّهُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْجِنْسِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّقْيِيدِ بِالْإِكْثَارِ أَنَّ اللَّعْنَ يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِنَّ لِاعْتِيَادِهِنَّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ؛ لِمَعْنَاهُ السَّابِقِ، فَخَفَّفَ الشَّارِعُ عَنْهُنَّ وَلَمْ يَتَوَعَّدْهُنَّ بِذَلِكَ إِلَّا عِنْدَ إِكْثَارِهِ، وَنَظِيرُهُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: إِنَّ الْغِيبَةَ صَغِيرَةٌ، وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ النَّاسَ ابْتُلُوا بِهَا، فَلَوْ كَانَتْ كَبِيرَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ كَثِيرُونَ، بَلْ حُكِيَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ - لَلَزِمَ تَفْسِيقُ النَّاسِ كُلِّهِمْ أَوْ غَالِبِهِمْ، وَفِي ذَلِكَ حَرَجٌ أَيُّ حَرَجٍ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّتْمِ وَالْكَلَامِ الْقَبِيحِ يَعْنِي: عَادَتُكُنَّ إِكْثَارُ اللَّعْنِ وَالشَّتْمِ وَالْإِيذَاءِ بِاللِّسَانِ (وَتَكْفُرْنَ): بِضَمِّ الْفَاءِ (الْعَشِيرَ) أَيِ الْمُعَاشِرَ الْمُلَازِمَ، وَهُوَ الزَّوْجُ هَاهُنَا، وَكُفْرَانُهُ جَحْدُ نِعْمَتِهِ وَإِنْكَارُهَا، أَوْ سَتْرُهَا بِتَرْكِ شُكْرِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ: («وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ») يَعْنِي شُكْرًا كَامِلًا فَإِنَّهُ شَكَرَ الْمُسَبَّبِ وَلَمْ يَشْكُرِ السَّبَبَ، وَاسْتِعْمَالُ الْكُفْرَانِ فِي النِّعْمَةِ وَالْكَفْرِ فِي الدِّينِ أَكْثَرُ. (مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ) «مِنْ» مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ، صِفَةٌ لِمَفْعُولِهِ الْمَحْذُوفِ أَيْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ نَاقِصَاتٍ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِإِحْدَاكُنَّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَقَوْلُهُ: (أَذْهَبَ): صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ أَحَدًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ صِفَةٌ أُخْرَى لَهُ إِنْ كَانَ بِمَعْنَى أَبْصَرْتُ، وَمَفْعُولٌ ثَانٍ لَرَأَيْتُ إِنْ كَانَ بِمَعْنَى عَلِمْتُ، وَالْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَفْرُوضٌ مُقَدَّرٌ، وَهُوَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ مِنَ الْإِذْهَابِ؛ لِمَكَانِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ: (لِلُبِّ الرَّجُلِ) فَمَعْنَاهُ: أَكْثَرُ إِذْهَابًا لِلُّبِّ، وَهَذَا جَائِزٌ عَلَى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ كَـ «هُوَ أَعْطَاهُمْ لِلدَّرَاهِمِ»، ثُمَّ الْعَقْلُ غَرِيزَةٌ يُدْرَكُ بِهَا الْمَعْنَى، وَيَمْنَعُ عَنِ الْقَبَائِحِ، وَهُوَ نُورُ اللَّهِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، وَاللُّبُّ الْعَقْلُ الْخَالِصُ مِنْ شَوْبِ الْهَوَى (الْحَازِمِ) صِفَةُ الرَّجُلِ أَيِ الضَّابِطُ أَمْرَهُ، وَفِي ذِكْرِهِ مَعَ ذِكْرِ اللُّبِّ إِشْعَارٌ بِأَنَّ فِتْنَتَهُنَّ عَظِيمَةٌ تَذْهَبُ بِعُقُولِ الْحَازِمِينَ، فَمَا ظَنُّكَ بِغَيْرِهِمْ؟ (مِنْ إِحْدَاكُنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِأَذْهَبَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: مِنْكُنَّ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ إِذَا كَانَتْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الذَّمِيمَةِ فَكَوْنُهُنَّ عَلَيْهَا أَوْلَى مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَمَا أَحْسَنُ قَوْلِ جَرِيرٍ فِي وَصْفِ عُيُوبِهِنَّ:
يَصْرَعْنَ ذَا اللُّبِّ حَتَّى لَا حِرَاكَ بِهِ وَهُنَّ أَضْعَفُ خَلْقِ اللَّهِ أَرْكَانًا
(قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) مَعَ أَنَّ دِينَنَا وَدِينَ الرَّجُلِ وَاحِدٌ، وَكُلُّنَا مَعْدُودُونَ مِنْ ذَوِي الْعُقُولِ، وَلَعَلَّهُنَّ خَالَفْنَ التَّرْتِيبَ السَّابِقَ الْمُوَافِقَ لِلَّاحِقِ؛ إِشَارَةً إِلَى الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الدِّينِ لِيَتَدَارَكْنَ إِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُهُ التَّدَارُكُ، أَوْ إِيمَاءً إِلَى نُقْصَانِ عَقْلِهِنَّ حَيْثُ مَا رَاعَيْنَ كَلَامَ النُّبُوَّةِ، وَمَا فَهِمْنَ وَجْهَ التَّرْتِيبِ مِنْ أَنَّ نُقْصَانَ الْعَقْلِ أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ مُقَدَّمٌ فِي الْوُجُودِ، وَنُقْصَانُ الدِّينِ أَمْرٌ حَادِثٌ، أَوْ لِأَنَّ الْغَالِبَ إِنَّمَا يَنْشَأُ نُقْصَانُ الدِّينِ مِنْ نُقْصَانِ الْعَقْلِ، ثُمَّ هَذَا السُّؤَالُ مِنْ حَذَاقَةِ أُولَئِكَ الْحَاضِرَاتِ، وَمِنْ ثَمَّةَ مَدَحَهُنَّ ﷺ بِقَوْلِهِ: («نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ»)، وَفِي هَذَا وَمَا قَبْلَهُ حَثٌّ لِلْمُتَعَلِّمِ عَلَى مُرَاجَعَةِ الْعَالَمِ فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَعْنَاهُ قَالَ: («أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ»)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]
صَعُبَتْ عَلَيْهِ وَتَعِبَ فِيهَا غَايَةَ التَّعَبِ، وَافْتَقَرَ إِلَى مُكَابَدَةِ أَعْمَالٍ، وَمُعَاوَنَةِ أَعْوَانٍ، وَمُرُورِ أَزْمَانٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَكَثِيرًا لَا يَتِمُّ لَهُ مَقْصُودُهُ وَلَا يَظْفَرُ مِنْهُ بِطَائِلٍ، وَشَاهِدُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ وَاسْتُقْرِئَ لِأَكْثَرِ طَالِبِي صَنْعَةِ الْكِيمْيَاءِ حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَمَّا تَوَهَّمَ بَعْدَ فَنَاءِ عُمْرِهِ وَمَالِهِ فِي مَعْرِفَتِهَا أَنَّهَا صَحَّتْ مَعَهُ أَزْعَجَهُ الْفَرَحُ بِهَا إِلَى أَنْ وَقَعَ مِنْ عُلُوٍّ كَانَ فِيهِ فَانْدَقَّتْ عُنُقُهُ، وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ إِصْلَاحَ مُنْكَسِرٍ وَإِعَادَةَ مُنْهَدِمٍ وَعِنْدَهُ عِدَدُ ذَلِكَ وَأُصُولُهُ فَيَهُونُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَيَتِمُّ لَهُ مَقْصُودُهُ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ، فَمَنْ تَدَبَّرَ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّ الْإِعَادَةَ أَسْهَلُ مِنَ الْبَدَاءَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ إِنْكَارَهُمُ الْإِعَادَةَ بَعْدَ أَنْ أَقَرُّوا بِالْبِدَايَةِ تَكْذِيبٌ مِنْهُمْ لَهُ تَعَالَى، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ وَعَامِلُهَا قَوْلُهُ (فِي) فَقَوْلُهُ، وَصَاحِبُهَا الضَّمِيرُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: (وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) أَيِ اخْتَارَهُ سُبْحَانَهُ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عَزِيزٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [الفاتحة: ٣٠ - ٣٢٠١١] وَقَالَتِ الْعَرَبُ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ. (وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ) الَّذِي غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى أَحَدٍ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ كَمَا مَرَّ، وَاتِّخَاذُ الْوَلَدِ نَقْصٌ؛ لِاسْتِدْعَائِهِ مُحَالَيْنِ أَحَدُهُمَا: مُمَاثَلَتُهُ لِلْوَلَدِ وَتَمَامُ حَقِيقَتِهِ فَيَلْزَمُ إِمْكَانُهُ وَحُدُوثُهُ، وَثَانِيهِمَا: اسْتِخْلَافُهُ لِخَلَفٍ يَقُومُ بِأَمْرِهِ مِنْ بَعْدِهِ؛ إِذِ الْغَرَضُ مِنَ التَّوَالُدِ بَقَاءُ النَّوْعِ فَيَلْزَمُ زَوَالُهُ وَفَنَاؤُهُ سُبْحَانَهُ؛ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ [مريم: ٩٠] الْآيَةَ. وَالْأَحَدُ: الْمُنْفَرِدُ الْمُطْلَقُ ذَاتًا وَصِفَاتًا، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأَحَدِ وَالْوَاحِدِ بِأَنَّ الْوَاحِدَ لِنَفْيِ مُفْتَتَحِ الْعَدَدِ، وَالْأَحَدُ لِنَفْيِ كُلِّ عَدَدٍ، فَالْوَاحِدُ يُنْبِئُ عَنْ تَفَرُّدِ الذَّاتِ عَنِ الْمِثْلِ وَالنَّظِيرِ، وَالْأَحَدُ يُنْبِئُ عَنْ تَفَرُّدِهَا عَنْ كُلِّ نَقْصِ وَاتِّصَافِهَا بِكُلِّ كَمَالٍ، فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى الْوَلَدِ، وَالصَّمَدُ هُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُمْ (الَّذِي لَمْ أَلِدْ): مِنْ قَبِيلِ:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ
أَيْ لَمْ أَكُنْ وَالِدًا لِأَحَدٍ؛ لِأَنَّ الْقِدَمَ لَا يَكُونُ مَحَلَّ الْحَادِثِ (وَلَمْ أُولَدْ) أَيْ: وَلَمْ أَكُنْ وَلَدًا لِأَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ قِدَمٍ بِلَا ابْتِدَاءٍ كَمَا أَنَّهُ آخِرٌ بِلَا انْتِهَاءٍ (وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا): بِضَمِّ الْكَافِ وَالْفَاءِ، وَسُكُونِهَا مَعَ الْهَمْزَةِ، وَبِضَمِّهِمَا مَعَ الْوَاوِ - ثَلَاثُ لُغَاتٍ مُتَوَاتِرَاتٍ، يَعْنِي مَثَلًا، وَهُوَ خَبَرُ كَانَ، وَقَوْلُهُ: (أَحَدٌ): اسْمُهَا، وَنَفْيُ الْكُفْءِ يَعُمُّ الْوَالِدِيَّةَ وَالْوَلَدِيَّةَ وَالزَّوْجِيَّةَ وَغَيْرَهَا.
٢١ - وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لِي وَلَدٌ، وَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٢١ - (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أَيْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ قَوْلِهِ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، (وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لِي وَلَدٌ): وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (وَسُبْحَانِي) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالْفَاءِ أَيْ: نَزَّهْتُ ذَاتِي (أَنْ أَتَّخِذَ) أَيْ مِنْ أَنْ أَتَّخِذَ (صَاحِبَةً) أَيْ زَوْجَةً؛ لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ وَنَفْيِ الْجِنْسِيَّةِ (أَوْ وَلَدًا) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّ (أَوْ) لِلنَّوْعِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي جَامِعِ الْحُمَيْدِيِّ «وَلَا وَلَدًا». قَالَ الطِّيبِيُّ: زِيدَ «لَا» لِمَا فِي سُبْحَانِي مِنْ مَعْنَى التَّنْزِيهِ أَيِ الْمُرَادِفِ لِلنَّفْيِ الْمُقْتَضِي لِلْعَطْفِ فِي خَبَرِهِ بِلَا. وَفِي الْحَدِيثِ مِنْ سَعَةِ حِلْمِهِ تَعَالَى مَا يَبْهَرُ الْعَقْلَ، إِذْ لَوْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ لِأَدَقِّ خَلْقِهِ مِنْ غَيْرِهِ لِحَمْلِهِ غَضَبُهُ فِيهِ عَلَى اسْتِئْصَالِهِ مِنْ أَصْلِهِ مَعَ ضَعْفِهِ وَعَجْزِهِ، وَلَمْ يَفْعَلْ تَعَالَى شَأْنُهُ بِمَنْ قَالَ ذَلِكَ شَيْئًا، بَلْ أَرْشَدَهُ لِلْحَقِّ، وَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَبْلَغِ دَلِيلٍ وَأَوْضَحِهِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
اعْلَمْ أَنَّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: («شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتُمَنِي، وَكَذَّبَنِي وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكَذِّبَنِي، أَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: إِنَّ لِي وَلَدًا، وَأَنَا اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ، وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ») . وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَفْظُهُ: قَالَ تَعَالَى: («كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لِي وَلَدٌ، وَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا») . كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، فَتَأَمَّلْ يَظْهُرْ لَكَ حَقِيقَةُ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: (مِنْ قَلْبِهِ) صِفَةُ «صِدْقًا»؛ لِأَنَّ الصِّدْقَ قَدْ لَا يَكُونُ مِنْ قَلْبِ أَيِّ اعْتِقَادٍ كَقَوْلِ الْمُنَافِقِ: إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، أَوْ يَكُونُ بِمَعْنَى «صَادِقًا» حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَشْهَدُ، وَخَبَرُ الْمُبْتَدَأِ قَوْلُهُ: (إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ) وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ، أَيْ مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ مُحَرَّمٌ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا مُحَرَّمًا عَلَى النَّارِ، وَالتَّحْرِيمُ بِمَعْنَى الْمَنْعِ، حُكِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْفَرَائِضِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ مَنْ قَالَ الْكَلِمَةَ وَأَدَّى حَقَّهَا وَفَرِيضَتُهَا فَيَكُونُ الِامْتِثَالُ وَالِانْتِهَاءُ مُنْدَرِجَيْنِ تَحْتَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ لِمَنْ قَالَهَا عِنْدَ النَّدَمِ وَالتَّوْبَةِ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنَ الْإِتْيَانِ بِفَرْضٍ آخَرَ، وَهَذَا قَوْلُ الْبُخَارِيِّ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُرَادَ تَحْرِيمُ الْخُلُودِ. (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ؟): فِي وَضْعِ أُخْبِرُ مَوْضِعَ أُبَشِّرُ، تَجْرِيدٌ أَوْ رُجُوعٌ إِلَى أَصْلِ اللُّغَةِ أَوِ اكْتِفَاءٌ بِقَوْلِهِ: (فَيَسْتَبْشِرُوا) أَيْ يَفْرَحُوا بِحَيْثُ يَظْهَرُ أَثَرُ السُّرُورِ عَلَى بَشَرَتِهِمْ لِمَا فِيهِ مِنْ عِظَمِ الْعَفْوِ إِذَا لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ (قَالَ: إِذًا يَتَّكِلُوا) إِذَنْ حَرْفُ جَوَابٍ وَجَزَاءٍ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِمَحْضِ الْجَوَابِ كَمَا هُنَا، أَيْ لَا تُخْبِرْهُمْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّكَ إِنْ أَخْبَرْتَهُمْ وَبِهَذِهِ الْبِشَارَةِ بَشَّرْتَهُمْ يَعْتَمِدُوا عَلَى أَلْطَافِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَيَتْرُكُوا حَقَّ الْعُبُودِيَّةِ فَيَنْجَرُّوا إِلَى نُقْصَانِ دَرَجَاتِهِمْ، وَتَنْزِلُ حَالَاتُهُمْ، وَهَذَا حُكْمُ الْأَغْلَبِ مِنَ الْعَوَامِّ، وَإِلَّا فَالْخَوَاصُّ كُلَّمَا بُشِّرُوا زَادُوا فِي الْعِبَادَةِ كَمَا وَقَعَ لِلْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَلِذَا قَالَ ﷺ فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ لَهُ: «أَتَقُومُ فِي اللَّيْلِ حَتَّى تَتَوَرَّمَ قَدَمَاكَ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ - أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا)» (فَأَخْبَرَ بِهَا) أَيْ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ، أَوِ الْقِصَّةِ، أَوِ الْبِشَارَةِ (مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ): لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ضَمِيرَ مَوْتِهِ إِلَى مُعَاذٍ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ.
(تَأْثَمًا): مَفْعُولٌ لَهُ أَيْ تُجَنُّبً٢٦ - «وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ، وَهُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ، وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٦ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ): هُوَ جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ الْغِفَارِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ الصَّحَابَةِ وَزُهَّادِهِمْ، أَسَلَمَ قَدِيمًا بِمَكَّةَ.
يُقَالُ: كَانَ خَامِسًا فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى قَوْمِهِ فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الْخَنْدَقِ، ثُمَّ سَكَنَ رَبْذَةً إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَكَانَ يَتَعَبَّدُ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ ﷺ. رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. («قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ»): حَالٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ الشُّرَّاحُ: هَذَا لَيْسَ مِنَ الزَّوَائِدِ الَّتِي لَا طَائِلَ تَحْتَهَا، بَلْ قَصَدَ الرَّاوِي بِذَلِكَ أَنْ يُقَرِّرَ التَّثَبُّتَ وَالْإِتْقَانَ فِيمَا يَرْوِيهِ؛ لِيَتْمَكَنَ فِي قُلُوبِ السَّامِعِينَ. قُلْتُ: أَوْ أَرَادَ التَّذَكُّرَ بِإِحْضَارِ طَلْعَتِهِ الشَّرِيفَةِ، وَاسْتِحْضَارِ خُلْعَتِهِ اللَّطِيفَةِ، فَيَكُونُ كَأَنَّهُ حَاضِرٌ لَدَيْهِ وَوَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْهِ (وَهُوَ نَائِمٌ): عَطْفٌ عَلَى الْحَالِ، وَهُوَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَيُسَكَّنُ أَيْ فَرَجَعْتُ، (ثُمَّ أَتَيْتُهُ) بَعْدَ زَمَانٍ (وَقَدِ اسْتَيْقَظَ) حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ، وَالْمَعْنَى فَوَجَدْتُهُ مُنْتَبِهًا مِنَ النَّوْمِ («فَقَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ») وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ بِدُونِهِ لَا يَنْفَعُ (ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ الِاعْتِقَادِ، وَثُمَّ لِلتَّرَاخِي فِي الرُّتْبَةِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْخَوَاتِيمِ (إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ):ا، وَتَحَرُّزًا عَنْ إِثْمِ كَتْمِ الْعِلْمِ، إِذْ فِي الْحَدِيثِ: («مَنْ كَتَمَ عِلْمًا أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ») . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
غَيْرُ ظَاهِرٍ (فَقَالَ أَيْ ﵊ (مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟) أَيُّ شَيْءٍ خَطَرَ لَكَ حَتَّى امْتَنَعْتَ مِنَ الْبَيْعَةِ. (قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ): مَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ شَرْطًا أَوْ شَيْئًا، وَالْمَعْنَى أَرَدْتُ بِذَلِكَ الِامْتِنَاعَ أَنْ أَشْتَرِطَ لِنَفْسِي مَا يَحْصُلُ لَهَا مِنَ الْانْتِفَاعِ (قَالَ: تَشْتَرِطُ مَاذَا) قِيلَ: حَقُّ «مَاذَا» أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى «تَشْتَرِطُ»؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ، وَهُوَ يَقْتَضِي الصَّدَارَةَ فَحُذِفَ «مَاذَا»، وَأُعِيدَ بَعْدَ تَشْتَرِطُ تَفْسِيرًا لِلْمَحْذُوفِ، وَقِيلَ: كَأَنَّهُ ﵊ لَمْ يَسْتَحْسِنْ مِنْهُ الِاشْتِرَاطَ فِي الْإِيمَانِ، فَقَالَ: أَتَشْتَرِطُ؟ إِنْكَارًا، فَحَذَفَ الْهَمْزَةَ ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: مَاذَا؟ أَيْ مَا الَّذِي تَشْتَرِطُ، أَوْ: أَيُّ شَيْءٍ تَشْتَرِطُ؟ وَقَالَ الْمَالِكِيُّ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ: أَقُولُ: «مَاذَا» شَاهِدٌ عَلَى أَنَّ «مَا» الِاسْتِفْهَامِيَّةَ إِذَا رُكِّبَتْ مَعَ «ذَا» تُفَارِقُ وُجُوبَ التَّصْدِيرِ، فَيَعْمَلُ فِيهَا مَا قَبْلَهَا رَفْعًا وَنَصْبًا فَالرَّفْعُ كَقَوْلِكَ: كَانَ مَاذَا، وَالنَّصْبُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: يَجُوزُ وُقُوعُهَا تَمْيِيزًا كَقَوْلِكَ لِمَنْ قَالَ: عِنْدِي عِشْرُونَ عِشْرُونَ مَاذَا (قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَقِيلَ: لِلْفَاعِلِ أَيِ اللَّهُ كَمَا فِي نُسْخَةِ (لِي) أَيْ أَشْتَرِطُ غُفْرَانَ ذُنُوبِي إِنْ أَسْلَمْتُ (قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ يَا عَمْرُو) أَيْ مِنْ حَقِّكَ مَعَ رَزَانَةِ عَقْلِكَ وَجَوْدَةِ رَأْيِكَ وَكَمَالِ حَذَقِكَ الَّذِي لَمْ يَلْحَقْكَ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ أَلَّا يَكُونَ خَفِيًّا عَنْ عِلْمِكَ (أَنَّ الْإِسْلَامَ) أَيْ إِسْلَامُ الْحَرْبِيِّ ; لِأَنَّ إِسْلَامَ الَّذِي لَا يَسْقُطُ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ (يَهْدِمُ): بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ يَمْحُو (مَا كَانَ قَبْلَهُ) أَيِ السَّيِّئَاتِ (وَأَنَّ الْهِجْرَةَ) أَيْ إِلَيَّ فِي حَيَاتِي، وَبَعْدَ وَفَاتِي مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا خَبَرُ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ فَمَعْنَاهُ لَا هِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ أَهْلَهَا صَارُوا مُسْلِمِينَ (تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا) أَيْ مِمَّا وَقَعَ قَبْلَهَا وَبَعْدَ الْإِسْلَامِ مَا عَدَا الْمَظَالِمَ أَيْ مِنَ السَّيِّئَاتِ (وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ) أَيْ مِنَ التَّقْصِيرَاتِ سَقَطَ لَفْظُ كَانَ مِنْ أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ، فَتَكَلَّفَ لَهُ وَجْهًا، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ الْمُصَحَّحَةِ الْمَقْرُوءَةِ عَلَى الْمَشَايِخِ. قَالَ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ مِنْ أَئِمَّتِنَا ﵏: الْإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ مُطْلَقًا مَظْلَمَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا، صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً، وَأَمَّا الْهِجْرَةُ وَالْحَجُّ فَإِنَّهُمَا لَا يُكَفِّرَانِ الْمَظَالِمَ، وَلَا يُقْطَعُ فِيهِمَا بِغُفْرَانِ الْكَبَائِرِ الَّتِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَمَوْلَاهُ، فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى هَدْمِهِمَا الصَّغِيرَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَيُحْتَمَلُ هَدْمُهُمَا الْكَبَائِرَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ بِشَرْطِ التَّوْبَةِ. عَرَفْنَا ذَلِكَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ فَرَدَدْنَا الْمُجْمَلَ إِلَى الْمُفَصَّلِ، وَعَلَيْهِ اتِّفَاقُ الشَّارِحِينَ. وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: يَمْحُو الْإِسْلَامُ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ كُفْرٍ وَعِصْيَانٍ، وَمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي هِيَ حُقُوقُ اللَّهِ، وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ فَلَا تَسْقُطُ بِالْحَجِّ وَالْهِجْرَةِ إِجْمَاعًا، وَلَا بِالْإِسْلَامِ لَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ ذِمِّيًّا، سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ عَلَيْهِ مَالِيًّا أَوْ غَيْرَ مَالِيٍّ كَالْقِصَاصِ، أَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ حَرْبِيًّا وَكَانَ الْحَقُّ مَالِيًّا بِالِاسْتِقْرَاضِ أَوِ الشِّرَاءِ، وَكَانَ الْمَالُ غَيْرَ الْخَمْرِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْحَجُّ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ مِمَّا وَقَعَ قَبْلَهُ وَبَعْدَ الْإِسْلَامِ مَا عَدَا الْمَظَالِمَ، لَكِنْ بِشَرْطِ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ: («مِنْ حَجٍّ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ») مَعَ ذَلِكَ فَالَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ كَمَا نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَالنَّوَوِيِّ وَعِيَاضٍ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ التَّبِعَاتِ، بَلِ الْكَبَائِرُ، إِذْ لَا يُكَفِّرُهَا إِلَّا التَّوْبَةُ، وَعِبَارَةُ بَعْضِ الشَّارِحِينَ حُقُوقُ الْمَالِيَّةِ لَا تَنْهَدِمُ بِالْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ، وَفِي الْإِسْلَامِ خِلَافٌ، وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ فَلَا تَسْقُطُ بِالْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ إِجْمَاعًا اهـ.
نَعَمْ يَجُوزُ بَلْ يَقَعُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَحَادِيثِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ لِعَاصٍ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ وَعَلَيْهِ تَبِعَاتٌ عُوِّضَ صَاحِبُهَا مِنْ جَزِيلِ ثَوَابِهِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِعَفْوِهِ وَرِضَاهُ، وَأَمَّا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ: إِنَّ الْحَجَّ يُكَفِّرُ التَّبِعَاتَ، وَاسْتَدَلُّوا بِخَبَرِ ابْنِ مَاجَهْ «أَنَّهُ ﵊ دَعَا لِأُمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْمَغْفِرَةِ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ مَا خَلَا الْمَظَالِمَ فَلَمْ يُجَبْ لِمَغْفِرَتِهَا، فَدَعَا صَبِيحَةَ مُزْدَلِفَةَ بِذَلِكَ فَضَحِكَ ﵊ لَمَّا رَأَى مِنْ جَزَعِ إِبْلِيسَ لِمَا شَاهَدَهُ مِنْ عُمُومِ تِلْكَ الْمَغْفِرَةِ»، فَيَرُدُّهُ أَنَّ الْحَدِيثَ سَنَدُهُ ضَعِيفٌ اهـ. وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يُمْكِنُ حَمْلُ الْمَظَالِمِ عَلَى مَا لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، أَوْ يُقَيَّدُ بِالتَّوْبَةِ، أَوِ التَّخْصِيصِ بِمَنْ كَانَ مَعَهُ ﵊ مِنْ أُمَّتِهِ فِي حِجَّتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ مُصِرًّا عَلَى مَعْصِيَةٍ؛ وَلِذَا قَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّ الصَّحَابَةَ كُلُّهُمْ عُدُولٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْحَدِيثَانِ الْمَرْوِيَّانِ) أَيِ الْمَذْكُورَانِ هُنَا فِي الْمَصَابِيحِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): أَوَّلُهُمَا: («قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ»): إِلَخْ (وَالْآخَرُ: «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي»): إِلَخْ. (سَنَذْكُرُهُمَا فِي بَابِ الرِّيَاءِ وَالْكِبْرِ
بِالْوَجْهَيْنِ، وَقَوْلُ ابْنِ مَالِكٍ هُنَا بِالرَّفْعِ فَقَطْ مَعَ تَجْوِيزِهِ الْوَجْهَيْنِ أَوَّلًا فِي غَايَةٍ مِنَ السُّقُوطِ، ثُمَّ الْعَطْفُ يُفِيدُ أَنَّ مُرَادَهُ دُخُولُ الْجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ عَذَابٍ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ أُخْرِجَ عَلَى صِيغَةِ الْمُغَالَبَةِ لِلْمُبَالَغَةِ. (قَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَقَدْ سَأَلْتَ) أَيْ مِنِّي (عَنْ عَظِيمٍ) أَيْ شَيْءٍ عَظِيمٍ، أَوْ سُؤَالٍ عَظِيمٍ مُتَعَسِّرِ الْجَوَابِ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ وَالتَّبَاعُدَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَسَبَبُهُ الَّذِي هُوَ اجْتِنَابُ كُلِّ مَحْظُورٍ وَامْتِثَالُ كُلِّ مَأْمُورٍ أَيْضًا كَذَلِكَ، أَوْ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْعَمَلِ الْمُدْخَلِ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ عَنْ عَمَلٍ عَظِيمٍ فِعْلُهُ عَلَى النُّفُوسِ؛ لِيُطَابِقَ السَّابِقَ وَاللَّاحِقَ، وَالْعَظِيمُ ضِدُّ الْحَقِيرِ، كَالْكَبِيرِ نَقِيضُ الصَّغِيرِ، وَكَمَا أَنَّ الْحَقِيرَ دُونَ الصَّغِيرِ فَكَذَلِكَ الْعَظِيمُ فَوْقَ الْكَبِيرِ، وَيُسْتَعْمَلَانِ فِي الصُّوَرِ وَالْمَعَانِي، تَقُولُ: رَجُلٌ عَظِيمٌ وَكَبِيرٌ أَيْ جُثَّتُهُ أَوْ قَدْرُهُ (وَأَنَّهُ) أَيْ جَوَابُهُ أَوْ فِعْلُهُ (لَيَسِيرٌ) أَيْ هَيِّنٌ وَسَهْلٌ (عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ) وَفِي نُسْخَةٍ: (تَعَالَى) أَيْ جَعَلَهُ سَهْلًا (عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللَّهَ) إِمَّا بِمَعْنَى الْأَمْرِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ، وَإِمَّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَعْوِيلًا عَلَى أَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ، أَيْ هُوَ أَنْ تَعْبُدُ أَيِ الْعَمَلُ الَّذِي يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ عِبَادَتُكَ اللَّهَ بِحَذْفِ أَنْ، أَوْ تَنْزِيلُ الْفِعْلِ مَنْزِلَةَ الْمَصْدَرِ، وَعَدَلَ عَنْ صِيغَةِ الْأَمْرِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ كَأَنَّهُ مُتَسَارِعٌ إِلَى الِامْتِثَالِ، وَهُوَ يُخْبِرُ عَنْهُ إِظْهَارًا لِرَغْبَتِهِ فِي وُقُوعِهِ، وَفَصْلِهِ عَنِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى لِكَوْنِهِ بَيَانًا أَوِ اسْتِئْنَافًا، وَفِيهِ بَرَاعَةُ الِاسْتِهْلَالِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى مَضْمُونِ الْكَلَامِ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: كُفَّ عَلَيْكَ يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ الْقَطْعِ، وَالْعِبَادَةُ أَقْصَى غَايَةِ الْخُضُوعِ، وَالْمُرَادُ بِهِ التَّوْحِيدُ؛ لِقَوْلِهِ: («وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا») أَوِ الْأَعَمُّ مِنْهُ لِيَعُمَّ امْتِثَالَ كُلِّ مَأْمُورٍ وَاجْتِنَابَ كُلِّ مَحْظُورٍ، وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ إِمَّا أَنْ يَعُودَ إِلَى اللَّهِ أَوْ إِلَى الْعِبَادَةِ، وَالثَّانِي هُوَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُشْرِكْ فِي الْعِبَادَةِ فَلِأَنْ لَا يُشْرِكَ بِاللَّهِ أَوْلَى، وَالتَّنْوِينُ فِي شَيْئًا لِلْإِفْرَادِ شَخْصًا، كَمَا أَنَّ فِي قَوْلِهِ: «عَظِيمٍ» لِلتَّعْظِيمِ، وَفِي يَسِيرٍ لِلتَّقْلِيلِ (وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ): مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ تَنْبِيهًا عَلَى إِنَافَتِهِ إِنْ عَمَّمَ الْعِبَادَةَ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْمَكْتُوبَةُ. وَهَذَا الْحُكْمُ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِمُعَاذٍ، بَلْ يَعُمُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ؛ إِذِ الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ثُمَّ تَوَقُّفُ دُخُولِ الْجَنَّةِ عَلَى الْأَعْمَالِ إِنَّمَا هُوَ بِقَيْدِ الدُّخُولِ الْأَوْلَى كَمَا سَبَقَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فَلَا مُسْتَمْسِكَ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ لَدَيْهِ. (وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ) أَيِ الْمَفْرُوضَةَ (وَصَوْمُ رَمَضَانَ) أَيِ الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَةُ (وَتَحُجُّ الْبَيْتَ) أَيْ بِالْأَفْعَالِ الْمَعْلُومَةِ عَلَى شَرْطِ الِاسْتِطَاعَةِ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً. (ثُمَّ قَالَ) أَيْ ﵊ زِيَادَةً عَلَى الْإِفَادَةِ بِالْحَثِّ عَلَى النَّوَافِلِ لِتَحْصِيلِ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةِ، أَوْ لِتَكْمِيلِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ (أَلَا أَدُلُّكَ) الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ، وَلَا لِلنَّفْيِ وَهُوَ لِتَحْقِيقِ مَا بَعْدَهَا، وَلَعَلَّ قَوْلَهُ قُلْتُ: بَلَى كَانَ مَوْجُودًا هُنَا أَيْضًا كَمَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ بَعْدَهُ، فَنَسِيَ الرَّاوِي، كَذَا قِيلَ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا يَنْبَغِي لِي أَلَّا أَدُلُّكَ مَعَ أَنِّي الْمُرْشِدُ الْكَامِلُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لِلتَّنْبِيهِ لِئَلَّا يُنْسَبَ الرُّوَاةَ إِلَى النِّسْيَانِ مَعَ أَنَّ الْجَوَابَ لَيْسَ بِلَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ ظَاهِرٌ مَعْلُومٌ مَطْلُوبِيَّةً لِدَلَالَتِهِ، أَوْ يُقَالُ: وَإِنَّمَا لَمْ يَتَوَقَّفْ ﵊ حَتَّى يَقُولَ مُعَاذٌ «بَلَى» هُنَا، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْتَظِرَ تَصْدِيقَهُ اهْتِمَامًا بِمَضْمُونِهِ (عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟) أَيِ الطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ بِهِ، شَبَّهَ الْخَيْرَ بِدَارٍ فِيهَا كُلُّ مَا يَتَمَنَّاهُ النَّفْسُ، وَاللَّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، جَعَلَ الْأُمُورَ الْآتِيَةَ أَبْوَابَ الْخَيْرِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ شَدِيدٌ عَلَى النَّفْسِ، وَكَذَا إِخْرَاجُ الْمَالِ فِي الصَّدَقَةِ لَا سِيَّمَا الزِّيَادَةُ عَلَى الزَّكَاةِ، وَكَذَا الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الَّذِي مَحَلُّ رَاحَةِ النَّفْسِ، وَالْبُعْدُ مِنَ الرِّيَاءِ، فَمَنِ اعْتَادَهَا يَسْهُلُ عَلَيْهِ كُلُّ خَيْرٍ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ فِي دُخُولِ الدَّارِ تَكُونُ بِفَتْحِ الْبَابِ. (الصَّوْمُ جُنَّةٌ) أَيْ سِتْرٌ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الصَّوْمُ جُنَّةً مِنَ النَّارِ أَوْ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ لِأَنَّ فِي الْجُوعِ سَدُّ مَجَارِي الشَّيْطَانِ، فَإِذَا سَدَّ مَجَارِيهِ لَمْ يَدْخُلْ فَلَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِلْعِصْيَانِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِدُخُولِ النَّارِ. قِيلَ: التَّقْدِيرُ صَوْمُ النَّفْلِ، فَاللَّامُ تَدُلُّ عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ. قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ شُرَّاحِ الْأَرْبَعِينَ: وَلَعَلَّ قَائِلَهُ كُوفِيٌّ، قَالَ فِي الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٩] أَيْ مَأْوَاهُ، فَإِنَّ اللَّامَ لَيْسَ يَدُلُّ عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ بَلْ لِلتَّعْرِيفِ الْعَهْدِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عُلِمَ أَنَّ الطَّاغِي صَاحِبُ الْمَأْوَى تُرِكَتِ الْإِضَافَةُ، فَكَذَا هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْفَرَائِضَ أَوَّلًا عُلِمَ أَنَّ الْمَذْكُورَ بَعْدَهَا مِنَ النَّوَافِلِ، فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ، وَلَا يَجِبُ فِيهِ تَقَدُّمُ الْمَعْهُودِ كَمَا ظَنَّ، بَلْ قَدْ يُسْتَغْنَى عَنْهُ لِعِلْمِ الْمُخَاطَبِ بِالْقَرَائِنِ، كَقَوْلِكَ لِمَنْ دَخَلَ الْبَيْتَ: أَغْلِقِ الْبَابَ، وَكَمْ مِثْلُهَا. قَوْلُهُ: (جُنَّةٌ) أَيْ وِقَايَةٌ مِنْ سَوْرَةِ الشَّهْوَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالنَّارِ فِي
الْعُقْبَى كَالْجَنَّةِ، فَفِيهِ تَشْبِيهُ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَاخْتَارَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ أَنَّ مَثَلَهُ اسْتِعَارَةٌ، فَمَنْ كَانَ الصَّوْمُ جُنَّتَهُ سَدَّ طُرُقَ الشَّيَاطِينِ عَنْ قَلْبِهِ فَيَكْشِفُ بَعْدَ إِزَالَةِ ظُلْمَتِهِمْ، يَرَى بِنُورِ الْغَيْبِ خَزَائِنَ لَطَائِفِ حُكْمِ الصِّفَاتِ فَيَسْتَتِرُ بِأَنْوَارِهَا عَنْ جَمِيعِ الْمُخَالَفَاتِ وَالْآفَاتِ. («وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ») أَيِ الَّتِي تَجُرُّ إِلَى النَّارِ. يَعْنِي تُذْهِبُهَا وَتَمْحُو أَثَرَهَا أَيْ إِذَا كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا كَانَتْ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَتَدْفَعُ تِلْكَ الْحَسَنَةَ إِلَى خَصْمِهِ عِوَضًا عَنْ مَظْلِمَتِهِ («كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ») لِتَنَافِي آثَارِهِمَا بِإِيجَادِ اللَّهِ تَعَالَى سُبْحَانَهُ، إِذِ الْأَشْيَاءُ لَا تَعْمَلُ بِطَبْعِهَا، فَلَا الْمَاءُ يُرْوَى، وَلَا الْخُبْزُ يُشْبِعُ، وَلَا النَّارُ تُحْرِقُ. (وَصَلَاةُ الرَّجُلِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ وَصَلَاةُ الرَّجُلِ (فِي جَوْفِ اللَّيْلِ) كَذَلِكَ، أَيْ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ، أَوْ هِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. قَالَ الْقَاضِي: وَقِيلَ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَدَّرَ الْخَبَرُ شِعَارَ الصَّالِحِينَ كَمَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (ثُمَّ تَلَا) أَيْ قَرَأَ ﵊ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ [السجدة: ١٦] أَيْ تَتَبَاعَدُ، وَفِي النِّسْبَةِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى ﴿عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] أَيِ الْمَفَارِشِ وَالْمَرَاقِدِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ صَلَاةُ التَّهَجُّدِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ إِحْيَاءُ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [السجدة: ١٦] بِالصَّلَاةِ، وَالذِّكْرِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَالدُّعَاءِ ﴿خَوْفًا﴾ [السجدة: ١٦] مِنْ سَخَطِهِ ﴿وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] فِي رَحْمَتِهِ ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [السجدة: ١٦] وَبَعْضِ مَا أَعْطَيْنَاهُمْ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] يَصْرِفُونَ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ أَيْ أَنَّهُمْ جَامِعُونَ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ، عَابِدُونَ زَاهِدُونَ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ [السجدة: ١٧] أَيْ لَا مَلِكَ وَلَا نَبِيَّ ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ [السجدة: ١٧] جُمْهُورُ الْقُرَّاءِ عَلَى أَنَّهُ مَاضٍ مَجْهُولٌ، وَقُرِئَ بِهَمْزَةٍ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ الْمَعْلُومِ ﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] مِنَ اللَّذَّاتِ الَّتِي تَقَرُّ أَعْيُنُهُمْ، وَتَشْتَهِيهِ أَنْفُسُهُمْ، وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: («أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بِشْرٍ») (حَتَّى بَلَغَ يَعْمَلُونَ) وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] أَيْ جُوزُوا جَزَاءً بِسَبَبِ أَعْمَالِهِمْ وَبِمُقَابَلَةِ أَفْعَالِهِمْ وَمُوَافَقَةٍ لِأَحْوَالِهِمْ. (ثُمَّ قَالَ) أَيْ ﵊ («أَلَا أَدُلُّكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ») أَيْ مُخْبِرًا بِأَصْلِ كُلِّ أَمْرٍ (وَعَمُودِهِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، أَيْ مَا يَقُومُ بِهِ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ (وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ؟): الذِّرْوَةُ بِكَسْرِ الذَّالِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَبِضَمِّهَا، وَحُكِيَ فَتْحُهَا - أَعْلَى الشَّيْءِ، وَالسَّنَامُ - بِالْفَتْحِ - مَا ارْتَفَعَ مِنْ ظَهْرِ الْجَمَلِ قَرِيبَ عُنُقِهِ («قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: رَأْسُ الْأَمْرِ») أَيْ أَمْرُ الدِّينِ (الْإِسْلَامُ) يَعْنِي الشَّهَادَتَيْنِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ الْمَقْلُوبِ؛ إِذِ الْمَقْصُودُ تَشْبِيهُ الْإِسْلَامِ بِرَأْسِ الْأَمْرِ؛ لِيَشْعُرَ بِأَنَّهُ مِنْ سَائِرِ الْأَعْمَالِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ فِي احْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ وَعَدَمِ بَقَائِهِ دُونَهُ (وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ): يَأْتِ الْإِسْلَامُ هُوَ أَصْلُ الدِّينِ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ وَكَمَالٌ كَالْبَيْتِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ عَمُودٌ، فَإِذَا صَلَّى وَدَاوَمَ قَوِيَ دِينُهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رِفْعَةٌ، فَإِذَا جَاهَدَ حَصَلَ لِدِينِهِ رِفْعَةً، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ) وَفِيهِ إِشْعَارٌ إِلَى صُعُوبَةِ الْجِهَادِ وَعُلُوِّ أَمْرِهِ وَتَفَوُّقِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَعْمَالِ، وَالْجِهَادُ مِنَ الْجَهْدِ - بِالْفَتْحِ - وَهُوَ الْمَشَقَّةُ، أَوْ بِالضَّمِّ وَهُوَ الطَّاقَةُ؛ لِأَنَّهُ يَبْذُلُ الطَّاقَةَ فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ عِنْدَ فِعْلِ الْعَدُوِّ مِثْلَ ذَلِكَ، أَوْ بِضَمِّ جُهْدِهِ إِلَى جُهْدِ أَخِيهِ فِي نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ كَالْمُسَاعَدَةِ، وَهِيَ ضَمُّ سَاعِدِهِ إِلَى سَاعِدِ أَخِيهِ لِتَحْصِيلِ الْقُوَّةِ، وَلَهُ أَنْوَاعٌ مِنْ جِهَادِ الْأَعْدَاءِ لِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَجِهَادُ النَّفْسِ بِحَمْلِهَا عَلَى اتِّبَاعِ الْأَحْكَامِ، وَتَرْكِ الْحُظُوظِ، وَتَكْلِيفِ الْخَصْلَةِ الْمَذْمُومَةِ الْمُفْرِطَةِ خِلَافَ مُقْتَضَاهَا، وَالْعَمَلِ بِنَقِيضِ مُوجِبِهَا حَتَّى اعْتَدَلَتْ وَتَنَاسَقَتْ قُوَّةُ الْعِلْمِ وَالْغَضَبِ وَالشَّهْوَةِ وَالْعَدْلِ، وَهُوَ أَشَدُّ مِنَ الْأَوَّلِ؛ وَلِذَا وَرَدَ: («رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْأَكْبَرِ»)؛ لِأَنَّ النَّفْسَ كَالْمَلِكِ فِي دَاخِلِ الْإِنْسَانِ، وَعَسْكَرُهُ الرُّوحُ الْحَيَوَانِيَّةُ وَالطَّبِيعِيَّةُ وَالْهَوَى وَالشَّهْوَةُ، وَهِيَ فِي نَفْسِهَا عَمْيَاءُ لَا تُبْصِرُ الْمَهَالِكَ، وَلَا تُمَيِّزُ الْخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ إِلَى أَنْ يُنَوِّرَ اللَّهُ بِلَطِيفِ حِكْمَتِهِ بَصِيرَتَهَا، فَتُبْصِرُ الْأَعْدَاءَ وَالْمَعَارِفَ، وَتَجِدُ الْبُنْيَانَ الْإِنْسَانِيَّ مَمْلُوءًا مِنْ خَنَازِيرِ الْحِرْصِ، وَتَكَالُبِ الْكَلْبِ، وَنَمِرِ الْغَضَبِ، وَالشَّهْوَةِ الْحِمَارِيَّةِ، وَحَيَّةِ الشَّيْطَانِ، فَكَنَسَتْهَا مِنَ الرَّذَائِلِ وَزَيَّنَتْهَا بِالْفَضَائِلِ، وَأَمَّا جِهَادُ الْقَلْبِ فَتَصْفِيَتُهُ وَقَطْعُ تَعَلُّقِهِ عَنِ الْأَغْيَارِ، وَجِهَادُ الرُّوحِ بِإِفْنَاءِ الْوُجُودِ فِي وُجُودِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.
(ثُمَّ قَالَ) أَيْ ﵊: (أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟): الْمِلَاكُ مَا بِهِ إِحْكَامُ الشَّيْءِ أَوْ تَقْوِيَتُهُ، مِنْ مَلَكَ الْعَجِينَ إِذَا أَحْسَنَ عَجْنَهُ وَبَالَغَ فِيهِ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَكْسِرُونَ الْمِيمَ وَيَفْتَحُونَهَا، وَالرِّوَايَةُ بِالْكَسْرِ، وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا ذُكِرَ مِنْ أَوَّلِ الْحَدِيثِ إِلَى هَذَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَأَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: «كُلِّهِ»؛ لِئَلَّا يُظَنَّ خِلَافُ الشُّمُولِ، أَيْ بِمَا تَقُومُ بِهِ تِلْكَ
٣٧ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ»» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٧ - (وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَيُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْأُمَوِيُّ الْقُرَشِيُّ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَى يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ، وَهَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ الْهِجْرَتَيْنِ، وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا؛ لِأَنَّهُ تَخَلَّفَ بِمَرَضِ رُقَيَّةَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَضَرَبَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا بِسَهْمٍ، وَلَمْ يَشْهَدِ الْحُدَيْبِيَةَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ بَعْثَهُ إِلَى مَكَّةَ فِي أَمْرِ الصُّلْحِ، فَلَمَّا كَانَتِ الْبَيْعَةُ ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى يَدِهِ، وَقَالَ: هَذِهِ لِعُثْمَانَ، وَسُمِّي ذَا النُّورَيْنِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ بِنْتَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رُقَيَّةَ وَأُمِّ كُلْثُومٍ. كَانَ أَبْيَضَ، رَبْعَةً، حَسَنَ الْوَجْهِ، اسْتُخْلِفَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، وَقَتَلَهُ الْأَسْوَدُ النَّجِيبِيُّ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، وَقِيلَ: غَيْرُهُ، وَدُفِنَ لَيْلَةَ السَّبْتِ بِالْبَقِيعِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْعُمْرِ اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةً سَنَةً إِلَّا أَيَّامًا. وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ) أَيْ عِلْمًا يَقِينًا سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى الْإِقْرَارِ اللِّسَانِيِّ وَأَقَرَّ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ وَاكْتَفَى بِالْقَلْبِ، أَوْ جَهِلَ وُجُوبَهُ، أَوْ لَمْ يُطَالِبْ بِهِ، أَوْ أَتَى بِهِ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي تَلَفُّظُهُ بِهِ (أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ عَلَمٌ لِكَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ، وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهَا (دَخَلَ الْجَنَّةَ) إِمَّا دُخُولًا أَوَّلِيًّا إِنْ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ذَنْبٌ بَعْدَ الْإِيمَانِ، أَوْ أَذْنَبَ وَتَابَ، أَوْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ. أَوْ دُخُولًا أُخْرَوِيًّا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضَيِّعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، أَوْ مَعْنَاهُ اسْتَحَقَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي الْإِحْيَاءِ: مَنْ يُوجَدُ مِنْهُ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ فَقَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِاللِّسَانِ أَوْ يَشْتَغِلَ بِالْعِبَادَةِ مَاتَ، فَهَلْ هُوَ مُؤْمِنٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ، فَمَنْ شَرَطَ الْقَوْلَ لِتَمَامِ الْإِيمَانِ يَقُولُ: هَذَا مَاتَ قَبْلَ الْإِيمَانِ، وَهَذَا فَاسِدٌ؛ إِذْ قَالَ ﵊: («يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ») وَهَذَا قَلْبُهُ طَافِحٌ بِالْإِيمَانِ، وَمَنْ صَدَّقَ بِالْقَلْبِ وَسَاعَدَهُ الْوَقْتُ لِلنُّطْقِ بِكَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ، وَعَلِمَ وُجُوبَهُمَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ بِهِمَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلَ امْتِنَاعُهُ عَنِ النُّطْقِ بِمَنْزِلَةِ امْتِنَاعِهِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَيُقَالُ: هُوَ مُؤْمِنٌ غَيْرُ مُخَلَّدٍ فِي النَّارِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ، فَإِنَّ الْإِقْرَارَ إِمَّا شَرْطٌ لِلْإِيمَانِ، أَوْ شَطْرٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصَّلَاةُ لِلْإِيمَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَأَنَّهُ عِنْدَ الْإِمَامِ مِنْ وَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا قِيلَ بِكُفْرِ أَبِي طَالِبٍ، فَلَوْ عَبَّرَ بِتَرْكِهِ بَدَلَ امْتِنَاعِهِ كَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
٣٨ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ثِنْتَانِ مُوجِبَتَانِ» قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ قَالَ: «مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ، وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ»» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٨ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁) هُوَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، الْأَنْصَارِيُّ السُّلَمِيُّ، مِنْ مَشَاهِيرِ الصَّحَابَةِ، وَأَحَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الرِّوَايَةِ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَقَدِمَ الشَّامَ وَمِصْرَ، وَكُفَّ بَصَرُهُ آخِرَ عُمْرِهِ. رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَلَهُ أَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي قَوْلٍ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (ثِنْتَانِ) صِفَةُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ خَصْلَتَانِ (مُوجِبَتَانِ) يُقَالُ: أَوْجَبَ الرَّجُلُ إِذَا عَمِلَ مَا يَجِبُ بِهِ الْجَنَّةُ أَوِ النَّارُ، وَيُقَالُ لِلْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ: مُوجِبَةٌ، فَالْوُجُوبُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ بِالْعَمَلِ («قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْمُوجِبَتَانِ؟») أَيِ السَّبَبَانِ، فَإِنَّ الْمُوجِبَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى («قَالَ: مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ»):
وَالْحَائِطُ هُنَا الْبُسْتَانُ مِنَ النَّخْلِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ جِدَارٌ. (وَالرَّبِيعُ: الْجَدْوَلُ): هَذَا تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ (قَالَ) أَبُو هُرَيْرَةَ (فَاحْتَفَزْتُ) قَالَ النَّوَوِيُّ: رُوِيَ بِالزَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَمَعْنَاهُ تَضَامَمْتُ لِيَسَعَنِي الْمَدْخَلُ (فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَبُو هُرَيْرَةَ) أَيْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَأَنْتَ أَبُو هُرَيْرَةَ؟ وَالِاسْتِفْهَامُ إِمَّا عَلَى حَقِيقَتِهِ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ غَائِبًا عَنْ بَشَرِيَّتِهِ بِسَبَبِ إِيحَاءِ هَذِهِ الْبِشَارَةِ فَلَمْ يَشْعُرْ بِأَنَّهُ هُوَ، وَإِمَّا لِلتَّقْرِيرِ وَهُوَ ظَاهِرُ، وَإِمَّا لِلتَّعَجُّبِ لِاسْتِغْرَابِهِ أَنَّهُ مِنْ أَيْنَ دَخَلَ عَلَيْهِ وَالطُّرُقُ مَسْدُودَةٌ (قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ (قَالَ: مَا شَأْنُكَ؟) بِالْهَمْزِ، وَيَعْدِلُ، أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ حَالُكَ، وَمَا سَبَبُ مَأْتَاكَ وَاضْطِرَابِكَ؟ (قُلْتُ: كُنْتُ) أَيْ أَنْتَ (بَيْنَ أَظْهُرِنَا) أَيْ كَانَ ظُهُورُنَا مُسْتَنِدَةً إِلَيْكَ، وَقُلُوبُنَا مُعْتَمِدَةً عَلَيْكَ، وَصُدُورُنَا مُنْشَرِحَةً لَدَيْكَ (فَقُمْتَ) أَيْ عَنَّا (فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا) وَفَتَحْتَ بَابَ الِاضْطِرَابِ لَدَيْنَا (فَخَشِينَا): عَلَيْكَ أَوَّلًا، وَعَلَيْنَا ثَانِيًا (أَنْ تُقْتَطَعَ) أَيْ يَقْطَعَكَ أَعْدَاؤُكَ عَنْ أَحْبَابِكَ وَتَهْلَكَ (دُونَنَا) أَيْ مِنْ غَيْرِ اطِّلَاعِنَا، أَوْ دُونَ أَنْ نَهْلَكَ بَيْنَ يَدَيْكَ لِأَجْلِكَ (فَفَزِعْنَا) أَيْ لِذَلِكَ، وَتَسَارَعْنَا إِلَى تَعَرُّفِ خَبَرِكَ (فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ) مِنَ الْمُشْتَاقِينَ، وَأَوَّلَ مَنْ قَامَ مِنَ الْخَائِفِينَ (فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ) بِنَاءً عَلَى ظَنِّي أَنَّكَ فِيهِ (فَاحْتَفَزْتُ) لَمَّا لَمْ أَجِدْ لَهُ بَابًا (كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ) فِي تَحْصِيلِ الْمَطْلَبِ (وَهَؤُلَاءِ النَّاسُ وَرَائِي) أَيْ يَنْتَظِرُونَ عِلْمَ مَا وَقَعَ لَكَ، وَهُوَ اقْتِبَاسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مُوسَى: ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤] (قَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) يُقْرَأُ بِالْهَمْزِ وَلَا يُكْتَبُ (وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ) الْجُمْلَةُ حَالٌ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْبِشَارَةِ لِلْمُحِبِّينَ (قَالَ) تَأْكِيدٌ لِلْأَوَّلِ (اذْهَبْ بِنَعْلَيْ) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ (هَاتَيْنِ) تَأْكِيدٌ لِلتَّنْبِيهِ، وَلَعَلَّهُ ﵊ حَصَلَ لَهُ التَّجَلِّي الطُّورِيُّ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ النُّورِيِّ فَخَلَعَ النَّعْلَيْنِ، وَأَعْطَى لِأَصْحَابِهِ الْكَوْنَيْنِ، أَوْ إِيمَاءً إِلَى ثَبَاتِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ، وَبَذْلِهِمُ الْجُهْدَ فِي السَّعْيِ إِلَيْهِ بِأَقْدَامِهِمْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ فَائِدَةَ بِعْثَةِ النَّعْلَيْنِ الدَّلَالَةُ عَلَى صِدْقِهِ، وَإِنْ كَانَ خَبَرُهُ مَقْبُولًا بِدُونِ ذَلِكَ، وَتَخْصِيصَهَا بِالْإِرْسَالِ إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ غَيْرُهُمَا، وَإِمَّا لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ بِعْثَتَهُ وَقُدُومَهُ لَمْ يَكُنْ إِلَّا تَبْشِيرًا وَتَسْهِيلًا عَلَى الْأُمَّةِ، وَرَفْعًا لِلْآصَارِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْأُمَمِ السَّابِقَةِ، وَإِمَّا لِلْإِشَارَةِ إِلَى ثَبَاتِ الْقَدَمِ وَالِاسْتِقَامَةِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ كَقَوْلِهِ ﵊: (قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَسْرَارِهِ، وَأَسْرَارِ أَبْرَارِهِ. (فَمَنْ لَقِيَكَ) أَيْ رَآكَ أَوْ رَأَيْتَهُ (مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ): قَيْدٌ وَاقِعِيٌّ، أَوِ الْمُرَادُ إِيمَانٌ غَيْبِيٌّ يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُخْلِصُ عَنِ الْمُنَافِقِ (يَشْهَدُ) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ): وَيَلْزَمُ مِنْهُ شَهَادَةُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ (مُسْتَيْقِنًا بِهَا) أَيْ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ (قَلْبُهُ) أَيْ مُنْشَرِحًا بِهَا صَدْرُهُ غَيْرَ شَاكٍّ وَمُتَرَدِّدٍ فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ اللَّذَيْنِ هُمَا الْإِيمَانُ الْإِجْمَالِيُّ (فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) مَعْنَاهُ أَخْبِرْ أَنَّ مَنْ كَانَ هَذِهِ صِفَتُهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِلَّا فَأَبُو هُرَيْرَةَ لَا يَعْلَمُ اسْتِيقَانَهُمْ، وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ اعْتِقَادَ التَّوْحِيدِ لَا يَنْفَعُ دُونَ النُّطْقِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ أَوْ عِنْدَ الطَّلَبِ، وَلَا النُّطْقَ دُونَ الِاعْتِقَادِ بِالْإِجْمَاعِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْهُمَا، غَايَتَهُ أَنَّ النُّطْقَ فِيهِ خِلَافٌ أَنَّهُ شَرْطٌ أَوْ شَطْرٌ، وَقَدْ يَسْقُطُ بِعُذْرٍ، وَذِكْرُ الْقَلْبِ هُنَا لِلتَّأْكِيدِ وَنَفْيُ تَوَهُّمِ الْمَجَازِ، وَإِلَّا فَالِاسْتِيقَانُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْقَلْبِ كَقَوْلِهِ: رَأَيْتُ بِعَيْنِي. (فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِيتُ) أَيْ مِنَ النَّاسِ (عُمَرَ) مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ، وَقِيلَ: مَرْفُوعٌ عَلَى الِاسْمِيَّةِ وَ» أَوَّلُ " بِالْعَكْسِ، قِيلَ: وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّهُ وَصْفٌ وَهُوَ بِالْخَبَرِيَّةِ أَحْرَى (فَقَالَ) مُبَادِرًا (مَا هَاتَانِ النَّعْلَانِ) أَيْ شَأْنُهُمَا وَخَبَرُهُمَا (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلَا رَسُولِ ﷺ بَعَثَنِي بِهِمَا) حَالَ كَوْنِي قَائِلًا، أَوْ مُبَلِّغًا أَوْ مَأْمُورًا بِأَنَّ (مَنْ لَقِيتُ) أَيْ أَنَا («يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، فَضَرَبَ عُمَرُ») لَا بُدَّ هُنَا مِنْ تَقْدِيرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ مِنَ السِّبَاقِ وَاللَّحَاقِ، يَعْنِي: فَقَالَ عُمَرُ: ارْجِعْ؛ قَصْدًا لِلْمُرَاجَعَةِ بِنَاءً عَلَى رَأْيِهِ الْمُوَافِقِ لِلْكِتَابِ وَنَصِّهِ الْمُطَابِقِ لِلصَّوَابِ، فَأَبَيْتُ وَامْتَنَعْتُ عَنْ حُكْمِهِ امْتِثَالًا لِظَاهِرِ أَمْرِهِ ﵊ الْمُقَدَّمِ عَلَى كُلِّ أَمْرِ آمِرٍ، فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ (بَيْنَ ثَدْيَيَّ) بِالتَّثْنِيَةِ أَيْ فِي صَدْرِي؛ فَإِنَّهُ يَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ ضَرْبُهُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ بَاعِثٍ (فَخَرَرْتُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ (لِاسْتِي) هَمْزَةُ وَصْلٍ، أَيْ سَقَطْتُ عَلَى مَقْعَدِي مِنْ شِدَّةِ ضَرْبِهِ لِي (فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) تَأْكِيدًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَيْسَ فِعْلُ عُمَرَ وَمُرَاجَعَتُهُ النَّبِيَّ ﷺ اعْتِرَاضًا عَلَيْهِ وَرَدًّا لِأَمْرِهِ؛ إِذْ لَيْسَ مَا بَعَثَ بِهِ أَبَا هُرَيْرَةَ إِلَّا لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ الْأُمَّةِ وَبُشْرَاهُمْ، فَرَأَى عُمَرُ ﵁ أَنَّ كَتْمَهُ هَذَا أَصْلَحُ لِئَلَّا يَتَّكِلُوا اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ ﵊ لِكَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْعَالِمِينَ، وَرَحِيمًا بِالْمُؤْمِنِينَ، وَمَظْهَرًا لِلْجَمَالِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، وَطَبِيبًا لِأُمَّتِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَمَّا بَلَغَهُ خَوْفَهُمْ وَفَزَعَهُمْ وَاضْطِرَابَهُمْ أَرَادَ مُعَالَجَتَهُمْ بِإِشَارَةِ الْبِشَارَةِ؛ لِإِزَالَةِ الْخَوْفِ وَالنِّذَارَةِ، فَإِنَّ الْمُعَالَجَةَ بِالْأَضْدَادِ، وَلَمَّا كَانَ عُمَرُ مَظْهَرًا لِلْجَلَالِ، وَعَلِمَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْخَلْقِ التَّكَاسُلُ وَالِاتِّكَالُ، فَرَأَى أَنَّ الْأَصْلَحَ لِأَكْثَرِ الْخَلْقِ الْمَعْجُونُ الْمُرَكَّبُ، بَلْ غَلَبَةُ الْخَوْفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ أَنْسَبُ فَوَافَقَهُ ﷺ وَهَذِهِ مَرْتَبَةٌ عَلِيَّةٌ وَمَزِيَّةٌ جَلِيَّةٌ لِعُمْرَ ﵁. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَكَانَ وَجْهُ اسْتِبَاحَةِ عُمَرَ لِذَلِكَ أَنَّهُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ بِمَنْزِلَةِ الشَّيْخِ وَالْمُعَلِّمِ، وَلِلشَّيْخِ وَالْمُعَلِّمِ أَنْ يُؤَدِّبَ الْمُتَعَلَّمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ إِذَا رَأَى مِنْهُ خِلَافَ الْأَدَبِ، وَهُوَ هُنَا الْمُبَادَرَةُ إِلَى إِشَاعَةِ هَذَا الْخَبَرِ قَبْلَ تَفَهُّمِ الْمُرَادِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ إِشْكَالِهِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنِ اتِّكَالِ النَّاسِ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْأَعْمَالِ، وَكَانَ حَقُّهُ إِذَا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ أَنْ يَتَفَهَّمَ الْمُرَادَ بِهِ لِيُورِدَهُ فِي مَوَارِدِهِ دُونَ غَيْرِهَا، فَاقْتَضَى اجْتِهَادُ عُمَرَ أَنَّ إِخْلَالَهُ بِذَلِكَ مُقْتَضٍ لِتَأْدِيبِهِ، فَأَدَّبَهُ بِذَلِكَ. فَتَطْوِيلٌ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، فَإِنَّهُ مَعَ تَسْلِيمِ مَا ذَكَرَ كُلَّهُ لَا يُعْقَلُ ضَرْبُهُ ابْتِدَاءً مِنَ الشَّيْخِ الْحَقِيقِيِّ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ قَوْلُهُ أَيْضًا: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ عُمَرَ اسْتَبْعَدَ صُدُورَ هَذَا الْعُمُومِ مِنْهُ ﵊ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي: أَبَعَثْتَ إِلَخْ. وَنَسَبَهُ إِلَى تَصَرُّفِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَدَّبَهُ لِذَلِكَ - مُسْتَبْعَدٌ غَايَةَ الْبُعْدِ؛ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى سُوءِ الظَّنِّ، وَعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الدِّيَانَاتِ، وَمَعَ هَذَا كَيْفَ يُتَصَوَّرُ ضَرْبُهُ عَلَى ذَلِكَ؟ ثُمَّ مِنَ الْغَرِيبِ أَنَّهُ فَرَّعَ عَلَيْهِ أَيْضًا بِأَنَّ لِلْأَفَاضِلِ مِنَ الْأَتْبَاعِ تَأْدِيبُ مَنْ دُونَهُمْ إِذَا كَانُوا لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ التَّلَامِذَةِ، وَأَنَّ لِلشَّيْخِ أَنْ يُؤَدِّبَ تِلْمِيذَهُ وَلَوْ بِالضَّرْبِ، وَنَقَلَ جَوَازَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّتِهِ اهـ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الضَّرْبَ عَلَى عَدَمِ فَهْمِ الْمُرَادِ أَوْ عَلَى سُوءِ الظَّنِّ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَجْهَشْتُ بِالْبُكَاءِ) وَالْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ، وَالْبُكَاءُ إِمَّا لِشِدَّةِ الْإِيلَامِ أَوْ لِقِلَّةِ الِاحْتِرَامِ. وَيُرْوَى «جَهِشْتُ» بِكَسْرِ الْهَاءِ وَغَيْرِ هَمْزٍ، وَهُمَا صَحِيحَانِ، وَكَلَاهُمَا بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَالْجَهْشُ كَالْإِجْهَاشِ أَنْ يَفْزَعَ الْإِنْسَانُ إِلَى إِنْسَانٍ وَيَلْجَأَ إِلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ يُرِيدُ الْبُكَاءَ كَمَا يَفْزَعُ الصَّبِيُّ إِلَى أُمِّهِ (وَرَكِبَنِي عُمَرُ) أَيْ أَثْقَلَنِي عَدْوُ عُمَرَ مِنْ بَعِيدٍ خَوْفًا وَاسْتِشْعَارًا مِنْهُ كَمَا يُقَالُ: رَكِبَتْهُ الدُّيُونُ أَيْ أَثْقَلَتْهُ يَعْنِي تَبِعَنِي عُمَرُ (وَإِذَا هُوَ) أَيْ عُمَرُ، وَإِذَا لِلْمُفَاجَأَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَاءِ، بَيَانٌ لِوُصُولِهِ إِلَيْهِ أَيْ فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ (عَلَى أَثَرِي): فِيهِ لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ فَتْحُهُمَا وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَكَسْرُ الْهَمْزَةِ، وَسُكُونُ الثَّاءِ أَيْ عَقِبِي (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَا لَكَ رَجَعْتَ) وَأَيُّ شَيْءٍ رَجَعَ بِكَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ الْمُنْكَرَةِ؟ (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ . قُلْتُ): وَفِي نُسْخَةٍ: فَقُلْتُ (لَقِيتُ عُمَرَ فَأُخْبِرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثَتْنِي بِهِ فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً خَرَرْتُ لِاسْتِي فَقَالَ) أَيْ عُمَرُ (ارْجِعْ، قَالَ): وَفِي نُسْخَةٍ: فَقَالَ، بِالْفَاءِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يَا عُمَرُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟) أَيْ مِنَ الْأَمْرِ بِالرُّجُوعِ، وَالْمَنْعِ مِنَ التَّبْلِيغِ (قَالَ) وَفِي نُسْخَةٍ: فَقَالَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ قِيلَ: هُوَ اسْمٌ تَقْدِيرُهُ أَنْتَ مُفْدًى بِأَبِي، وَقِيلَ فِعْلٌ، أَيْ فَدَيْتُكَ بِأَبِي، وَحُذِفَ هَذَا الْمُقَدَّرُ تَخْفِيفًا؛ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَعِلْمِ الْمُخَاطَبِ بِهِ (أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ؟) وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيرِ وَالتَّحْقِيقِ (مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرَهُ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي أَيْ مَنْ لَقِيَهُ بَشَّرَهُ (بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ) أَيْ عُمَرُ (فَلَا تَفْعَلْ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى هَذِهِ الْبِشَارَةِ الْإِجْمَالِيَّةِ، وَيَعْتَمِدُ الْعَامَّةُ عَلَى هَذِهِ الرَّحْمَةِ الْجَمَالِيَّةِ، وَيَتْرُكُوا الْقِيَامَ بِوَظَائِفَ الْعُبُودِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي الصِّفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَحِينَئِذٍ يَنْخَرِمُ نِظَامُ الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى حَيْثُ أَكْثَرُهُمْ يَقَعُونَ فِي الْمِلَّةِ الْإِبَاحِيَّةِ كَمَا
كُلُّ حُرٍّ وَعَبْدٍ يَعْنِي مَأْمُورٌ بِالْمُوَافَقَةِ، وَقِيلَ: أَبُو بَكْرٍ وَزَيْدٌ، أَوْ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي إِحْدَى رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ، وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ، وَلَعَلَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ يُذْكَرْ لِصِغَرِهِ، وَكَذَا خَدِيجَةَ لِسَتْرِهَا وَعَدَمِ ظُهُورِهَا (قُلْتُ: مَا الْإِسْلَامُ؟) أَيْ عَلَامَتُهُ أَوْ شُعَبُهُ أَوْ كَمَالُهُ (قَالَ: طِيبُ الْكَلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ) فِيهِمَا إِشَارَةٌ إِلَى الْحَثِّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَإِظْهَارِ الْإِحْسَانِ لِأَفْرَادِ الْإِنْسَانِ، وَلَوْ بِحَلَاوَةِ اللِّسَانِ (قُلْتُ: مَا الْإِيمَانُ؟) أَيْ ثَمَرَتُهُ وَنَتِيجَتُهُ [قَالَ: (الصَّبْرُ) أَيْ عَلَى الطَّاعَةِ، وَعَنِ الْمَعْصِيَةِ فِي الْمُصِيبَةِ (وَالسَّمَاحَةُ) أَيِ السَّخَاوَةُ بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَالْإِحْسَانُ وَالْكَرَمُ لِلْفُقَرَاءِ، وَقِيلَ: الصَّبْرُ عَلَى الْمَفْقُودِ، وَالسَّمَاحَةُ بِالْمَوْجُودِ (قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الْإِسْلَامِ) أَيْ خِصَالُهُ أَوْ أَهْلُهُ، وَهُوَ أَوْلَى (أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) قَالَ: قُلْتُ أَيُّ الْإِيمَانِ أَفْضَلُ؟) أَيْ أَيُّ أَخْلَاقِهِ أَوْ خِصَالِهِ (قَالَ: خُلُقٌ حَسَنٌ) بِضَمِّ اللَّامِ، وَتُسَكَّنُ، وَهُوَ صِفَةٌ جَامِعَةٌ لِلْخِصَالِ السَّنِيَّةِ وَالشَّمَائِلِ الْبَهِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وَلِذَا قَالَتِ الصِّدِّيقَةُ ﵂: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، أَيْ يَأْتَمِرُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ، وَيَنْتَهِي عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ. وَذَكَرَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا خَاتِمَةُ الْمُحَدِّثِينَ وَآخِرُ الْمُجْتَهِدِينَ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ: إِنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ. رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَنْ جَدِّ الْحَسَنِ («أَنَّ أَحْسَنَ الْحَسَنِ الْخُلُقُ الْحَسَنُ»)، وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْخُلُقُ الْحَسَنُ هُوَ بَسْطُ الْمُسَمَّى بِالْمَحْيَا، وَبَذْلُ النَّدَى وَالْعَطَاءَ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَأَلَّا يُخَاصِمَ لِشِدَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ تَعَالَى؛ وَلِذَا قِيلَ: الصُّوفِيُّ لَا يُخَاصِمُ وَلَا يُخَاصَمُ، أَوْ إِرْضَاءُ الْخَلْقِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ. وَقَالَ سَهْلٌ: أَدْنَاهُ الِاحْتِمَالُ وَتَرْكُ الْمُكَافَأَةِ، وَالرَّحْمَةِ لِلظَّالِمِ، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ، وَالشَّفَقَةُ عَلَيْهِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ قَدْ لَاحَ وَبَانَ عِنْدَ أَرْبَابِ الْعِرْفَانِ بِطَوَالِعَ الْوَحْيِ، وَلَوَائِحِ الْوِجْدَانِ أَنَّ الْإِنْسَانَ جَوْهَرُ لُطْفٍ نُورَانِيٌّ مِنْ عَالَمِ الْأَمْرِ، شَبِيهٌ بِالْجَوَاهِرِ الْقُدْسِيَّةِ الْمَلَكُوتِيَّةِ، وَلَهُ قُوَّتَانِ يَحْظَى بِكَمَالِهِمَا وَيَشْقَى بِسَبَبِ اخْتِلَالِهِمَا؛ قُوَّةٌ عَاقِلَةٌ تُدْرِكُ حَقَائِقَ الْمَوْجُودَاتِ بِأَجْنَاسِهَا وَأَنْوَاعِهَا، وَتَنْتَقِلُ مِنْهَا إِلَى مَعْرِفَةِ مَنِ اشْتَغَلَ بِإِبْدَاعِهَا، وَعَامِلَةٌ تُدْرِكُ النَّافِعَ نَافِعًا فَتَمِيلُ إِلَيْهِ وَالضَّارَّ مُضِرًّا فَتَنْفِرُ عَنْهُ، وَذَلِكَ أُمُورٌ مَعَاشِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِحِفْظِ النَّوْعِ وَكَمَالِ الْبَدَنِ؛ وَلِذَا وَرَدَ " خَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ، أَوْ مَلَكَاتٍ فَاضِلَةٍ وَأَحْوَالٍ بَاطِنَةٍ هِيَ الْخُلُقُ الْحَسَنُ، وَهُوَ إِمَّا تَزْكِيَةُ النَّفْسِ عَنِ الرَّذَائِلِ، وَأُصُولُهَا عَشَرَةٌ: الطَّعَامُ، وَالْكَلَامُ، وَالْغَضَبُ، وَالْحَسَدُ، وَالْبُخْلُ، وَحُبُّ الْمَالِ، وَالْجَاهُ، وَالْكِبْرُ، وَالْعُجْبُ، وَالرِّيَاءُ، أَوْ تَحْلِيَتُهَا بِالْفَضَائِلِ، وَأُمَّهَاتُهَا عَشْرَةٌ: التَّوْبَةُ، وَالْخَوْفُ، وَالزُّهْدُ، وَالصَّبْرُ، وَالشُّكْرُ، وَالْإِخْلَاصُ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالْمَحَبَّةُ، وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَذِكْرُ الْمَوْتِ، وَالْخُلُقُ مَلَكَةٌ تَصْدُرُ بِهَا الْأَفْعَالُ عَنِ النَّفْسِ بِسُهُولَةٍ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ رَوِيَّةٍ، وَتَنْقَسِمُ إِلَى فَضِيلَةٍ، هِيَ الْوَسَطُ، وَرَذِيلَةٌ وَهِيَ الْأَطْرَافُ؛ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] . (قَالَ: قُلْتُ أَيُّ: الصَّلَاةِ) أَيْ أَيُّ أَرْكَانِهَا، أَوْ كَيْفِيَّاتِهَا (أَفْضَلُ؟) أَيْ أَكْثَرُ ثَوَابًا وَفَضْلًا (قَالَ: طُولُ الْقُنُوتِ) أَيِ الْقِيَامُ أَوِ الْقِرَاءَةُ أَوِ الْخُشُوعُ (قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الْهِجْرَةِ) أَيْ أَفْرَادِهَا (أَفْضَلُ؟) فَإِنَّ الْهِجْرَةَ أَنْوَاعٌ: إِلَى الْحَبَشَةِ عِنْدَ إِيذَاءِ الْكُفَّارِ لِلصَّحَابَةَ، وَمِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَمِنْ مَعْنَاهُ الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهِجْرَةُ الْقَبَائِلِ لِتَعَلُّمِ الْمَسَائِلِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْهِجْرَةُ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ (قَالَ: أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ) كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ، وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْأَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ الْأَعَمُّ الْأَشْمَلُ (قَالَ: فَقُلْتُ) وَفِي نُسْخَةٍ: قَلْتُ: (فَأَيُّ الْجِهَادِ) أَيْ أَنْوَاعِهِ أَوْ أَهْلِهِ (أَفْضَلُ؟ قَالَ: (مَنْ عُقِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (جَوَادُهُ) أَيْ قُتِلَ فَرَسُهُ (وَأُهْرِيقَ دَمُهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا وَهُوَ وَهْمٌ، أَيْ صُبَّ وَسُكِبَ، يُقَالُ: أَرَاقَ يُرِيقُ، وَهَرَاقَ يُهَرِيقُ بِقَلْبِ الْهَمْزَةِ هَاءً، وَأَهْرَاقَ يُهَرِيقُ بِزِيَادَتِهَا كَمَا زِيدَتِ السِّينُ فِي اسْتَطَاعَ، وَالْهَاءُ فِي مُضَارِعِ الْأَوَّلِ مُحَرِّكَةٌ، وَفِي مُضَارِعِ الثَّانِي مُسَكَّنَةٌ كَذَا قَالَهُ صَاحِبُ الْفَائِقِ.
[بَابُ الْكَبَائِرِ وَعَلَامَاتِ النِّفَاقِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ». قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ». فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهَا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[١]- بَابُ الْكَبَائِرِ
جُمَعُ كَبِيرَةٍ، وَهِيَ السَّيِّئَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي خَطِيئَتُهَا فِي نَفْسِهَا كَبِيرَةٌ، وَعُقُوبَةُ فَاعِلِهَا عَظِيمَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَعْصِيَةٍ لَيْسَتْ بِكَبِيرَةٍ، وَقِيلَ: الْكَبِيرَةُ مَا أَوْعَدَ عَلَيْهِ الشَّارِعُ بِخُصُوصِهِ، وَقِيلَ: مَا عُيِّنَ لَهُ حَدٌّ، وَقِيلَ: النِّسْبَةُ إِضَافِيَّةٌ، فَقَدْ يَكُونُ الذَّنْبُ كَبِيرَةً بِالنِّسْبَةِ لِمَا دُونَهُ، صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُ، وَقَدْ يَتَفَاوَتُ بِاعْتِبَارِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ كَمَا قِيلَ: حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ، وَقَدْ يَتَفَاوَتُ بِاعْتِبَارِ الْمَفْعُولِ، فَإِنَّ إِهَانَةَ السَّادَاتِ وَالْعُلَمَاءِ لَيْسَتْ كَإِهَانَةِ السُّوقَةِ وَالْجُهَلَاءِ، وَلِلشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ كِتَابٌ نَفِيسٌ فِي هَذَا الْبَابِ يُسَمَّى: الزَّوَاجِرُ عَنِ الْكَبَائِرِ، وَقِيلَ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ كَبِيرَةٌ نَظَرًا إِلَى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: لَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ، وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ، وَقِيلَ: بِإِبْهَامِ الْكَبِيرَةِ مِنْ بَيْنِ الذُّنُوبِ؛ لِئَلَّا يَرْتَفِعَ الْخَوْفُ مِنَ الْقُلُوبِ. (وَعَلَامَاتُ النِّفَاقِ) تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، أَوْ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٩ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁) يُكْنَى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهُذَلِيَّ، كَانَ إِسْلَامُهُ قَدِيمًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ فِي دَارِ الْأَرْقَمِ، وَقَبْلَ عُمَرَ بِزَمَانٍ، وَقِيلَ: كَانَ سَادِسًا فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ ضَمَّ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِوَاكَهُ، وَنَعْلَيْهِ، وَطَهُورَهُ فِي السَّفَرِ، هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ، وَشَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («رَضِيتُ لِأُمَّتِي مَا رَضِيَ لَهَا ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ، وَسَخِطْتُ لَهَا مَا سَخِطَ لَهَا ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ») يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ، وَكَانَ يُشَبَّهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي سَمْتِهِ، وَدَلَّهُ، وَهَدْيِهِ، كَانَ خَفِيفَ اللَّحْمِ قَصِيرًا، شَدِيدَ الْأُدْمَةِ نَحِيفًا، طُوَالُ الرِّجَالِ تُوَازِيهِ جَالِسًا، وَلِي الْقَضَاءَ بِالْكُوفَةِ وَبَيْتَ مَالِهَا لِعُمْرَ وَصَدَرًا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، ثُمَّ صَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَاتَ بِهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَلَهُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً. رَوَى عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ عِنْدَنَا أَفْقَهُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ. (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟) الذَّنْبُ مَا يُذَمُّ بِهِ الْآتِي بِهِ شَرْعًا، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ لَا يُغْفَرُ بِلَا تَوْبَةٍ وَهُوَ الْكُفْرُ، وَقِسْمٌ يُرْجَى أَنْ يُغْفَرَ بِالِاسْتِغْفَارِ وَسَائِرِ الْحَسَنَاتِ وَهُوَ الصَّغَائِرُ، وَقِسْمٌ يُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ وَبِدُونِهَا تَحْتَ الْمَشِيئَةِ وَهُوَ الْكَبَائِرُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِسْمٌ يَحْتَاجُ إِلَى التَّرَادِّ وَهُوَ حَقُّ الْآدَمِيِّ، وَالتَّرَادُّ إِمَّا فِي الدُّنْيَا بِالِاسْتِحْلَالِ أَوْ رَدِّ الْعَيْنِ، أَوْ بَدَلِهِ، وَإِمَّا فِي الْآخِرَةِ بِرَدِّ ثَوَابِ الظَّالِمِ لِلْمَظْلُومِ، أَوْ إِيقَاعِ سَيِّئَةِ الْمَظْلُومِ عَلَى الظَّالِمِ، أَوْ أَنَّهُ تَعَالَى يُرْضِيهِ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ. (قَالَ: (أَنْ تَدْعُوَ) أَيْ تَجْعَلَ (لِلَّهِ نِدًّا) بِالْكَسْرِ أَيْ مِثْلًا وَنَظِيرًا فِي دُعَائِكَ وَعِبَادَتِكَ، وَقِيلَ النِّدُّ: الْمِثْلُ الْمُزَاحِمُ الَّذِي يُضَادُّهُ فِي أُمُورِهِ مِنْ: نِدَّ: نَفَرَ، وَأَمَّا الضِّدُّ فَهُوَ أَحَدُ مُتَقَابِلَيْنِ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا (وَهُوَ خَلَقَكَ) الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ اللَّهِ، أَوْ مِنْ فَاعِلِ «أَنْ تَدْعُوَ»، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا اسْتَحَقَّ بِهِ تَعَالَى أَنْ تَتَّخِذَهُ رَبًّا وَتَعْبُدَهُ؛ فَإِنَّهُ خَلَقَكَ، أَوْ إِلَى مَا بِهِ امْتِيَازُهُ تَعَالَى عَنْ غَيْرِهِ فِي كَوْنِهِ إِلَهًا، أَوْ إِلَى ضَعْفِ النِّدِّ أَيْ أَنْ تَدْعُوَ لَهُ نِدًّا، وَقَدْ خَلَقَكَ غَيْرُهُ، وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ شَيْءٍ، وَالْمُرَادُ أَنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ هُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، بَلِ الْكُفْرُ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا خُصَّ فَإِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. (قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟) اسْتِفْهَامٌ بِالتَّنْوِينِ بَدَلٌ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، لَكِنْ يُحْذَفُ التَّنْوِينُ وَقْفًا بِمَعْنَى أَيُّ شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ أَكْبَرُ بَعْدَ الْكُفْرِ (قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ) مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ (أَنْ يَطْعَمَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ يَأْكُلَ (مَعَكَ) لَا خِلَافَ أَنَّ أَكْبَرَ الذُّنُوبِ بَعْدَ الْكُفْرِ قَتْلُ نَفْسِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَالْمَعْنَى أَنَّ قَتْلَ الْوَلَدِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ، وَقَتْلُهُ مِنْ خَوْفِ أَنْ يَطْعَمَ أَيْضًا ذَنْبٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الرِّزْقَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ «ثُمَّ» فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِتَرَاخِي الزَّمَانِ؛ إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ هَاهُنَا، وَلَا لِتَرَاخِي الرُّتْبَةِ؛ لِوُجُوبِ كَوْنِ
الْمَعْطُوفِ بِهَا أَعْلَى مَرْتَبَةً، وَهُنَا بِالْعَكْسِ بَلْ هِيَ لِلتَّرَاخِي فِي الْإِخْبَارِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: أَخْبِرْنِي عَنْ أَوْجَبِ مَا يُهِمُّنِي السُّؤَالُ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ الْأَوْجَبُ فَالْأَوْجَبُ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لِتَرَاخِي الرُّتْبَةِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَعْطُوفُ بِهَا أَدْنَى مَرْتَبَةً كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵊: («أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَوْلِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ») .
وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ الْمُسْلِمَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ كَبِيرَةٌ، وَأَفْحَشُ أَنْوَاعِهِ قَتْلُ الْقَرِيبِ؛ لِأَنَّكَ ضَمَمْتَ إِلَى مَعْصِيَةِ الْقَتْلِ مَعْصِيَةَ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَأَفْحَشُ أَنْوَاعِهِ قَتْلُ الْقَرِيبِ؛ قَتْلُ الْوَالِدِ ثُمَّ قَتْلُ الْوَلَدِ، فَكَوْنُ قَتْلِ الْوَلَدِ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الْكُفْرِ إِنَّمَا هُوَ بِضَمِّ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنَّهُ يَضُمُّ إِلَى تِلْكَ الْقَبَائِحِ عَدَمُ رُؤْيَةِ الرِّزْقِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَانْتِفَاءُ التَّوَكُّلِ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِ مَعَ دَلَالَتِهِ عَلَى كَمَالِ قَسَاوَتِهِ بِقَتْلِ نَفْسٍ زَكِيَّةٍ صَغِيرَةٍ بِأَقْبَحِ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ، وَهُوَ دَفْنُهُ حَيًّا. (قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ») أَيْ تَزْنِيَ (حَلِيلَةَ جَارِكَ) أَيْ زَوْجَتَهُ، مِنْ حَلَّ يَحِلُّ بِالْكَسْرِ، إِذْ كُلٌّ مِنْهُمَا حَلَالٌ لِلْآخَرِ، أَوْ مِنْ حَلَّ يَحُلُّ بِالضَّمِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَالٌّ عِنْدَ الْآخَرِ، فَمُطْلَقُ الزِّنَا ذَنْبٌ كَبِيرٌ، وَخَاصَّةً مَعَ مَنْ سَكَنَ جَارَكَ، وَالْتَجَأَ لِأَمَانَتِكَ، فَهُوَ زِنًا وَإِبْطَالُ حَقِّ الْجُوَارِ، وَالْخِيَانَةُ مَعَهُ أَقْبَحُ، فَحَاصِلُ الْقُيُودِ مِنَ النِّدِّ وَالْوَلَدِ وَالْجَارِ كَمَالُ تَقْبِيحِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، لَا أَنَّهَا قُيُودٌ احْتِرَازِيَّةٌ، وَإِلَّا فَأَفْحَشُ الزِّنَا أَنْ يَكُونَ بِالْمَحَارِمِ. ثُمَّ الْإِتْيَانُ بِقَوْلِهِ: (أَنْ تُزَانِيَ) بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى، فَالْحَدِيثُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] أَوْ رِعَايَةً لِحَالِ السَّائِلِ، وَلِذَا قَيَّدَ الْكَبَائِرَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ لِكَوْنِهَا سَبْعًا، وَاقْتَصَرَ فِي بَعْضِهَا عَلَى ثَلَاثٍ مِنْهَا كَمَا هُنَا، أَوْ أَرْبَعٍ كَمَا يَأْتِي بِنَاءً عَلَى بَيَانِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ مِنْهَا وَقْتَ ذِكْرِهِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِلَى السَّبْعِمِائَةِ أُقْرَبُ، قِيلَ: يَأْتِ بِاعْتِبَارِ أَصْنَافِ أَنْوَاعِهَا، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَأَنْزَلَ اللَّهُ) وَفِي نُسْخَةٍ: ﷿ (تَصْدِيقَهَا) أَيْ تَصْدِيقَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَوِ الْأَحْكَامِ، أَوِ الْوَاقِعَةِ، وَنَصَبَهُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أَيْ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ تَصْدِيقًا لَهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَقْرِيرِ السُّنَّةِ وَتَصْدِيقِهَا بِالْكِتَابِ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَا أَعْرِفُ لَهُ مُخَالِفًا فِي هَذَا الْمَقَالِ لِيَحْتَاجَ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ، وَيُمْكِنَ أَنْ يُرَادَ بِالتَّصْدِيقِ الْمُطَابَقَةُ وَالتَّوْفِيقُ، وَتَكُونُ السُّنَّةُ مُقْتَبَسَةً مِنَ الْآيَةِ مَعَ زِيَادَةِ التَّنْبِيهِ عَلَى أَقْبَحِ الْأَفْرَادِ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْإِخْبَارِ عَنِ الْمُبْتَدَأِ الْمُتَقَدِّمِ، وَهُوَ عِبَادُ الرَّحْمَنِ ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾ [الفرقان: ٦٨] يَعْنِي نَفْسَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ وَالْمَعَاهِدِ ﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [الفرقان: ٦٨] أَيْ قَتْلَهَا، وَالْمَعْنَى لَا يَقْتُلُونَ نَفْسَ غَيْرِ الْحَرْبِيِّ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُودِ، فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَتْلِ الْمُقَدَّرِ، وَقِيلَ: بِلَا يَقْتُلُونَ أَيْ بِإِحْدَى الْخِصَالِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ الرِّدَّةُ، وَزِنَا الْإِحْصَانِ، وَالْقَصَاصِ ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الْآيَةَ: بِتَمَامِهَا فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ، وَفِي كَوْنِ هَذِهِ الْآيَةِ مُصَدِّقَةً لِلْحَدِيثِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ ذِكْرَ الْوَلَدِ، وَالْخَشْيَةَ، وَحَلِيلَةَ الْجَارِ إِنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ زِيَادَةِ الْفُحْشِ لَا لِلتَّقْيِيدِ، وَإِلَّا لَمْ تَكُنِ الْآيَةُ الدَّالَّةُ عَلَى أَكْبَرِيَّةِ الْقَتْلِ وَالزِّنَا لَا بِقَيْدِ مُطَابَقَةٍ لِلْحَدِيثِ حَتَّى تُصَدِّقَهُ، بَلْ كَانَ الْحَدِيثُ مُقَيِّدًا لَهَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
فَيَمْرَضُ وَيَمُوتُ مِنْهُ إِمَّا بِوَاصِلٍ إِلَى بَدَنِهِ مِنْ دُخَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ بِدُونِهِ. وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: السَّاحِرُ بِفِعْلِ مَنْ يَرْكَبُ مِكْنَسَةً فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ أَوْ نَحْوَهُ، وَكَذَا مُعَزِّمٌ عَلَى الْجِنِّ، وَمَنْ يَجْمَعُهَا بِزَعْمِهِ، وَأَنَّهُ يَأْمُرُهَا فَتُطِيعُهُ، وَكَاهِنٌ، وَعَرَّافٌ، وَمُنَجِّمٌ، وَمُشَعْبِذٌ، وَقَائِلٌ يَزْجُرُ الطَّيْرَ، وَضَارِبُ عَصًا وَشَعِيرٍ وَقِدَاحٍ، وَمَنْ يَسْحَرُ بِدَوَاءٍ، أَوْ تَدْخِينٍ، أَوْ سَقْيٍ مُضِرٍّ. قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِهِمْ: وَمِنَ السِّحْرِ السَّعْيُ بِالنَّمِيمَةِ وَالْإِفْسَادِ بَيْنَ النَّاسِ؛ لِقَوْلِ جَمْعٍ مِنَ السَّلَفِ: يُفْسِدُ النَّمَّامُ وَالْكَذَّابُ فِي سَاعَةٍ مَا لَا يُفْسِدُهُ السَّاحِرُ فِي سَنَةٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ لِلسِّحْرِ حَقِيقَةً عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَأَبِي جَعْفَرٍ الِاسْتِرَابَاذِيِّ، ثُمَّ ظَاهِرُ عَطْفِ السِّحْرِ عَلَى الشِّرْكِ أَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ، وَقَدْ كَثُرَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ، وَحَاصِلُ مَذْهَبِنَا أَنَّ فِعْلَهُ فِسْقٌ، وَفِي الْحَدِيثِ: («لَيْسَ مِنَّا مِنْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ») . وَيَحْرُمُ تَعَلُّمُهُ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ؛ لِخَوْفِ الِافْتِتَانِ وَالْإِضْرَارِ، وَلَا كُفْرَ فِي فِعْلِهِ وَتَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ إِلَّا إِنِ اشْتَمَلَ عَلَى عِبَادَةِ مَخْلُوقٍ، أَوْ تَعْظِيمِهِ كَمَا يُعَظَّمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، أَوِ اعْتِقَادَ أَنَّ لَهُ تَأْثِيرًا بِذَاتِهِ، أَوْ أَنَّهُ مُبَاحٌ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ، وَأَطْلَقَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ أَنَّ السَّاحِرَ كَافِرٌ، وَأَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ، وَأَنَّ تَعَلُّمَهُ وَتَعْلِيمَهُ كَفْرٌ، وَأَنَّ السَّاحِرَ يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ، سَوَاءً سَحَرَ مُسْلِمًا أَمْ ذِمِّيًّا. وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَفْعَلُ لَهُ مَا يَشَاءُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ السِّحْرَ مُجَرَّدُ تَخْيِيلٍ وَتَمْوِيهٍ لَمْ يَكْفُرْ، وَاخْتَلَفَ الْحَنَابِلَةُ فِي كُفْرِهِ، وَفِي «التَّنْقِيحِ» مِنْ كُتُبِهِمْ: وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ سَاحِرٍ يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ، وَيُقْتَلُ سَاحِرٌ مُسْلِمٌ يَرْكَبُ الْمِكْنَسَةَ فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ وَنَحْوَهُ، وَيَكْفُرُ هُوَ وَمَنْ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ. وَفِي الْفُرُوعِ لَهُمْ أَيْضًا: أَنَّ مَنْ أَوْهَمَ قَوْمًا بِطَرِيقَتِهِ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ؛ لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ، وَبَقِيَ لِهَذَا الْمَبْحَثِ مُتَمِّمَاتٌ بَسَطْتُهَا مَعَ ذِكْرِ فُرُوقٍ بَيْنَ الْمُعْجِزَةِ وَالسِّحْرِ فِي كِتَابِي: الْإِعْلَامُ بِقَوَاطِعِ الْإِسْلَامِ. («وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهَ) بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ (إِلَّا بِالْحَقِّ») وَهُوَ أَنْ يَجُوزَ قَتْلُهَا شَرْعًا بِالْقِصَاصِ وَغَيْرِهِ (وَأَكْلُ الرِّبَا) وَتَفْصِيلُهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ (وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ) إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ صَغِيرٌ لَا أَبَّ لَهُ، وَالتَّعْبِيرُ فِيهِمَا بِالْأَكْلِ، وَالْمُرَادُ بِهِ سَائِرُ وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ أَغْلَبُهَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا (وَالتَّوَلِّي) بِكَسْرِ اللَّامِ أَيِ الْإِدْبَارُ لِلْفِرَارِ (يَوْمَ الزَّحْفِ) وَهُوَ الْجَمَاعَةُ الَّتِي يَزْحَفُونَ إِلَى الْعَدُوِّ، أَيْ يَمْشُونَ إِلَيْهِمْ بِمَشَقَّةٍ، مِنْ زَحَفِ الصَّبِيِّ إِذَا دَبَّ عَلَى اسْتِهِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ لِكَثْرَتِهِ وَثِقَلِ حَرَكَتِهِ كَأَنَّهُ يَزْحَفُ، وَسُمُّوا بِالْمَصْدَرِ مُبَالَغَةً، وَإِذَا كَانَ بِإِزَاءِ كُلِّ مُسْلِمٍ أَكْثَرُ مِنْ كَافِرَيْنِ جَازَ التَّوَلِّي. (وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ) أَيِ الْعَفَائِفِ يَعْنِي رَمْيَهُنَّ بِالزِّنَا، وَهِيَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَتُكْسَرُ أَيْ أَحْصَنَهَا اللَّهُ وَحِفْظَهَا، أَوِ الَّتِي حَفِظَتْ فَرْجَهَا مِنَ الزِّنَا (الْمُؤْمِنَاتُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَذْفِ الْكَافِرَاتِ، فَإِنَّ قَذْفَهُ لَيْسَ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً فَقَذْفُهَا مِنَ الصَّغَائِرِ، وَلَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَفِي قَذْفِ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ التَّعْزِيرُ دُونَ الْحَدِّ، وَيَتَعَلَّقُ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ، وَإِذَا كَانَ الْمَقْذُوفُ رَجُلًا يَكُونُ الْقَذْفُ أَيْضًا مِنَ الْكَبَائِرِ، وَيَجِبُ الْحَدُّ أَيْضًا، فَتَخْصِيصُهُنَّ لِمُرَاعَاةِ الْآيَةِ وَالْعَادَةِ. (الْغَافِلَاتُ) عَنِ الِاهْتِمَامِ بِالْفَاحِشَةِ كِنَايَةً عَنِ الْبَرِيئَاتِ، فَإِنَّ الْبَرِيءَ غَافِلٌ عَمَّا بُهِتَ بِهِ، وَالْغَافِلَاتُ مُؤَخَّرٌ عَنِ الْمُؤْمِنَاتِ فِي الْحَدِيثِ عَكْسَ الْآيَةِ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ حَجَرٍ بِالْعَكْسِ وَفْقَ الْآيَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
٥٣ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِينَ يَغُلُّ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ; فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ»». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَا يَزْنِي) بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ خَطًّا (الزَّانِي حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنٌ) الْوَاوُ لِلْحَالِ، وَظَاهِرُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وَأَصْحَابُنَا أَوَّلُوهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ فِي إِيمَانِهِ، أَوْ ذُو أَمْنٍ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوِ الْمُرَادُ الْمُؤْمِنُ الْمُطِيعُ لِلَّهِ، يُقَالُ: أَمِنَ لَهُ، إِذَا انْقَادَ وَأَطَاعَ، أَوْ مَعْنَاهُ الزَّجْرُ وَالْوَعِيدُ، أَوِ الْإِنْذَارُ لِمُرْتَكِبِ هَذِهِ الْكَبَائِرِ بِسُوءِ الْعَاقِبَةِ، إِذْ مُرْتَكِبُهَا لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ أَنْ يَقَعَ فِي الْكُفْرِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْإِيمَانِ، أَوْ أَنَّ الْإِيمَانَ إِذَا زَنَى الرَّجُلُ خَرَجَ مِنْهُ، وَكَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ مِثْلَ الظُّلَّةِ، فَإِذَا انْقَلَعَ رَجَعَ إِلَيْهِ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ. وَقِيلَ: مَعْنَى مُؤْمِنٍ مُسْتَحٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْحَيَاءَ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ، فَلَوِ اسْتَحَى مِنْهُ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ نَاظِرٌ لَمْ يَرْتَكِبْ هَذَا الْفِعْلَ الشَّنِيعَ، وَفِيهِ بَحْثٌ، إِذْ سُئِلَ الْجُنَيْدُ: أَيَزْنِي الْعَارِفُ؟ فَقَالَ: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا. مَعَ أَنَّ هَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ إِذَا انْتَفَى تِلْكَ الشُّعْبَةُ انْتَفَى كَمَالُ الْإِيمَانِ، لِأَنَّ الْكُلَّ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ جُزْئِهِ،
٥٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ»». زَادَ مُسْلِمٌ: ««وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ»»، ثُمَّ اتَّفَقَا: («إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ»«.
ــ
٥٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: وَعَنْهُ؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوِ الْبُخَارِيِّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (آيَةُ الْمُنَافِقِ) أَيْ عَلَامَةُ نِفَاقِهِ الدَّالِّ عَلَى قُبْحِ نِيَّتِهِ وَفَسَادِ طَوِيَّتِهِ، وَأَصْلِهِ مَنْ يُظْهِرُ خِلَافَ مَا يُضْمِرُ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى مَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنُ الْكُفْرَ (ثَلَاثٌ) أَيْ خِصَالٌ، وَالْآيَةُ: الْعَلَامَةُ، وَإِفْرَادُهَا إِمَّا عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا آيَةٌ أَنَّ الْعَلَّامَةَ إِنَّمَا تَحْصُلُ بِاجْتِمَاعِ الثَّلَاثِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ بِلَفْظِ: عَلَامَاتُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ. فَإِنْ قِيلَ: ظَاهِرُ الْحَصْرِ فِي الثَّلَاثِ فَكَيْفَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ بِلَفْظِ: أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ. . . الْحَدِيثَ؟ أَجَابَ الْقُرْطُبِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ﵊ اسْتَجَدَّ لَهُ الْعِلْمُ بِخِصَالِهِمْ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: لَيْسَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ تَعَارُضٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدِّ الْخَصْلَةِ كَوْنُهَا عَلَامَةً عَلَى أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ عَدَمِ الْحَصْرِ، فَإِنَّ لَفْظَهُ مِنْ عَلَامَةِ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ، فَيَكُونُ قَدْ أَخْبَرَ بِبَعْضِ الْعَلَامَاتِ فِي وَقْتٍ وَبَعْضَهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ. (زَادَ مُسْلِمٌ: (وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى) التَّثْنِيَةُ لِلتَّكْرِيرِ وَالِاسْتِيعَابُ. أَيْ وَإِنْ عَمِلَ عَمَلَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِنْ صَلَّى، وَصَامَ، وَحَجَّ، وَاعْتَمَرَ، وَقَالَ إِنِّي مُسْلِمٌ. وَهَذَا الشَّرْطُ اعْتِرَاضٌ وَارِدٌ لِلْمُبَالَغَةِ لَا يَسْتَدْعِي الْجَوَابَ. (وَزَعَمَ) أَيِ ادَّعَى (أَنَّهُ مُسْلِمٌ) أَيْ كَامِلٌ (ثُمَّ اتَّفَقَا) أَيِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، فَقَالَا: (إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) وَهُوَ أَقْبَحُ الثَّلَاثَةِ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ (وَإِذَا وَعَدَ) أَيْ أَخْبَرَ بِخَيْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِذْ» وَعَدَ «يَغْلِبُ فِي الْخَيْرِ، وَ» أَوْعَدَ «فِي الشَّرِّ، وَأَيْضًا الْخُلْفُ فِي الْوَعِيدِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَإِنِّي إِذَا أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لِمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
(أَخْلَفَ) أَيْ جَعَلَ الْوَعْدَ خِلَافًا بِأَنْ لَمْ يَفِ بِوَعْدِهِ، وَوَجْهُ الْمُغَايِرَةِ بَيْنَ هَذِهِ وَمَا قَبْلَهَا أَنَّ الْإِخْلَافَ قَدْ يَكُونُ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ غَيْرُ الْكَذِبِ الَّذِي هُوَ لَازِمُ التَّحْدِيثِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ؛ لِأَنَّ ذَمَّ الْإِخْلَافِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ تَضْمِينِهِ الْكَذِبَ الْمَذْمُومَ إِنْ عَزَمَ عَلَى الْإِخْلَافِ حَالَ الْوَعْدِ لَا إِنْ طَرَأَ لَهُ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ عَلَامَةَ النِّفَاقِ لَا يَلْزَمُ تَحْرِيمُهَا، إِذًا الْمَكْرُوهُ لِكَوْنِهِ يَجُرُّ إِلَى الْحَرَامِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَلَامَةً عَلَى الْمُحَرَّمِ، وَنَظِيرُهُ عَلَامَاتُ السَّاعَةِ، فَإِنَّ مِنْهَا مَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ (وَإِذَا اؤْتُمِنَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ جُعِلَ أَمِينًا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ: اتُّمِنَ، بِتَشْدِيدِ التَّاءِ لِقَلْبِ هَمْزَتِهِ الثَّانِيَةِ وَاوًا وَإِبْدَالِهَا وَإِدْغَامِ التَّاءِ فِي التَّاءِ اهـ.
وَلَعَلَّ هَذَا الْإِعْلَالَ قَبْلَ دُخُولِ إِذَا عَلَيْهِ، وَمَعَ هَذَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] قَرَأَ وَرْشٌ وَالسُّوسِيُّ» الَّذِي يَتَّمِنُ «بِقَلْبِ الْهَمْزَةِ يَاءً، وَقُرِئَ» وَالَّذِتُّمِنَ «بِإِدْغَامٍ، وَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّ الْمُنْقَلِبَةَ عَنِ الْهَمْزَةِ فِي حُكْمِهَا، فَلَا تُدْغَمُ اهـ.
وَلِذَا قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْقُرَّاءِ: قِرَاءَةُ هَذَا بِالتَّشْدِيدِ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ، فَالصَّحِيحُ فِي الرِّوَايَةِ هُنَا إِمَّا بِالْهَمْزَةِ السَّاكِنَةِ أَوْ إِبْدَالِهَا أَلِفًا (خَانَ) وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ بِالذِّكْرِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمُخَالَفَةِ الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا مَبْنَى النِّفَاقِ مِنْ مُخَالَفَةِ السِّرِّ الْعَلَنَ، فَالْكَذِبُ الْإِخْبَارُ عَلَى خِلَافِ الْوَاقِعِ، وَحَقُّ الْأَمَانَةِ أَنْ تُؤَدَّى إِلَى أَهْلِهَا، فَالْخِيَانَةُ مُخَالَفَةٌ لَهَا، وَإِخْلَافُ الْوَعْدِ ظَاهِرٌ؛ وَلِهَذَا صَرَّحَ بِـ» أَخْلَفَ". فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مُشْكِلٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ قَدْ تُوجَدُ فِي الْمُسْلِمِ الْمُجْمَعِ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ بِكُفْرِهِ، قُلْنَا: اللَّامُ فِي الْمُنَافِقِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ، فَهُوَ إِمَّا
عَلَى التَّشْبِيهِ لِنِفَاقِ الْعَمَلِ الَّذِي لَا يُنَافِي الْإِسْلَامَ بِنِفَاقِ الِاعْتِقَادِ الَّذِي يُنَافِيهِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا فِيهِ إِظْهَارٌ بِخِلَافِ مَا أَبْطَنَ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ الِاعْتِيَادُ؛ وَلِذَا قَيَّدَ هَذَا بِإِذَا الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّكْرَارِ يَعْنِي أَنَّ النِّفَاقَ الْعَمَلِيَّ إِذَا وَقَعَ كَثِيرًا بِحَيْثُ إِنَّهُ يَصِيرُ عَادَةً قَدْ يَجُرُّ إِلَى النِّفَاقِ الْحَقِيقِيِّ بِخِلَافِ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ هَذِهِ الْخِصَالُ، أَوْ بَعْضُهَا نَادِرًا، فَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْخِصَالُ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا لِيَنْزَجِرَ الْكُلُّ عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ عَلَى آكَدِ وَجْهٍ إِيذَانًا بِأَنَّهَا طَلَائِعُ النِّفَاقِ الَّذِي هُوَ أَسْمَجُ الْقَبَائِحِ؛ لِأَنَّهُ كُفْرٌ ضَمُّوا إِلَيْهِ الِاسْتِهْزَاءَ وَالْخِدَاعَ بِرَبِّ الْأَرْبَابِ، وَمُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ، فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا مُنَافِيَةٌ لِحَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَلَّا يَرْتَعَ حَوْلَهَا، فَإِنَّ مَنْ رَتَعَ حَوْلَ الْحَمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُنَافِقِ الْمُنَافِقُ الْعُرْفِيُّ، وَهُوَ مَنْ يُخَالِفُ سِرُّهُ عَلَنَهُ مُطْلَقًا، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ: خَالِصًا ; لِأَنَّ الْخِصَالَ الَّتِي يَتِمُّ بِهَا الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ السِّرِّ وَالْعَلَنِ لَا تَزِيدُ عَلَى هَذَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: حَصَلَ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ خَمْسُ خِصَالٍ، وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: إِذَا عَاهَدَ غَدَرَ دَاخِلٌ فِي إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ. وَبِاعْتِبَارِ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى ثَلَاثٍ بَلْ إِلَى وَاحِدَةٍ هِيَ أَقْبَحُهَا، وَهِيَ الْكَذِبُ، قِيلَ: لَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّهَا خَمْسَةٌ بِاعْتِبَارِ تَغَايُرِهَا عُرْفًا أَوْ تَغَايُرِ أَوْصَافِهَا وَلَوَازِمِهَا، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ثَمَّةَ ثَلَاثٌ، وَهُنَا أَرْبَعٌ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ الَّذِي صَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ أَعْلَمَ بِالْوَحْيِ بِثَلَاثٍ، ثُمَّ بِأَرْبَعٍ، أَوْ مَعْنَاهُ الْإِنْذَارُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ أَنْ يَعْتَادَ هَذِهِ الْخِصَالَ فَتُفْضِي بِهِ إِلَى النِّفَاقِ الْخَالِصِ، وَإِمَّا لِلْعَهْدِ إِمَّا مِنْ مُنَافِقِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِمَّا مِنْ مُنَافِقٍ خَاصٍّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالنِّفَاقِ هُوَ النِّفَاقُ الْعَمَلِيُّ لَا الْإِيمَانِيُّ، أَوِ الْمُرَادُ النِّفَاقُ الْعُرْفِيُّ، وَهُوَ مَا يَكُونُ سِرُّهُ خِلَافَ عَلَنِهِ، وَاسْتُحْسِنَ هَذَا؛ لِأَنَّ النِّفَاقَ الشَّرْعِيَّ وَهُوَ الِاعْتِقَادِيُّ الَّذِي هُوَ إِبِطَانُ الْكُفْرِ وَإِظْهَارُ الْإِسْلَامِ، وَعُرْفِيٌّ وَهُوَ الْعَمَلِيُّ الَّذِي هُوَ إِبِطَانُ الْمَعْصِيَةِ وَإِظْهَارُ الطَّاعَةِ، فَإِرَادَتُهُ هُنَا أَوْلَى. وَإِطْلَاقُ النِّفَاقِ عَلَى الْعَمَلِيِّ كَإِطْلَاقِ الْكُفْرِ عَلَى بَعْضِ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ ﵊: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ») . وَأَبَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ مَرَّةً هَذَا الْإِطْلَاقَ، وَمَرَّةً قَالَ بِهِ، فَسَمَّى صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ مُنَافِقًا، وَيُحْكَى أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْأَوَّلِ لَمَّا أَرْسَلَ لَهُ عَطَاءٌ إِذْ بَلَغَهُ عَنْهُ ذَلِكَ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وُجِدَتْ فِيهِمْ تِلْكَ الثَّلَاثَةُ أَفَتَرَاهُمْ مُنَافِقِينَ؟ فَسُرَّ بِمَا نَبَّهَهُ عَلَيْهِ عَطَاءٌ، وَرُوِيَ «أَنَّ مُقَاتِلًا قَالَ لِابْنِ جُبَيْرٍ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَفْسَدَ عَلَيَّ مَعِيشَتِي لِأَنِّي أَظُنُّ أَلَّا أَسْلَمَ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ أَوْ بَعْضِهَا، فَضَحِكَ وَقَالَ: قَدْ أَهَمَّنِي ذَلِكَ. فَسَأَلْتُ عَنْهُ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ فَضَحِكَا وَقَالَا: أَهَمَّنَا ذَلِكَ. فَسَأَلْنَا عَنْهُ النَّبِيَّ ﷺ فَضَحِكَ فَقَالَ: (مَا لَكُمْ وَمَا لَهُنَّ) ! أَمَّا قَوْلَيْ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ فَذَلِكَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ، ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وَأَمَّا إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ فَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٧] الْآيَةَ. وَأَمَّا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ فَذَلِكَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الْآيَةَ، وَأَنْتُمْ بُرَآءُ مِنْ ذَلِكَ» . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا ذُكِرَ فِي أَوْلَادِ يَعْقُوبَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ أَنْبِيَاءَ، أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ أَنْبِيَاءُ فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ مَا صَدَرَ مِنْهُمْ بِحَمْلِهِ عَلَى مُحَامِلِ التَّجَوُّزَاتِ وَالْكِنَايَاتِ الَّتِي تَقْتَضِي عَدَمَ وُقُوعِ حَقَائِقِ ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ إِذِ الْأَنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا عَنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَصِغَارِهَا، وَلَوْ سَهْوًا عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِهِ، وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلُ بِنُبُوَّتِهِمْ بَلْ يَصِحُّ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦] وَهُمْ - أَعْنِي الْأَسْبَاطَ - أَوْلَادُ يَعْقُوبَ، فَالْآيَةُ مُصَرِّحَةٌ بِوُجُوبِ الْإِيمَانِ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ، وَيَلْزَمُ مِنَ الْإِنْزَالِ إِلَيْهِمْ نُبُوَّتُهُمْ كُلُّهُمُ اهـ.
وَيُكْسَرُ، أَيْ لَا تَرْمُوا بِالزِّنَا عَفِيفَةً (وَلَا تُوَلُّوا لِلْفِرَارِ) أَيْ لِأَجْلِهِ، مِنَ التَّوَلِّي وَهُوَ الْإِعْرَاضُ وَالْإِدْبَارُ. أَصْلُهُ تَتَوَلَّوْا، فَحَذَفَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَقِيلَ: بِضَمِّ التَّاءِ وَاللَّامِ، مِنْ وَلَّى تَوْلِيَةً إِذَا أَدْبَرَ أَيْ وَلَا تُوَلُّوا أَدْبَارَكُمْ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْفِرَارُ بِلَا لَامِ الْعِلَّةِ مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ. (يَوْمَ الزَّحْفِ) أَيِ الْحَرْبِ مَعَ الْكُفَّارِ (وَعَلَيْكُمْ) ظَرْفٌ وَقَعَ خَبَرًا مُقَدَّمًا (خَاصَّةً) مَنَّوْنًا حَالٌ، وَالْمُسْتَتِرُ فِي الظَّرْفِ الْعَائِدِ إِلَى الْمُبْتَدَأِ، أَيْ مَخْصُوصِينَ بِهَذِهِ الْعَاشِرَةِ، أَوْ حَالَ كَوْنِ عَدَمِ الِاعْتِدَاءِ مُخْتَصًّا بِكُمْ دُونَ غَيْرِكُمْ مِنَ الْمِلَلِ، أَوْ تَمْيِيزٌ، وَالْخَاصَّةُ ضِدُّ الْعَامَّةِ (الْيَهُودَ) نَصْبٌ عَلَى التَّخْصِيصِ وَالتَّفْسِيرِ، أَيْ أَعْنِي الْيَهُودَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَاصَّةً بِمَعْنَى خُصُوصًا، وَيَكُونُ الْيَهُودُ مَعْمُولًا لِفِعْلِهِ أَيْ: أَخُصُّ الْيَهُودَ خُصُوصًا، وَفِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ» يَهُودُ «مَضْمُومًا بِلَا لَامٍ عَلَى أَنَّهُ مُنَادَى، وَقَوْلُهُ: (أَنْ لَا تَعْتَدُوا) بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الْمُبْتَدَأُ مِنَ الْاعْتِدَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: أَنْ لَا تَعْدُوا بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ (فِي السَّبْتِ) أَيْ لَا تَتَجَاوَزُوا أَمْرَ اللَّهِ فِي تَعْظِيمِ السَّبْتِ بِأَنْ لَا تَصِيدُوا السَّمَكَ فِيهِ، وَقِيلَ:»عَلَيْكُمْ «اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى خُذُوا، وَ» أَنْ لَا تَعْتَدُوا " مَفْعُولُهُ، أَيِ الْزَمُوا تَرْكَ الِاعْتِدَاءِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ عَنِ الْآيَاتِ التِّسْعِ وَالْأَحْكَامِ الْعَامَّةِ جَمِيعًا، وَأَخْبَرُوا عَنْ إِحْدَاهَا، وَأَضْمَرُوا عَنْ أُخْرَاهَا عَلَى طَرِيقِ التَّوْرِيَةِ، فَأَجَابَهُمْ عَنِ الْأَمْرَيْنِ وَحَذَفَ الرَّاوِي الْأَوَّلَ، أَوْ أَجَابَهُمْ عَنِ الْمُشْكِلِ أَوِ الْمُضْمَرِ، وَتَرَكَ الْمَشْهُورَ إِمَّا لِظُهُورِهِ، أَوْ عَلَى أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ؛ وَلِذَا أَذْعَنَّا لَهُ فِي الظَّاهِرِ. (قَالَ) صَفْوَانُ (فَقَبَّلَا) أَيِ الْيَهُودِيَّانِ (يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ) ﷺ (وَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ) إِذْ هَذَا الْعِلْمُ مِنَ الْأُمِّيِّ مُعْجِزَةٌ، لَكِنْ نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ إِلَى الْعَرَبِ (قَالَ: (فَمَا يَمْنَعُكُمْ) فِيهِ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ، أَوِ الْمُرَادُ أَنْتُمَا وَقَوْمُكُمَا (أَنْ تَتَّبَعُونِي) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ، وَقِيلَ: بِالتَّخْفِيفِ أَيْ مِنْ أَنْ تَقْبَلُوا نُبُوَّتِي بِالنِّسْبَةِ إِلَيْكُمْ وَتَتَّبَعُونِي فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ (قَالَا: إِنَّ دَاوُدَ ﵊ دَعَا رَبَّهُ أَنْ لَا يَزَالَ) أَيْ بِأَنْ لَا يَنْقَطِعَ (مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ) إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَيَكُونُ مُسْتَجَابًا، فَيَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ وَيَتَّبِعُهُ الْيَهُودُ، وَرُبَّمَا يَكُونُ لَهُمُ الْغَلَبَةُ وَالشَّوْكَةُ (وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ تَبِعْنَاكَ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ) أَيْ فَإِنْ تَرَكْنَا دِينَهُمْ، وَاتَّبَعْنَاكَ لِقَتَلَنَا الْيَهُودُ إِذَا ظَهَرَ لَهُمْ نَبِيٌّ وَقُوَّةٌ، وَهَذَا افْتِرَاءٌ مَحْضٌ عَلَى دَاوُدَ ﵊ لِأَنَّهُ قَرَأَ فِي التَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ بَعْثَ مُحَمَّدٍ ﷺ النَّبِيِّ، وَأَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَأَنَّهُ يُنْسَخُ بِهِ الْأَدْيَانُ، فَكَيْفَ يَدْعُو بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ شَأْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ؟ . وَلَئِنْ سَلِمَ فَعِيسَى مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَهُوَ نَبِيٌّ بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وَكَذَا الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ عِلَّةٌ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
٥٩ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ثَلَاثٌ مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ؛ الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لَا تُكَفِّرْهُ بِذَنْبٍ، وَلَا تُخْرِجْهُ مِنَ الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ. وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُذْ بَعَثَنِيَ اللَّهُ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الدَّجَّالَ، لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ، وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ. وَالْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ»». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (ثَلَاثٌ) أَيْ خِصَالٌ (مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ) أَيْ أَسَاسُهُ وَقَاعِدَتُهُ، إِحْدَاهَا أَوْ مِنْهَا («الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ») أَيْ الِامْتِنَاعُ عَنِ التَّعَرُّضِ بِأَهْلِ
أَيِ: امْرَأَتِكَ أَوْ جَارِيَتِكَ، أَوْ عَبْدِكَ بِالطَّلَاقِ أَوِ الْبَيْعِ أَوِ الْعِتْقِ أَوْ غَيْرِهَا (وَمَالِكَ): بِالتَّصَرُّفِ فِي مَرْضَاتِهِمَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: شَرْطٌ لِلْمُبَالَغَةِ بِاعْتِبَارِ الْأَكْمَلِ أَيْضًا أَيْ: لَا تُخَالِفْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَإِنْ غَلَا فِي شَيْءٍ أَمَرَكَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِرَاقَ زَوْجَةٍ أَوْ هِبَةَ مَالٍ، أَمَّا بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْجَوَازِ فَلَا يَلْزَمُهُ طَلَاقُ زَوْجَةٍ أَمَرَاهُ بِفِرَاقِهَا، وَإِنْ تَأَذَّيًا بِبَقَائِهَا إِيذَاءً شَدِيدًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ ضَرَرٌ بِهَا، فَلَا يُكَلَّفَهُ لِأَجْلِهِمَا؛ إِذْ مِنْ شَأْنِ شَفَقَتِهِمَا أَنَّهُمَا لَوْ تَحَقَّقَا ذَلِكَ لَمْ يَأْمُرَاهُ بِهِ فَإِلْزَامُهُمَا لَهُ مَعَ ذَلِكَ حُمْقٌ مِنْهُمَا، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِخْرَاجُ مَالِهِ (وَلَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مَكْتُوبَةً) أَيْ: مَفْرُوضَةً (مُتَعَمِّدًا): احْتِرَازٌ مِنَ السَّهَرِ وَالنِّسْيَانِ وَالضَّرُورَةِ (فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً) أَيْ: مَفْرُوضَةً وَلَوْ نَذْرًا عَنْ وَقْتِهَا (مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ) أَيْ: لَا يَبْقَى فِي أَمْنٍ مِنَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا بِاسْتِحْقَاقِ التَّعْزِيرِ وَالْمَلَامَةِ، وَفِي الْعُقْبَى بِاسْتِحْقَاقِ الْعُقُوبَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كِنَايَةٌ عَنْ سُقُوطِ احْتِرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ التَّرْكِ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْعُقُوبَةِ بِالْحَبْسِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلِقَتْلِهِ حَدًّا لَا كُفْرًا بِشَرْطِ إِخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِهَا الضَّرُورِيِّ، وَأَمْرِهِ بِهَا فِي الْوَقْتِ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا، وَلِقَتْلِهِ كُفْرًا فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُدْفَنُ بِمَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَآخَرِينَ. (وَلَا تَشْرَبَنَّ خَمْرًا فَإِنَّهُ) أَيْ: شُرْبُهَا (رَأْسُ كُلِّ فَاحِشَةٍ) أَيْ: قَبِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الْفَوَاحِشِ هُوَ الْعَقْلُ؛ وَلِذَا سُمِّيَ عَقْلًا؛ لِأَنَّهُ يَعْقِلُ صَاحِبَهُ عَنِ الْقَبَائِحِ فَبِزَوَالِهِ عَنِ الْإِنْسَانِ يَقَعُ فِي كُلِّ فَاحِشَةٍ عَرَضَتْ لَهُ، وَلِذَا سُمِّيَتْ أُمَّ الْخَبَائِثِ، كَمَا سُمِّيَتِ الصَّلَاةُ أُمَّ الْعِبَادَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (وَإِيَّاكَ وَالْمَعْصِيَةَ): تَحْذِيرٌ وَتَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وَإِيذَانٌ بِأَنَّ الْمَعَاصِيَ السَّابِقَةَ أَعْظَمُهَا ضَرَرًا (فَإِنَّ بِالْمَعْصِيَةِ حَلَّ سَخَطُ اللَّهِ) أَيْ: نَزَلَ، وَثَبَتَ عَلَى فَاعِلِهَا، وَاسْمُ إِنَّ ضَمِيرُ الشَّأْنِ الْمَحْذُوفِ أَيْ: فَإِنَّهُ، وَقِيلَ: ضَمِيرُ الشَّأْنِ لَا يُحْذَفُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ تَعْظِيمُ الْكَلَامِ فَيُنَافِي الِاخْتِصَارَ، وَرُدَّ بِحَذْفِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ١١٧] وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَحَذْفُهُ مَنْصُوبًا ضَعِيفٌ فَقَدْ ضَعَّفُوهُ أَيْضًا، كَيْفَ يَقُولُ ذَلِكَ، وَقَدْ جَاءَ فِي كَلَامِهِ ﵊ فِي النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ: «أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ»؟ ! أَيْ: فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالشَّأْنَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَكَ أَنْ تُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ قِيَاسًا لَا اسْتِعْمَالًا، وَمِثْلُهُ وَاقِعٌ فِي الْقُرْآنِ فِي: ﴿قَتْلُ أَوْلَادَهُمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] بِنَصْبِ (أَوْلَادَ) الْفَاصِلِ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ اهـ. وَأَرَادَ بِهِ قِرَاءَةَ ابْنِ عَامِرٍ، وَأَظْهَرُ مِنْهُ وُجُودُ أَبَى يَأْبَى فِي الْقُرْآنِ مَعَ كَوْنِهِ شَاذًّا فِي الْقِيَاسِ بِلَا خِلَافٍ («وَإِيَّاكَ وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ»): تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ (وَإِنْ هَلَكَ النَّاسُ) أَيْ: بِالْفِرَارِ أَوِ الْقَتْلِ، وَإِنْ وَصْلِيَّةٌ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: شَرْطٌ لِلْمُبَالَغَةِ بِاعْتِبَارِ الْأَكْمَلِ أَيْضًا، وَإِلَّا فَقَدَ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] الْآيَةَ. أَنَّ الْكُفَّارَ حَيْثُ زَادُوا عَلَى الْمِثْلَيْنِ جَازَ الِانْصِرَافُ (وَإِذَا أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ) أَيْ: طَاعُونٌ وَوَبَاءٌ (وَأَنْتَ فِيهِمْ): الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (فَاثْبُتْ): لِقَوْلِهِ ﵊: («وَإِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلَدٍ، وَأَنْتُمْ فِيهِ فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهُ، وَإِذَا وَقَعَ بِبَلَدٍ، وَلَسْتُمْ فِيهِ فَلَا تَدْخُلُوا إِلَيْهِ»)، وَحِكْمَةُ الْأَوَّلِ أَنَّ أَهْلَ الْبَلَدِ لَوْ مُكِّنُوا مِنْ ذَلِكَ لَذَهَبُوا، وَتَرَكُوا الْمَرْضَى فَيَضِيعُوا، وَالثَّانِي أَنَّ مَنْ قَدِمَ رُبَّمَا أَصَابَهُ؛ فَيُسْنِدُ ذَلِكَ إِلَى قُدُومِهِ فَيَزِلُّ قَدَمُهُ، وَمَحَلُّ الْأَمْرَيْنِ حَيْثُ لَا ضَرُورَةَ إِلَى الْخُرُوجِ، أَوِ الدُّخُولِ، وَإِلَّا فَلَا إِثْمَ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ. (وَأَنْفِقْ عَلَى عِيَالِكَ): بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ: مَنْ تَجِبُ عَلَيْكَ نَفَقَتُهُ شَرْعًا، وَمَحَلُّ بَسْطِهِ كُتُبُ الْفِقْهِ (مِنْ طَوْلِكَ): بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ: فَضْلِ مَالِكَ، وَفِي مَعْنَاهُ الْكَسْبُ بِقَدْرِ الْوُسْعِ، وَالطَّاقَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاقْتِصَادِ، وَالْوَسَطِ فِي الْمُعْتَادِ (وَلَا تَرْفَعْ عَنْهُمْ عَصَاكَ أَدَبًا): مَفْعُولٌ لَهُ أَيْ: لِلتَّأْدِيبِ لَا لِلتَّعْذِيبِ، وَالْمَعْنَى إِذَا اسْتَحَقُّوا الْأَدَبَ بِالضَّرْبِ فَلَا
يَنْفِي رِسَالَةَ آدَمَ؛ لِأَنَّ كُلًّا ذَكَرَ مَا هُوَ الْأَشْرَفُ مِنْ صِفَاتِ صَاحِبِهِ، وَتَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا يَنْفِي مَا عَدَاهُ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ اصْطَفَاهُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الرِّسَالَةِ وَالتَّكْلِيمِ، وَاخْتُصَّ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَ اللَّهِ الْقَدِيمَ أَحَدٌ فِي الْأَرْضِ غَيْرُهُ، وَفِيهِ تَلْمِيحٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] (وَبِكَلَامِهِ) أَيْ: بِتَكْلِيمِهِ إِيَّاكَ (وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ): وَهِيَ أَلْوَاحُ التَّوْرَاةِ (فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ) أَيْ: بَيَانُهُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْحَرْفِ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى، وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ، أَوْ صِفَةٌ أَيِ: الْأَلْوَاحُ الَّتِي فِيهَا إِظْهَارُ كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي أَمْرِ الدِّينِ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْغُيُوبِ وَالْقَصَصِ، وَالْمَوَاعِظِ، وَالْعَقَائِدِ، وَالْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ، وَالْحُدُودِ، وَالْأَحْكَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذَا مُسْتَمَدٌّ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] (وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا): النَّجِيُّ: الْمُنَاجَى يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ، وَهُوَ مَنْ يَجْرِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ كَلَامٌ فِي السِّرِّ. أَيْ: وَكَلَّمَكَ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ مَلَكٍ، أَوِ الْمَعْنَى وَخَصَّكَ بِالنَّجْوَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ. (فَبِكَمْ): مُمَيِّزُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ: فَبِكَمْ زَمَانًا، أَوْ فَبِأَيِّ زَمَانٍ (وَجَدْتَ اللَّهَ) أَيْ: عَلِمْتَهُ، أَوْ صَادَفْتَ حُكْمَهُ (كَتَبَ التَّوْرَاةَ) أَيْ: أَمَرَ بِكَتْبِ التَّوْرَاةِ فِي الْأَلْوَاحِ لِمَا سَبَقَ أَنَّ مَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كُتِبَ قَبْلَ ذَلِكَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ): عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ (قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا): الْمُرَادُ مِنْهُ التَّحْدِيدُ، أَوِ التَّكْثِيرُ (قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا) أَيْ: فِي التَّوْرَاةِ، وَقَرَأْتَ، وَعَلِمْتَ مَضْمُونَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١]: أَيْ بِمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ ﴿فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] أَيْ: فَخَرَجَ بِالْعِصْيَانِ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَاشِدًا فِي فِعْلِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ لَفْظَهُ بِهَذَا التَّرْكِيبِ بَلْ مَعْنَاهُ بِالْعِبْرِيَّةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا مِنْهُ فِي غَايَةِ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ، وَإِذْعَانٌ لِمَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ، وَلَهُ تَعَالَى أَنْ يُخَاطِبَ عَبِيدَهُ، وَيَصِفَهُمْ بِمَا يَشَاءُ؛ إِذِ الْمَعْصِيَةُ وَالْغَوَايَةُ يُطْلَقَانِ عَلَى مُطْلَقِ الْمُخَالَفَةِ، وَلَوْ مَعَ النِّسْيَانِ كَمَا هُنَا، فَإِنَّ آدَمَ لَمْ يَتَعَمَّدِ الْأَكْلَ مِنَ الشَّجَرَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا بَلْ تَأَوَّلَ، أَوْ نَسِيَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] وَمَعَ ذَلِكَ وَصَفَهُ رَبُّهُ بِأَنَّهُ عَصَى وَغَوَى إِقَامَةً لِنَامُوسِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَيْهِ لَا لِيَتَأَسَّى بِهِ النَّاسُ فِي وَصْفِهِ بِذَلِكَ لِعِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا، فَلَمْ يُوصَفْ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ الْعَامَّةَ وُقُوعَ مَعْصِيَةٍ مِنْهُ ﵊. (قَالَ) أَيْ: مُوسَى (نَعَمْ. قَالَ) أَيْ: آدَمُ (أَفَتَلُومُنِي) أَيْ: أَتَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ هَذَا فَتَلُومُنِي (عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ) أَيْ: فِي الْأَلْوَاحِ (أَنْ أَعْمَلَهُ): بَدَلٌ مِنْ ضَمِيرِ كَتَبَهُ الْمَنْصُوبِ (قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟) . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِ آدَمَ: كَتَبَهُ اللَّهُ أَلْزَمَهُ إِيَّايَ، وَأَوْجَبَهُ عَلَيَّ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي تَنَاوُلِ الشَّجَرَةِ كَسْبٌ وَاخْتِيَارٌ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْبَتَهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ قَبْلَ كَوْنِي، وَحَكَمَ بِأَنَّهُ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَصْدُرَ عَنْ خِلَافِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَكَيْفَ تَغْفُلُ عَنِ الْعِلْمِ السَّابِقِ، وَتَذْكُرُ الْكَسْبَ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ، وَتَنْسَى الْأَصْلَ الَّذِي هُوَ الْقَدَرُ، وَأَنْتَ مِمَّنِ اصْطَفَاكَ اللَّهُ، وَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الَّذِينَ يُشَاهِدُونَ سِرَّ اللَّهِ مِنْ وَرَاءِ الْأَسْتَارِ؟ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ تَشْتَمِلُ عَلَى مَعَانٍ مُحَرِّرَةٍ لِدَعْوَى آدَمَ ﵊ مُقَرِّرَةٌ لِحُجَّتِهِ. مِنْهَا: أَنَّ هَذِهِ الْمُحَاجَّةَ لَمْ تَكُنْ فِي عَالَمِ الْأَسْبَابِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ قَطْعُ النَّظَرِ عَنِ الْوَسَائِطِ وَالِاكْتِسَابِ، بَلْ فِي عَالَمِ الْعُلْوِيِّ عِنْدَ مُلْتَقَى الْأَرْوَاحِ
الْبُومِ، وَحِلْمُ الْجَمَلِ، وَتَوَاضَعُ الْهِرَّةِ، وَوَفَاءُ الْكَلْبِ، وَبُكُورُ الْغُرَابِ، وَهِمَّةُ الْبَازِي، وَنَحْوُهَا مِنْ مَحَاسِنَ الْأَخْلَاقِ. (نُطْفَةً): حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يُجْمَعُ (ثُمَّ يَكُونُ) أَيْ: خَلْقُ أَحَدِكُمْ (عَلَقَةً) أَيْ: دَمًا غَلِيظًا جَامِدًا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: ثُمَّ عَقِبَ هَذِهِ الْأَرْبَعِينَ يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ الَّذِي اجْتَمَعَتْ فِيهِ النُّطْفَةُ عَلَقَةً، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ: يَكُونُ بِمَعْنَى يَصِيرُ، وَالضَّمِيرُ إِلَى مَا جُمِعَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ نُطْفَةً، وَقِيلَ: يَصِيرُ خَلْقُهُ عَلَقَةً لِأَنَّهَا إِذْ ذَاكَ تَعَلَّقَ بِالرَّحِمِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الصَّيْرُورَةَ فِي أَرْبَعِينَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَدِّرَ، وَيَبْقَى، أَوْ يَمْكُثَ (مِثْلَ ذَلِكَ): إِشَارَةٌ إِلَى مَحْذُوفٍ أَيْ: مِثْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ يَعْنِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا (ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً) أَيْ: قِطْعَةَ لَحْمٍ قَدْرَ مَا يُمْضَغُ (مِثْلَ ذَلِكَ): وَيَظْهَرُ التَّصْوِيرُ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعِينَ. قَالَ: الْمُظْهِرُ فِي هَذَا التَّحْوِيلِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى خَلْقِهِ فِي لَمْحَةٍ فَوَائِدُ وَعِبَرٌ. مِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ خَلَقَهُ دَفْعَةً لَشَقَّ عَلَى الْأُمِّ لِعَدَمِ اعْتِيَادِهَا، وَرُبَّمَا تَظُنُّ عِلَّةً، فَجُعِلَ أَوَّلًا نُطْفَةً لِتَعْتَادَهَا مُدَّةً، وَهَكَذَا إِلَى الْوِلَادَةِ. وَمِنْهَا: إِظْهَارُ قُدْرَتِهِ، وَنِعْمَتِهِ لِيَعْبُدُوهُ، وَيَشْكُرُوهُ حَيْثُ قَلَبَهُمْ مِنْ تِلْكَ الْأَطْوَارِ إِلَى كَوْنِهِمْ إِنْسَانًا حَسَنَ الصُّورَةِ مُتَحَلِّيًا بِالْعَقْلِ، وَالشَّهَامَةِ. وَمِنْهَا: إِرْشَادُ النَّاسِ، وَتَنْبِيهُهُمْ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْحَشْرِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى خَلْقِ الْإِنْسَانِ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُهَيَّأَةٍ لِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ يَقْدِرُ عَلَى حَشْرِهِ، وَنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ. قُلْتُ: وَمِنْهَا: بَلْ أَظْهَرُهَا تَعْلِيمُ الْعِبَادِ فِي تَدْرِيجِ الْأُمُورِ، وَعَدَمِ تَعْجِيلِهِمْ فِيهَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى مَعَ كَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَقُوَّتِهِ عَلَى خَلْقِهِ دُفْعَةً حَيْثُ خَلَقَهُ مُدَرَّجًا فَإِنَّ الْإِنْسَانَ أَوْلَى بِهِ التَّأَنِّي فِي فِعْلِهِ كَمَا قَالُوا مِثْلَ هَذِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] فَحَصَلَتِ الْمُطَابَقَةُ وَالْمُنَاسَبَةُ، وَالْمُوَافَقَةُ بَيْنَ الْآيَاتِ الْآفَاقِيَّةِ، وَالدَّلَالَاتِ الْأَنْفُسِيَّةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] . وَمِنْهَا تَنْبِيهُهُمْ، وَتَفْهِيمُهُمْ أَصْلَهُمْ وَفَرْعَهُمْ فَلَا يَغْتَرُّوا بِقُوَّةِ أَبْدَانِهِمْ، وَأَعْضَائِهِمْ، وَحَوَاسِّهِمْ، وَيَعْرِفُوا أَنَّهَا كُلَّهَا عَطَايَا، وَهَدَايَا، بَلْ عَلَى وَجْهِ الْعَارِيَةِ مَوْجُودَةٌ عِنْدَهُمْ لِيَنْظُرُوا فِي مَبْدَئِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ» (ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى خَلْقِ أَحَدِكُمْ، أَوْ إِلَى أَحَدِكُمْ يَعْنِي فِي الطَّوْرِ الرَّابِعِ حِينَ مَا يَتَكَامَلُ بَيَانُهُ، وَيَتَشَكَّلُ أَعْضَاؤُهُ (مَلَكًا): وَفِي الْأَرْبَعِينَ: ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ، وَالْمُرَادُ بِالْإِرْسَالِ أَمْرُهُ بِهَا، وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ مُوَكَّلٌ بِالرَّحِمِ حِينَ كَانَ نُطْفَةً، أَوْ ذَاكَ مَلَكٌ آخَرُ غَيْرُ مَلَكِ الْحِفْظِ.
فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِرِوَايَةِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ خِلَافُ ابْنِ مَسْعُودٍ كَمَا فِي الْمَشَارِقِ، «أَنَّهُ إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا فَصَوَّرَهَا، وَخَلَقَ سَمْعَهَا، وَبَصَرَهَا، وَجِلْدَهَا، وَعِظَامَهَا، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، ثُمَّ يَكْتُبُ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ»، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ التَّصْوِيرَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ الْأُولَى، وَهُوَ مُنَافٍ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ. فَجَوَابُهُ: أَنَّ لِتَصَرُّفِ الْمَلَكِ أَوْقَاتًا. أَحَدُهَا: حِينَ يَكُونُ نُطْفَةً، ثُمَّ يَنْقَلِبُ عَلَقَةً، وَهُوَ أَوَّلُ عِلْمِ الْمَلَكِ بِأَنَّهُ وَلَدٌ، وَذَلِكَ عَقِيبَ الْأَرْبَعِينَ الْأُولَى، وَحِينَئِذٍ يَبْعَثُ إِلَيْهِ رَبُّهُ يَكْتُبُ رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، وَخِلْقَتَهُ، وَصُورَتَهُ، ثُمَّ يَتَصَرَّفُ فِيهِ لِتَصْوِيرِهِ، وَخَلْقِ أَعْضَائِهِ، وَذَلِكَ فِي الْأَرْبَعِينَ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، فَالْمُرَادُ بِتَصْوِيرِهَا بَعْدَهُ أَنَّهُ يَكْتُبُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَفْعَلُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ التَّصْوِيرَ الْأَوَّلَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ الْأُولَى غَيْرُ مَوْجُودٍ عَادَةً، كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، وَقَدِ اسْتَفَاضَ بَيْنَ النِّسَاءِ أَنَّ النُّطْفَةَ إِذَا قُدِّرَتْ ذَكَرًا تَتَصَوَّرُ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ الْأُولَى بِحَيْثُ يُشَاهَدُ مِنْهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى السَّوْأَةَ، فَتُحْمَلُ رِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى الْبَنَاتِ، أَوِ الْغَالِبِ. (بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ) أَيْ: بِكِتَابَتِهَا، وَكُلُّ قَضِيَّةٍ تُسَمَّى كَلِمَةٌ قَوْلًا كَانَ، أَوْ فِعْلًا (فَيَكْتُبُ عَمَلَهُ): مِنَ الْخَيْرِ، وَالشَّرِّ (وَأَجَلَهُ): مُدَّةَ حَيَاتِهِ، أَوِ انْتِهَاءَ عُمُرِهِ (وَرِزْقَهُ): يَعْنِي أَنَّهُ قَلِيلٌ أَوْ
كَثِيرٌ، وَغَيْرُهُمَا مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا مَأْكُولًا أَوْ غَيْرَهُ، فَيُعَيَّنُ لَهُ، وَيُنْقَشُ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَكْتُوبَةً فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَالْأَعْمَارِ، وَالْأَرْزَاقِ حَسَبِ مَا اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ، وَسَبَقَتْ كَلِمَتُهُ، فَمَنْ وَجَدَهُ مُسْتَعِدًّا لِقَبُولِ الْحَقِّ، وَاتِّبَاعِهِ، وَرَآهُ أَهْلًا لِلْخَيْرِ، وَأَسْبَابَ الصَّلَاحِ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهِ أَثْبَتَهُ فِي عِدَادِ السُّعَدَاءِ، وَمَنْ وَجَدَهُ مُتَجَافِيًا قَاسِيَ الْقَلْبِ مُتَأَبِّيًا عَنِ الْحَقِّ أَثْبَتَهُ فِي دِيوَانِ الْأَشْقِيَاءِ، وَكَتَبَ مَا يَتَوَقَّعُ مِنْهُ مِنَ الشُّرُورِ وَالْمَعَاصِي، هَذَا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْ حَالِهِ مَا يَقْتَضِي تَغَيُّرَ ذَلِكَ، وَإِنْ عَلِمَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَتَبَ لَهُ أَوَائِلَ أَمْرِهِ، وَأَوَاخِرَهُ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ حَسَبَ مَا يَتِمُّ بِهِ عَمَلُهُ، فَإِنَّ مِلَاكَ الْعَمَلِ خَوَاتِيمُهُ، وَهُوَ الَّذِي يَسْبِقُ إِلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِكَتْبِهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ إِظْهَارُهُ لِلْمَلَكِ، وَإِلَّا فَقَضَاؤُهُ سَابِقٌ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ مُجَاهِدُ: يَكْتُبُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي وَرَقَةٍ، وَتُعَلَّقُ فِي عُنُقِهِ بِحَيْثُ لَا يَرَاهَا النَّاسُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلُّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: أَرَادَ بِالطَّائِرِ مَا قَضَى عَلَيْهِ أَنَّهُ عَامِلُهُ، وَهُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ مِنْ سَعَادَةٍ أَوْ شَقَاوَةٍ، وَخَصَّ الْعُنُقَ لِأَنَّهُ مَوْضِعَ الْقِلَادَةِ وَالْأَطْوَاقِ. قُلْتُ: وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الذِّمَّةِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فِي ذِمَّتِهِ أَنْ يَفْعَلَهَا، وَلَا يَقْدِرَ أَنْ يَنْفَكَّ عَنْهَا، وَقِيلَ: يُؤْمَرُ بِكِتَابَةِ الْأَحْكَامِ الْمُقَدَّرَةِ لَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، أَوْ بَطْنِ كَفِّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْكِتَابَةَ الَّتِي فِي أُمِّ الْكِتَابِ تَعُمُّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا، وَهَذَا مَا يُخَصُّ بِهِ كُلُّ إِنْسَانٍ؛ إِذْ لِكُلٍّ كِتَابَةٌ سَابِقَةٌ، وَهِيَ مَا فِي اللَّوْحِ، وَلَاحِقَةٌ تُكْتَبُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَمُتَوَسِّطَةٌ أُشِيرَ إِلَيْهَا فِي الْحَدِيثِ، وَفِي أَصْلِ الْأَرْبَعِينَ يُكْتَبُ رِزْقُهُ، وَأَجَلُهُ، وَعَمَلُهُ، وَشَقِيٌّ، أَوْ سَعِيدٌ، وَهُوَ بَدَلُ كُلٍّ مِنْ قَوْلِهِ أَرْبَعُ إِذِ الْمُضَافُ مُقَدَّرٌ فِيهِ، وَيُرْوَى يَكْتُبُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. (وَشَقِيٌّ): خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: يَكْتُبُ هُوَ شَقِيٌّ (أَوْ سَعِيدٌ): قِيلَ: كَانَ مِنْ حَقِّ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: وَيَكْتُبُ سَعَادَتَهُ وَشَقَاوَتَهُ، فَعَدَلَ إِمَّا حِكَايَةً لِصُورَةِ مَا يَكْتُبُهُ الْمَلَكُ؛ لِأَنَّهُ يَكْتُبُ أَشَقِيٌّ، أَوْ سَعِيدٌ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ شَقِيٌّ، أَوْ سَعِيدٌ، فَعَدَلَ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَسُوقٌ إِلَيْهِمَا، وَالتَّفْصِيلُ وَهُوَ قَوْلَهُ: فَوَالَّذِي إِلَخْ وَارِدٌ عَلَيْهِمَا، وَالسَّعَادَةُ مُعَاوَنَةُ الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ عَلَى نَيْلِ الْخَيْرَاتِ، وَتُضَادُّهَا الشَّقَاوَةُ، وَهِيَ إِمَّا قَلْبِيَّةٌ، أَوْ بَدَنِيَّةٌ، أَوْ مَا حَوْلَ الْبَدَنِ فَالْقَلْبِيَّةُ هِي الْمَعَارِفُ، وَالْحِكَمُ وَالْكَمَالَاتُ الْعِلْمِيَّةُ، وَالْعَمَلِيَّةُ الْقَلْبِيَّةُ، وَالْخُلُقِيَّةُ، وَالْبَدَنِيَّةُ، الصِّحَّةُ وَالْقُوَّةُ، وَاللَّذَّاتُ الْجُسْمَانِيَّةُ، وَمَا حَوْلَ الْبَدَنِ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَالْأَسْبَابِ، وَقَدَّمَ الشَّقَاوَةَ لِيُعْلَمَ أَنَّ الشَّرَّ كَالْخَيْرِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَتَقْدِيرُهُ رَدًّا عَلَى الثَّنَوِيَّةِ الْمُثْبِتِينَ شَرِيكًا فَاعِلًا لِلشَّرِّ لِأَنَّهُمْ طَلَبُوا الْحِكْمَةَ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ فَقَالُوا: مُدَبِّرُ الْعَالَمِ لَوْ كَانَ وَاحِدًا لَمْ يَخُصَّ هَذَا بِأَنْوَاعِ الْخَيْرَاتِ وَالصِّحَّةِ وَالْغِنَى، وَذَلِكَ بِأَصْنَافِ الشُّرُورِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمُ الرَّبُّ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
كَمْ مِنْ أَدِيبٍ فَطِنٍ عَالِمٍ ... مُسْتَكْمِلِ الْعَقْلِ مُقِلٍّ عَدِيمِ
وَكَمْ جَهُولٍ مُكْثِرٍ مَالَهُ ... ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
وَتَحْقِيقُ هَذَا الْمَقَامِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ لِلَّهِ صِفَتَيْ لُطْفٍ وَقَهْرٍ، وَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُلْكُ سِيَّمَا مُلْكُ الْمُلُوكِ كَذَلِكَ، إِذْ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ أَوْصَافِ الْكَمَالِ، وَلَا يَقُومُ أَحَدُهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَّا بِوُجُودِ الْآخَرِ، كَمَا لَا تَتَبَيَّنُ اللَّذَّةُ إِلَّا بِالْأَلَمِ، وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ، وَلَا بُدَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ مَظْهَرٍ، فَالسُّعَدَاءُ، وَأَعْمَالُهُمْ مَظَاهِرُ اللُّطْفِ، وَفَائِدَةُ بِعْثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْكُتُبِ تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ ﴿إِنَّمَا أَنْتِ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥] كَمَا أَنَّ فَائِدَةَ نُورِ الشَّمْسِ لِأَهْلِ الْبَصَرِ، وَالْأَشْقِيَاءُ وَأَفْعَالُهُمْ مَظَاهِرُ الْقَهْرِ، وَفَائِدَةُ الْبِعْثَةِ لَهُمْ إِلْزَامُ الْحُجَّةِ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ نَعْيٌ عَلَيْهِمْ بِالشَّقَاوَةِ (ثُمَّ يُنْفَخُ): عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَعْلُومٌ (فِيهِ الرُّوحُ): بِالْوَجْهَيْنِ أَيْ: ثُمَّ بَعْدَ هَذَا الْبَعْثُ لَا قَبْلَهُ، وَعَكْسُ ذَلِكَ الْوَاقِعُ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ الْمُرَادُ بِهِ تَرْتِيبُ الْأَخْبَارِ فَقَطْ عَلَى أَنَّ
وَهُوَ يَوْمُ الْجُمْعَةِ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، وَضَرَبَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجِمٍ الْمُرَادِيُّ بِالْكُوفَةِ صَبِيحَةَ الْجُمْعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، وَمَاتَ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ مِنْ ضَرْبَتِهِ، وَغَسَّلَهُ ابْنَاهُ الْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْحَسَنُ، وَدُفِنَ سَحَرًا، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا، رَوَى عَنْهُ بَنُوهُ الْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ، وَمُحَمَّدٌ، وَخَلَائِقُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ): مِنْ: مَزِيدَةٌ لِاسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ (إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ): الْوَاوُ لِلْحَالِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ أَيْ: مَا وُجِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَيْ: إِلَّا وَقَدْ قُدِّرَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ (وَمَقْعَدُهُ): الْوَاوُ بِمَعْنَى (أَوْ) بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: أَفَلَا نَتَّكِلُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ أَوْ كَذَا حَرَّرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ أَيْ: مَوْضِعُ قُعُودِهِ. (مِنَ الْجَنَّةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: كُنِّيَ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ بِاسْتِقْرَارِهِ فِيهَا، وَظَاهِرُ الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ أَحَدٍ مَقْعَدٌ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدٌ مِنَ الْجَنَّةِ، وَهَذَا وَإِنْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ يَعْنِي فِي عَذَابِ الْقَبْرِ. رَوَاهُ أَنَسٌ لَكِنَّ التَّفْصِيلَ الْآتِيَ يَأْبَى حَمْلَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ. قَالَ الْمُظْهِرُ: قَدْ وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ بِلَفْظِ الْوَاوِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَلَيْسَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ إِلَّا بِلَفْظِ أَوْ («قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا»): الْمُقَدَّرِ لَنَا فِي الْأَزَلِ. قِيلَ: الْفَاءُ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ أَيْ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَعْتَمِدُ عَلَى مَا كُتِبَ لَنَا فِي الْأَزَلِ (وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟) أَيْ: نَتْرُكُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إِتْعَابِ أَنْفُسِنَا بِالْأَعْمَالِ لِأَنَّ قَضَايَاهُ لَا تَتَغَيَّرُ، فَلَمْ يُرَخِّصْ ﵇ فِي ذَلِكَ الِاتِّكَالِ، وَتَرْكِ الْأَعْمَالِ حَيْثُ («قَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»): بَلْ أَمَرَهُمْ بِالْتِزَامِ مَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ مِنَ امْتِثَالِ أَمْرِ مَوْلَاهُ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ عَاجِلًا، وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ بِحُكْمِ الرُّبُوبِيَّةِ آجِلًا، وَأَعْلَمَهُمْ بِأَنَّ هَاهُنَا أَمْرَيْنِ لَا يُبْطِلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ: بَاطِنٌ، وَهُوَ حُكْمُ الرُّبُوبِيَّةِ، وَظَاهِرٌ، وَهُوَ سِمَةُ الْعُبُودِيَّةِ، فَأَمَرَ بِكِلَيْهِمَا لِيَتَعَلَّقَ الْخَوْفُ بِالْبَاطِنِ الْمُغَيَّبِ، وَالرَّجَاءُ بِالظَّاهِرِ الْبَادِي لِيَسْتَكْمِلَ الْعَبْدُ بِذَلِكَ صِفَاتَ الْإِيمَانِ، وَنُعُوتَ الْإِيقَانِ، وَمَرَاتِبَ الْإِحْسَانِ يَعْنِي: عَلَيْكُمْ بِالْتِزَامِ مَا أُمِرْتُمْ، وَاجْتِنَابِ مَا نُهِيتُمْ مِنَ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ بِمُقْتَضَى الْعُبُودِيَّةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّصَرُّفَ فِي الْأُمُورِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلَا تَجْعَلُوا الْأَعْمَالَ أَسْبَابًا لِلسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، بَلْ أَمَارَاتٌ لَهُمَا وَعَلَامَاتٌ، فَكُلٌّ مُوَفَّقٌ، وَمُهَيَّأٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ أَيْ: لِأَمْرٍ قُدِّرَ ذَلِكَ الْأَمْرُ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالْفَاءُ فِي فَكُلٌّ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَالتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضَافِ إِلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُبْهَمَ الَّذِي وَرَدَ عَلَيْهِ الْبَيَانُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ أَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ الْقَدَرَ فِي حَقِّ الْعِبَادِ وَاقِعٌ عَلَى تَدْبِيرِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَذَلِكَ لَا يُبْطِلُ تَكْلِيفَهُمُ الْعَمَلَ بِحَقِّ الْعُبُودِيَّةِ، فَكُلٌّ مِنَ الخَلْقِ مُيَسَّرٌ لِمَا دُبِّرَ لَهُ فِي الْغَيْبِ فَيَسُوقُهُ الْعَمَلُ إِلَى مَا كُتِبَ لَهُ فِي الْأَزَلِ مِنْ سَعَادَةٍ، أَوْ شَقَاوَةٍ، فَمَعْنَى الْعَمَلِ التَّعَرُّضُ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَنَظِيرُهُ الرِّزْقُ الْمَقْسُومُ مَعَ الْأَمْرِ بِالْكَسْبِ، ثُمَّ فَصَّلَ ﵊ مَا أَجْمَلَهُ بِقَوْلِهِ: (أَمَّا مَنْ كَانَ) أَيْ: فِي عِلْمِ اللَّهِ، أَوْ كِتَابِهِ، أَوْ فِي آخِرِ أَمْرِهِ وَخَاتِمَةِ عَمَلِهِ (مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ) أَيِ: الْإِيمَانِ فِي الدُّنْيَا، وَالْجَنَّةِ فِي الْعُقْبَى (فَسَيُيَسَّرُ) أَيْ: يُسَهَّلُ، وَيُوَفَّقُ، وَيُهَيَّأُ (لِعَمَلِ السَّعَادَةِ) أَيْ: لِعَمَلِ أَهْلِهَا، (وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ): وَهُوَ ضِدُّ السَّعَادَةِ. وَفِي الْمَصَابِيحِ بِلَفْظِ الشِّقْوَةِ بِكَسْرِ الشِّينِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الشَّقَاوَةِ (فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ) أَيْ: أَهْلِهَا مِنَ الْكَفَرَةِ، وَالْفَجَرَةِ (ثُمَّ قَرَأَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ اسْتِشْهَادًا، أَوِ اعْتِضَادًا ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ [الليل: ٥] أَيْ: حَقَّ اللَّهِ مِنَ الْمَالِ، أَوِ الِامْتِثَالِ ﴿وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] أَيْ: خَافَ مُخَالَفَتَهُ، أَوْ عُقُوبَتَهُ، وَاجْتَنَبَ مَعْصِيَتَهُ ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٦] أَيْ: بِكَلِمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ
صُدُورَ نَفْسِ الزِّنَا، فَمَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ عَنْهُ بِفَضْلِهِ صَدَرَ عَنْهُ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ الظَّاهِرَةِ، وَمَنْ عَصَمَهُ بِمَزِيدِ فَضْلِهِ، وَرَحْمَتِهِ عَنْ صُدُورِ مُقَدِّمَاتِهِ، وَهُمْ خَوَاصُّ عِبَادِهِ صَدَرَ عَنْهُ لَا مَحَالَةَ بِمُقْتَضَى الْجِبِلَّةِ مُقَدِّمَاتُهُ الْبَاطِنَةُ، وَهِيَ تَمَنِّي النَّفْسِ، وَاشْتِهَاؤُهَا اهَـ.
قُلْتُ: الْمُرَادُ بِالْمُقَدِّمَاتِ الْبَاطِنَةِ الْخَوَاطِرُ الذَّمِيمَةُ الَّتِي هِيَ غَيْرُ اخْتِيَارِيَّةٍ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤] . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
(وَفِي رِوَايَةٍ): أُخْرَى (لِمُسْلِمٍ قَالَ: (كُتِبَ): مَجْهُولٌ، وَقِيلَ مَعْلُومٌ (عَلَى ابْنِ آدَمَ) أَيْ: هَذَا الْجِنْسُ، أَوْ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ، وَاسْتُثْنِيَ الْأَنْبِيَاءُ. (نَصِيبُهُ) أَيْ: حَظُّهُ، أَوْ مِقْدَارُ مَا قُدِّرَ لَهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ): بِالتَّنْوِينِ، وَيَجُوزُ الْإِضَافَةُ (ذَلِكَ): يَعْنِي هُوَ أَيِ: ابْنُ آدَمَ، وَأَصْلُهُ حَظَّهُ، وَنَصِيبَهُ، أَوْ نَصِيبَهُ الْمُقَدَّرَ يُدْرِكُهُ، وَيُصِيبُهُ (لَا مَحَالَةَ) أَيْ: لَا حَائِلَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَهُ أَوْ لَا حِيلَةَ لَهُ فِي دَفْعِهِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ إِذْ لَا حَذَرَ مِنَ الْقَدَرِ، وَلَا قَضَاءَ مَعَ الْقَضَاءِ. («الْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ»)؟ فَإِنَّهُ حَظُّهُمَا وَلَذَّتُهُمَا (وَالْأُذُنَانِ): بِضَمِّ الذَّالِ، وَتُسَكَّنُ (زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ) أَيْ: إِلَى كَلَامِ الزَّانِيَةِ أَوِ الْوَاسِطَةِ، فَهُوَ حَظُّهُمَا وَلَذَّتُهُمَا بِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: إِلَى صَوْتِ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ مُطْلَقًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ عَوْرَةٌ، أَوْ بِشَرْطِ الْفِتْنَةِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ («وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ») أَيْ: مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ بِالْمُوَاعَدَةِ عَلَى الزِّنَا، أَوْ مَعَ مَنْ يَتَوَسَّلُ بِهِ إِلَيْهَا عَلَى وَجْهِ الْحَرَامِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ إِنْشَاءُ الشِّعْرِ، وَإِنْشَادُهُ فِيهَا («وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ»)، أَيِ: الْأَخْذُ، وَاللَّمْسُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْكِتَابَةُ إِلَيْهَا، وَرَمِيُ الْحَصَا عَلَيْهَا، وَنَحْوُهُمَا («وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا»): جَمْعُ خُطْوَةٍ، وَهِيَ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ يَعْنِي زِنَاهُمَا نَقْلُ الْخُطَا أَيِ: الْمَشْيُ، أَوِ الرُّكُوبُ إِلَى مَا فِيهِ الزِّنَا («وَالْقَلْبُ يَهْوَى»): بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: يُحِبُّ، وَيَشْتَهِي (وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْمُقَدِّمَاتِ أَيْ: مَا تَتَمَنَّاهُ النَّفْسُ، وَتَدْعُو إِلَيْهِ الْحَوَاسُّ، وَهُوَ الْجِمَاعُ. (الْفَرْجُ) أَيْ: يُوَافِقُهُ، وَيُطَابِقُهُ بِالْفِعْلِ (وَيُكَذِّبُهُ) أَيْ: بِالتَّرْكِ، وَالْكَفِّ عَنْهُ، فَإِنْ تَرَكَهُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ فَيُثَابُ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَرَكَهُ اضْطِرَارًا لَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ فَقَطْ.
فَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ أَقْسَامِ الصِّفَاتِ، وَلَكِنْ أَلْفَاظٌ مُشَاكِلَةٌ لَهَا فِي وَضْعِ الِاسْمِ، فَوَجَبَ تَخْرِيجُهُ عَلَى وَجْهٍ يُنَاسِبُ نَسَقَ الْكَلَامَ. قِيلَ: الْمُتَشَابِهُ قِسْمَانِ. الْأَوَّلُ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، وَلَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ كَالنَّفْسِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] وَالْمَجِيءِ فِي (جَاءَ رَبُّكَ) وَفَوَاتِحِ السُّوَرِ، وَالثَّانِي يَقْبَلُهُ ذَكَرَ شَيْخُ الشُّيُوخِ السَّهْرَوَرْدِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِالِاسْتِوَاءِ، وَالزَّوَالِ، وَالْيَدِ، وَالْقَدَمِ، وَالتَّعَجُّبِ، وَكُلُّ مَا وَرَدَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ دَلَائِلُ التَّوْحِيدِ فَلَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِتَشْبِيهٍ، وَتَعْطِيلٍ. قِيلَ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُعَوَّلُ، وَعَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ شَرَطَ فِي التَّأَوِيلِ أَنَّ كُلَّ مَا يُؤَدِّي إِلَى تَعْظِيمِ اللَّهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ ابنُ حَجَرٍ: أَكْثَرُ السَّلَفِ لِعَدَمِ ظُهُورِ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي أَزْمِنَتِهِمْ يُفَوِّضُونَ عِلْمَهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَعَ تَنْزِيهِهِ سُبْحَانَهُ عَنْ ظَاهِرِهَا الَّذِي لَا يَلِيقُ بِجَلَالِ ذَاتِهِ، وَأَكْثَرُ الْخَلَفِ يُؤَوِّلُونَهَا بِحَمْلِهَا عَلَى مَحَالٍّ تَلِيقُ بِذَلِكَ الْجَلَالِ الْأَقْدَسِ، وَالْكَمَالِ الْأَنْفَسِ لِاضْطِرَارِهِمْ إِلَى ذَلِكَ لِكَثْرَةِ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْبِدَعِ فِي أَزْمِنَتِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَوْ بَقِيَ النَّاسُ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ لَمْ نُؤْمَرْ بِالِاشْتِغَالِ بِعِلْمِ الْكَلَامِ، وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ كَثُرَتِ الْبِدَعُ فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَرْكِ أَمْوَاجِ الْفِتَنِ تَلْتَطِمُ، وَأَصْلُ هَذَا اخْتِلَافُهمْ فِي الْوَقْفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْوَقْفِ عَلَى الْجَلَالَةِ، وَالْأَقَلُّونَ عَلَى الْوَقْفِ عَلَى (الْعِلْمِ)، وَمِنْ أَجَلِّهِمُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَكَانَ يَقِفُ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ حَمْلًا لِلنَّاسِ عَلَى سُؤَالِهِ، وَالْأَخْذِ عَنْهُ: أَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ رَفْعُ الْخِلَافِ بِأَنَّ الْمُتَشَابِهَ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَا لَا يَقْبَلُ تَأْوِيلًا قَرِيبًا فَهَذَا مَحْمَلُ الْوَقْفِ الْأَوَّلِ، وَمَا يَقْبَلُهُ فَهَذَا مَحْمَلُ الثَّانِي، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ قَبُولَ التَّأْوِيلِ إِنْ قَرُبَ مِنَ اللَّفْظِ، وَاحْتَمَلَهُ وَضْعًا، وَرَدَّهُ إِنْ بَعُدَ عَنْهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّلَفَ، وَالْخَلَفَ مُؤَوِّلُونَ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَلَكِنَّ تَأْوِيلَ السَّلَفِ إِجْمَالِيٌّ لِتَفْوِيضِهِمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَتَأْوِيلَ الْخَلَفِ تَفْصِيلِيٌّ لِاضْطِرَارِهِمْ إِلَيْهِ لِكَثْرَةِ الْمُبْتَدِعِينَ. (بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ): بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَإِلَّا فَفِيهِ تِسْعُ لُغَاتٍ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْأُصْبُعُ مُثَلَّثُ الْهَمْزَةِ وَالْبَاءِ (مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ): إِطْلَاقُ الْأُصْبُعِ عَلَيْهِ تَعَالَى مَجَازٌ أَيْ: تَقْلِيبُ الْقُلُوبِ فِي قُدْرَتِهِ يَسِيرٌ، يَعْنِي أَنَّهُ تَعَالَى مُتَصَرِّفٌ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَغَيْرِهَا كَيْفَ شَاءَ لَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَلَا يَفُوتُهُ مَا أَرَادَهُ، كَمَا يَقُولُ: فُلَانٌ فِي قَبْضَتِي أَيْ: كَفِّي، لَا يُرَادُ أَنَّهُ فِي كَفِّهِ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ تَحْتَ قُدْرَتِي، وَفُلَانٌ بَيْنَ أُصْبُعِي أُقَلِّبُهُ كَيْفَ شِئْتُ أَيْ: إِنَّهُ هَيِّنٌ عَلَيَّ قَهْرُهُ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شِئْتُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِأُصْبُعَيْنِ صِفَتَا اللَّهِ، وَهُمَا صِفَةُ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَبِصِفَةِ الْجَلَالِ يُلْهِمُهَا فُجُورَهَا، وَبِصِفَةِ الْإِكْرَامِ يُلْهِمُهَا تَقْوَاهَا. أَيْ: يُقَلِّبُهَا تَارَةً مِنْ فُجُورِهَا إِلَى تَقْوَاهَا، وَتَارَةً مِنْ تَقْوَاهَا إِلَى فُجُورِهَا. وَقِيلَ مَعْنَاهُ بَيْنَ أَثَرَيْنِ مِنْ آثَارِ رَحْمَتِهِ، وَقَهْرِهِ أَيْ: قَادِرٌ أَنْ يُقَلِّبُهَا مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، وَالطَّاعَةِ، وَالْعِصْيَانِ. قَالَ الْقَاضِي: نَسَبَ تَقْلِيبَ الْقُلُوبِ إِلَيْهِ تَعَالَى إِشْعَارًا بِأَنَّهُ تَعَالَى تَوَلَّى بِذَاتِهِ أَمْرَ قُلُوبِهِمْ، وَلَمْ يَكِلْهُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ، وَخَصَّ الرَّحْمَنَ بِالذِّكْرِ إِيذَانًا بِأَنَّ ذَلِكَ التَّوَلِّيَ مَحْضُ رَحْمَتِهِ كَيْلَا يَطَّلِعَ أَحَدٌ غَيْرُهُ عَلَى سَرَائِرِهِمْ، وَلَا يَكْتُبُ عَلَيْهِمْ مَا فِي ضَمَائِرِهِمْ، وَقَوْلُهُ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ: بِالْوَصْفِ يَعْنِي كَمَا أَنَّ أَحَدَكُمْ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ؛ اللَّهُ تَعَالَى يَقْدِرُ عَلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ دُفْعَةً وَاحِدَةً لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] قِيلَ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْقَلْبِ الْوَاحِدِ أَسْهَلُ بِالْقِيَاسِ إِلَيْهِ، إِذْ لَا صُعُوبَةَ بِالْقِيَاسِ إِلَيْهِ تَعَالَى، بَلْ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الْعِبَادِ إِلَى مَا عَرَفُوهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ. (يُصَرِّفُهُ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: يُقَلِّبُ الْقَلْبَ الْوَاحِدَ، أَوْ جِنْسَ الْقَلْبِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِتَأْنِيثِ الضَّمِيرِ أَيِ: الْقُلُوبَ، كَذَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ، وَهُوَ تَحْقِيقٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ (كَيْفَ يَشَاءُ): حَالٌ عَلَى تَأْوِيلِ هَيِّنًا سَهْلًا لَا يَمْنَعُهُ مَانِعٌ، أَوْ مَصْدَرٌ أَيْ: تَقْلِيبًا سَرِيعًا سَهْلًا، وَفِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ، وَفِي مُسْلِمٍ حَيْثُ يَشَاءُ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ. (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: [(اللَّهُمَّ): أَصْلُهُ يَا اللَّهُ فَحُذِفَ حَرْفُ النِّدَاءِ، وَعُوِّضَ عَنْهُ الْمِيمُ، وَلِذَا لَا يَجْتَمِعَانِ. وَقِيلَ:
بِفَتْحِ التَّاءِ، وَضَمِّ الْحَاءِ أَيْ: هَلْ تُدْرِكُونَ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ: بَهِيمَةٌ سَلِيمَةٌ مَقُولًا فِي حَقِّهِ هَذَا الْقَوْلِ، وَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّأْكِيدِ يَعْنِي كُلُّ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لِظُهُورِ سَلَامَتِهَا، وَقِيلَ هُوَ صِفَةٌ أُخْرَى بِتَقْدِيرِهِ مَقُولًا فِي حَقِّهَا (مِنْ جَدْعَاءَ؟): بِالْمُهْلَمَةِ أَيْ: مَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ. وَفِي الْمَصَابِيحِ: حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا. قِيلَ: تَخْصِيصُ الْجَدْعِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ تَصْمِيمَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ إِنَّمَا كَانَ لِصَمِّهِمْ عَنِ الْحَقِّ. (ثُمَّ يَقُولُ): ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ) أَبِي هُرَيْرَةَ أَدْرَجَهُ فِي الْحَدِيثِ بَيَّنَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلَفْظُهُ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] الْآيَةَ كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ. أَقُولُ: وَكَذَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الرَّازِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَفْظُهُ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] . أَخْرَجَهُ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ. كَذَا حَقَّقَهُ مِيرَكُ شَاهْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ ثُمَّ قَرَأَ، فَعَدَلَ إِلَى الْقَوْلِ، وَأَتَى بِالْمُضَارِعِ لِحِكَايَةِ الْحَالِ اسْتِحْضَارًا كَأَنَّهُ يَسْمَعُ مِنْهُ ﵊ الْآنَ اهـ.
وَفِيهِ: أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ لِلْعُدُولِ إِلَى الْقَوْلِ، فَالْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: إِنَّ ظَاهِرَ السِّيَاقِ: ثُمَّ قَرَأَ فَعَدَلَ عَنْهُ لَفْظًا، إِشَارَةٌ فِيمَا يَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ اللَّفْظَ الْقُرْآنِيَّ فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ لَا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ صَارِفٌ لَهُ عَنِ الْقُرْآنِيَّةِ اهـ.
وَيُؤَيِّدُهُ تَرْكُ الِاسْتِعَاذَةِ فِي ابْتِدَائِهِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (فِطْرَةَ اللَّهِ) أَيِ: الْزَمُوهَا، وَهِيَ مَا ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ لِلْمَعْرِفَةِ ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] أَيْ: خَلَقَهُمُ ابْتِدَاءً وَجَبَلَهُمْ عَلَيْهَا ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] أَيْ: فِيكُمْ مِنْ قَبُولِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِهِ أَوِ الْغَالِبُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُبَدَّلُ، أَوْ يُقَالُ الْخَبَرُ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا مَحْضًا لِحُصُولِ التَّبْدِيلِ، قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ: هَذَا عِنْدَنَا حَيْثُ أَخَذَ اللَّهُ الْعَهْدَ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ فَقَالُوا: بَلَى. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا مَعْنًى حَسَنٌ، وَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْإِيمَانِ الْفِطْرِيِّ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، إِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْإِيمَانُ الشَّرْعِيُّ الْمُكْتَسَبُ بِالْإِرَادَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ: (فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ)، فِي حُكْمِ الدُّنْيَا، فَهُوَ مَعَ وُجُودِ الْإِيمَانِ الْفِطْرِيِّ فِيهِ مَحْكُومٌ لَهُ بِحُكْمِ أَبَوَيْهِ الْكَافِرَيْنِ. قِيلَ: وَتَلْخِيصُهُ أَنَّ الْعَالَمَ إِمَّا عَالَمُ الْغَيْبِ، وَإِمَّا عَالَمُ الشَّهَادَةِ، فَإِذَا نَزَلَ الْحَدِيثُ عَلَى عَالَمِ الْغَيْبِ أَشْكَلَ مَعْنَاهُ، وَإِذَا صُرِفَ إِلَى عَالَمِ الشَّهَادَةِ الَّذِي عَلَيْهِ مَبْنَى ظَاهِرِ الشَّرْعِ سَهُلَ تَعَاطِيهِ، وَتَحْرِيرُهُ: أَنَّ النَّاظِرَ إِذَا نَظَرَ إِلَى الْمَوْلُودِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ عَالَمِ الْغَيْبِ، وَأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى الْخِلْقَةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ النَّاسَ عَلَيْهَا مِنَ الْاسْتِعْدَادِ لِلْمَعْرِفَةِ، وَقَبُولِ الْحَقِّ، وَالتَّأَبِّي عَنِ الْبَاطِلِ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ، حَكَمَ بِأَنَّهُ إِنْ تُرِكَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَعْتَوِرْهُ مِنَ الْخَارِجِ مَا يَصُدُّهُ عَنِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ مِنَ التَّقْلِيدِ وَالْإِلْفِ بِالْمَحْسُوسَاتِ، وَالِانْهِمَاكِ فِي الشَّهَوَاتِ اسْتَمَرَّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وَلَمْ يَخْتَرْ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَيَنْظُرْ مَا نُصِبَ مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَصِدْقِ الرَّسُولِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ نَظَرًا صَحِيحًا يُوَصِّلُهُ إِلَى الْحَقِّ، وَيَهْدِيهِ إِلَى - الرُّشْدِ، وَعَرَفَ الصَّوَابَ، وَاتَّبَعَ الْحَقَّ، وَدَخَلَ فِي الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى مَا سِوَاهَا، لَكِنْ يَصُدُّهُ عَنْ ذَلِكَ أَمْثَالُ هَذِهِ الْعَوَائِقِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ: أُمُّ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ، فَإِنَّ مُوسَى ﵊ نَظَرَ إِلَى عَالَمِ الشَّهَادَةِ، وَظَاهِرِ الشَّرْعِ فَأَنْكَرَ، وَالْخَضِرُ ﵊ نَظَرَ إِلَى عَالَمِ الْغَيْبِ، وَأَنَّهُ طُبِعَ كَافِرًا فَقَتَلَهُ، وَلِذَلِكَ اعْتَذَرَ الْخَضِرُ بِالْعِلْمِ الْخَفِيِّ الْغَائِبِ أَمْسَكَ مُوسَى ﵊ عَنِ الِاعْتِرَاضِ كَذَا قَالُوهُ، وَلَعَلَّ مَعْنَى أَنَّهُ طُبِعَ كَافِرًا أَيْ: خُلِقَ، وَقُدِّرَ، وَجُبِلَ أَنَّهُ لَوْ عَاشَ يَصِيرُ كَافِرًا؟ لِئَلَّا يُنَاقِضَهُ هَذَا الْحَدِيثُ. (ذَلِكَ)، أَيِ: التَّوْحِيدُ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْفِطْرَةِ هُوَ (الدِّينُ الْقَيِّمُ) أَيِ: الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي لَا عِوَجَ لَهُ، وَلَا مَيْلَ إِلَى تَشْبِيهٍ وَتَعْطِيلٍ وَلَا قَدَرٍ، وَلَا جَبْرٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
٩١ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ، وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ») رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٩١ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى) أَيِ: الْأَشْعَرِيِّ ﵁ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ): وَكَانَ إِذَا وَعَظَ قَامَ (بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ): وَالْكَلِمَةُ الْجُمْلَةُ الْمُفِيدَةُ أَيْ: مُتَفَوِّهًا بِخَمْسِ فُصُولٍ، وَقِيلَ قَامَ فِينَا كِنَايَةً عَنِ التَّذْكِيرِ أَيْ: خَطَبَنَا، وَذَكَّرَنَا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلَهُ: فِينَا، وَبِخَمْسٍ إِمَّا حَالَانِ مُتَرَادِفَانِ، أَوْ مُتَدَاخِلَانِ. أَيْ: قَامَ خَطِيبًا مُذَكِّرًا لَنَا، وَإِمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ فِينَا بِقَامَ عَلَى تَضْمِينِ قَامَ مَعْنَى خَطَبَ، وَيَكُونُ بِخَمْسٍ حَالًا، وَقَامَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ بِمَعْنَى الْقِيَامِ، وَهُنَاكَ وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِخَمْسٍ بِقَامَ، وَيَكُونُ فِينَا بَيَانًا، كَأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ قَامَ بِخَمْسٍ قِيلَ فِي حَقِّ مَنْ؟ فَقِيلَ: فِي حَقِّنَا، وَعَلَى هَذَا قَامَ بِمَعْنَى قَامَ بِالْأَمْرِ أَيْ: تَشَمَّرَ لَهُ أَيْ: قَامَ بِحِفْظِ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ فِينَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُؤَيِّدُ الْحَقِيقَةَ حَدِيثُ: كَانَ ﵊ يَنْصَرِفُ إِلَيْنَا بَعْدَ الْعِشَاءِ فَيُحَدِّثُنَا قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ حَتَّى يُرَاوِحَ بَيْنَ قَدَمَيْهِ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، وَفِيهِ أَنَّ كَوْنَ الْقِيَامِ حَقِيقَةً فِي بَعْضِ الْمَقَامِ لَا يَسْتَلْزِمُ اسْتِمْرَارَهُ فِي الْمَرَامِ. (فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ): قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وَالسِّنَةُ: النُّعَاسُ، وَهُوَ نَوْمٌ خَفِيفٌ، أَوْ مُقَدِّمَةُ النَّوْمِ (وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ): نَفْيٌ لِلْجَوَازِ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ الْوُقُوعِ عَلَى سَبِيلِ التَّتْمِيمِ أَيْ: لَا يَكُونُ، وَلَا يَصِحُّ، وَلَا يَسْتَقِيمُ، وَلَا يُمْكِنُ لَهُ النَّوْمُ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ أَخُو الْمَوْتِ؛ وَلِأَنَّ النَّوْمَ لِاسْتِرَاحَةِ الْقُوَى، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْخَمْسِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: اعْتِرَاضٌ فَتَأَمَّلْ.
وَالثَّالِثَةُ: هِيَ قَوْلُهُ: (يَخْفِضُ الْقِسْطَ، وَيَرْفَعُهُ): قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: فَسَّرَ بَعْضُهُمُ الْقِسْطَ بِالرِّزْقِ أَيْ يُقَتِّرُهُ، وَيُوَسِّعُهُ، وَعَبَّرَ بِهِ عَنِ الرِّزْقِ لِأَنَّهُ قِسْطُ كُلِّ مَخْلُوقٍ أَيْ: نَصِيبُهُ، وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِالْمِيزَانِ، وَيُسَمَّى الْمِيزَانُ قِسْطًا لِمَا يَقَعُ بِهِ مِنَ الْمَعْدَلَةِ بِالْقِسْطِ أَيْ: فِي الْقِسْمَةِ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى أَوْلَى لِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَرْفَعُ الْمِيزَانَ وَيَخْفِضُهُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْمِيزَانِ مَا يُوزَنُ مِنْ أَرْزَاقِ الْعِبَادِ النَّازِلَةِ مِنْ عِنْدِهِ وَأَعْمَالِهِمُ الْمُرْتَفِعَةِ إِلَيْهِ يَعْنِي: فَيَخْفِضُهُ تَارَةً بِتَقْتِيرِ الرِّزْقِ، وَالْخُذْلَانِ بِالْمَعْصِيَةِ، وَيَرْفَعُهُ أُخْرَى بِتَوْسِيعِ الرِّزْقِ، وَالتَّوْفِيقِ لِلطَّاعَةِ. وَفِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ هُنَا، وَفِيمَا بَعْدَهُ تَضَادٌّ وَمُطَابَقَةٌ، وَهُمَا مُسْتَعَارَانِ مِنَ الْمَعَانِي مِنَ الْأَعْيَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ، وَأَنَّهُ يَحْكُمُ فِي خَلْقِهِ بِمِيزَانِ الْعَدْلِ، وَبَيَّنَ الْمَعْنَى بِمَا شُوهِدَ مِنْ وَزْنِ الْمِيزَانِ الَّذِي يَزِنُ فَيَخْفِضُ يَدَهُ، وَيَرْفَعُهَا. قِيلَ: وَهَذَا التَّأْوِيلُ يُنَاسِبُ قَوْلَهُ: وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ أَيْ: كَيْفَ يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ أَبَدًا فِي مُلْكِهِ بِمِيزَانِ الْعَدْلِ.
وَالرَّابِعَةُ: (يُرْفَعُ إِلَيْهِ): قَالَ الْقَاضِي أَيْ: إِلَى خَزَائِنِهِ كَمَا يُقَالُ حُمِلَ الْمَالُ إِلَى الْمَلِكِ (عَمَلُ اللَّيْلِ) أَيِ: الْمَعْمُولُ فِيهِ (قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ) أَيْ: قَبْلَ أَنْ يُؤْتَى - " بِعَمَلِ النَّهَارِ فَيُضْبَطُ إِلَى يَوْمِ الْجَزَاءِ، أَوْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ أَعْلَمُ بِهِ لِيَأْمُرَ مَلَائِكَتَهُ بِإِمْضَاءِ مَا قُضِيَ لِفَاعِلِهِ جَزَاءً عَلَى فِعْلِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَقْبَلُ اللَّهُ أَعْمَالَ الْمُؤْمِنِينَ فَيَكُونَ عِبَارَةً عَنْ سُرْعَةِ الْإِجَابَةِ (وَعَمَلُ النَّهَارِ): عَطْفٌ عَلَى عَمَلِ اللَّيْلِ (قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ): إِشَارَةً إِلَى السُّرْعَةِ فِي الرَّفْعِ، وَالْعُرُوجُ إِلَى مَا فَوْقَ السَّمَاوَاتِ فَإِنَّهُ لَا فَاصِلَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّارِ، وَقِيلَ: قَبْلَ رَفْعِ عَمَلِ اللَّيْلِ، وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ بَيَانٌ لِمُسَارَعَةِ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِرَفْعِ أَعْمَالِ النَّهَارِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَاللَّيْلِ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَأَنَّهُمْ يَقْطَعُونَ فِي هَذَا الزَّمَنِ الْقَلِيلِ تِلْكَ الْمَسَافَةَ الطَّوِيلَةَ الَّتِي تَزِيدُ عَلَى سَبْعَةِ آلَافِ سَنَةٍ عَلَى مَا رُوِيَ: أَنَّ مَسِيرَةَ مَا بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ الدُّنْيَا خَمْسُمَائَةِ سَنَةٍ، وَمَا بَيْنَ كُلٍّ سَمَاءَيْنِ كَذَلِكَ، وَسُمْكَ كُلِّ سَمَاءٍ كَذَلِكَ، وَتَقْدِيرُ رَفَعَ فِي الْأَوَّلِ، وَرَفَعَ أَوْ فَعَلَ فِي الثَّانِي هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: إِنَّ أَعْمَالَ النَّهَارِ تُرْفَعُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَأَعْمَالَ اللَّيْلِ تُرْفَعُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلَا يَقَعُ رَفْعُ عَمَلِ اللَّيْلِ إِلَّا بَعْدَ فِعْلٍ مِنْ عَمَلِ النَّهَارِ، وَأَمَّا رَفْعُ عَمَلِ النَّهَارِ فَيَقَعُ قَبْلَ فِعْلِ أَوْ رَفْعِ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ بَيْنَ ابْتِدَاءِ رَفْعِهَا، وَعَمَلِ اللَّيْلِ فَاصِلًا يَسَعُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقُدْرَةِ الْبَاهِرَةِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ يَتَعَيَّنُ فِيهِ تَقْدِيرُ رَفَعَ؛ وَلَا يَصِحُّ تَقْدِيرُ فَعَلَ فِيهِ، وَقَوْلُهُ: قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ يَصِحُّ فِيهِ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَتَقْدِيرُ الْفِعْلِ أَبْلَغُ؛ لِأَنَّ الزَّمَنَ أَقْصَرُ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ لِتَعْلَمْ فَسَادَ مَا أَطْلَقَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ اهـ. كَلَامَهُ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٩٤ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فَقَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ. فَكَتَبَ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الْأَبَدِ») . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٩٤ - (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ»: بِالرَّفْعِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَرُوِيَ بِالنَّصْبِ، قَالَ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ: رَفْعُ الْقَلَمِ هُوَ الرِّوَايَةُ فَإِنْ صَحَّ النَّصْبُ كَانَ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَنْصِبُ خَبَرَ إِنَّ، وَقَالَ الْمَالِكِيُّ: يَجُوزُ نَصْبُهُ بِتَقْدِيرِ كَانَ؛ عَلَى مَذْهَبِ النَّسَائِيِّ كَقَوْلِهِ:
يَا لَيْتَ أَيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا
وَقَالَ الْمَغْرِبِيُّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَلَمُ مَفْعُولَ خَلَقَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْقَلَمَ أَوَّلُ مَخْلُوقٍ، وَإِذَا جُعِلَ مَفْعُولًا لِخَلَقَ أَوْجَبَ أَنْ يُقَالَ اسْمُ إِنَّ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَأَوَّلُ ظَرْفٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَسْقُطَ الْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ فَقَالَ؟ إِذْ يَرْجِعُ الْمَعْنَى إِلَى أَنَّهُ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ حِينَ خَلَقَهُ فَلَا إِخْبَارَ بِكَوْنِهِ أَوَّلَ مَخْلُوقٍ اهـ. وَإِنَّمَا أَوْجَبَ مَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّهُ بِدُونِهِ يَفْسُدُ أَصْلُ الْمَعْنَى إِذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقِيلَ: لَوْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ بِالنَّصْبِ لَمْ تَمْنَعِ الْفَاءُ ذَلِكَ إِذْ يُقَدَّرُ قَبْلُ فَقَالَ: أَمَرَهُ، وَهُوَ الْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ تَنْصِيصٌ عَلَى أَوَّلِيَّةِ خَلْقِ الْقَلَمِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الرَّفْعِ الصَّحِيحَةِ، وَفِي الْأَزْهَارِ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ يَعْنِي بَعْدَ الْعَرْشِ وَالْمَاءِ، وَالرِّيحِ لِقَوْلِهِ ﵊: «وَكَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ، وَالْأَرَاضِينَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كَانَ الْمَاءُ؟ قَالَ: عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، فَالْأَوَّلِيَّةُ إِضَافِيَّةٌ، وَالْأَوَّلُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ النُّورُ الْمُحَمَّدِيُّ عَلَى مَا بَيَّنْتُهُ فِي الْمَوْرِدِ لِلْمَوْلِدِ. (فَقَالَ) أَيِ: اللَّهُ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (لَهُ)، أَيْ: لِلْقَلَمِ (اكْتُبْ): أَمْرٌ بِالْكِتَابَةِ (قَالَ): وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَاءِ (مَا أَكْتُبُ؟): مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفِعْلِ (قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ) أَيِ: الْمُقَدَّرَ الْمَقْضِيَّ، وَفِي الْمَصَابِيحِ قَالَ: الْقَدَرُ مَا كَانَ إِلَخْ. قَالَ شُرَّاحُهُ أَيِ: اكْتُبِ الْقَدَرَ فَنَصَبَهُ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وَمَا كَانَ بَدَلٌ مِنَ الْمُقَدَّرِ، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ (فَكَتَبَ مَا كَانَ): الْمُضِيُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ﵊. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَيْسَ حِكَايَةً عَمَّا أَمَرَ بِهِ الْقَلَمَ، وَإِلَّا لَقِيلَ فَكَتَبَ مَا يَكُونُ، وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ بِاعْتِبَارِ حَالِهِ ﵊ أَيْ: قَبْلَ تَكَلُّمِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ لَا قَبْلَ الْقَلَمِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَخْلُوقٍ. نَعَمْ إِذَا كَانَتِ الْأَوَّلِيَّةُ نِسْبِيَّةً صَحَّ أَنْ يُرَادَ مَا كَانَ قَبْلَ الْقَلَمِ، (وَمَا هُوَ كَائِنٌ) مَا: مَوْصُولَةٌ (إِلَى الْأَبَدِ): قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: مَا كَانَ يَعْنِي الْعَرْشَ، وَالْمَاءَ، وَالرِّيحَ، وَذَاتَ اللَّهِ وَصِفَاتَهُ اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ مَا كَانَ عَلَى الْقَضَاءِ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ عَلَى الْقَدَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ظَهَرَ لِي فِيهِ إِشْكَالٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ، وَهُوَ: أَنَّ مَا لَا يَتَنَاهَى فِي الْمَآلِ كَيْفَ يَنْحَصِرُ، وَيَنْضَبِطُ تَحْتَ الْقَلَمِ فِي الِاسْتِقْبَالِ سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ ﵊: (جَفَّ الْقَلَمُ) اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِهِ كِتَابَةُ الْأُمُورِ الْإِجْمَالِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ لَا الْأَحْوَالِ التَّفْصِيلِيَّةِ الْجُزْئِيَّةِ، وَهُوَ خِلَافُ ظَوَاهِرِ الْأَدِلَّةِ الْمَرْوِيَّةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْأَبْهَرِيَّ نَقَلَ عَنْ زَيْنِ الْعَرَبِ أَنَّ الْأَبَدَ هُوَ الزَّمَانُ الْمُسْتَمِرُّ غَيْرُ الْمُنْقَطِعِ، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِلَى مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وُصُولُ شَيْءٍ إِلَيْهِ حَتَّى يَنْتَهِيَ. قُلْتُ: يُحْمَلُ الْأَبَدُ - عَلَى الزَّمَانِ الطَّوِيلِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ الزَّمَانَ الطَّوِيلَ اللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ انْقِرَاضُ الْعَالَمِ، أَوِ اسْتِقْرَارُ الْفَرِيقَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا تَكُونَ أَحْوَالُ الدَّارَيْنِ مَكْتُوبَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ نَقْلًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمُ؛ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ. فَقَالَ: يَا رَبِّ، وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ يَجْرِي مِنْ ذَلِكَ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، ثُمَّ طُوِيَ الْكِتَابُ، وَرُفِعَ الْقَلَمُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ. وَفِي الدُّرِّ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: («إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، ثُمَّ النُّونَ، وَهِيَ الدَّوَاةُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ،
وَفِيهِ أَنَّ هَذَا يَرْجِعُ إِلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ نُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ: أَطْبَقَتِ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] بَدَلٌ مِنْ (بَنِي آدَمَ) فَالْمَعْنَى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ ظُهُورِ بَنِي آدَمَ، فَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ شَيْئًا، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْأَخْذَ مَنْ ظَهْرِ آدَمَ لَقِيلَ مِنْ ظَهْرِهِ. وَأَجَابَ: بِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى أَخْرَجَ الذُّرِّيَّةَ مِنْ ظُهُورِ بَنِي آدَمَ، وَأَمَّا أَنَّهُ أَخْرَجَ تِلْكَ الذُّرِّيَّةِ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ، فَلَا تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى إِثْبَاتِهِ وَنَفْيِهِ، وَالْخَبَرُ قَدْ دَلَّ عَلَى ثُبُوتِهِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِمَا مَعًا بِأَنَّ بَعْضَ الذَّرِّ مَنْ ظَهْرِ بَعْضَ الذَّرِّ، وَالْكُلُّ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ صَوْنًا لِلْآيَةِ وَالْحَدِيثِ عَنِ الِاخْتِلَافِ. قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّ بَنِي آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ فَكُلُّ مَا أُخْرِجَ مِنْ ظُهُورِهِمْ فِيمَا لَا يَزَالُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ هُمُ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ مِنْ صُلْبِ آدَمَ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقَ الْأَزَلِيَّ لِيَعْرِفَ مِنْهُ أَنَّ النَّسْلَ الْمُخْرَجَ فِيمَا لَا يَزَالُ مِنْ أَصْلَابِ بَنِيهِ هُوَ الْمُخْرَجُ فِي الْأَزَلِ مِنْ صُلْبِهِ. وَأَخَذَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ الْمَقَالِيُّ الْأَزَلِيُّ كَمَا أَخَذَ مِنْهُمْ فِيمَا لَا يَزَالُ بِالتَّدْرِيجِ حِينَ أُخْرِجُوا الْمِيثَاقَ الثَّانِيَ، وَهُوَ الْحَالُ الْإِنْزَالِيُّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا كَانَ لَهُ مِيثَاقَانِ مَعَ بَنِي آدَمَ أَحَدُهُمَا تَهْتَدِي إِلَيْهِ الْعُقُولُ مِنْ نَصْبِ الْأَدِلَّةِ الْحَامِلَةِ عَلَى الِاعْتِرَافِ الْمَقَالِيِّ، وَثَانِيهُمَا الْمَقَالِيُّ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ الْعَقْلُ، بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَوْقِيفِ وَاقِفٍ عَلَى أَحْوَالِ الْعِبَادِ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى الْأَبَدِ؛ كَالْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَرَادَ ﵊ أَنْ يُعَلِّمَ الْأُمَّةَ، وَيُخْبِرَهُمْ أَنَّ وَرَاءَ الْمِيثَاقِ الَّذِي يَهْتَدُونَ إِلَيْهِ بِعُقُولِهِمْ مِيثَاقًا آخَرَ أَزَلِيًّا مَا. فَقَالَ قَائِلٌ: مِنْ مَسْحِ ظَهْرِ آدَمَ فِي الْأَزَلِ وَإِخْرَاجِ ذُرِّيَّتِهِ، وَأَخْذِهِ الْمِيثَاقَ عَلَيْهِمُ اهـ.
وَبِهَذَا يَزُولُ كَثِيرٌ مِنَ الْإِشْكَالَاتِ فَتَأَمَّلْ فِيهَا حَقَّ التَّأَمُّلِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ لِلْمَصَابِيحِ: التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ مِنْ بَنِي آدَمَ هُوَ أَوْلَادَهُ فَكَأَنَّهُ صَارَ اسْمًا لِلنَّوْعِ كَالْإِنْسَانِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْإِخْرَاجِ تَوْلِيدُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ، وَاقْتَصَرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى آدَمَ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ التَّوْلِيدَ عَلَى الْمَرِّ الزَّمَانِيِّ يُنَافِي الْمِيثَاقِيَّ الْمَوْصُوفِ بِالْآنِيِّ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْحَدِيثُ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ؟ ثُمَّ سَنَحَ لِي بِالْبَالِ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا اقْتَصَرَ فِي الْآيَةِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ لِظُهُورِ أَمْرِ آدَمَ بِالْأَدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ خُصُوصًا مِنَ الْإِضَافَةِ إِلَّا بِنِيَّةٍ؛ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْفَصَاحَةِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَالْبَلَاغَةِ الْفُرْقَانِيَّةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالْإِعْجَازِ الَّتِي جُمْلَةُ دَلَالَاتِهِ صَنْعَةُ الْإِطْنَابِ وَالْإِيجَازِ، وَلَمَّا فَهِمَ ﵊ مِنَ السُّؤَالِ بِقَرِينَةِ الْحَالِ مَوْضِعَ الْإِشْكَالِ لِمَا وُقِعَ فِيهِ مِنَ الْإِجْمَالِ اقْتَصَرَ عَلَى مِقْدَارِ الْحَاجَةِ مِنَ الْمَقَالِ فَقَالَ: («فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً»): قِيلَ: قَبْلَ دُخُولِ آدَمَ الْجَنَّةَ بَيْنَ مَكَّةَ، وَالطَّائِفَ، وَقِيلَ بِبَطْنِ نَعْمَانَ، وَأَنَّهُ بِقُرْبِ عَرَفَةَ، وَقِيلَ فِي الْجَنَّةِ، وَقِيلَ بَعْدَ النُّزُولِ مِنْهَا بِأَرْضِ الْهِنْدِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: («أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ - يَعْنِي عَرَفَةَ - فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَاهَا فَنَشَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلًا؛ قَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى شَهِدْنَا»، وَسَيَجِيءُ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ هَذَا، وَلَمَّا كَانَ السَّائِلُ بَلِيغًا عَارِفًا بِصِنَاعَةِ الْكَلَامِ سَكَتَ عِنْدَ حُصُولِ الْمَرَامِ، وَنَقَلَ السَّيِّدُ السَّنَدَ عَنِ الْأَزْهَارِ أَنَّهُ قِيلَ: شَقَّ ظَهْرَهُ، وَاسْتَخْرَجَهُمْ مِنْهُ، وَقِيلَ إِنَّهُ اسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ ثُقُوبِ رَأْسِهِ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ اسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ مَسَامَّ شَعَرَاتِ ظَهْرِهِ. («فَقَالَ خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ»، وَفِي تَقْدِيمِهِمْ إِشَارَةٌ إِلَى مَعْنَى الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: («سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي)»، (وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أَيْ: مِنَ الطَّاعَاتِ (يَعْمَلُونَ): إِمَّا فِي جَمِيعِ عُمُرِهِمْ، أَوْ فِي خَاتِمَةِ أَمْرِهِمْ (ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ) أَيْ: بِيَدِهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَلَمْ يَقُلْ هُنَا بِيَمِينِهِ بِخِلَافِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ مَظْهَرُ الْخَيْرِ، وَلِيَظْهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَلَمْ يَقُلْ هُنَا بِشِمَالِهِ
لِلْمَعْنَى الدَّقِيقِ الْخَفِيِّ فِي مُشَاهَدَةِ السَّامِعِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ رَأْيَ الْعَيْنِ، فَالنَّبِيُّ ﷺ لَمَّا كُوشِفَ لَهُ بِحَقِيقَةِ هَذَا الْأَمْرِ، وَأَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ اطِّلَاعًا لَمْ يَبْقَ مَعَهُ خَفَاءٌ صَوَّرَ الشَّيْءَ الْحَاصِلَ فِي قَلْبِهِ بِصُورَةِ الشَّيْءِ الْحَاصِلِ فِي يَدِهِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ إِشَارَةً إِلَى الْمَحْسُوسِ (قُلْنَا: لَا) أَيْ: لَا نُدْرِكُهُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا): اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ؛ أَيْ: طَلَبُوا بِهَذَا الِاسْتِدْرَاكِ إِخْبَارَهُ إِيَّاهُمْ («فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى») أَيْ: لِأَجْلِهِ، وَفِي شَأْنِهِ، أَوْ عَنْهُ، وَقِيلَ: قَالَ بِمَعْنَى أَشَارَ فَاللَّامُ. بِمَعْنَى (إِلَى) («هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ»): خَصَّهُ بِالذِّكْرِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى مَالِكُهُمْ، وَهُمْ لَهُ مَمْلُوكُونَ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشَاءُ، فَيُسْعِدُ مَنْ يَشَاءُ، وَيُشْقِي مَنْ يَشَاءُ، وَكُلُّ ذَلِكَ عَدْلٌ وَصَوَابٌ، فَلَا اعْتِرَاضَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا كَلَامٌ صَادِرٌ عَلَى طَرِيقِ التَّصْوِيرِ وَالتَّمْثِيلِ مُثِّلَ الثَّابِتُ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوِ الْمُثْبَتُ فِي اللَّوْحِ بِالْمُثْبَتِ بِالْكِتَابِ الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ، وَلَا يُسْتَبْعَدُ إِجْرَاؤُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مُسْتَعِدٌّ لِإِدْرَاكِ الْمَعَانِي الْغَيْبِيَّةِ، وَمُشَاهَدَةِ الصُّوَرِ الْمَصُوغَةِ لَهَا («فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ»): الظَّاهِرُ أَنَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَهْلِ النَّارِ يُكْتَبُ أَسْمَاؤُهُمْ، وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ، وَقَبَائِلِهِمْ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ لِلتَّمْيِيزِ التَّامِّ، كَمَا يُكْتَبُ فِي الصُّكُوكِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: أَهْلُ الْجَنَّةِ تُكْتَبُ أَسْمَاؤُهُمْ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ، وَقَبَائِلِهِمْ لِلَّذِينَ هُمْ أَهْلُ النَّارِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي بِالْيَمِينِ، وَبِالْعَكْسِ فِي أَهْلِ النَّارِ، وَإِلَّا فَالْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ إِذَا كَانُوا مِنْ جِنْسِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، أَوْ مِنْ جِنْسِ أَهْلِ النَّارِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِفْرَادِ ذِكْرِهِمْ لِدُخُولِهِمْ تَحْتَ قَوْلِهِ: فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَفِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ (ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ): مِنْ قَوْلِهِمْ: أُجْمِلَ الْحِسَابُ إِذَا تُمِّمَ وَرُدَّ التَّفْصِيلُ إِلَى الْإِجْمَالِ، وَأُثْبِتَ فِي آخِرِ الْوَرَقَةِ مَجْمُوعُ ذَلِكَ وَجُمْلَتُهُ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُحَاسِبِينَ أَنْ يَكْتُبُوا الْأَشْيَاءَ مُفَصَّلَةً، ثُمَّ يُوَقِّعُوا فِي آخِرِهَا فَذْلَكَةً تَرُدُّ التَّفْصِيلَ إِلَى الْإِجْمَالِ، وَضُمِّنَ (أُجْمِلَ) مَعْنَى أَوْقَعَ فَعُدِّيَ بِعَلَى أَيْ: أَوْقَعَ الْإِجْمَالَ عَلَى مَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ التَّفْصِيلُ، وَقِيلَ: ضَرَبَ بِالْإِجْمَالِ عَلَى آخَرَ التَّفْصِيلِ أَيْ: كَتَبَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا أَيْ: أُجْمِلَ فِي حَالِ انْتِهَاءِ التَّفْصِيلِ إِلَى آخِرِهِمْ فَعَلَى بِمَعْنَى (إِلَى) (فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ): جَزَاءُ شَرْطٍ؛ أَيْ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنَ التَّفْصِيلِ، وَالتَّعْيِينِ وَالْإِجْمَالِ بَعْدَ التَّفْصِيلِ فِي الصَّكِّ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ (وَلَا يُنْقَصُ): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (مِنْهُمْ أَبَدًا): لِأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ لَا يَتَغَيَّرُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ - يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٨ - ٣٩] فَمَعْنَاهُ لِكُلِّ انْتِهَاءِ مُدَّةٍ وَقْتٌ مَضْرُوبٌ، فَمَنِ انْتَهَى أَجَلُهُ يَمْحُوهُ، وَمَنْ بَقِيَ مِنْ أَجَلِهِ يُبْقِيهِ عَلَى مَا هُوَ مُثْبَتٌ فِيهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ، وَهُوَ الْقَدَرُ، كَمَا أَنَّ (يَمْحُو وَيُثْبِتُ) هُوَ الْقَضَاءُ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَيْنَ مَا قَدَّرَ وَجَرَى فِي الْأَوَّلِ، كَذَلِكَ فَلَا يَكُونُ تَغْيِيرًا، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ مَحْوُ الْمَنْسُوخِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَإِثْبَاتُ النَّاسِخِ، أَوْ مَحْوُ السَّيِّئَاتِ مِنَ التَّائِبِ، وَإِثْبَاتُ الْحَسَنَاتِ بِمُكَافَأَتِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمَحْوُ، وَالْإِثْبَاتُ يَتَعَلَّقَانِ بِالْأُمُورِ الْمُعَلَّقَةِ دُونَ الْأَشْيَاءِ الْمُحْكَمَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِرِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا («إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ صَفَحَاتُهَا مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، لِلَّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ سِتُّونَ وَثَلَاثُمَائَةِ لَحْظَةٍ؛ يَخْلُقُ، وَيَرْزُقُ، وَيُمِيتُ، وَيَحْرُسُ، وَيُعِزُّ، وَيُذِلُّ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ») قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] لِمَا مَرَّ أَنَّ الْمَحْوَ وَالْإِثْبَاتَ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَعِلْمِ الْمَلَائِكَةِ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ فِيهِ قَدْ تَكُونُ مُعَلَّقَةً عَلَى أَسْبَابٍ يَتَغَيَّرُ بِوُجُودِهَا، وَفَقْدِهَا لَا لِأُمِّ الْكِتَابِ الْمُرَادُ بِهَا عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى الْقَدِيمُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَحْوَ فِيهِ، وَلَا إِثْبَاتَ، وَسِرُّ ذَلِكَ التَّعْلِيقِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا الْمُوَافِقُ لِلْعِلْمِ الْقَدِيمِ مَزِيدُ التَّعْمِيَةِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُطَّلِعِينَ عَلَى ذَلِكَ، وَتَحْقِيقُ انْفِرَادِهِ تَعَالَى
بِعِلْمِهِ الْقَدِيمِ، وَأَنَّهُ لَا يُمَكِّنُ أَحَدًا أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ لِجُزْئِيَّاتٍ مُعَيَّنَةٍ كَإِعْلَامِهِ ﵊ لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى التَّعْيِينِ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. («ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: (هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ، وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ، وَقَبَائِلِهِمْ»): وَالْفَاسِقُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الْوَعْدِيَّةِ، وَالْوَعِيدِيَّةِ، لِيَكُونَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ رَاضِيًا. بِمَا جَرَى عَلَيْهِ مِنَ الْقَضَاءِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّ مَآلَهُ إِلَيْهَا، وَإِنْ دَخَلَ النَّارَ فَإِنَّ الْخَاتِمَةَ هِيَ الْمَدَارُ عَلَيْهَا. («ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا») . فَقَالَ أَصْحَابُهُ): ﵃ («فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ»): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ يَعْنِي إِذَا كَانَ الْمَدَارُ عَلَى كِتَابَةِ الْأَزَلِ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي اكْتِسَابِ الْعَمَلِ؟ (فَقَالَ: سَدِّدُوا) أَيِ: اجْعَلُوا أَعْمَالَكُمْ مُسْتَقِيمَةً عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ (وَقَارِبُوا) أَيِ: اطْلُبُوا قُرْبَةَ اللَّهِ تَعَالَى بِطَاعَتِهِ بِقَدْرِ مَا تُطِيقُونَهُ، وَالْجَوَابُ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ؛ أَيْ: فِيمَ أَنْتُمْ مِنْ ذِكْرِ الْقَدَرِ وَالِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَإِنَّمَا خُلِقْتُمْ لِلْعِبَادَةِ فَاعْمَلُوا، وَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: سَدِّدُوا أَيِ: الْزَمُوا السَّدَادَ، وَهُوَ الصَّوَابُ مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ وَتَفْرِيطٍ، وَقَارِبُوا أَيْ: إِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا الْأَخْذَ بِالْأَكْمَلِ فَاعْمَلُوا بِمَا يُقَرِّبُ مِنْهُ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَقَارِبُوا فِي الْعِبَادَةِ، وَلَا تُبَاعِدُوا فَإِنَّكُمْ إِنْ بَاعَدْتُمْ فِي ذَلِكَ لَمْ تَبْلُغُوهُ، أَوْ مَعْنَاهُ سَاعِدُوا. يُقَالُ: قَارَبْتُ فَلَانًا إِذَا سَاعَدْتُهُ أَيْ: لِيُسَاعِدْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْأُمُورِ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ -: نَفْيُ الْجَبْرِ، وَالْقَدَرِ، وَإِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِاعْتِدَالِ الْأَمْرَيْنِ كِتَابَةُ الْأَزَلِ، وَسِرَايَةُ الْعَمَلِ، أَوْ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ أَمَارَاتٌ، وَعَلَامَاتٌ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا إِذْ لَا يَعْمَلُ اللَّهُ تَعَالَى بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلِذَا قَالَ ﷺ: («فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ»): بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أَيْ: بِعَمَلٍ مُشْعِرٌ بِإِيمَانِهِ، وَمُشِيرٌ بِإِيقَانِهِ، (وَإِنْ عَمِلَ) أَيْ: وَلَوْ عَمِلَ قَبْلَ ذَلِكَ (أَيَّ عَمَلٍ) مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ («وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ»): أَعَمُّ مِنَ الْكُفْرِ، وَالْمَعَاصِي (وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ) أَيْ: قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) أَيْ: أَشَارَ (بِيَدَيْهِ)؛ الْعَرَبُ: تَجْعَلُ الْقَوْلَ عِبَارَةً عَنْ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ، فَتُطْلِقُهُ عَلَى غَيْرِ الْكَلَامِ وَاللِّسَانِ، فَتَقُولُ قَالَ بِيَدِهِ أَيْ: أَخَذَ، وَقَالَ بِرِجْلِهِ أَيْ: مَشَى.
وَقَالَتْ لَهُ الْعَيْنَانِ سَمْعًا وَطَاعَةً ... وَحَدَّرَتَا كَالدُّرِّ لَمَّا يُثَّقَّبِ
أَيْ: أَوْمَأَتْ، وَقَالَ بِالْمَاءِ عَلَى يَدِهِ، أَيْ: قَلَبَ، وَقَالَ بِثَوْبِهِ أَيْ: رَفَعَهُ (فَنَبَذَهُمَا) أَيْ: طَرَحَ مَا فِيهِمَا مِنَ الْكِتَابَيْنِ؛ قِيلَ: وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَفِي الْأَزْهَارِ الضَّمِيرُ فِي نَبَذَهُمَا لِلْيَدَيْنِ؛ لِأَنَّ نَبْذَ الْكِتَابَيْنِ بَعِيدٌ مِنْ دَأْبِهِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ نَبْذَهُمَا لَيْسَ بِطَرِيقِ الْإِهَانَةِ، بَلْ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ نَبَذَهُمَا إِلَى عَالَمِ الْغَيْبِ، ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ هُنَاكَ كِتَابٌ حَقِيقِيٌّ، وَأَمَّا عَلَى التَّمْثِيلِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى نَبَذَهُمَا أَيِ: الْيَدَيْنِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ قَالَ بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُمَا. بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: «جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ»، كِنَايَةٌ عَنْ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ فَصَارَ كَمَا تُخَلِّفُهُ وَرَاءَ ظَهْرِكَ؛ فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: ثُمَّ قَالَ: (فَرَغَ رَبُّكُمْ): تَفْسِيرًا لِهَذَا الْفِعْلِ، وَيَكُونُ نَتِيجَةً لِهَذَا الْكَلَامِ (مِنَ الْعِبَادِ): قَالَ الْأَشْرَفُ أَيْ: مِنْ أَمْرِ الْعِبَادِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الشَّأْنُ؛ أَيْ: قَدَّرَ أَمْرَهُمْ لَمَّا قَسَّمَهُمْ قِسْمَيْنِ، وَقَدَّرَ لِكُلِّ قِسْمٍ عَلَى التَّعْيِينِ كَوْنَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ بِحَيْثُ لَا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ فَكَأَنَّهُ فَرَغَ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَإِلَّا فَالْفَرَاغُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ تَعَالَى ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ
١٠٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ: الْمُرْجِئَةُ، وَالْقَدَرِيَّةُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ (حَسَنٌ صَحِيحٌ)
ــ
١٠٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (صِنْفَانِ) أَيْ: نَوْعَانِ، (مِنْ أُمَّتِي) أَيْ: أُمَّةِ الْإِجَابَةِ، (لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ) أَيْ: حَظٌّ كَامِلٌ، أَوْ لَيْسَ لَهُمَا فِي كَمَالِ الِانْقِيَادِ لِمَا قُضِيَ، وَقُدِّرَ عَلَى الْعِبَادِ مِمَّا أَرَادَ نَصِيبٌ؛ أَيْ: حَظٌّ مُطْلَقًا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ؟ رُبَّمَا يَتَمَسَّكُ بِهِ مَنْ يُكَفِّرُ الْفَرِيقَيْنِ، وَالصَّوَابُ أَنْ لَا يُسَارِعَ إِلَى تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ؛ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْجَاهِلِ، أَوِ الْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئِ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ احْتِيَاطًا فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: لَيْسَ لَهُمَا نَصِيبٌ عَلَى سُوءِ الْحَظِّ وَقِلَّةِ النَّصِيبِ، كَمَا يُقَالُ: لَيْسَ لِلْبَخِيلِ مِنْ مَالِهِ نَصِيبٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊: («يَكُونُ فِي أَمَّتِي خَسْفٌ»)، وَقَوْلُهُ: («سِتَّةٌ لَعْنَتُهُمْ») . وَأَمْثَالُ ذَلِكَ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُكَذِّبِ بِهِ؛ أَيْ: بِالْقَدَرِ إِذْ أَتَاهُ مِنَ الْبَيَانِ مَا يَنْقَطِعُ بِهِ الْعُذْرُ، أَوْ عَلَى مَنْ تُفْضِي بِهِ الْعَصَبِيَّةُ إِلَى تَكْذِيبِ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ النُّصُوصِ، أَوْ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ خَالَفَهُ، وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَارِدَةٌ تَغْلِيظًا وَزَجْرًا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَمَنْ أَطْلَقَ تَكْفِيرَ الْفَرِيقَيْنِ أَخْذًا بِظَاهِرِ هَذَا الْخَبَرِ فَقَدِ اسْتَرْوَحَ، بَلِ الصَّوَابُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّا لَا نُكَفِّرُ أَهْلَ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ إِلَّا إِنْ أَتَوْا بِمُكَفِّرٍ صَرِيحٍ لَا اسْتِلْزَامِيٍّ؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَزَلِ الْعُلَمَاءُ يُعَامِلُونَهُمْ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي نِكَاحِهِمْ، وَإِنْكَاحِهِمْ، وَالصَّلَاةِ عَلَى مَوْتَاهُمْ، وَدَفْنِهِمْ فِي مَقَابِرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا مُخْطِئِينَ غَيْرَ مَعْذُورِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الْفِسْقِ وَالضَّلَالِ إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَقْصُدُوا بِمَا قَالُوهُ اخْتِيَارَ الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا بَذَلُوا وُسْعَهُمْ فِي إِصَابَةِ الْحَقِّ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ، لَكِنْ لِتَقْصِيرِهِمْ بِتَحْكِيمِ عُقُولِهِمْ، وَأَهْوِيَتِهِمْ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْ صَرِيحِ السُّنَةِ وَالْآيَاتِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ سَائِغٍ، وَبِهَذَا فَارَقُوا مُجْتَهَدِي الْفُرُوعِ فَإِنَّ خَطَأَهُمْ إِنَّمَا هُوَ لِعُذْرِهِمْ بِقِيَامِ دَلِيلٍ آخَرَ عِنْدَهُمْ مُقَاوِمٌ لِدَلِيلِ غَيْرِهِمْ مِنْ جِنْسِهِ فَلَمْ يُقَصِّرُوا، وَمِنْ ثَمَّ أُثِيبُوا عَلَى اجْتِهَادِهِمْ، (الْمُرْجِئَةُ): يُهْمَزُ، وَلَا يُهْمَزُ مِنَ الْإِرْجَاءِ مَهْمُوزًا وَمُعْتَلًّا، وَهُوَ التَّأْخِيرُ. يَقُولُونَ: الْأَفْعَالُ كُلُّهَا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ لِلْعِبَادِ فِيهَا اخْتِيَارٌ، وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ مَعْصِيَةٌ كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ فَيُؤَخِّرُونَ الْعَمَلَ عَنِ الْقَوْلِ. وَهَذَا غَلَطٌ، بَلِ الْحَقُّ أَنَّ الْمُرْجِئَةَ هُمُ الْجَبْرِيَّةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ إِضَافَةَ الْفِعْلِ إِلَى الْعَبْدِ كَإِضَافَتِهِ إِلَى الْجَمَادِ اتَّسَمُوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يُؤَخِّرُونَ أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ عَنِ الِاعْتِدَادِ بِهِمَا، وَيَرْتَكِبُونَ الْكَبَائِرَ فَهُمْ عَلَى الْإِفْرَاطِ، (وَالْقَدَرِيَّةُ): عَلَى التَّفْرِيطِ، وَالْحَقُّ مَا بَيْنَهُمَا اهـ.
وَالْقَدَرِيَّةُ: بِفَتْحِ الدَّالِ وَتُسَكَّنُ، وَهُمُ الْمُنْكِرُونَ لِلْقَدَرِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ بِقُدْرَتِهِمْ وَدَوَاعِيهِمْ لَا بِقُدْرَةِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ، وَإِنَّمَا نُسِبَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ إِلَى الْقَدَرِ لِأَنَّهُمْ يَبْحَثُونَ فِي الْقَدَرِ كَثِيرًا.
١١١ - «وَعَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ذَرَارِيُّ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: (مِنْ آبَائِهِمْ) . فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِلَا عَمَلٍ؟ قَالَ: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) . قُلْتُ: فَذَرَارِيُّ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: (مِنْ آبَائِهِمْ) قُلْتُ بِلَا عَمَلٍ؟ قَالَ: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) .» رَوَاهُ دَاوُدُ.
ــ
١١١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ): ﵂ («قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَرَارِيُّ الْمُؤْمِنِينَ»؟) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: مَا حُكْمُ ذَرَارِيِّهِمْ أَهُمْ فِي الْجَنَّةِ أَمِ النَّارِ؟ (قَالَ: مِنْ آبَائِهِمْ؟) مِنْ اتِّصَالِيَّةٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] وَقَوْلُهُ ﷺ ««مَا أَنَا مِنْ دَدٍ، وَلَا الدَّدُ مِنِّي»» أَيِ: اللَّهْوُ وَاللَّعِبُ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ مُتَّصِلُونَ بِآبَائِهِمْ، وَقِيلَ: مِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى هُمْ بَعْضُ آبَائِهِمْ فَلَهُمْ حُكْمُهُمْ أَيْ: يَعْلَمُ حُكْمَهُمْ مِنْ حُكْمِ آبَائِهِمْ؛ يَعْنِي إِنْ كَانَ آبَاؤُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَهُمْ كَذَلِكَ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَيْ: مَعْدُودُونَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ يَحْكُمُ بِالْإِسْلَامِ لِإِسْلَامِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ، وَيَأْمُرُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، وَبِمُرَاعَاةِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ يَحْكُمُ عَلَى ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ بِالِاسْتِرْقَاقِ، وَبِمُرَاعَاةِ أَحْكَامِهِمْ فِيهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَبِانْتِفَاءِ التَّوَارُثِ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَهُمْ مُلْحَقُونَ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ بِآبَائِهِمْ. (فَقُلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ بِلَا عَمَلٍ؟) هَذَا وَارِدٌ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ، إِذْ لَا مُوجِبَ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالْمَعْنَى أَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِلَا عَمَلٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] (قَالَ ﷺ (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) أَيْ: لَوْ بَلَغُوا رَدًّا لِتَعَجُّبِهَا، وَإِشَارَةً إِلَى الْقَدَرِ، وَلِهَذَا أَوْرَدَ الْحَدِيثَ فِي بَابِ الْقَدَرِ (قُلْتُ: فَذَرَارِيُّ الْمُشْرِكِينَ؟) أَيْ: فَمَا حُكْمُهُمْ؟ (قَالَ مِنْ آبَائِهِمْ) أَيْ: يَعْلَمُ مِنْ حُكْمِ آبَائِهِمْ، أَوْ مَعْنَاهُ أَتْبَاعٌ لِآبَائِهِمْ (قُلْتُ: بِلَا عَمَلٍ؟ قَالَ: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يَعْنِي أَنَّهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْآخِرَةُ فَمَوْكُولٌ أَمْرُهُمْ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِمْ. قَالَ الْقَاضِي: الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ لَيْسَا بِالْأَعْمَالِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ ذَرَارِيُّ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، بَلِ الْمُوجِبُ اللُّطْفُ الْإِلَهِيُّ، وَالْخِذْلَانُ الْمُقَدَّرُ لَهُمْ فِي الْأَزَلِ، فَالْوَاجِبُ فِيهِمُ التَّوَقُّفُ، وَعَدَمُ الْجَزْمِ؛ فَإِنَّ أَعْمَالَهُمْ مَوْكُولَةٌ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ فِيمَا يَعُودُ إِلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَالْأَعْمَالُ دَلَائِلُ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ الدَّلِيلِ انْتِفَاءُ الْمَدْلُولِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمِ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُمْ تَبَعٌ لِآبَائِهِمْ فِي النَّارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا: حَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵊ حِينَ رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَحَوْلَهُ أَوْلَادُ النَّاسِ قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: (وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ)» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وَلَا تَكْلِيفَ عَلَى الْمَوْلُودِ حَتَّى يَلْزَمَ الْحُجَّةَ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْحَقُّ مَذْهَبُ التَّوَقُّفِ لِمَا وَرَدَ فِي أَوْلَادِ خَدِيجَةَ كَمَا سَيَأْتِي، وَحَدِيثِ «الْوَائِدَةِ وَالْمَوْءُودَةِ فِي النَّارِ»، مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ ﵊، فَالْوَجْهُ أَنْ يُبْنَى الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂، وَقَوْلُهَا: عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ فِي شَأْنِ وَلَدٍ مِنْ أَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ ﵊ أَنْكَرَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْجَزْمَ بِذَلِكَ جَزْمٌ بِأَنَّ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ أَحَدَهُمَا فِي الْجَنَّةِ، فَعَلَى هَذَا أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ يَدَيْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵊ هُمُ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا حِينَئِذٍ، ثُمَّ فِي الْمَآلِ آمَنُوا، وَأَمَّا أَوْلَادُ خَدِيجَةَ وَالْمَوْءُودَةِ فَهُمُ الَّذِينَ مَاتَ آبَاؤُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ [الإسراء: ١٥] فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْعَذَابِ الِاسْتِئْصَالُ فِي الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ حَتَّى تَقْتَضِي ظَاهِرًا أَنْ يَكُونَ الْعَذَابُ فِي الدُّنْيَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَتْبَعَهُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] لَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَكَمَا أَنَّ الْبَالِغِينَ
هَذَا الْمَبْحَثِ. (فَحَدِّثْنِي) أَيْ: بِحَدِيثٍ (لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَهُ مِنْ قَلْبِي.) أَيْ: رَجَاءَ أَنْ يُزِيلَ ذَلِكَ مِنِّي، وَقَالَ أَوَّلًا فِي نَفْسِي، وَثَانِيًا مِنْ قَلْبِي إِشْعَارًا بِأَنَّ ذَلِكَ تَمَكَّنَ مِنْهُ، وَأَخَذَ بِمَجَامِعِهِ مِنْ ذَاتِهِ، وَقَلْبِهِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْحَزَازَةَ تَنْشَأُ مِنَ الْخَطَرَاتِ النَّفْسِيَّةِ، وَالثَّبَاتُ وَالِاطْمِئْنَانُ مِنَ الصِّفَاتِ الْقَلْبِيَّةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: أَنْ يُذْهِبَهُ: خَبَرُ لَعَلَّ أَعْطَاهُ حُكْمَ عَسَى فِي دُخُولِ أَنَّ فِي خَبَرِهِ، (فَقَالَ) أَيْ: أُبَيٌّ ﵁ مُتَحَرِّيًا غَايَةَ الْبَيَانِ الشَّافِي، وَغَايَةَ الْإِرْشَادِ الْوَافِي (لَوْ) أَيْ: فُرِضَ (أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ) مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ (وَأَهْلَ أَرْضِهِ): مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ (عَذَّبَهُمْ): وَفِيهِ إِشْكَالٌ، وَدَفَعَهُ أَنَّ الشَّرْطِيَّةَ غَيْرُ لَازِمَةِ الْوُقُوعِ (وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ): الْوَاوُ لِلْحَالِ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي مِلْكِهِ، وَمُلْكِهِ فَعَذَابُهُ عَدْلٌ، وَثَوَابُهُ فَضْلٌ. قِيلَ فِيهِ إِرْشَادٌ عَظِيمٌ، وَبَيَانٌ شَافٍ لِإِزَالَةِ مَا طُلِبَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَهْدِمُ مِنْهُ قَاعِدَةَ الْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيِّينَ لِأَنَّهُ مَالِكُ الْجَمِيعِ، فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ كَيْفَ شَاءَ، وَلَا ظُلْمَ أَصْلًا (وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ) أَيِ: الصَّالِحَةِ؛ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ رَحْمَتَهُ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَإِيجَابِهَا إِيَّاهَا إِذْ هِيَ لَا تُوجِبُهَا عَلَيْهِ، كَيْفَ وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ رَحْمَتِهِ بِهِمْ، فَرَحْمَتُهُ إِيَّاهُمْ مَحْضُ فَضْلٍ مِنْهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، فَلَوْ رَحِمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ حِكْمَةِ غَايَتِهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ الْمُطِيعِينَ لَهُمُ الثَّوَابُ، وَأَنَّ الْعَاصِينَ لَهُمُ الْعِقَابُ كَمَا هُوَ مُثْبَتٌ فِي أُمِّ الْكِتَابِ، فَالْأَمْرُ الْمُقَدَّرُ لَا يَتَبَدَّلُ، وَلَا يَتَغَيَّرُ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ (وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ): بِضَمَّتَيْنِ جَبَلٌ عَظِيمٌ قَرِيبُ الْمَدِينَةِ الْمُعَظَّمَةِ (ذَهَبًا) تَمْيِيزٌ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: مَرْضَاتِهِ، وَطَرِيقِ خَيْرَاتِهِ (مَا قَبِلَهَا اللَّهُ) أَيْ: ذَلِكَ الْإِنْفَاقَ، أَوْ مِثْلَ ذَلِكَ الْجَبَلِ (مِنْكَ): وَهُوَ تَمْثِيلٌ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ لَا تَحْدِيدٍ؛ إِذْ لَوْ فُرِضَ إِنْفَاقُ مِلْءِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كَانَ كَذَلِكَ (حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ) أَيْ: بِأَنَّ جَمِيعَ الْأُمُورِ الْكَائِنَةِ خَيْرِهَا، وَشَرِّهَا، وَحُلْوِهَا، وَمُرِّهَا، وَنَفْعِهَا، وَضَرِّهَا، وَقَلِيلِهَا، وَكَثِيرِهَا، وَكَبِيرِهَا، وَصَغِيرِهَا، بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، وَإِرَادَتِهِ وَأَمْرِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا لَهُمْ إِلَّا مُجَرَّدُ الْكَسْبِ، وَمُبَاشَرَةُ الْفِعْلِ، وَالْمُرَادُ هَنَا كَمَالُ الْإِيمَانِ، وَسَلْبُ الْقَبُولِ مَعَ فَقْدِهِ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْمُبْتَدِعَةَ لَا تُقْبَلُ لَهُمْ أَعْمَالٌ أَيْ: لَا يُثَابُونَ عَلَيْهَا مَا دَامُوا عَلَى بِدْعَتِهِمْ، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ: أَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ عَمَلَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَتُوبَ مِنْ بِدْعَتِهِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ أَهْلَ الْبِدْعَةِ لَيْسُوا مِنَ الْمُتَّقِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] وَأَنَّهُ لَا يُحِبُّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. (وَتَعْلَمَ): تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ (أَنَّ مَا أَصَابَكَ): مِنَ النِّعْمَةِ، وَالْبَلِيَّةِ، أَوِ الطَّاعَةِ، وَالْمَعْصِيَةِ مِمَّا قَدَّرَهُ اللَّهُ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ (لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ) أَيْ: يُجَاوِزَكَ (وأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ): مِنَ الْخَيْرِ، وَالشَّرِّ (لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ): وَهَذَا وُضِعَ مَوْضِعِ الْمُحَالِ كَأَنَّهُ قِيلَ: مُحَالٌ أَنْ يُخْطِئَكَ، وَفِيهِ ثَلَاثُ مُبَالَغَاتٍ: دُخُولُ أَنَّ، وَلُحُوقُ اللَّامِ الْمُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ، وَتَسْلِيطُ النَّفْيِ عَلَى الْكَيْنُونَةِ، وَسِرَايَتُهُ فِي الْخَبَرِ، وَهُوَ مَضْمُونُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى التَّوَكُّلِ وَالرِّضَا، وَنَفْيِ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَمُلَازَمَةِ الْقَنَاعَةِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَصَائِبِ (وَلَوْ مُتَّ): بِضَمِّ الْمِيمِ مَنْ مَاتَ يَمُوتُ، وَبِكَسْرِهَا مَنْ مَاتَ يُمِيتُ، (عَلَى غَيْرِ هَذَا) أَيْ: عَلَى اعْتِقَادِ غَيْرِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ (لَدَخَلْتَ النَّارَ): يَحْتَمِلُ الْوَعِيدَ، وَيَحْتَمِلُ التَّهْدِيدَ، (قَالَ) أَيِ: ابْنُ الدَّيْلَمِيِّ (ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ): صَاحِبَ السِّجَّادَةِ، وَالْمِخَدَّةِ، وَالنَّعْلَيْنِ، وَالْمِطْهَرَةِ ﵁ (فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ: مِثْلَ جَوَابِ أُبَيٍّ فِي سُؤَالِي (قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ): مَرَّ ذِكْرُهُ، وَهُوَ صَاحِبُ سِرِّ النَّبِيِّ صَلِيَ اللَّه
لِكَرَامَتِهِ، وَمَدْحٌ لَهُ، فَلَا يَلْزَمُ تَفْضِيلُهُ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَفْضُولَ قَدْ يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ، بَلْ مَزَايَا لَيْسَتْ فِي الْفَاضِلِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْمُلَاءَمَةِ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكُ نِسْبَةِ الْخِلَافَةِ (فَقَالَ: رَبِّ): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ أَيْ رَبِّ (كَمْ جَعَلْتَ عُمُرَهُ؟): بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَالْمِيمِ، وَقَدْ تُسَكَّنُ، وَكَمْ مَفْعُولٌ لِمَا بَعْدَهُ، وَقُدِّمَ لِمَا لَهُ الصَّدْرُ أَيْ: كَمْ سَنَةً جَعَلْتَ عُمُرَهُ (قَالَ: سِتِّينَ سَنَةً. قَالَ: رَبِّ زِدْهُ مِنْ عُمُرِي) أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ الْأَلْفِ، وَمِنْ عُمُرِي صِفَةُ أَرْبَعِينَ قُدِّمَتْ فَعَادَتْ حَالًا، وَقَوْلُهُ: (أَرْبَعِينَ سَنَةً) مَفْعُولٌ ثَانٍ لِقَوْلِهِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: زَادَ يُسْتَعْمَلُ لَازِمًا كَقَوْلِهِ: زَادَ الْمَاءُ، وَيُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا إِلَى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِ: زِدْتُهُ دِرْهَمًا، وَعَلَى هَذَا جَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا لِوَاحِدٍ كَزَادَ الْمَالُ دِرْهَمًا. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَفِيهِ أَنَّ الْأَمْثِلَةَ لَيْسَتْ نَصًّا فِي التَّعْدِيَةِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ لِاحْتِمَالِ التَّمْيِيزِ تَأَمَّلْ. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («فَلَمَّا انْقَضَى عُمُرُ آدَمَ إِلَّا أَرْبَعِينَ») أَيْ: سَنَةً كَمَا فِي نُسْخَةٍ («جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ آدَمُ: أَوْلَمَ يَبْقَ»): بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَالْقَافِ (مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ !): بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ الْمُنْصَبِّ عَلَى نَفْيِ الْبَقَاءِ فَيُفِيدُ إِثْبَاتَهُ، وَقُدِّمَتْ عَلَى الْوَاوِ لِصَدَارَتِهَا، وَالْوَاوُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ بَيْنَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ انْقَضَى عُمُرُهُ إِلَّا أَرْبَعِينَ، وَبَيْنَ بَقِيَ مِنْ عُمُرِ آدَمَ أَرْبَعُونَ؟ قُلْتُ: فِي الِاسْتِثْنَاءِ تَوْكِيدٌ لَيْسَ فِي غَيْرِهِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، قُلْتُ: لِأَنَّ غَيْرَهُ يَحْتَمِلُ الْأَكْثَرَ، وَهُوَ نَصٌّ فِي بَقَاءِ الْأَرْبَعِينَ كُلِّهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] مَعَ زِيَادَةِ الْإِفَادَةِ فِي الْآيَةِ مِنَ الْأَقْرَبِيَّةِ إِلَى الضَّبْطِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى الْعَدَدِ الْمَشْهُورِ فِي الْكَثْرَةِ، وَالْإِشَارَةِ إِلَى جَوَازِ إِلْغَاءِ الْكَسْرِ كَمَا هُوَ جَارٍ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَامَّةِ (قَالَ: أَوَلَمْ تُعْطِهَا) أَيْ: أَتَقُولُ ذَلِكَ، وَلَمْ تُعْطِهَا أَيِ: الْأَرْبَعِينَ (ابْنَكَ): مَفْعُولٌ ثَانٍ (دَاوُدَ؟ !)، بَدَلٌ، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ (فَجَحَدَ آدَمُ) أَيْ: ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي عَالَمِ الذَّرِّ فَلَمْ يَسْتَحْضِرْهُ حَالَةَ مَجِيءِ مَلَكِ الْمَوْتِ لَهُ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
(فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ): لِأَنَّ الْوَلَدَ سِرُّ أَبِيهِ (وَنَسِيَ آدَمُ): إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْجَحْدَ كَانَ نِسْيَانًا أَيْضًا إِذْ لَا يَجُوزُ جَحْدُهُ عِنَادًا (وَأَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ) قِيلَ: نَسِيَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ جِنْسِ الشَّجَرَةِ، أَوِ الشَّجَرَةِ بِعَيْنِهَا فَأَكَلَ مِنْ غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ، وَكَانَ النَّهْيُ عَنِ الْجِنْسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ): وَلِذَا قِيلَ: أَوَّلُ النَّاسِ أَوَّلُ النَّاسِي (وَخَطَأَ): بِفَتْحِ الطَّاءِ أَيْ: فِي اجْتِهَادٍ مِنْ جِهَةِ التَّعْيِينِ، وَالتَّخْصِيصِ، (وَخَطَأَتْ ذُرِّيَّتُهُ): وَالْأَظْهَرُ أَنَّ خَطَأَ بِمَعْنَى عَصَى؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١] وَلِقَوْلِهِ ﵊: ««كُلُّكُمْ خَطَّاءُونَ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»». قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ: «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِبُّ فِيهِ اثْنَانِ: الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ، وَابْنُ آدَمَ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ، وَابْنُ آدَمَ مَجْبُولٌ مَنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ عَلَى الْجَحْدِ وَالنِّسْيَانِ، وَالْخَطَأِ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ» . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
١١٩ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: («خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ حِينَ خَلَقَهُ، فَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُمْنَى، فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً بَيْضَاءَ كَأَنَّهُمُ الذَّرُّ، وَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُسْرَى فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً سَوْدَاءَ كَأَنَّهُمُ الْحُمَمُ، فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَمِينِهِ: إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا أُبَالِي، وَقَالَ لِلَّذِي فِي كَتِفهِ الْيُسْرَى: إِلَى النَّارِ، وَلَا أُبَالِي») . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١١٩ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءَ): ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: («خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ حِينَ خَلَقَهُ») قَالَ الطِّيبِيُّ: ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ (فَضَرَبَ): وَلَا يَمْنَعُ الْفَاءَ مِنَ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ عَلَى أَنَّ الْفَاءَ السَّبَبِيَّةَ أَيْضًا غَيْرُ مَانِعَةٍ لِعَمَلِ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا، فَإِنَّ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (فَلْيَعْبُدُوا) عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْطِ؛ أَيْ: إِمَّا لَا فَلْيَعْبُدُوهُ كَذَا فِي «الْكَشَّافِ».
تَقُولُ الْعَرَبُ: إِمَّا لَا أَيْ: إِنْ كُنْتَ لَا تَفْعَلُ غَيْرَهُ فَافْعَلْ هَذَا. قَالَ الْقَاضِي أَيْ: إِنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِسَائِرِ نِعَمِهِ فَلْيَعْبُدُوهُ لِأَجْلِ إِيلَافِهِمْ. وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا؛ لِقَوْلِهِ: خَلَقَ اللَّهُ، وَالْمَقْصُودُ الْإِشَارَةُ إِلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِزَمَانِ خَلْقِهِ، تَأَمَّلْ. اهـ.
وَقِيلَ: تَقْدِيمُ الظَّرْفِ مَعَ وُجُودِ التَّعْقِيبِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْإِخْرَاجَ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ خَلْقِهِ ﵊، وَفِيهِ نَصٌّ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ حَاصِلَةٌ، وَإِنْ تَأَخَّرَ الظَّرْفُ، بِقَوْلِهِ: فَضَرَبَ؛ قِيلَ أَمَرَ بِالضَّرْبِ فَضَرَبَ الْمَلَكُ (كَتِفَهُ الْيُمْنَى): بِفَتْحِ الْكَافِ، وَكَسْرِ التَّاءِ كَذَا مَضْبُوطٌ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ. وَفِي الْقَامُوسِ: كَتِفٌ كَفَرِحٌ وَمَثِلٌ وَجَبِلٌ، (فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً بَيْضَاءَ) أَيْ: نُورَانِيَّةٌ (كَأَنَّهُمُ الذَّرُّ): فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ فَالتَّشْبِيهُ فِي الْهَيْئَةِ، وَقِيلَ: أَيِ: الْأَبْيَضُ بِدَلِيلِ مُقَابَلَةِ الْآتِي، وَفِي بَعْضِهَا بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، فَالتَّشْبِيهُ بِاعْتِبَارِ اللَّوْنِ وَالصَّفَاءِ، وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى أَنْ يُحْتَمَلَ عَلَى تَكْرَارِ الْإِخْرَاجِ عَلَى صِفَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كَمَا صَنَعَهُ ابْنُ حَجَرٍ. (وَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُسْرَى فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً سَوْدَاءَ) أَيْ: ظَلْمَانِيَّةٌ (كَأَنَّهُمُ الْحُمَمُ): بِضَمِّ الْحَاءِ، جَمْعُ حُمَمَةٍ، يُقَالُ: حَمِمْتُ الْجَمْرَةُ كَفَرِحْتُ، تَحَمُّ بِالْفَتْحِ إِذَا صَارَتْ فَحْمًا (فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَمِينِهِ) أَيْ: فِي جِهَةِ يَمِينِ آدَمَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ إِخْرَاجِهِمْ مِنْ كَتِفِهِ الْيُمْنَى، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: لِلَّذِي فِي كَتِفِ الْيَمِينِ بِدَلِيلِ فِي كَتِفِهِ الْيُسْرَى الْآتِي فَيَكُونُ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ اهـ.
وَالْمَعْنَى يَعْنِي قَالَ تَعَالَى لِآدَمَ لِأَجْلِ الَّذِي فِي يَمِينِهِ، وَعَنْ قَبْلِهِمْ، وَفِي حَقِّهِمْ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]، وَالَّذِي صِفَةٌ لِفَرِيقٍ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩]: (إِلَى الْجَنَّةِ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: هَؤُلَاءِ أُوصِلُهُمْ، أَوْ أُصَيِّرُهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلْمُشَافَهَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: أَنْتُمْ أُوصِلُكُمْ، أَوْ أُصَيِّرُكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَقَوْلُهُ (وَلَا أُبَالِي): حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِّ، وَالْخَبَرِ؛ أَيْ: وَالْحَالُ أَنِّي لَا أُبَالِي بِأَحَدٍ، كَيْفَ وَأَنَا الْفَعَّالُ لِمَا أُرِيدُ، وَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ لِي عَبِيدٌ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ «وَإِنْ، «رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ»» فَإِنَّهُ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّ بَعْضَ الْمُبْتَدِعَةِ يَقُولُ بِخِلَافِهِ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ مُبَالَغَةً فِي تَحْقِيرِهِمْ، وَتَسْفِيهِ عُقُولِهِمْ، وَأَنَّهُمْ كَالْهَبَاءِ الَّذِي لَا يُبَالِي أَحَدٌ بِهِ، وَإِنْ فَعَلَ مَا فَعَلَ. («وَقَالَ لِلَّذِي فِي كَفِّهِ الْيُسْرَى»): بِفَتْحِ الْكَافِ، وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ كَذَا فِي أَصْلِ
السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيْ: فِي يَدِهِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْمَعْنَى الْمُقَابَلِ بِقَوْلِهِ: فِي يَمِينِهِ، وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى، وَلَعَلَّهُ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذِكْرُ الْيَمِينِ وَالْكَتِفِ لِتَصْوِيرِ الْعَظَمَةِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ ضَمِير يَمِينِهِ، وَكَفِّهِ إِلَى آدَمَ، وَالْمُرَادُ جِهَتَاهُ، وَرِوَايَةُ كَتِفِهِ صَرِيحَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَالْيُسْرَى أَيْضًا فَإِنَّهَا لَا تُطْلَقُ عَلَى يَدِهِ تَعَالَى، فَإِنَّ كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ عَلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ (إِلَى النَّارِ، وَلَا أُبَالِي): فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ، وَأَنَّ الْأَعْمَالَ أَمَارَاتٌ لَا مُوجِبَاتٌ. فَهُوَ الْمَحْمُودُ فِي كُلِّ أَفْعَالِهِ، خَلَقَ فَرِيقًا لِلْجَنَّةِ بِطَرِيقِ الْفَضْلِ، وَجَعَلَ طَائِفَةً لِلنَّارِ عَلَى سَبِيلِ الْعَدْلِ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبيا
ء: ٢٣] (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
٢١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: («أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مَنْ ظَهَرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ - يَعْنِي عَرَفَةَ - فَأَخْرَجَ مَنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَاهَا، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلًا؛ قَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣]» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١٢١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ): ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ) مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ - يَعْنِي: الْعَهْدَ أَيْ: أَرَادَ أَخْذَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَأَخْرَجَ، (مِنْ ظَهْرِ آدَمَ) أَيْ: مِنَ الذُّرِّيَّةِ الَّتِي تَظْهَرُ مِنْ ظَهْرِهِ (بِنَعْمَانَ): قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: نَعْمَانُ بِالْفَتْحِ، وَادٍ فِي طَرِيقِ الطَّائِفِ يُخْرِجُ إِلَى عَرَفَاتٍ، وَفِي «الْقَامُوسِ» وَادٍ وَرَاءَ عَرَفَةَ، وَهُوَ نَعْمَانُ الْأَرَاكِ، وَفِي «النِّهَايَةِ» جَبَلٌ بِقُرْبِ عَرَفَةَ، وَيُقَالُ لَهُ نَعْمَانُ السَّحَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرْكَدُ فَوْقَهُ لِعُلُوِّهِ فَلِمُجَاوَرَتِهِ لَهَا، قَالَ أَيِ: الرَّاوِي: (- يَعْنِي عَرَفَةَ - فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ): بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَهُوَ فَقَارُ الظَّهْرِ (كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَاهَا): بِالْهَمْزِ أَيْ: خَلَقَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامِ مِنْ ذَرَا اللَّهُ الْخَلْقَ أَوْجَدَ أَشْخَاصَهُمْ؛ يَعْنِي بَعْضَهُمْ بِوَاسِطَةٍ، وَبَعْضَهُمْ بِغَيْرِهَا، (فَنَثَرَهُمْ) أَيْ: فَرَّقَهُمْ وَبَثَّهُمْ، وَنَشَرَهُمْ (بَيْنَ يَدَيْهِ،) أَيْ: قُدَّامَ آدَمَ، أَوْ بَعْضَهُمْ فِي يَمِينِهِ، وَبَعْضَهُمْ فِي شِمَالِهِ (كَالذَّرِّ)، أَيْ: مُشَبَّهِينَ بِالنَّمْلِ فِي صِغَرِ الصُّورَةِ (ثُمَّ كَلَّمَهُمْ) أَيْ: خَاطَبَهُمْ ﷾ (قُبُلًا): بِضَمَّتَيْنِ، وَقِيلَ: كَعِنَبٍ، وَصُرَدٍ وَقُفُلٍ، وَجَبَلٍ، وَهُوَ حَالٌ؛ أَيْ: كَلَّمَهُمْ عِيَانًا، وَمُقَابَلَةً لَا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَلَا بِأَنْ يَأْمُرَ أَحَدًا مِنْ مَلَائِكَتِهِ (قَالَ): اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَدَلٌ مِنْ كَلَّمَهُمْ؛ أَيْ: وَقَالَ لَهُمْ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]: أَنْتَ رَبُّنَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ قَالُوا بَدَلَ: بَلَى نَعَمْ لَكَفَرُوا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأَنَّهَا لِتَقْرِيرِ النَّفْيِ، وَبَلَى رَدُّ لَهُ، وَنَفْيُ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَلِذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ لَوْ قَالَ أَلَيْسَ لَكَ عَلَيَّ أَلْفٌ؟ فَقَالَ: بَلَى لَزِمَهُ، وَلَوْ قَالَ: نَعَمْ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَلْزَمُهُ فِيهِمَا، وَجَرَوْا فِي ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى الْعُرْفِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَكِنْ يَقَعُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهَا يُجَابُ بِهَا الِاسْتِفْهَامُ الْمُجَرَّدُ فَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» فِي: «كِتَابِ الْإِيمَانِ»: أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: ««أَتَرْضُونَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، قَالُوا بَلَى»، وَفِي: «صَحِيحُ مُسْلِمٍ» فِي «كِتَابِ الْهِبَةِ»: «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: فَلَا إِذَنْ»، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: «أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ لَهُ الْمُجِيبُ: بَلَى، ثُمَّ قَالَ: لَكِنَّ هَذَا قَلِيلٌ فَلَا يَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ» اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْأَمْثِلَةَ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ. فِي الْأَزْهَارِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ جَوَابَهُمْ بِقَوْلِ بَلَى كَانَ بِالْمُطْلَقِ، وَهُمْ أَحْيَاءٌ عُقَلَاءُ، وَقِيلَ: بِلِسَانِ الْحَالِ، ثُمَّ قِيلَ تَجَلَّى لِلْكُفَّارِ بِالْهَيْبَةِ فَقَالُوا: بَلَى مَخَافَةً فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ إِيمَانُهُمْ، وَتَجَلَّى لِلْمُؤْمِنِينَ بِالرَّحْمَةِ، فَقَالُوا: بَلَى طَوْعًا فَنَفَعَهُمْ إِيمَانُهُمْ (شَهِدْنَا): هُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَتِمَّةِ الْمَقُولِ أَيْ: شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا بِذَلِكَ، وَأَقْرَرْنَا بِوَحْدَانِيَّتِكَ، وَإِنَّمَا احْتَاجُوا إِلَى هَذَا مَعَ أَنَّ بَلَى يُغْنِي عَنْهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ: شَهِدْنَا عَلَى إِقْرَارِكُمْ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ تَقْدِيرُ الطِّيبِيِّ فَعَلْنَا ذَلِكَ كَرَاهَةَ (أَنْ تَقُولُوا) أَيِ: احْتِجَاجًا، وَقِيلَ: لِئَلَّا تَقُولُوا، وَالْجُمْهُورُ بِالْخِطَابِ، وَأَبُو عَمْرٍو بِالْغَيْبَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى الِالْتِفَاتِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ: اشْهَدُوا. قَالُوا شَهِدْنَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَالَ اللَّهُ: شَهِدْنَا يَعْنِي نَفْسَهُ، وَالْمَلَائِكَةَ وَالسَّمَاوَاتِ، وَالْأَرْضَ. قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَا أَتَذَكَّرُ ذَلِكَ الْمِيثَاقَ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ): ظَرْفُ أَنْ تَقُولُوا؛ أَيْ: حِينَ يُحَاسَبُونَ عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَبِكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَالْمَقُولُ (إِنِّا كُنَّا عَنْ هَذَا) أَيِ: الْمِيثَاقِ، أَوِ الْإِقْرَارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَالِاعْتِرَافِ بِالْعُبُودِيَّةِ (غَافِلِينَ) أَيْ: جَاهِلِينَ لَا نَعْرِفُهُ، وَلَا نُبِّهْنَا عَلَيْهِ، (أَوْ تَقُولُوا) أَيِ: الْبَعْضُ الْمُتَأَخِّرُونَ احْتِجَاجًا آخَرَ ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف: ١٧٣] أَيْ: مِنْ قَبْلِ ظُهُورِنَا وَوُجُودِنَا، أَوْ مِنْ قَبْلِ إِشْرَاكِنا
﴿وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٣]: فَاقْتَدَيْنَا بِهِمْ فَاللَّوْمُ عَلَيْهِمْ لَا عَلَيْنَا (أَفَتُهْلِكُنَا) أَيْ: أَتَعْلَمُ ذَلِكَ فَتُعَذِّبَنَا ﴿بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣]: مِنْ آبَائِنَا بِتَأْسِيسِ الشِّرْكِ، وَالْمَعْنَى لَا يُمْكِنُهُمُ الِاحْتِجَاجُ بِذَلِكَ مَعَ إِشْهَادِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ، وَالتَّذْكِيرُ بِهِ عَلَى لِسَانِ صَاحِبِ الْمُعْجِزَةِ قَائِمٌ مَقَامَ ذِكْرِهِ فِي النُّفُوسِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ): وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَيْسَ النَّسَائِيُّ مَوْجُودًا فِي النُّسَخِ، وَلَعَلَّهُ إِلْحَاقٌ فِي الشَّرْحِ، لَكِنَّهُ مُسْتَبْعَدٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ دَأْبِهِ. قَالَ مِيرَكُ شَاهْ: كَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَغَيْرُهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي كِتَابِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ، وَلَا يَحْتَمِلُ مِنَ التَّأْوِيلِ مَا يَحْتَمِلُهُ حَدِيثُ عُمَرَ ﵁، وَلَا أَرَى الْمُعْتَزِلَةَ يُقَابِلُونَ هَذِهِ الْحُجَّةَ إِلَّا بِقَوْلِهِمْ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مِنَ الْآحَادِ فَلَا نَتْرُكُ بِهِ ظَاهِرَ الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا هَرَبُوا عَنِ الْقَوْلِ فِي مَعْنَى الْآيَةِ بِمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ لِمَكَانِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فَقَالُوا: إِنْ كَانَ هَذَا الْإِقْرَارُ عَنِ اضْطِرَارٍ حَيْثُ كُوشِفُوا بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ، وَشَاهَدُوهُ عَيْنَ الْيَقِينِ، فَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَقُولُوا شَهِدْنَا يَوْمَئِذٍ، فَلَمَّا زَالَ عَنَّا عَلِمْنَا عِلْمَ الضَّرُورَةِ، وَوُكِلْنَا إِلَى آرَائِنَا كَانَ مِنَّا مَنْ أَصَابَ، وَمِنَّا مَنْ أَخْطَأَ، وَإِنْ كَانَ عَنِ اسْتِدْلَالٍ، وَلَكِنَّهُمْ عُصِمُوا عِنْدَهُ مِنَ الْخَطَأِ فَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا أُيِّدْنَا يَوْمَ الْإِقْرَارِ بِالتَّوْفِيقِ، وَالْعِصْمَةِ، وَحُرِمْنَاهُمَا مِنْ بَعْدُ، وَلَوْ مُدِدْنَا بِهِمَا لَكَانَتْ شَهَادَتُنَا فِي كُلِّ حِينٍ كَشَهَادَتِنَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمِيثَاقَ مَا رَكَزَ اللَّهُ فِيهِمْ مِنَ الْعُقُولِ، وَآتَاهُمْ، وَآبَاءَهُمْ مِنَ الْبَصَائِرِ لِأَنَّهَا هِيَ الْحُجَّةُ الْبَاقِيَةُ الْمَانِعَةُ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ هَذَا الْإِقْرَارَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فِي الْإِشْرَاكِ كَمَا جَعَلَ بَعْثَ الرُّسُلِ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فِي الْإِيمَانِ بِمَا أُخْبِرُوا بِهِ مِنَ الْغُيُوبِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَخُلَاصَةُ مَا قَالُوهُ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا مُحْتَجِّينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنَّهُ زَالَ عَنَّا عَلِمُ الضَّرُورَةِ، وَوُكِلْنَا إِلَى آرَائِنَا فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ بَلْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى يُوقِظُونَكُمْ مِنْ سِنَةِ الْغَفْلَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: حُرِمْنَا عَلَى التَّوْفِيقِ، وَالْعِصْمَةِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ. فَجَوَابُهُ: أَنَّ هَذَا مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ إِذْ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا لَا مَنْفَعَةَ لَنَا فِي الْعُقُولِ، وَالْبَصَائِرِ حَيْثُ حُرِمْنَا عَنِ التَّوْفِيقِ وَالْعِصْمَةِ، وَالْحَقُّ أَنْ تُحْمَلَ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ عَلَى ظَوَاهِرِهَا، وَلَا يُقْدَمُ عَلَى الطَّعْنِ فِيهَا بِأَنَّهَا آحَادٌ لِمُخَالَفَتِهَا لِمُعْتَقَدِ أَحَدٍ، وَمَنْ أَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ حُرِمَ خَيْرًا كَثِيرًا، وَخَالَفَ طَرِيقَةَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُثْبِتُونَ خَبَرَ وَاحِدٍ عَنْ وَاحِدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَيَجْعَلُونَهُ سُنَّةً؛ حُمِدَ مَنْ تَبِعَهَا وَعِيبَ مَنْ خَالَفَهَا اهـ.
وَقَالَ فِي الْكَشَّافِ: نَزَلَ تَمْكِينُ بَنِي آدَمَ مِنَ الْعِلْمِ بِرُبُوبِيَّتِهِ بِنَصْبِ الدَّلَائِلِ، وَخَلْقِ الِاسْتِعْدَادِ فِيهِمْ، وَتَمْكِينِهِمْ مِنْ مَعْرِفَتِهَا، وَالْإِقْرَارِ بِهَا مَنْزِلَةَ الْإِشْهَادِ، وَالِاعْتِرَافِ تَمْثِيلًا، وَتَخْيِيلًا لَا قَوْلَ ثَمَّةَ، وَلَا شَهَادَةَ حَقِيقَةً. أَقُولُ: لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ، وَبِهِ يَلْتَئِمُ الْعَقْلُ، وَالسَّمْعُ. قَالَ الْمَوْلَى الْعَلَّامَةُ قُطْبُ الدِّينِ الشِّيرَازِيُّ ﵀: قَدْ تَقَرَّرَ فِي بِدَايَةِ الْعُقُولِ أَنَّ بَنِي آدَمَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ، فَيَكُونُ كُلُّ مَا أُخْرِجَ مِنْ ظُهُورِ بَنِي آدَمَ فِيمَا لَا يَزَالُ هُمُ الَّذِينَ قَدْ أَخْرَجَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْمِيثَاقَ الْأَزَلِيَّ لِيُعْرِفَ مِنْهُ أَنَّ هَذَا النَّسْلَ الَّذِي يَخْرُجُ فِيمَا لَا يَزَالُ مِنْ أَصْلَابِ بَنِي آدَمَ هُوَ الذَّرُّ الَّذِي أُخْرِجَ فِي الْأَزَلِ مِنْ صُلْبِ آدَمَ، وَأُخِذَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْمَقَالِيُّ الْأَزَلِيُّ، كَمَا أُخِذَ مِنْهُمْ فِيمَا لَا يَزَالُ بِالتَّدْرِيجِ حِينَ أَخْرَجُوا الْمِيثَاقَ الثَّانِيَ، وَهُوَ الْحَالِيُّ الْأَزَلِيُّ، فَلِلَّهِ سُبْحَانَهُ مِيثَاقَانِ مَعَ بَنِي آدَمَ أَحَدُهُمَا: تَهْتَدِي إِلَيْهِ الْعُقُولُ مِنْ نَصْبِ الْأَدِلَّةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى الِاعْتِرَافِ الْحَالِيِّ، وَثَانِيهِمَا: الْمَقَالِيُّ الَّذِي لَا تَهْتَدِي إِلَيْهِ الْعُقُولُ، بَلْ يُتَوَقَّفُ عَلَى تَوْقِيفِ وَاقِفٍ عَلَى أَحْوَالِ الْعِبَادِ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى الْآبَادِ كَالْأَنْبِيَاءِ، فَأَرَادَ ﵊ أَنْ يُعْلِمَ الْأُمَّةَ بِأَنَّ وَرَاءَ الْمِيثَاقِ الَّذِي يَهْتَدُونَ إِلَيْهِ مِيثَاقًا آخَرَ أَزَلِيًّا، فَقَالَ مَا قَالَ مِنْ مَسْحِ ظَهْرِ آدَمَ فِي الْأَزَلِ إِلَخْ. وَهُوَ فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ، وَنِهَايَةِ التَّدْقِيقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] وَلَمْ يَقُلْ وَالْعَادِمِينَ لَهُ (فَإِنَّهُ): أَيِ: الرَّجُلُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ (يَصِيرُ): فِي كُلِّ مَا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ وَيُحْدِثَهُ (إِلَى مَا جُبِلَ): أَيْ: خُلِقَ وَطُبِعَ (عَلَيْهِ): مِنَ الْأَخْلَاقِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفْقَ مَا سَبَقَ بِهِ الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يُبَدَّلَ وَيُغَيَّرَ، فَالْكَيِّسُ مَثَلًا لَا يَصِيرُ بَلِيدًا، وَالسَّخِيُّ لَا يَصِيرُ بَخِيلًا، وَالشُّجَاعُ لَا يَصِيرُ جَبَانًا وَعَكْسُهَا وَهَذَا مِثَالٌ تَقْرِيبِيٌّ. بِاعْتِبَارِ اسْتِبْعَادِ الْعَادَةِ لِزَوَالِ الْجَبَلِ عَنْ مَكَانِهِ اسْتِبْعَادًا يُلْحِقُهُ بِالْمُحَالِ الْعَقْلِيِّ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ إِمْكَانُ زَوَالِ الْجَبَلِ عَنْ مَكَانِهِ دُونَ الْخُلُقِ الْمُقَدَّرِ عَمَّا قُدِّرَ عَلَيْهِ اهـ.
فَإِنْ قُلْتَ: مَدَارُ الصُّوفِيَّةِ عَلَى تَبْدِيلِ الْأَخْلَاقِ فَكَيْفَ هَذَا الْحَدِيثُ؟ قُلْتُ: التَّحْقِيقُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ خُلِقَ وَطُبِعَ فِيهِ الْأَخْلَاقُ جَمِيعُهَا، وَهِيَ صَالِحَةٌ بِأَصْلِهَا أَنْ تَكُونَ حَمِيدَةً وَأَنْ تَكُونَ ذَمِيمَةً، وَإِنَّمَا تُحْمَدُ إِذَا كَانَتْ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، وَالذَّمِيمَةُ ضِدُّهَا. فَمَثَلًا السَّخَاوَةُ صِفَةٌ مُعْتَدِلَةٌ بَيْنَ الْإِسْرَافِ وَالْبُخْلِ، وَكَذَا الشَّجَاعَةُ بَيْنَ التَّهَوُّرِ وَالْجُبْنِ، وَكَذَا التَّوَاضُعُ بَيْنَ الضَّعَةِ وَالتَّكَبُّرِ، وَالْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ عَادَةً عَدَمُ الِاعْتِدَالِ، فَالصُّوفِيَّةُ يُجَاهِدُونَ وَيَرْتَاضُونَ فِي الْأَخْلَاقِ لِيُبَدِّلُوهَا عَنْ مُقْتَضَى الْعَادَةِ وَيُعَدِّلُوهَا عَلَى سُنَنِ الِاسْتِقَامَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَلِذَا قِيلَ: الْإِرَادَةُ تَرْكُ الْعَادَةِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْبُغْضُ، وَحَالَةُ اعْتِدَالِهِ الْمَحْمُودِ أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّهِ الْمَرْضِيِّ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى الْقَدْرِ الْمَحْدُودِ فِي الشَّرْعِ، وَكَذَلِكَ ضِدُّهُ الْمَحَبَّةُ وَلِذَا قَالَ ﷺ: ««مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ إِيمَانُهُ»».
وَأَمَّا إِزَالَةُ صِفَةِ الْبُخْلِ مِنْ أَصْلِهَا بِالْكُلِّيَّةِ فَغَيْرُ مُمْكِنَةٍ إِلَّا بِالْجَذْبَةِ الْإِلَهِيَّةِ؛ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] أَيْ بَخِيلًا.
وَقَالَ ﵊: ««لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ ذَهَبٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ»» بَلْ قِيلَ لَوْ أُزِيلَتِ الصِّفَاتُ الذَّمِيمَةُ بِالْكُلِّيَّةِ عَنِ الْإِنْسَانِ يَكُونُ نَاقِصًا إِذْ كَمَالُهُ أَنْ تَغْلِبَ صِفَاتُهُ الْحَمِيدَةُ، وَبِهَذَا فُضِّلَ نَوْعُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَوْعِ الْمَلَكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّبْدِيلَ الْأَصْلِيَّ الذَّاتِيَّ غَيْرُ مُمْكِنٍ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ، وَأَمَّا التَّبْدِيلُ الْوَصْفِيُّ فَهُوَ مُمْكِنٌ بَلِ الْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَيُسَمَّى تَهْذِيبُ النَّفْسِ وَتَحْسِينُ الْأَخْلَاقِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] وَفِي الْحَدِيثِ: ««حَسِّنُوا أَخْلَاقَكُمْ»» وَفِي الدُّعَاءِ: ««اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي، وَاللَّهُمَّ اهْدِنِي لِصَالِحِ الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِصَالِحِهَا إِلَّا أَنْتَ»»، وَمَنْ أَرَادَ الِاسْتِيفَاءَ فَعَلَيْهِ بِالْإِحْيَاءِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْخُلُقَ الْمُبْرَمَ لَا يُبَدَّلُ وَالْخُلُقَ الْمُعَلَّقَ يُغَيَّرُ وَهُوَ مُبْهَمٌ عِنْدَنَا مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَعَلَيْنَا الْمُجَاهَدَةُ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وَلِهَذَا تَرَى كَثِيرًا مِنَ الْمُرْتَاضِينَ لَمْ تَحْسُنْ أَخْلَاقُهُمْ فِي أَزْمِنَةٍ طَوِيلَةٍ، وَبَعْضُهُمْ تُبَدَّلُ أَخْلَاقُهُمُ الذَّمِيمَةُ بِالْحَمِيدَةِ فِي مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ أَوِ النَّفْيُ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى خَرْقِهَا، وَهُوَ تَارَةً يَكُونُ بِالْجَذْبَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَتَارَةً بِالرِّيَاضَاتِ النَّفْسِيَّةِ، وَتَارَةً بِالْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ الرَّبَّانِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي اسْتِحْضَارُ هَذَا فِي النَّظَرِ لِلْخَلْقِ بَعْدَ وُقُوعِ الْأَفْعَالِ مِنْهُمْ حَتَّى تُقَامَ أَعْذَارُهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْوَالِهِمُ الَّتِي لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إِقَامَتِهَا فِيهَا مَحْذُورٌ فَإِنَّ كُلًّا يَجْرِي فِي تَيَّارِ مَا قُدِّرَ لَهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ): وَكَذَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفَاسِيرِهِمْ، كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّاوِي، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيٍّ، وَكَانَ مُقْتَضَى دَأْبِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: رَوَى الْأَحَادِيثَ الْخَمْسَةَ أَحْمَدُ.
١٢٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ») . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
ــ
١٢٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إِنَّ الْعَبْدَ): الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ (إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ): شَرْطٌ وَ» أَتَاهُ «جَوَابُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ إِنَّ (وَتَوَلَّى): أَيْ: أَدْبَرَ وَأَعْرَضَ (عَنْهُ أَصْحَابُهُ): أَيْ: عَنْ قَبْرِهِ، وَالْعِبْرَةُ بِالْأَكْثَرِ أَوْ عَنْ وَضْعِهِ، وَالْمَعْنَى دَفَنُوا وَالتَّعْبِيرُ عَنْهُمْ بِالْأَصْحَابِ نَظَرًا لِلْغَالِبِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ: يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ (إِنَّهُ): بِالْكَسْرِ وَهُوَ إِمَّا حَالٌ بِحَذْفِ الْوَاوِ كَمَا فِي أَحَدِ وَجْهَيْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] أَيْ: وَوُجُوهُهُمْ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَةَ بِمَعْنَى الْإِبْصَارِ وَهُوَ عَلَى حَدِّ كَلِمَتِهِ: فُوهُ إِلَى فِي، أَوْ يَكُونُ أَنَّهُ جَوَابُ الشَّرْطِ عَلَى حَذْفِ الْفَاءِ فَيَكُونُ» أَتَاهُ «حَالًا مِنْ فَاعِلِ يَسْمَعُ وَقَدْ مَقَدَّرَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِذَا ظَرْفًا مَحْضًا، وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: إِنَّ الْعَبْدَ (لَيَسْمَعُ): بِفَتْحِ اللَّامِ لِلتَّأْكِيدِ (قَرْعَ نِعَالِهِمْ): بِكَسْرِ النُّونِ جَمْعُ نَعْلٍ، قِيلَ أَيْ: يَسْمَعُ صَوْتَهَا لَوْ كَانَ حَيًّا فَإِنَّ جَسَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ الْمَلَكُ فَيُقْعِدَهُ مَيِّتٌ لَا يُحِسُّ بِشَيْءٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، إِذْ ثَبَتَ بِالْأَحَادِيثِ أَنَّ الْمَيِّتَ يَعْلَمُ مَنْ يُكَفِّنُهُ وَمَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ وَمَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يَدْفِنُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ صَوْتَ دَقِّهَا، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى حَيَاةِ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ لِأَنَّ الْإِحْسَاسَ بِدُونِ الْحَيَاةِ مُمْتَنِعٌ عَادَةً، وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَكُونُ بِإِعَادَةِ الرُّوحِ، وَتَوَقَّفَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ اهـ. وَلَعَلَّ تَوَقُّفَ الْإِمَامِ فِي أَنَّ الْإِعَادَةَ تَتَعَلَّقُ بِجُزْءِ الْبَدَنِ أَوْ كُلِّهِ. قَالَ فِي» شَرْحِ السُّنَّةِ ": يَجُوزُ الْمَشْيُ بِالنَّعْلِ فِي الْقُبُورِ (أَتَاهُ مَلَكَانِ): أَيْ: قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ زَمَانٌ طَوِيلٌ (فَيُقْعِدَانِهِ): مِنَ الْإِقْعَادِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: فَيُجْلِسَانِهِ مِنَ الْإِجْلَاسِ، وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّ الْقُعُودَ عِنْدَ الْفُصَحَاءِ فِي مُقَابَلَةِ الْقِيَامِ، وَالْجُلُوسَ فِي مُقَابَلَةِ الِاضْطِجَاعِ وَالِاسْتِلْقَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا حُكِيَ أَنَّ النَّضْرَ بْنَ شُمَيْلٍ مَثَلَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُونِ فَقَالَ: اجْلِسْ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَسْتُ مُضْطَجِعًا فَأَجْلِسَ، قَالَ: كَيْفَ أَقُولُ؟ قَالَ: قُلِ اقْعُدْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْإِقْعَادِ الْإِيقَاظُ وَالتَّنْبِيهُ، وَإِنَّمَا يُسْأَلَانِ عَنْهُ بِإِعَادَةِ الرُّوحِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَقُومَ مِنَ الْفَزَعِ وَالْخَوْفِ وَالْهَيْبَةِ وَالدَّهْشَةِ وَالْحَيْرَةِ فَيُقْعِدَانِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ مَنْ رَوَى فَيُقْعِدَانِهِ ظَنَّ أَنَّ اللَّفْظَيْنِ يُنَزَّلَانِ فِي الْمَعْنَى مَنْزِلَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ فَاتَهُ دِقَّةُ الْمَعْنَى، وَلِهَذَا نَهَى كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ عَنْ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْقُعُودُ وَالْجُلُوسُ مُتَرَادِفَانِ، وَاسْتِعْمَالُ الْقُعُودِ مَعَ الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ مَعَ الِاضْطِجَاعِ مُنَاسَبَةٌ لَفْظِيَّةٌ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِهِ إِذَا كَانَا مَذْكُورَيْنِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُذْكَرْ إِلَّا أَحَدُهُمَا فَلَمْ نَقُلْ أَنَّهُ كَذَلِكَ، أَلَا تَرَى إِلَى حَدِيثِ جِبْرِيلَ ﵇ (حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ) أَقُولُ: صُرِّحَ فِي الْقَامُوسِ بِأَنَّهُمَا لُغَتَانِ حَيْثُ قَالَ: الْقُعُودُ الْجُلُوسُ أَوْ هُوَ مِنَ الْقِيَامِ، وَالْجُلُوسُ مِنَ الضَّجْعَةِ، وَمِنَ السُّجُودِ اهـ. وَيُؤَيِّدُ اللُّغَةَ الثَّانِيَةَ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ الْقَعْدَةَ الْأُولَى وَالْقَعْدَةَ الْأُخْرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (فَيَقُولَانِ): أَيْ لَهُ (مَا كُنْتَ تَقُولُ): أَيْ: أَيَّ شَيْءٍ كُنْتَ تَقُولُهُ، أَيْ: تَعْتَقِدُ فِي هَذَا الرَّجُلِ)، أَيْ: فِي شَأْنِهِ، وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَفِي الْإِشَارَةِ إِيمَاءٌ إِلَى تَنْزِيلِ الْحَاضِرِ الْمَعْنَوِيِّ مَنْزِلَةَ الصُّورِيِّ مُبَالَغَةً (لِمُحَمَّدٍ): بَيَانٌ مِنَ الرَّاوِي لِلرَّجُلِ، أَيْ: لِأَجْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ: كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَشُرَّاحُ الْمَصَابِيحِ، وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: لِمُحَمَّدٍ مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِ الرَّسُولِ، وَالتَّعْبِيرُ بِمُحَمَّدٍ دُونَ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ يُؤْذِنُ بِذَلِكَ اهـ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَدُعَاؤُهُ بِالرَّجُلِ مِنْ كَلَامِ الْمَلَكِ، فَعَبَّرَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا تَعْظِيمٌ امْتِحَانًا لِلْمَسْئُولِ لِئَلَّا يَتَلَقَّنَ تَعْظِيمَهُ عَنْ عِبَارَةِ الْقَائِلِ: ثُمَّ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ: «مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَنْ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ»، فَيَقُولُ إِلَخْ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْإِشَارَةِ مَا قِيلَ مِنْ رَفْعِ الْحُجُبِ بَيْنَ الْمَيِّتِ وَبَيْنَهُ ﷺ حَتَّى يَرَاهُ وَيَسْأَلَ عَنْهُ، لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ عَلَى أَنَّهُ مَقَامُ امْتِحَانٍ، وَعَدَمُ رُؤْيَةِ شَخْصِهِ الْكَرِيمِ أَقْوَى فِي الِامْتِحَانِ. قُلْتُ: وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِمَنْ أَدْرَكَهُ فِي حَيَاتِهِ ﵊ وَتَشَرَّفَ بِرُؤْيَةِ طَلْعَتِهِ الشَّرِيفَةِ. (فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ): أَيْ فِي جَوَابِهِ لَهُمَا مَعَ اعْتِرَافِهِ بِالتَّوْحِيدِ كَمَا مَرَّ (أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ): لَا كَمَا زَعَمَتِ النَّصَارَى مِنْ أُلُوهِيَّةِ نَبِيِّهِمْ، وَلَا كَمَا زَعَمَتِ الْفِرَقُ الضَّالَّةُ أَنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولِهِ (فَيُقَالُ لَهُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى لِسَانِهِمَا تَعْجِيلًا لِمَسَرَّتِهِ وَتَبْشِيرًا لِعَظِيمِ نِعْمَتِهِ (انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ): أَيْ: لَوْ لَمْ تَكُنْ مُؤْمِنًا وَلَمْ تُجِبِ الْمَلَكَيْنِ (قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ): أَيْ: بِمَقْعَدِكَ هَذَا (مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ)، أَيْ: بِإِيمَانِكَ، وَالْقُعُودُ هُنَا أَيْضًا مُسْتَعْمَلٌ فِي الْمَعْنَى الْأَعَمِّ (فَيَرَاهُمَا)، أَيِ: الْمَقْعَدَيْنِ (جَمِيعًا): لِيَزْدَادَ فَرَحُهُ (وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ): تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ (فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي) أَيْ: حَقِيقَةَ أَنَّهُ نَبِيٌّ أَمْ لَا (كُنْتُ أَقُولُ)، أَيْ: فِي الدُّنْيَا (مَا يَقُولُ النَّاسُ)، أَيِ: الْمُؤْمِنُونَ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُنَافِقِ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الدُّنْيَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ تَقِيَّةً لَا اعْتِقَادًا، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَا يَقُولُ فِي الْقَبْرِ شَيْئًا أَوْ يَقُولُ: لَا أَدْرِي فَقَطْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي الدُّنْيَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ الْكَافِرُ أَيْضًا دَفْعًا لِعَذَابِ الْقَبْرِ عَنْ نَفْسِهِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِنْ أَرَادَ بِالنَّاسِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ كَذِبٌ مِنْهُ حَتَّى فِي الْمُنَافِقِ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مُجَرَّدَ قَوْلِ اللِّسَانِ، بَلِ اعْتِقَادُ الْقَلْبِ وَإِنْ أَرَادَ مَنْ هُوَ لِصِفَتِهِ فَهُوَ جَوَابٌ غَيْرُ نَافِعٍ لَهُ اهـ.
وَالثَّانِي أَظْهَرُ، وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِالنَّاسِ الْكُفَّارُ وَمُرَادُهُ بَيَانُ الْوَاقِعِ لَا الْجَوَابُ النَّافِعُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُرَادَ بِالنَّاسِ الْمُسْلِمُونَ لَا مَحْذُورَ أَيْضًا فِي كَذِبِهِمْ، إِذْ هَذَا دَأْبُهُمْ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] أَيْ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] (فَيُقَالُ)، أَيْ: لَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (لَا دَرَيْتَ)، أَيْ: لَا عَلِمْتَ مَا هُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ (وَلَا تَلَيْتَ) أَيْ: لَا تَبِعْتَ النَّاجِينَ يَعْنِي مَا وَقَعَ مِنْكَ التَّحْقِيقُ وَالتَّسْدِيدُ وَلَا صَدَرَ مِنْكَ الْمُتَابَعَةُ وَالتَّقْلِيدُ، وَقِيلَ: دُعَاءٌ عَلَيْهِ وَهُوَ بَعِيدٌ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، أَيْ: لَا قَرَأْتَ، فَأَصْلُهُ تَلَوْتَ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِازْدِوَاجِ دَرَيْتَ أَيْ: مَا عَلِمْتَ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، أَيِ: الْعَقْلِيِّ أَنَّهُ رَسُولٌ، وَمَا قَرَأْتَ كِتَابَ اللَّهِ لِتَعْلَمَهُ مِنْهُ، أَيْ: بِالدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ، وَيُنْبِئُهُ قَوْلُهُ ﵊ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ: («إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ فَيَقُولَانِ: مَا يُدْرِيكَ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ») . كَذَا فِي «الْأَزْهَارِ»، وَقِيلَ: لَا تَلَيْتَ لَا اتَّبَعْتَ الْعُلَمَاءَ بِالتَّقْلِيدِ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ قَوْلُهُ: وَلَا تَلَيْتَ مِنْ تَلَا يَتْلُو إِذَا قَرَأَ، أَيْ: وَلَا قَرَأْتَ الْكِتَابَ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، أَيْ: بِدَوَامِ الْجَهْلِ أَوْ إِخْبَارٌ. وَقِيلَ: رِوَايَةٌ وَلَا تَلَيْتَ خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ: وَلَا أَتْلَيْتَ مِنْ أَتْلَاهُ إِذَا اتَّبَعَهُ، فَالْمَعْنَى مَا عَلِمْتَ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ حَقِيقَةَ نُبُوَّتِهِ، وَلَا اتَّبَعْتَ الْعُلَمَاءَ بِالتَّقْلِيدِ فَيَكُونُ إِخْبَارًا. اهـ.
هَذَا وَفِي «الْقَامُوسِ» تَلَوْتُهُ كَدَعَوْتُهُ وَرَمْيَتُهُ تَبِعْتُهُ وَالْقُرْآنَ أَوْ كُلَّ كَلَامٍ قَرَأْتُهُ وَأَتْلَيْتُهُ إِيَّاهُ اتَّبَعْتُهُ، فَبِهَذَا يَظْهَرُ تَكَلُّفُ بَعْضٍ وَخَطَأُ بَعْضٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي «الْأَزْهَارِ» فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُكَلِّمُ الْمَلَكَانِ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ، وَكَيْفَ يَسْأَلَانِهِمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مَعَ كَثْرَتِهِمْ فِي الْآفَاقِ وَالْأَطْرَافِ وَبُعْدِ الْمَسَافَةِ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَأَيُّ فَائِدَةٍ مِنْ سُؤَالِ اثْنَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ؟ قِيلَ: يَكُونُ لَهُمَا أَعْوَانٌ كَمَا لِمَلَكِ الْمَوْتِ، وَقِيلَ: جَمِيعُ الْأَرْضِ مَكْشُوفٌ لَهُمَا وَفِي نَظَرِهِمَا كَمَا لِمَلَكِ الْمَوْتِ، وَإِنَّ أَحَدَهُمَا يَسْأَلُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْآخَرَ الْكَافِرِينَ اهـ.
وَفِي قَوْلِ الْأَخِيرِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: حِكْمَةُ الِاثْنَيْنِ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ عِوَضَ الْمَلَكَيْنِ الْكَاتِبَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَيُضْرَبُ): أَيِ الْكَافِرُ (بِمَطَارِقَ): وَفِي «الْمَصَابِيحِ: بِمِطْرَقَةٍ وَهِيَ آلَةُ الضَّرْبِ (مِنْ حَدِيدٍ): لِأَنَّهُ مِنْ بَيْنِ الْفِلِزَّاتِ أَشَدُّ شَدِيدٍ (ضَرْبَةً)، أَيْ: بَيْنَ أُذُنَيْهِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَفْرَدَ الضَّرْبَةَ وَجَمَعَ الْمَطَارِقَ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ:
مَعِي جِيَاعًا لِيُؤْذِنَ بِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمِطْرَقَةِ مِطْرَقَةٌ بِرَأْسِهَا مُبَالَغَةً اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمَطَارِقَ عَلَى حَقِيقَتِهِ مِنْ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ سَوَاءٌ يَكُونُ أَقَلَّهُ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، وَالْمُرَادُ مِنْ» ضَرْبَةً «دُفْعَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ الضَّرْبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: كَانَ وَجْهُ إِفْرَادِهَا مَعَ جَمْعِ الْمَطَارِقِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهَا تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَصَارَتْ كَالضَّرْبَةِ الْوَاحِدَةِ صُورَةً. ثُمَّ قَالَ: وَفِي كَلَامِ الطِّيبِيِّ نَظَرٌ لِأَنَّ فِيهِ إِخْرَاجَ الْمَطَارِقِ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَهِيَ الدَّلَالَةُ عَلَى الْجَمْعِ الَّذِي هُوَ أَبْلَغُ فِي النَّكَالِ وَالْعَذَابِ مِنْ غَيْرِ دَاعٍ لِذَلِكَ (فَيَصِيحُ)، أَيْ: يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْبُكَاءِ مِنْ تِلْكَ الضَّرْبَةِ (صَيْحَةً يَسْمَعُهَا)، أَيْ: تِلْكَ الصَّيْحَةَ (مَنْ يَلِيهِ)، أَيْ: يَقْرُبُ مِنْهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْمَلَائِكَةِ، وَعَبَّرَ بِمَنْ تَغْلِيبًا لِلْمَلَائِكَةِ لِشَرَفِهِمْ، وَلَا يُذْهَبُ فِيهِ إِلَى الْمَفْهُومِ مِنْ أَنَّ مَنْ بَعُدَ لَا يَسْمَعُ لِمَا وَرَدَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ مِنْ أَنَّهُ يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَالْمَفْهُومُ لَا يُعَارِضُ الْمَنْطُوقَ (غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ)، أَيِ: الْإِنْسُ وَالْجِنُّ سُمِّيَ بِهِمَا لِأَنَّهُمَا ثَقُلَا عَلَى الْأَرْضِ وَنَصَبَ غَيْرَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ وَاسْتُثْنِيَا لِأَنَّهُمَا بِمَعْزِلٍ عَنْ سَمَاعِ ذَلِكَ لِئَلَّا يَفُوتَ الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْإِيمَانُ بِهِ لَوْ سَمِعُوهُ ضَرُورِيًّا، وَالْإِيمَانُ الضَّرُورِيُّ لَا يُفِيدُ ثَوَابًا فَيَرْتَفِعَ الِابْتِلَاءُ وَالِامْتِحَانُ، وَقِيلَ: لَوْ سَمِعُوهُ لَأَعْرَضُوا عَنِ التَّدَابِيرِ وَالصَّنَائِعِ وَنَحْوِهِمَا، فَيَنْقَطِعَ الْمَعَاشُ وَيَخْتَلُّ نِظَامُ الْعَالَمِ، وَلِذَا قِيلَ: لَوْلَا الْحَمْقَى لَخَرِبَتِ الدُّنْيَا، وَقِيلَ: الْغَفْلَةُ رَحْمَةٌ، وَقِيلَ: لَوْلَا الْأَمَلُ لَاخْتَلَّ الْعَمَلُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، أَيْ: بِحَسَبِ الْمَعْنَى (وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ): قَالَ مِيرَكُ شَاهْ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ انْتَهَتْ إِلَى قَوْلِهِ:»فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا " فَيُحْمَلُ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْأَكْثَرِ فَتَدَبَّرْ.
وَأَقُولُ: قَوْلُهُ (نَمْ): مُتَضَمِّنٌ لِلْجَوَابِ وَمُغْنٍ عَنِ الْإِطْنَابِ (كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ): هُوَ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي أَوَّلِ اجْتِمَاعِهِمَا، وَقَدْ يُقَالُ لِلذَّكَرِ الْعَرِيسُ (الَّذِي لَا يُوقِظُهُ): الْجُمْلَةُ صِفَةُ الْعَرُوسِ، وَإِنَّمَا شُبِّهَ نَوْمُهُ بِنَوْمَةِ الْعَرُوسِ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي طَيِّبِ الْعَيْشِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ فِي تَمَامِ طَيِّبِ الْعَيْشِ (إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ) . قَالَ الْمُظْهِرُ: عِبَارَةٌ عَنْ عِزَّتِهِ وَتَعْظِيمِهِ عِنْدَ أَهْلِهِ يَأْتِيهِ غَدَاةَ لَيْلَةِ زِفَافِهِ مَنْ هُوَ أَحَبُّ وَأَعْطَفُ فَيُوقِظُهُ عَلَى الرِّفْقِ وَاللُّطْفِ (حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ): هَذَا لَيْسَ مِنْ مَقُولِ الْمَلَكَيْنِ، بَلْ مِنْ كَلَامِهِ ﵊ إِعْلَامًا لِأُمَّتِهِ بِأَنَّ هَذَا النَّعِيمَ يَدُومُ لَهُ مَا دَامَ فِي قَبْرِهِ، وَحَتَّى مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ يَنَامُ طَيِّبَ الْعَيْشِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ (مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ): بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْجِيمِ مَوْضِعُ الضَّجْعِ وَهُوَ النَّوْمُ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ حَتَّى بِنَمْ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِفَاتِ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ إِشَارَةٌ إِلَى غَيْبَتِهِ عَنْهُمَا بِانْصِرَافِهِ عَنْهُمَا (وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ) وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالَ (سَمِعْتُ النَّاسَ)، أَيِ: الْمُسْلِمِينَ أَوِ الْكُفَّارَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ (يَقُولُونَ قَوْلًا): هُوَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ (فَقُلْتُ مِثْلَهُ) أَيْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ (وَلَا أَدْرِي)، أَيْ: أَنَّهُ نَبِيٌّ فِي الْحَقِيقَةِ أَمْ لَا، وَهُوَ اسْتِئْنَافٌ أَيْ مَا شَعَرْتُ غَيْرَ ذَلِكَ الْقَوْلِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ أَوْ صِفَةٌ لِمِثْلِهِ، وَفِي الثَّانِي نَظَرٌ (فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ)، أَيْ: بِالْوَحْيِ أَوْ بِرُؤْيَتِنَا فِي وَجْهِكَ أَثَرَ الشَّقَاوَةِ وَظُلْمَةَ الْكُفْرِ (أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ)، أَيِ: الْقَوْلَ (فَيُقَالُ لِلْأَرْضِ)، أَيْ: لِلْقَبْرِ مِنْ قِبَلِهِمَا أَوْ مِنْ قِبَلِ مَلَكٍ آخَرَ (الْتَئِمِي): أَيِ انْضَمِّي وَاجْتَمِعِي (عَلَيْهِ) ضَاغِطَةً لَهُ يَعْنِي ضَيِّقِي عَلَيْهِ، وَهُوَ عَلَى حَقِيقَةِ الْخِطَابِ لَا أَنَّهُ تَخْيِيلٌ لِتَعْذِيبِهِ وَعَصْرِهِ (فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ)، أَيْ: يَجْتَمِعُ أَجْزَاؤُهَا عَلَيْهِ بِأَنْ يُقَرَّبَ كُلُّ جَانِبٍ مِنْ قَبْرِهِ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَضُمُّهُ وَيَعْصِرُهُ (فَتَخْتَلِفُ أَضْلَاعُهُ): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ ضِلَعٍ وَهُوَ عَظْمُ الْجَنْبِ، أَيْ: تَزُولُ عَنِ الْهَيْئَةِ الْمُسْتَوِيَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا مِنْ شِدَّةِ الْتِئَامِهَا عَلَيْهِ وَشِدَّةِ الضَّغْطَةِ وَانْعِصَارِ أَعْضَائِهِ وَتَجَاوُزِ جَنْبَيْهِ مِنْ كُلِّ جَنْبٍ إِلَى جَنْبٍ آخَرَ (فَلَا يَزَالُ فِيهَا)، أَيْ: فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَوْ فِي تُرْبَتِهِ («مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ») . وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ لِانْقِطَاعِ الْحِكَايَةِ مِنَ الْمَلَكَيْنِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
١٣١ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: («يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ: لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا يُدْرِيكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهٌ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] الْآيَةَ. قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، فَيُفْتَحُ. قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِيهَا مَدَّ بَصَرِهِ. وَأَمَّا الْكَافِرُ فَذَكَرَ مَوْتَهُ، قَالَ: وَيُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي! فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي! فَيَقُولَانِ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي! فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنَّ كَذَبَ فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ.
قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا. قَالَ: وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، ثُمَّ يُقَيَّدُ لَهُ أَعْمَى أَصَمُّ، مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ، لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ، فَيَصِيرُ تُرَابًا، ثُمَّ يُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٣١ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ): بِالتَّخْفِيفِ وَالْمَدِّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ بِالْقَصْرِ نَقَلَهُ الْكِرْمَانِيُّ (بْنِ عَازِبٍ): ﵄ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يَأْتِيهِ مَلَكَانِ): قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْبَرَاءُ كَمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَّا أَنَّ أَلْفَاظَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ. قَالَ فِي رِوَايَةِ الْبَرَاءِ: يَأْتِيهِ، أَيِ: الْمُؤْمِنُ مَلَكَانِ (فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ): بِفَتْحِ الْيَاءِ وَتُسَكَّنُ، وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ أَعْجَمِيًّا صَارَ عَرَبِيًّا (فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ)، أَيِ: الَّذِي اخْتَرْتَهُ مِنْ بَيْنِ الْأَدْيَانِ (فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ. فَيَقُولَانِ)، أَيْ: لَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟)، أَيْ: مَا وَصْفُهُ لِأَنَّ (مَا) يُسْأَلُ بِهِ عَنِ الْوَصْفِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ، أَيْ: مَا وَصْفُهُ أَرَسُولٌ هُوَ، أَوْ مَا اعْتِقَادُكَ فِيهِ؟ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ (مَا): بِمَعْنَى (مَنْ) لِيُوَافِقَ بَقِيَّةَ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ: مَنْ نَبِيُّكَ (فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ) . وَفِي نُسْخَةٍ ﷺ (فَيَقُولَانِ لَهُ)، أَيْ: لِلْمَيِّتِ (وَمَا يُدْرِيكَ؟)، أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَعْلَمَكَ وَأَخْبَرَكَ بِمَا تَقُولُ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَالرِّسَالَةِ؟ وَقِيلَ: إِنَّمَا وَصَلَ بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ هُنَا لِاتِّصَالِهِ بِمَا قَبْلَهُ بِخِلَافِ مَا دِينُكَ وَمَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُسْتَقِلٌّ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ (فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ)، أَيِ: الْقُرْآنَ (فَآمَنْتُ بِهِ)، أَيْ: بِالْقُرْآنِ فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ آمَنْتُ بِالنَّبِيِّ أَنَّهُ حَقٌّ (وَصَدَّقْتُ)، أَيْ: صَدَّقْتُهُ بِمَا قَالَ، أَوْ صَدَّقْتُ بِمَا فِي الْقُرْآنِ فَوَجَدْتُ فِيهِ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] وَ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر: ٦٢] وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ رَبِّي وَرَبَّ الْمَخْلُوقَاتِ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِيهِ أَيْضًا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ - وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ١٩ - ٨٥] فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَا دِينَ مَرْضِيًّا عِنْدَهُ غَيْرُ الْإِسْلَامِ، وَفِيهِ أَيْضًا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] وَ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وَغَيْرُ ذَلِكَ. كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ وَرَأَيْتُ فِيهِ الْفَصَاحَةَ وَالْبَلَاغَةَ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ مُعْجِزٌ فَآمَنْتُ بِهِ أَوْ تَفَكَّرْتُ فِيمَا فِيهِ مِنَ الْبَعْثِ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَفَوَاضِلِ الْأَعْمَالِ، وَمِنْ ذِكْرِ الْغُيُوبِ وَأَخْبَارِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْمَعَ مِنْ أَحَدٍ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ (فَذَلِكَ)، أَيْ: وَصَدَاقُ هَذَا قَوْلُهُ، أَيْ: جَرَيَانُ لِسَانِهِ بِالْجَوَابِ الْمَذْكُورِ هُوَ التَّثْبِيتُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] الْآيَةَ قَالَ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (فَيُنَادِي مُنَادٍ)، أَيْ: لِلْمَلَكَيْنِ (مِنَ السَّمَاءِ)، أَيْ: مِنْ جِهَتِهَا (أَنْ صَدَقَ عَبْدِي): أَنْ مُفَسِّرَةٌ لِلنِّدَاءِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقَوْلِ، وَجُوِّزَ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مَجْرُورًا بِتَقْدِيرِ اللَّامِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ مَعْنًى إِلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ (فَأَفْرِشُوهُ): وَالْمَعْنَى صَدَقَ عَبْدِي فِيمَا يَقُولُ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي الدُّنْيَا عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْإِكْرَامِ، وَلِذَا سَمَّاهُ عَبْدًا وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا فَأَفْرِشُوهُ بِهَمْزَةِ الْقَطْعِ (مِنَ الْجَنَّةِ): وَالْفَاءُ فِيهِ جَوَابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: إِذَا صَدَقَ عَبْدِي فَاجْعَلُوا لَهُ فَرْشًا مِنْ فَرْشِ الْجَنَّةِ، فَيَكُونُ أَفْرَشَ بِمَعْنَى فَرَشَ كَذَا قِيلَ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَيْسَ فِي الْمَصَادِرِ الْإِفْرَاشُ بِهَذَا الْمَعْنَى إِنَّمَا هُوَ أَفْرَشَ أَيْ أَقْلَعَ عَنْهُ، فَهَذَا اللَّفْظُ بِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ بِإِلْحَاقِ الْأَلِفِ فِي الثُّلَاثِيِّ، فَلَوْ كَانَ مِنَ الثُّلَاثِيِّ لَكَانَ حَقُّهُ الْوَصْلَ وَلَمْ نَجِدِ الرِّوَايَةَ إِلَّا بِالْقَطْعِ اهـ.
لَكِنْ قَالَ فِي «الْقَامُوسِ»: أَفْرَشَ عَنْهُ أَقْلَعَهُ وَأَفْرَشَهُ أَعْطَاهُ فَرْشًا مِنَ الْإِبِلِ أَيْ صِغَارًا وَأَفْرَشَ فُلَانًا بِسَاطًا بَسَطَهُ لَهُ كَفَرَشَهُ فَرْشًا وَفَرَشَهُ تَفْرِيشًا. وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: أَصْلُهُ أَفْرِشُوا لَهُ فَحَذَفَ لَامَ الْجَرِّ وَوَصَلَ الضَّمِيرَ بِالْفِعْلِ اتِّسَاعًا، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَعْطُوهُ فِرَاشًا مِنْهَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اجْعَلُوهُ ذَا فَرْشٍ مِنَ الْجَنَّةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَعْنِي عَنْ سَمَاعِهِ صِحَّةَ الرِّوَايَةِ اهـ. وَكُلُّهُ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا ذُكِرَ فِي الْقَامُوسِ. (وَأَلْبِسُوهُ): بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ أَيِ اكْسُوهُ أَوْ أَعْطُوهُ لِبَاسًا (مِنَ الْجَنَّةِ): أَيْ مِنْ حُلَلِهَا (وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ)، أَيْ: حَقِيقَةً أَوْ مُكَاشَفَةً كَذَا فِي «الْأَزْهَارِ»، وَالْأَظْهَرُ هُوَ الْأَوَّلُ لِمَا يَأْتِي (فَيُفْتَحُ): وَفِي نُسْخَةٍ: وَيُفْسَحُ أَيْ لَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (قَالَ): ﷺ: (فَيَأْتِيهِ)، أَيِ: الْمُؤْمِنَ (مِنْ رَوْحِهَا)، أَيْ: بَعْضُ رَوْحِهَا، وَالرَّوْحُ: بِالْفَتْحِ الرَّاحَةُ وَنَسِيمُ الرِّيحِ (وَطِيبِهَا)، أَيْ: بَعْضُ تِلْكَ الرَّائِحَةِ وَالطِّيبِ: أَيْ شَيْءٌ مِنْهَا، وَلَمْ يُؤْتَ بِهَذَا التَّعْبِيرُ إِلَّا لِيُفِيدَ أَنَّهُ مِمَّا لَا يُقَادَرُ قَدْرُهُ، وَلَا يُوصَفُ كُنْهُهُ، وَكُلُّ طِيبٍ رَوْحٌ وَلَا عَكْسَ، وَقِيلَ: (مِنْ) زَائِدَةٌ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ (وَيُفْسَحُ)، وَفِي نُسْخَةٍ: تُفْتَحُ وَهُوَ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِمَدِّ الْبَصَرِ (لَهُ فِيهَا)، أَيْ: فِي تُرْبَتِهِ وَهِيَ قَبْرُهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مُقَابِلُهُ الْآتِي وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ: فِي الْجَنَّةِ وَهُوَ بَعِيدٌ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: فِي رُؤْيَتِهِ وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ (مَدَّ بَصَرِهِ): الْمَعْنَى أَنَّهُ يُرْفَعُ عَنْهُ الْحِجَابُ فَيَرَى مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَرَاهُ. قِيلَ: نُصِبَ (مَدَّ) عَلَى الظَّرْفِ أَيْ مَدَاهُ وَهِيَ الْغَايَةُ الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا الْبَصَرُ وَالْأَصْوَبُ أَنَّ نَصْبَهُ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ فَسْحًا قُدِّرَ مَدَّ بَصَرِهِ، وَقِيلَ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ: سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ أَنَّ هَذِهِ الْفُسْحَةَ عِبَارَةٌ عَمَّا يُعْرَضُ عَلَيْهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَتِلْكَ عَنْ تَوْسِيعِ مَرْقَدِهِ عَلَيْهِ أَوْ كِلَاهُمَا كِنَايَةٌ عَنِ التَّوْسِعَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْأَشْخَاصِ فِي الْأَعْمَالِ وَالدَّرَجَاتِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَدَّ بَصَرِهِ بِالْفَتْحِ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ فَلَهُ نَائِبُ الْفَاعِلِ وَبِرَفْعِهِ فِي نُسَخٍ، وَيُؤَيِّدُهُ سَبْعُونَ ذِرَاعًا السَّابِقُ (وَأَمَّا الْكَافِرُ فَذَكَرَ)، أَيْ ﷺ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (مَوْتَهُ)، أَيْ: حَالَ مَوْتِ الْكَافِرِ وَشِدَّتِهِ (قَالَ)، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ. (وَيُعَادُ): بِالتَّذْكِيرِ وَقِيلَ بِالتَّأْنِيثِ (رُوحُهُ): أَيْ بَعْدَ الدَّفْنِ (فِي جَسَدِهِ)، أَيْ: بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ (وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ): أَيْ لَهُ مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ): بِسُكُونِ الْهَاءِ فِيهِمَا بَعْدَ الْأَلِفِ كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْمُتَحَيِّرُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ مِنْ حَيْرَتِهِ لِلْخَوْفِ، أَوْ لِعَدَمِ الْفَصَاحَةِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ لِسَانَهُ فِي فِيهِ (لَا أَدْرِي): هَذَا كَأَنَّهُ بَيَانٌ وَتَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: هَاهْ هَاهْ فَالْمَعْنَى لَا أَدْرِي شَيْئًا مَا أَوْ لَا أَدْرِي مَا أُجِيبُ بِهِ (فَيَقُولَانِ لَهُ)، أَيْ: لِلْكَافِرِ (مَا دِينُكَ): مِنَ الْأَدْيَانِ (فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي: فَيَقُولَانِ): أَيْ لَهُ: (مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟) يَعْنِي مَا تَقُولُ فِي حَقِّهِ أَنَبِيٌّ أَمْ لَا (فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي): قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢] فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ كَذَبَ): أَنْ مُفَسِّرَةٌ لِلنِّدَاءِ أَيْضًا، أَيْ: كَذَبَ هَذَا الْكَافِرُ فِي قَوْلِهِ: لَا أَدْرِي لِأَنَّ دِينَ اللَّهِ تَعَالَى وَنُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانَ ظَاهِرًا فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، بَلْ جَحَدَ نُبُوَّتَهُ بِالْقَوْلِ أَوْ بِالِاعْتِقَادِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كُفْرَهُ جَهْلٌ أَوْ عِنَادٌ (فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ) . قَالَ تَعَالَى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ.
وَقَالَ: ﷺ: (فَيَأْتِيهِ)، أَيِ: الْكَافِرَ (مِنْ حَرِّهَا)، أَيْ: حَرِّ النَّارِ وَهُوَ تَأْثِيرُهَا (وَسَمُومِهَا): وَهِيَ الرِّيحُ الْحَارَّةُ (قَالَ: وَيُضَيَّقُ): بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَفْتُوحَةِ (عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، ثُمَّ يُقَيَّضُ)، أَيْ: يُسَلَّطُ وَيُوَكَّلُ وَيُقَدَّرُ (لَهُ): فَيَسْتَوْلِي عَلَيْهِ اسْتِيلَاءَ الْقَيْضِ عَلَى الْبَيْضِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْقَيْضِ وَهُوَ الْقِشْرَةُ الْأَعْلَى مِنَ الْبَيْضِ (أَعْمَى)، أَيْ: زَبَانِيَةٌ لَا عَيْنَ لَهُ " كَيْلَا يَرْحَمَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ عَيْنٌ لِأَجْلِهِ أَوْ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ نَظَرِهِ إِلَيْهِ (أَصَمُّ)، أَيْ: لَا يَسْمَعُ صَوْتَ بُكَائِهِ وَاسْتِغَاثَتِهِ فَيَرِقُّ لَهُ (مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ): الْمَسْمُوعُ فِي الْحَدِيثِ تَشْدِيدُ الْبَاءِ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ يُخَفِّفُونَهَا وَهِيَ الَّتِي يُدَقُّ بِهَا الْمَدَرُ وَيُكَسَّرُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْمِرْزَبَةُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَاعْتَرَضُوا بِأَنَّ الصَّوَابَ تَخْفِيفُهَا اهـ. وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ مِفْعَلَّةَ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ لَا يُعْرَفُ فِي أَنْوَاعِ الْمِيزَانِ الصَّرْفِيِّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَمَّا الْمِرْزَبَّةُ فَالْمُحَدِّثُونَ يُشَدِّدُونَ الْبَاءَ، وَالصَّوَابُ تَخْفِيفُهُ وَإِنَّمَا تُشَدَّدُ الْبَاءُ إِذَا أُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ مِنَ الْمِيمِ وَهِيَ وَالْأَرْزَبَّةُ:، وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:
ضَرْبَكَ بالْمِرْزَبَةِ العُودَ النَخِرْ
اهـ.
أَقُولُ: أَخَطَأَ الطِّيبِيُّ ﵀ فِي تَخْطِئَةِ الْمُحَدِّثِينَ وَتَصْوِيبِ اللُّغَوِيِّينَ، إِذْ نَقْلُ الْأَوَّلِينَ مِنْ طُرُقِ الْعُدُولِ عَلَى وَجْهِ الرِّوَايَةِ، وَنَقْلُ الْآخِرِينَ مِنْ سَبِيلِ الْفُضُولِ عَلَى جِهَةِ الْحِكَايَةِ، وَأَمَّا اسْتِشْهَادُهُ بِإِنْشَادِ الْفَرَّاءِ فَضَعِيفٌ إِذْ يُحْتَمَلُ تَخْفِيفُهُ ضَرُورَةً أَوْ لُغَةً أُخْرَى، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ الْقَامُوسِ رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ أَبَدًا فَقَالَ: الْأَرْزَبَّةُ وَالْمِرْزَبَّةُ مُشَدَّدَتَانِ أَوِ الْأُولَى فَقَطْ: عُصَيَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ اهـ. فَظَهَرَ أَنَّ التَّشْدِيدَ فِيهِمَا لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ، فَلَوْ وَافَقَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ جَمِيعَ الْمُحَدِّثِينَ لَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ هُوَ الصَّوَابُ، فَكَيْفَ بِالتَّكْثِيرِ مَعَ أَنَّهُ عِنْدَ التَّعَارُضِ أَيْضًا يُرَجَّحُ جَانِبُ الْمُحَدِّثِينَ لِمَا تَقَدَّمَ. وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا طَعْنُ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ عَلَى وَفْقِ مَسْمُوعِهِمْ وَهُوَ كُفْرٌ ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ وَلِيُّ دِينِهِ وَحَافِظُ كِتَابِهِ وَقَادِرٌ عَلَى ثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ. (لَوْ ضُرِبَ بِهَا)، أَيِ: الْمِرْزَبَّةُ (جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا)، أَيِ: انْدَقَّ أَجْزَاؤُهُ كَالتُّرَابِ (فَيَضْرِبُهُ بِهَا): وَفِي نُسْخَةٍ بِهَا سَاقِطٌ (ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا)، أَيْ: صَوْتَهَا وَحِسَّهَا (مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ): الظَّاهِرُ أَنَّ (مَا) بِمَعْنَى (مَنْ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ)، أَيِ: الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَهَلِ الْأَمْوَاتُ مِنْهُمَا مُسْتَثْنًى أَمِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِمَا؟ فَظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ، وَالْعِلَّةُ الَّتِي ذَكَرُوهَا يُؤَيِّدُ الثَّانِيَ. (فَيَصِيرُ تُرَابًا، ثُمَّ يُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ) كَرَّرَ إِعَادَةَ الرُّوحِ فِي الْكَافِرِ بَيَانًا لِشِدَّةِ الْعَذَابِ، وَلِأَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ الْإِعَادَةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ذُقْ هَذَا جَزَاءً بِمَا كُنْتَ تُنْكِرُهُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ فِي الْقَبْرِ إِمَاتَتَيْنِ وَإِحْيَاءَتَيْنِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْرِيرُ وَالتَّكْثِيرُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] وَقَوْلُهُمْ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حَقِيقَةُ التَّثْنِيَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ: وَمَعْلُومٌ اسْتِمْرَارُ الْعَذَابِ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا إِذَا أُعِيدَتْ تُضْرَبُ أُخْرَى فَيَصِيرُ تُرَابًا، ثُمَّ يُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ وَهَكَذَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ تِلْكَ الْإِعَادَةَ لَا تَتَكَرَّرُ وَأَنَّ عَذَابَهُ يَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ بِمَوْتِهِمْ بَلْ تُعَادُ فِيهِمُ الرُّوحُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لِيَزْدَادُوا عَذَابًا، وَيُمْكِنُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ تَكُونَ إِعَادَةُ الرُّوحِ كِنَايَةً عَنْ رُجُوعِهِمْ إِلَى حَالَتِهِمُ الْأُولَى، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صَيْرُورَتِهِمْ تُرَابًا خُرُوجُ الرُّوحِ مِنْهُمْ لِأَنَّ أُمُورَ الْآخِرَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى خَرْقِ الْعَادَةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الدِّينِ، عَصَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ عَثْرَةِ الْعَقْلِ وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ (تَنْهَسُهُ): بِالتَّأْنِيثِ وَقِيلَ بِالتَّذْكِيرِ وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَرُوِيَ بِالْمُعْجَمَةِ، فَفِي النِّهَايَةِ: النَّهْسُ: أَخْذُ اللَّحْمِ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَانِ، وَالنَّهْشُ الْأَخْذُ بِجَمِيعِهَا.
وَفِي الْقَامُوسِ نَهَسَ اللَّحْمُ كَمَنَعَ وَسَمِعَ، أَخَذَهُ بِمُقَدَّمِ أَسْنَانِهِ وَنَتَفَهُ، وَنَهَشَهُ كَمَنَعَهُ نَهَسَهُ وَلَسَعَهُ وَعَضَّهُ أَوْ أَخَذَهُ بِأَضْرَاسِهِ وَبِالسِّينِ أَخَذَهُ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَانِ (وَتَلْدَغُهُ): بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ. قِيلَ: نَهْسٌ وَلَدْغٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ جَمْعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدًا أَوْ لِبَيَانِ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ، وَقِيلَ: النَّهْسُ الْقَطْعُ بِالسِّنِّ مِنْ غَيْرِ إِرْسَالِ السُّمِّ فِيهِ، وَاللَّدْغُ ضَرْبُ السِّنِّ بِلَا قَطْعٍ لَكِنْ مَعَ إِرْسَالِ السُّمِّ فِيهِ كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ (حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، لَوْ أَنَّ تِنِّينًا مِنْهَا نَفَخَ): بِالْمُعْجَمَةِ، وَقِيلَ بِالْمُهْمَلَةِ (فِي الْأَرْضِ)، أَيْ: لَوْ وَصَلَ رِيحُ فَمِهِ وَحَرَارَتُهُ إِلَيْهَا (مَا أَنْبَتَتْ)، أَيِ: الْأَرْضُ (خَضِرًا): بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ أَيْ نَبَاتًا أَخْضَرَ، وَرُوِيَ بِسُكُونِ الضَّادِ مَمْدُودًا عَلَى فَعْلَاءَ كَحَمْرَاءَ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْأَخْضَرُ كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ، أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ حَبَّةً خَضْرَاءَ. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ)، أَيْ بِهَذَا اللَّفْظِ (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ)، أَيْ: بِالْمَعْنَى (وَقَالَ: سَبْعُونَ بَدَلَ): بِالنَّصْبِ ظَرْفٌ (تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ): بِالرَّفْعِ عَلَى الْحِكَايَةِ. قَالَ الْعَيْنِيُّ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْأَخِيرَةُ ضَعِيفَةٌ عَلَى مَا فِي الْأَزْهَارِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِتَقْدِيرِ وُرُودِهِمَا يُجْمَعُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ لِلْمَتْبُوعِينَ مِنَ الْكُفَّارِ، وَالثَّانِي لِلتَّابِعِينَ، أَوْ بِأَنَّ سَبْعِينَ يُعَبَّرُ بِهَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَنِ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ جِدًّا، فَحِينَئِذٍ هِيَ لَا تُنَافِي الْأُولَى لِأَنَّهَا مُجْمَلَةٌ وَتِلْكَ مُبَيِّنَةٌ لَهَا. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ فَإِنَّ الْإِمَامَ الْغَزَّالِيَّ ﵀ صَرَّحَ بِأَنَّ عَذَابَ الْكَافِرِ الْفَقِيرِ فِي النَّارِ أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْكَافِرِ الْغَنِيِّ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٣٥ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ حِينَ تُوُفِّيَ، فَلَمَّا صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَسُوِّيَ عَلَيْهِ، سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَبَّحْنَا طَوِيلًا، ثُمَّ كَبَّرَ، فَكَبَّرْنَا. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ سَبَّحَتْ ثُمَّ كَبَّرْتَ؟ قَالَ: «لَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ قَبْرُهُ حَتَّى فَرَّجَهُ اللَّهُ عَنْهُ»» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٣٥ - (عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ)، أَيْ: جِنَازَتِهِ، وَهُوَ سَيِّدُ الْأَوْسِ مِنَ الْأَنْصَارِ، أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ بَيْنَ الْعَقَبَةِ الْأَوْلَى وَالثَّانِيَةِ، وَأَسْلَمَ بِإِسْلَامِهِ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَدَارُهُمْ أَوَّلُ دَارٍ أَسْلَمَتْ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيِّدَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ مُقَدَّمًا مُطَاعًا شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ، مِنْ أَجِلَّةِ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرِهِمْ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا، وَثَبَتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وَرُمِيَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي أَكْحَلِهِ فَلَمْ يَرْقَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ بَعْدَ شَهْرٍ، وَذَلِكَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ الْحَرَامِ سَنَةَ خَمْسٍ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ (حِينَ تُوُفِّيَ): بِضَمَّتَيْنِ، وَحُكِيَ بِفَتْحِهِمَا وَهُوَ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ أَيْ مَاتَ (فَلَمَّا صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَسُوِّيَ عَلَيْهِ)، أَيِ: التُّرَابُ وَدُفِنَ وَالْفِعْلَانِ مَجْهُولَانِ (سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ): وَلَعَلَّ التَّسْبِيحَ كَانَ لِلتَّعَجُّبِ أَوْ لِلتَّنْزِيهِ لِإِرَادَةِ تَنْزِيهٍ لِإِرَادَةِ تَنْزِيهِهِ تَعَالَى أَنْ يَظْلِمَ أَحَدًا، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: وَمُنَاسَبَةُ تَسْبِيحِهِ لِمُشَاهَدَةِ التَّضْيِيقِ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ ظَاهِرَةٌ، إِذْ بِشُهُودِ ذَلِكَ يَسْتَحْضِرُ الْإِنْسَانُ مَقَامَ جَلَالِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ، وَأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ بِمَنْ يَشَاءُ، وَهَذَا الْمَقَامُ يُنَاسِبُهُ التَّنْزِيهُ لِأَنَّهُ مَقَامُ الْعِزَّةِ الْكُبْرَى الْمُقْتَضِيَةُ لِذَلِكَ التَّنَزُّهِ فَتَأَمَّلْ. (فَسَبَّحْنَا)، أَيْ: تَبَعًا لَهُ (طَوِيلًا): قَيْدٌ لِلْفِعْلَيْنِ أَيْ زَمَانًا طَوِيلًا) أَوْ تَسْبِيحًا طَوِيلًا يَعْنِي كَثِيرًا (ثُمَّ كَبَّرَ): وَلَعَلَّ التَّكْبِيرَ كَانَ بَعْدَ التَّفْرِيجِ (فَكَبَّرْنَا)، أَيْ: عَقِيبَ تَكْبِيرِهِ اقْتِدَاءً بِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَمْ يَقُلْ طَوِيلًا إِمَّا لِلِاكْتِفَاءِ بِذِكْرِهِ أَوَّلًا: أَوْ لِأَنَّهُ هُنَا لَمْ يُطِلْ لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَبَّرَ عِنْدَ وُقُوعِ التَّفْرِيجِ عَنْ سَعْدٍ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ يَغْلِبُ ذِكْرُهُ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْأَمْرِ الْبَاهِرِ. (فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: لِمَ سَبَّحْتَ ثُمَّ كَبَّرْتَ؟): أَيْ مَعَ أَنَّ الْمَقَامَ لَا يَسْتَدْعِي ذَلِكَ (وَلَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ قَبْرَهُ): هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ تَمْيِيزِهِ وَرَفْعِ
١٣٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:»«إِنَّ الْمَيِّتَ يَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ، فَيَجْلِسُ الرَّجُلُ فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزِعٍ وَلَا مَشْغُوبٍ، ثُمَّ يُقَالُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ فِي الْإِسْلَامِ. فَيُقَالُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَصَدَّقْنَاهُ. فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ رَأَيْتَ اللَّهَ؟ فَيَقُولُ: مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَرَى اللَّهَ، فَيُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةً قِبَلَ النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يُحَطِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا وَقَاكَ اللَّهُ، ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةً قِبَلَ الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ، عَلَى الْيَقِينِ كُنْتَ، وَعَلَيْهِ مِتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيَجْلِسُ الرَّجُلُ السُّوءُ فِي قَبْرِهِ فَزِعًا مَشْغُوبًا، فَيُقَالُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي! فَيُقَالُ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلًا فَقُلْتُهُ، فَيُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةً قِبَلَ الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا صَرَفَ اللَّهُ عَنْكَ، ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةً إِلَى النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يُحَطِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ، عَلَى الشَّكِّ كُنْتَ، وَعَلَيْهِ مِتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» «رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٣٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ): وَفِي نُسْخَةٍ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الْمَيِّتَ): اللَّامُ لِلْجِنْسِ (يَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ): وَكُلُّ مَا اسْتَقَرَّ فِيهِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَهُوَ قَبْرُهُ (فَيَجْلِسُ): قِيلَ مَجْهُولٌ (الرَّجُلُ)، أَيِ: الصَّالِحُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزِعٍ): بِكَسْرِ الزَّايِ وَنَصْبُ (غَيْرَ) عَلَى الْحَالِيَّةِ وَقَوْلُهُ: (وَلَا مَشْغُوبٍ): تَأْكِيدٌ مِنَ الشَّغَبِ وَهُوَ تَهْيِيجُ الشَّرِّ وَالْفِتْنَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَزِعٌ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ يَدُلُّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِإِيهَامِهِ هُنَا إِذْ سَلْبُ مَا هُوَ كَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى سَلْبِ أَصْلِ الْفِعْلِ كَمَا قَالُوهُ فِي ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ ذِي فَزَعٍ كَمَا أَنَّ تَقْدِيرَ الْآيَةِ بِذِي ظُلْمٍ أَقُولُ: تَقْدِيرُ الْآيَةِ مُسَلَّمٌ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ فَإِنَّ بَقَاءَ أَصْلِ الْفَزَعِ غَيْرُ مَنْفِيٍّ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ بَلِ النَّفْيُ مُنْصَبٌ عَلَى شِدَّةِ الْفَزَعِ، وَلَا دَلَالَةَ فِي قَوْلِهِ: وَلَا مَشْغُوبٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي مُدَّعَاهُ (ثُمَّ يُقَالُ)، أَيْ: لَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (» فِيمَ كُنْتَ ") أَيْ فِي أَيِّ دِينٍ عِشْتَ (فَيَقُولُ: كُنْتُ فِي الْإِسْلَامِ) . هَذَا يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ تَمَكُّنِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ خِلَافَ الْمُنَافِقِ لِأَنَّ الْجَوَابَ الظَّاهِرَ أَنْ يَقُولَ فِي الْإِسْلَامِ (فَيُقَالُ): أَيْ لَهُ (مَا هَذَا الرَّجُلُ): مَا: اسْتِفْهَامٌ مُبْتَدَأٌ وَهَذَا الرَّجُلُ خَبَرُهُ، أَيْ مَا وَصْفُهُ وَنَعْتُهُ؟ أَوْ مَا اعْتِقَادُكَ فِيهِ (فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ)، أَيْ: صَاحِبُ هَذَا الِاسْمِ الْمُفَخَّمِ الْمُشْتَهِرِ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، ثُمَّ وَصَفَهُ بِقَوْلِهِ (رَسُولُ اللَّهِ): وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَوْ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُحَمَّدٍ، وَالْجُمْلَةُ مَقُولٌ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلْجَوَابِ عَنْ وَصْفِهِ. وَقَوْلُهُ: (جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ)، أَيِ: الْآيَاتِ الظَّاهِرَاتِ أَوِ الْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صِفَةً وَجَاءَنَا خَبَرًا وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ): مُتَعَلِّقٌ بِجَاءَ أَوْ صِفَةٌ أَوْ حَالٌ (فَصَدَّقْنَاهُ)، أَيْ: بِجَمِيعِ مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ رَأَيْتَ اللَّهَ؟): قِيلَ: نَشَأَ هَذَا السُّؤَالُ مِنْ قَوْلِهِ: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، أَيْ: كَيْفَ تَقُولُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ فَهَلْ رَأَيْتَ اللَّهَ فِي الدُّنْيَا؟ (فَيَقُولُ: مَا يَنْبَغِي)، أَيْ: لَا يَصِحُّ (لِأَحَدٍ): جَوَابٌ بِالْأَعَمِّ فَإِنَّهُ لِلْمَقْصُودِ أَتَمٌّ (أَنْ يَرَى اللَّهَ)، أَيْ: يُبْصِرَهُ بِبَصَرِهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ يُحِيطَ بِكُنْهِهِ مُطْلَقًا (فَيُفْرَجُ لَهُ): بِالتَّشْدِيدِ، وَقِيلَ بِالتَّخْفِيفِ، وَكِلَاهُمَا عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ، أَيْ: يُكْشَفُ وَيُفْتَحُ لَهُ (فُرْجَةً): بِضَمِّ الْفَاءِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا، وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى نِيَابَةِ الْفَاعِلِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي (قِبَلَ النَّارِ): بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، أَيْ: جِهَتَهَا؛ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ أَيْ يُرْفَعُ الْحُجُبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَتَّى يَرَاهَا (فَيَنْظُرُ)، أَيِ: الْمُؤْمِنُ (إِلَيْهِ): ذُكِّرَ ضَمِيرُ النَّارِ بِتَأْوِيلِ الْعَذَابِ، وَأُنِّثَ فِي قَوْلِهِ (يُحَطِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا): نَظَرًا إِلَى اللَّفْظِ وَالْحَطْمُ: الْحَبْسُ فِي الْمَوْضِعِ الْمُتَضَايِقِ الَّذِي يَتَحَطَّمُ فِيهِ الْخَيْلُ، أَيْ: يَدُوسُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَالْمَعْنَى: يَكْسِرُ وَيَغْلِبُ وَيَأْكُلُ بَعْضُهَا بَعْضًا لِشِدَّةٍ تَلَهُّبِهَا وَكَثْرَةِ وَقُودِهَا (فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا وَقَاكَ اللَّهُ)، أَيْ: حَفِظَكَ بِحِفْظِهِ تَعَالَى إِيَّاكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي الَّتِي تَجُرُّ إِلَى النَّارِ (ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةً قِبَلَ الْجَنَّةِ): وَفِي تَقْدِيمِ فُرْجَةُ النَّارِ؛ لِأَنَّ الْمَسَرَّةَ بَعْدَ الْمَضَرَّةِ أَنْفَعُ وَفِي النَّفْسِ أَوْقَعُ، وَإِشَارَةٌ إِلَى فَضْلِهِ بَعْدَ ظُهُورِ عَدْلِهِ (فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا)؟ بِفَتْحِ الزَّايِ أَيْ حُسْنِهَا وَبَهْجَتِهَا (وَمَا فِيهَا): مِنَ الْحُورِ وَالْقُصُورِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ وَالْمُلْكِ الْكَبِيرِ (فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ)، أَيْ: فِي الْعُقْبَى (عَلَى الْيَقِينِ): حَالٌ، وَالْعَامِلُ مَا فِي حَرْفِ التَّنْبِيهِ مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ الْمُتَضَمِّنِ لِصَاحِبِ الْحَالِ، وَالتَّعْرِيفُ فِي الْيَقِينِ لِلْجِنْسِ وَقَوْلُهُ: (كُنْتَ):
قَالَ:»بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ «وَفِي نَظْمِ الْبَابِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قَبْلَهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ بَحْثَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ هُوَ الَّذِي وَرَّطَ الْقَدَرِيَّةَ وَالْجَبْرِيَّةَ فِي بَيْدَاءِ الظُّلْمَةِ وَالْحَيْرَةِ، وَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحِكَمِ الْمَجْهُولَةِ عِنْدَنَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] وَالتَّعَبُّدُ الْمَحْضُ هُوَ مِنْ كَمَالِ الْعُبُودِيَّةِ الْمُقْتَضِي لِلْقِيَامِ بِحُقُوقِ الرُّبُوبِيَّةِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٤٠ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: بِالْهَمْزِ وَأَمَّا بِالْيَاءِ فَلَحْنٌ عَامِّيٌّ (قَالَتْ)، أَيْ: رُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ أَحْدَثَ)، أَيْ: جَدَّدَ وَابْتَدَعَ أَوْ أَظْهَرَ وَاخْتَرَعَ فِي أَمْرِنَا هَذَا)، أَيْ: فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، وَفِي إِيرَادِ اسْمِ الْإِشَارَةِ بَدَلًا أَوْ صِلَةً إِفَادَةُ التَّعْظِيمِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى تَمْيِيزِ الدِّينِ أَكْمَلَ تَمْيِيزٍ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْأَمْرِ تَنْبِيهًا عَلَى) أَنَّ هَذَا الدِّينَ هُوَ أَمْرُنَا الَّذِي نَهْتَمُّ لَهُ وَنَشْتَغِلُ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَخْلُو عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ أَقْوَالِنَا وَأَفْعَالِنَا. قَالَ الْقَاضِي: الْأَمْرُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الطَّالِبِ لِلْفِعْلِ، مَجَازٌ فِي الْفِعْلِ وَالشَّأْنِ، وَالطَّرِيقُ أُطْلِقَ هُنَا عَلَى الدِّينِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ طَرِيقُهُ وَشَأْنُهُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ (مَا لَيْسَ مِنْهُ): كَذَا فِي» الصَّحِيحَيْنِ «، وَالْحُمَيْدِيِّ وَ» جَامِعِ الْأُصُولِ «وَ» شَرْحِ السُّنَّةِ «وَفِي» الْمَشَارِقِ «وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ مَا لَيْسَ فِيهِ (فَهُوَ)، أَيِ: الَّذِي أَحْدَثَهُ (رَدٌّ)، أَيْ: مَرْدُودٌ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَصِحُّ الْكَسْرُ اهـ.
وَالصَّوَابُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ لِأَنَّهُ عَلَى مَا فِي» الْقَامُوسِ«. بِمَعْنَى الْعِمَادِ. قَالَ الْقَاضِي: الْمَعْنَى مَنْ أَحْدَثَ فِي الْإِسْلَامِ رَأْيًا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ سَنَدٌ ظَاهِرٌ أَوْ خَفِيٌّ مَلْفُوظٌ أَوْ مُسْتَنْبَطٌ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، قِيلَ: فِي وَصْفِ الْأَمْرِ بِهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَمْرَ الْإِسْلَامِ كَمُلَ وَانْتَهَى وَشَاعَ وَظَهَرَ ظُهُورَ الْمَحْسُوسِ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى كُلِّ ذِي بَصَرٍ وَبَصِيرَةٍ، فَمَنْ حَاوَلَ الزِّيَادَةَ فَقَدْ حَاوَلَ أَمْرًا غَيْرَ مَرْضِيٍّ لِأَنَّهُ مِنْ قُصُورِ فَهْمِهِ رَآهُ نَاقِصًا، فَعَلَى هَذَا يُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ (هُوَ) رَاجَعٌ إِلَى (مَنْ) أَيْ فَذَلِكَ الشَّخْصُ نَاقِصٌ مَرْدُودٌ عَنْ جِنَابِنَا مَطْرُودٌ عَنْ بَابِنَا، فَإِنَّ الدِّينَ اتِّبَاعُ آثَارِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ وَاسْتِنْبَاطُ الْأَحْكَامِ مِنْهَا، فَالضَّمِيرُ إِلَى الشَّخْصِ أَبْلَغُ وَإِلَى الْأَمْرِ أَظْهَرُ، وَفِي قَوْلِهِ: مَا لَيْسَ مِنْهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ إِحْدَاثَ مَا لَا يُنَازِعُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ كَمَا سَنُقَرِّرُهُ بَعْدُ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَذُكِرَ فِي» الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ "، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا) أَيْ مَنْ أَتَى بِشَيْءٍ مِنَ الطَّاعَاتِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ مُحْدَثًا أَوْ سَابِقًا عَلَى الْأَمْرِ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، أَيْ: وَكَانَ مِنْ صِفَتِهِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِذْنُنَا بَلْ أَتَى بِهِ عَلَى حَسَبِ هَوَاهُ فَهُوَ رَدٌّ.، أَيْ: مَرْدُودٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَعَمُّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ عِمَادٌ فِي التَّمَسُّكِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَأَصْلٌ فِي الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ الْأَعْلَى، وَرَدٌّ لِلْمُحْدَثَاتِ وَالْبِدَعِ وَالْهَوَى، وَقَدْ أُنْشِدَ فِي هَذَا الْمَعْنَى:
إِذَا مَا دَجَا اللَّيْلُ الْبَهِيمُ وَأَظْلَمَا ... بِأَمْرٍ فَظِيعٍ شَقَّ أَسْوَدَ أَدْهَمَا
فَأَعْلَى الْبَرَايَا مَنْ إِلَى السُّنَنِ اعْتَزَى ... وَأَعْمَى الْبَرَايَا مَنْ إِلَى الْبِدَعِ انْتَمَى
وَمَنْ تَرَكَ الْقُرْآنَ قَدْ ضَلَّ سَعْيُهُ ... وَهَلْ يَتْرُكُ الْقُرْآنَ مَنْ كَانَ مُسْلِمَا
الْأَوَّلُونَ (إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ): بِالنَّصْبِ وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ (يَقْظَانُ): غَيْرُ مُنْصَرِفٍ وَقِيلَ مُنْصَرِفٌ لِمَجِيءِ فَعْلَانَةَ مِنْهُ. قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: يَقْظَانُ مُنْصَرِفٌ لِمَجِيءِ فَعْلَانَةَ، لَكِنَّهُ قَدْ صَحَّ فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ «الْمَصَابِيحِ» عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ يَعْنِي فَلَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِمَّا تَقُولُونَ، فَإِنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْمَدَارِكِ الْبَاطِنِيَّةِ دُونَ الْحَوَاسِّ الظَّاهِرِيَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذِهِ مُنَاظَرَةٌ جَرَتْ بَيْنَهُمْ بَيَانًا وَتَحْقِيقًا لِمَا أَنَّ النُّفُوسَ الْقُدْسِيَّةَ لَا يَضْعُفُ إِدْرَاكُهَا بِضَعْفِ الْحَوَاسِّ أَيْ الْحِسِّيَّةِ لِاسْتِرَاحَةِ الْقُوَى الْبَدَنِيَّةِ، بَلْ رُبَّمَا يَقْوَى إِدْرَاكُهَا عِنْدَ ضَعْفِهَا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الصُّوفِيَّةِ (فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ)، أَيْ: عَظِيمٍ كَرِيمٍ (بَنَى دَارًا): يَعْنِي قِصَّتُهُ كَهَذِهِ الْقِصَّةِ عَنْ آخِرِهَا، لَا أَنَّ حَالَهُ كَحَالِ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الدَّاعِي لَا الْبَانِي، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ، وَيُقَالَ: كَمَثَلِ دَاعِي رَجُلٍ بَنَى دَارًا (وَجَعَلَ)، أَيِ: الْبَانِي (فِيهَا)، أَيْ: فِي الدَّارِ (مَأْدُبَةً): بِضَمِّ الدَّالِ وَتُفْتَحُ، طَعَامٌ عَامٌّ يُدْعَى النَّاسُ إِلَيْهِ كَالْوَلِيمَةِ، وَقِيلَ بِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى الْأَدَبِ وَهُوَ الدُّعَاءُ إِلَى طَعَامٍ كَالْمَعْتَبَةِ. بِمَعْنَى الْعَتَبَةِ فَعَلَى هَذَا يَتَعَيَّنُ الضَّمُّ (وَبَعَثَ دَاعِيًا): يَدْعُو النَّاسَ إِكْرَامًا لَهُمْ (إِلَيْهَا)، أَيْ: إِلَى مَا يُوصِلُ إِلَيْهَا إِيمَاءً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] (فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ)، أَيْ: قَبِلَ دُعَاءَهُ (دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ): عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَامِ وَتَمَامِ الْإِنْعَامِ (وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ): بَلْ طُرِدَ مِنَ الْبَابِ وَحُرِمَ مِنَ الثَّوَابِ وَاسْتَحَقَّ الْعِقَابَ (فَقَالُوا)، أَيْ: فَقَالَ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ لِبَعْضٍ (أَوِّلُوهَا لَهُ)، أَيْ: فَسِّرُوا الْحِكَايَةَ التَّمْثِيلِيَّةَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ أَوَّلَ تَأْوِيلًا إِذَا فُسِّرَ. بِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ الشَّيْءُ (يَفْقَهْهَا): بِالْجَزْمِ جَوَابُ الْأَمْرِ أَيْ يَفْهَمْهَا ثُمَّ يَفْهَمْهَا (قَالَ بَعْضُهُمْ): بِاعْتِبَارِ مَا فِي ظَنِّهِ (إِنَّهُ نَائِمٌ): فَهُوَ غَيْرُ فَاهِمٍ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ الْعَيْنَ)، أَيْ: عَيْنَهُ (نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ)، أَيْ: قَلْبَهُ (يَقْظَانُ): فَيُدْرِكُ الْبَيَانَ وَكَرَّرُوا هَذَا لِيُنَبَّهَ السَّامِعُونَ إِلَى هَذِهِ الْمَنْقَبَةِ الْعَظِيمَةِ، وَهِيَ نَوْمُ الْعَيْنِ وَيَقَظَةُ الْقَلْبِ (فَقَالُوا: الدَّارُ): أَيْ مِثْلُهَا (الْجَنَّةُ)، أَيْ: نَفْسُهَا فَإِنَّهَا دَارُ الْمُتَّقِينَ كَمَا فِي الْقُرْآنِ الْمُبِينِ، وَالْمَأْدُبَةُ نَعِيمُهَا وَتَرَكَ بَيَانَهَا لِظُهُورِهَا، وَقِيلَ: لِاشْتِمَالِ الْجَنَّةِ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا دَارُ الْمَأْدُبَةِ (وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ): قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهِ: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] (فَمَنْ أَطَاعَ): الْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أَيْ: لَمَّا كَانَ هُوَ الدَّاعِي فَمَنْ أَطَاعَ (مُحَمَّدًا فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: رُوعِيَ فِي التَّأْوِيلِ حُسْنُ أَدَبٍ حَيْثُ لَمْ يُصَرَّحُ بِالْمُشَبَّهِ بِالرَّجُلِ، لَكِنْ لَمَّحَ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ (وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا): أَظْهَرَ الضَّمِيرَ مُبَالَغَةً فِي تَعْظِيمِهِ وَحَمْدِهِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِهِ يَنْدَفِعُ وَهْمُ الرُّجُوعِ إِلَى غَيْرِهِ (فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمُحَمَّدٌ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ) . رُوِيَ مُشَدَّدًا عَلَى صِيغَةِ الْفِعْلِ وَمُخَفَّفًا عَلَى الْمَصْدَرِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبَالَغَةِ، أَيْ: فَارِقٌ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالصَّالِحِ وَالْفَاسِقِ، وَقَالَ مِيرَكُ شَاهْ: كَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَكْثَرِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَالتَّنْوِينِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
عَنْهُ، وَذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ أَجِلَّتِهِمْ وَأَمِينٌ مِنْ أَخْبَارِهِ عِنْدَهُمْ (فَقَالَ: يَا قَوْمِ! إِنِّي رَأَيْتُ)، أَيْ: أَبْصَرْتُ (الْجَيْشَ)، أَيِ: الْعَسْكَرَ الْكَثِيرَ الْمُتَوَجِّهَ إِلَيْكُمْ (بِعَيْنِي): لِلتَّأَكُّدِ وَدَفْعِ تَوَهُّمِ الْمَجَازِ، وَهُوَ بِالتَّثْنِيَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ. وَرُوِيَ بِالْإِفْرَادِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ (وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ): فِيهِ الْحَصْرُ (الْعُرْيَانُ)، أَيْ: بِلَا غَرَضٍ، وَالنَّذِيرُ الْعُرْيَانُ: مَثَلٌ مَشْهُورٌ سَائِرٌ بَيْنَ الْعَرَبِ يُضْرَبُ لِشِدَّةِ الْأَمْرِ وَدُنُوِّ الْمَحْذُورِ وَبَرَاءَةِ الْمُحَذِّرِ عَنِ التُّهْمَةِ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا رَأَى الْعَدُوَّ قَدْ هَجَمَ عَلَى قَوْمِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يُفَاجِئَهُمْ وَكَانَ يَخْشَى لُحُوقَهُمْ قَبْلَ لُحُوقِهِ تَجَرَّدَ عَنْ ثَوْبِهِ وَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ خَشَبَةٍ وَصَاحَ لِيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي غَشِيَهُ الْعَدُوُّ وَكَانَ رَبِيئَةَ قَوْمِهِ، أَيْ: جَاسُوسَهُمْ، فَأَخَذُوهُ وَتَعَلَّقُوا بِثِيَابِهِ فَانْسَلَّ مِنْهَا وَلَحِقَ بِقَوْمِهِ فَأَنْذَرَهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ عَلَى حَالَتِهِ تِلْكَ ارْتَحَلُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَقِيلَ: إِنَّهُ الَّذِي سَلَبَ الْعَدُوُّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الثِّيَابِ فَأَتَى قَوْمَهُ عُرْيَانًا يُخْبِرُهُمْ فَصَدَّقُوهُ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ آثَارِ الصِّدْقِ، وَخُصَّ الْعُرْيَانُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَبْيَنُ فِي الْعَيْنِ وَأَغَرُّ وَأَشْنَعُ عِنْدَ الْبَصَرِ (فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ): فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ مَرَّتَيْنِ.
وَفِي نُسْخَةٍ مَرَّةً وَهُوَ بِالْمَدِّ عَلَى الْأَصَحِّ مَصْدَرُ نَجَا إِذَا أَسْرَعَ. يُقَالُ: نَاقَةٌ نَاجِيَةٌ أَيْ مُسْرِعَةٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِالْفَاءِ وَالْمَدِّ وَالْقَصْرِ نُصِبَ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَيِ: اطْلُبُوا النَّجَاءَ أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيِ: انْجُوا وَهُوَ الْإِسْرَاعُ، كَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ. قِيلَ فِي «شَرْحِ السُّنَّةِ» وَبَعْضِ نُسَخِ «الْمَصَابِيحِ» مَرَّةً، وَفِي كَثِيرٍ مِنْهَا مَرَّتَيْنِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: رَوَى الْإِمَامُ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ الْمَعْرُوفِ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: إِذَا أُفْرِدَ النَّجَاءُ مُدَّ، وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ فِيهَا الْقَصْرَ، وَأَمَّا إِذَا كُرِّرَ فَفِيهِ الْمَدُّ وَالْقَصْرُ مَعًا اهـ.
وَنَقَلَ الْأَبْهَرِيُّ عَنِ الشَّيْخِ بِالْمَدِّ فِيهِمَا وَبِمَدِّ الْأُولَى وَقَصْرِ الثَّانِيَةِ وَبِالْقَصْرِ فِيهِمَا تَخْفِيفًا، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَيِ: اطْلُبُوا النَّجَاءَ بِأَنْ تُسْرِعُوا الْهَرَبَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ مُقَاوَمَةَ ذَلِكَ الْجَيْشِ (فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: الْإِطَاعَةُ تَتَضَمَّنُ التَّصْدِيقَ يَعْنِي فَيَحْسُنُ مُقَابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: كَذَّبَتْ فِيمَا يَأْتِي (فَأَدْلَجُوا): هَمْزَةُ قَطْعٍ ثُمَّ سُكُونٌ هُوَ الصَّحِيحُ، أَيْ: سَارُوا أَوَّلَ اللَّيْلِ أَوْ سَارُوا اللَّيْلَ كُلَّهُ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي مَدْلُولِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَأَمَّا بِالْوَصْلِ وَالتَّشْدِيدِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ سَيْرُ آخِرِ اللَّيْلِ فَلَا يُنَاسِبُ هَذَا الْمَقَامَ كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: سَارُوا فِي الدُّلْجَةِ وَهِيَ الظُّلْمَةُ، وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَالدُّلْجَةُ أَيْضًا السَّيْرُ فِي اللَّيْلِ، وَكَذَا الدَّلْجُ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَادَّلَجُوا بِتَشْدِيدِ الدَّالِ سَارُوا آخِرَ اللَّيْلِ (فَانْطَلَقُوا)، أَيْ: ذَهَبُوا وَسَارُوا (عَلَى مَهْلِهِمْ): بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُسَكَّنُ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَهْلُ بِالْحَرَكَةِ الْهَيْئَةُ وَالسُّكُونُ وَبِالسُّكُونِ الْإِمْهَالُ. قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي نُسَخِ» مُسْلِمٍ «: بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ وَبِتَاءٍ بَعْدَ اللَّامِ، وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ» الصَّحِيحَيْنِ «مَهَلِهِمْ بِحَذْفِ التَّاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَالْهَاءِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحَانِ اهـ. لَكِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي نُسَخِ» الْمِشْكَاةِ " إِلَّا بِدُونِ التَّاءِ اخْتِيَارًا لِلَفْظِ الْبُخَارِيِّ عَلَى لَفْظِ مُسْلِمٍ لِكَوْنِهِ أَصَحَّ (فَنَجَوْا)، أَيْ: بِسَبَبِ تَصْدِيقِ الْمُنْذِرِينَ (وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّكْذِيبُ يَسْتَتْبِعُ الْعِصْيَانَ يَعْنِي فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى مَا قَدَّمْنَاهُ (فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ)، أَيْ: دَخَلُوا وَقْتَ الصَّبَاحِ فِي مَكَانِهِمْ (فَصَبَّحَهُمْ): بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ (الْجَيْشُ)، أَيْ: أَتَاهُمْ جَيْشُ الْعَدُوِّ صَبَاحًا لِلْإِغَارَةِ (فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ): بِالْجِيمِ فِي الْأُولَى وَالْمُهْمَلَةِ فِي الثَّانِيَةِ، أَيِ: اسْتَأْصَلَهُمْ وَأَهْلَكَهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ بِشُؤْمِ التَّكْذِيبِ، وَهَذَا فَائِدَةُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا (فَذَلِكَ)، أَيِ: الْمَثَلُ الْمَذْكُورُ (مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ): وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ (مَا جِئْتُ بِهِ)، أَيْ: مِنَ الْحَقِّ، وَهَذَا لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَرْوَحَ بِظَاهِرِ الطَّاعَةِ عَنِ اتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ (وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ) . قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: مِنَ التَّشْبِيهَاتِ الْمَفْرُوقَةِ شَبَّهَ ذَاتَهُ ﵊ بِالرَّجُلِ، وَمَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ إِنْذَارِ الْقَوْمِ بِعَذَابِ اللَّهِ الْقَرِيبِ بِإِنْذَارِ الرَّجُلِ قَوْمَهُ بِالْجَيْشِ الْمُصَبِّحِ، وَشَبَّهَ مَنْ أَطَاعَهُ مِنْ أُمَّتِهِ وَمَنْ عَصَاهُ بِمَنْ صَدَّقَ الرَّجُلَ فِي إِنْذَارِهِ، وَكَذَّبَهُ اهـ. فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا ... لَدَى وَكْرِهَا الْعُنَّابُ وَالْحَشَفُ الْبَالِي
شَبَّهَ الْقُلُوبَ الرَّطْبَةَ بِالْعُنَّابِ وَالْيَابِسَةِ بِالْحَشَفِ عَلَى التَّفْرِيقِ بِطَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
عَنْهُ، وَذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ أَجِلَّتِهِمْ وَأَمِينٌ مِنْ أَخْبَارِهِ عِنْدَهُمْ (فَقَالَ: يَا قَوْمِ! إِنِّي رَأَيْتُ)، أَيْ: أَبْصَرْتُ (الْجَيْشَ)، أَيِ: الْعَسْكَرَ الْكَثِيرَ الْمُتَوَجِّهَ إِلَيْكُمْ (بِعَيْنِي): لِلتَّأَكُّدِ وَدَفْعِ تَوَهُّمِ الْمَجَازِ، وَهُوَ بِالتَّثْنِيَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ. وَرُوِيَ بِالْإِفْرَادِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ (وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ): فِيهِ الْحَصْرُ (الْعُرْيَانُ)، أَيْ: بِلَا غَرَضٍ، وَالنَّذِيرُ الْعُرْيَانُ: مَثَلٌ مَشْهُورٌ سَائِرٌ بَيْنَ الْعَرَبِ يُضْرَبُ لِشِدَّةِ الْأَمْرِ وَدُنُوِّ الْمَحْذُورِ وَبَرَاءَةِ الْمُحَذِّرِ عَنِ التُّهْمَةِ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا رَأَى الْعَدُوَّ قَدْ هَجَمَ عَلَى قَوْمِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يُفَاجِئَهُمْ وَكَانَ يَخْشَى لُحُوقَهُمْ قَبْلَ لُحُوقِهِ تَجَرَّدَ عَنْ ثَوْبِهِ وَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ خَشَبَةٍ وَصَاحَ لِيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي غَشِيَهُ الْعَدُوُّ وَكَانَ رَبِيئَةَ قَوْمِهِ، أَيْ: جَاسُوسَهُمْ، فَأَخَذُوهُ وَتَعَلَّقُوا بِثِيَابِهِ فَانْسَلَّ مِنْهَا وَلَحِقَ بِقَوْمِهِ فَأَنْذَرَهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ عَلَى حَالَتِهِ تِلْكَ ارْتَحَلُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَقِيلَ: إِنَّهُ الَّذِي سَلَبَ الْعَدُوُّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الثِّيَابِ فَأَتَى قَوْمَهُ عُرْيَانًا يُخْبِرُهُمْ فَصَدَّقُوهُ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ آثَارِ الصِّدْقِ، وَخُصَّ الْعُرْيَانُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَبْيَنُ فِي الْعَيْنِ وَأَغَرُّ وَأَشْنَعُ عِنْدَ الْبَصَرِ (فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ): فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ مَرَّتَيْنِ.
وَفِي نُسْخَةٍ مَرَّةً وَهُوَ بِالْمَدِّ عَلَى الْأَصَحِّ مَصْدَرُ نَجَا إِذَا أَسْرَعَ. يُقَالُ: نَاقَةٌ نَاجِيَةٌ أَيْ مُسْرِعَةٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِالْفَاءِ وَالْمَدِّ وَالْقَصْرِ نُصِبَ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَيِ: اطْلُبُوا النَّجَاءَ أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيِ: انْجُوا وَهُوَ الْإِسْرَاعُ، كَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ. قِيلَ فِي «شَرْحِ السُّنَّةِ» وَبَعْضِ نُسَخِ «الْمَصَابِيحِ» مَرَّةً، وَفِي كَثِيرٍ مِنْهَا مَرَّتَيْنِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: رَوَى الْإِمَامُ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ الْمَعْرُوفِ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: إِذَا أُفْرِدَ النَّجَاءُ مُدَّ، وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ فِيهَا الْقَصْرَ، وَأَمَّا إِذَا كُرِّرَ فَفِيهِ الْمَدُّ وَالْقَصْرُ مَعًا اهـ.
وَنَقَلَ الْأَبْهَرِيُّ عَنِ الشَّيْخِ بِالْمَدِّ فِيهِمَا وَبِمَدِّ الْأُولَى وَقَصْرِ الثَّانِيَةِ وَبِالْقَصْرِ فِيهِمَا تَخْفِيفًا، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَيِ: اطْلُبُوا النَّجَاءَ بِأَنْ تُسْرِعُوا الْهَرَبَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ مُقَاوَمَةَ ذَلِكَ الْجَيْشِ (فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: الْإِطَاعَةُ تَتَضَمَّنُ التَّصْدِيقَ يَعْنِي فَيَحْسُنُ مُقَابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: كَذَّبَتْ فِيمَا يَأْتِي (فَأَدْلَجُوا): هَمْزَةُ قَطْعٍ ثُمَّ سُكُونٌ هُوَ الصَّحِيحُ، أَيْ: سَارُوا أَوَّلَ اللَّيْلِ أَوْ سَارُوا اللَّيْلَ كُلَّهُ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي مَدْلُولِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَأَمَّا بِالْوَصْلِ وَالتَّشْدِيدِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ سَيْرُ آخِرِ اللَّيْلِ فَلَا يُنَاسِبُ هَذَا الْمَقَامَ كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: سَارُوا فِي الدُّلْجَةِ وَهِيَ الظُّلْمَةُ، وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَالدُّلْجَةُ أَيْضًا السَّيْرُ فِي اللَّيْلِ، وَكَذَا الدَّلْجُ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَادَّلَجُوا بِتَشْدِيدِ الدَّالِ سَارُوا آخِرَ اللَّيْلِ (فَانْطَلَقُوا)، أَيْ: ذَهَبُوا وَسَارُوا (عَلَى مَهْلِهِمْ): بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُسَكَّنُ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَهْلُ بِالْحَرَكَةِ الْهَيْئَةُ وَالسُّكُونُ وَبِالسُّكُونِ الْإِمْهَالُ. قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي نُسَخِ» مُسْلِمٍ «: بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ وَبِتَاءٍ بَعْدَ اللَّامِ، وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ» الصَّحِيحَيْنِ «مَهَلِهِمْ بِحَذْفِ التَّاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَالْهَاءِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحَانِ اهـ. لَكِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي نُسَخِ» الْمِشْكَاةِ " إِلَّا بِدُونِ التَّاءِ اخْتِيَارًا لِلَفْظِ الْبُخَارِيِّ عَلَى لَفْظِ مُسْلِمٍ لِكَوْنِهِ أَصَحَّ (فَنَجَوْا)، أَيْ: بِسَبَبِ تَصْدِيقِ الْمُنْذِرِينَ (وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّكْذِيبُ يَسْتَتْبِعُ الْعِصْيَانَ يَعْنِي فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى مَا قَدَّمْنَاهُ (فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ)، أَيْ: دَخَلُوا وَقْتَ الصَّبَاحِ فِي مَكَانِهِمْ (فَصَبَّحَهُمْ): بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ (الْجَيْشُ)، أَيْ: أَتَاهُمْ جَيْشُ الْعَدُوِّ صَبَاحًا لِلْإِغَارَةِ (فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ): بِالْجِيمِ فِي الْأُولَى وَالْمُهْمَلَةِ فِي الثَّانِيَةِ، أَيِ: اسْتَأْصَلَهُمْ وَأَهْلَكَهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ بِشُؤْمِ التَّكْذِيبِ، وَهَذَا فَائِدَةُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا (فَذَلِكَ)، أَيِ: الْمَثَلُ الْمَذْكُورُ (مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ): وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ (مَا جِئْتُ بِهِ)، أَيْ: مِنَ الْحَقِّ، وَهَذَا لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَرْوَحَ بِظَاهِرِ الطَّاعَةِ عَنِ اتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ (وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ) . قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: مِنَ التَّشْبِيهَاتِ الْمَفْرُوقَةِ شَبَّهَ ذَاتَهُ ﵊ بِالرَّجُلِ، وَمَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ إِنْذَارِ الْقَوْمِ بِعَذَابِ اللَّهِ الْقَرِيبِ بِإِنْذَارِ الرَّجُلِ قَوْمَهُ بِالْجَيْشِ الْمُصَبِّحِ، وَشَبَّهَ مَنْ أَطَاعَهُ مِنْ أُمَّتِهِ وَمَنْ عَصَاهُ بِمَنْ صَدَّقَ الرَّجُلَ فِي إِنْذَارِهِ، وَكَذَّبَهُ اهـ. فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا ... لَدَى وَكْرِهَا الْعُنَّابُ وَالْحَشَفُ الْبَالِي
شَبَّهَ الْقُلُوبَ الرَّطْبَةَ بِالْعُنَّابِ وَالْيَابِسَةِ بِالْحَشَفِ عَلَى التَّفْرِيقِ بِطَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
أَنَا آخِذٌ إِلَخْ. وَقَوْلُهُ (أَنَا آخِذٌ): بِالْوَجْهَيْنِ (بِحُجَزِكُمْ)، أَيْ: لِلتَّبْعِيدِ (عَنِ النَّارِ): وَأَقُولُ (هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ): كَرَّرَ لِفَرْطِ الِاهْتِمَامِ، وَالْمَعْنَى أَسْرِعُوا إِلَيِّ وَأَبْعِدُوا أَنْفُسَكُمْ عَنِ النَّارِ، قَالَ الْخَلِيلُ: أَصْلُهُ لُمَّ أَيْ لُمَّ أَنْفُسَكُمْ إِلَيْنَا بِالْقُرْبِ مِنَّا وَهَا لِلتَّنْبِيهِ، وَإِنَّمَا حُذِفَ أَلِفُهَا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَجُعِلَا اسْمًا وَاحِدًا يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ فِي لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ، وَقِيلَ أَصْلُهُ هَلْ أَمْ أَيْ هَلْ لَكَ فِي كَذَا أَمْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ قُصِدَ فَرُكِّبَ الْكَلِمَتَانِ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ ضَمِّ اللَّامِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اقْرُبْ إِلَيْنَا وَابْعُدْ عَنِ النَّارِ، فَالْخِطَابُ عَامٌّ وَمَحَلُّ هَلُمَّ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ أَيْ آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ وَأَمْنَعُكُمْ قَائِلًا: هَلُمَّ (فَتَغْلِبُونِي): النُّونُ مُشَدَّدَةٌ إِذْ أَصْلُهُ تَغْلِبُونِي فَأَدْغَمَ نُونَ الْجَمْعِ فِي نُونِ الْوِقَايَةِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ بِإِدْغَامِ نُونِ الرَّفْعِ فِي نُونِ التَّأْكِيدِ اهـ. وَرُوِيَ بِتَخْفِيفِهَا عَلَى حَذْفِ إِحْدَى النُّونَيْنِ، وَاخْتَارَ الشَّاطِبِيُّ حَذْفَ الْأَخِيرَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ عَلَى التَّعْكِيسِ كَاللَّامِ فِي لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا (تَقَحَّمُونَ)، أَيْ: تَتَقَحَّمُونَ (فِيهَا) . وَهُوَ حَالٌ عَنْ فَاعِلِ تَغْلِبُونِي؟ وَقِيلَ: بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَدْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَثَلَ بِوُقُوعِ الْفَرَاشِ فِي النَّارِ لِجَهْلِهِ بِمَا يَعْقُبُ التَّقَحُّمَ فِيهَا مِنَ الِاحْتِرَاقِ وَلِتَحْقِيرِ شَأْنِهَا.
قَالَ: وَهَذِهِ الدَّوَابُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] وَتَخْصِيصُ ذِكْرِ الدَّوَابِّ وَالْفَرَاشِ لَا يُسَمَّى دَابَّةً عُرْفًا لِبَيَانِ جَهْلِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٢٢] الْآيَةَ. كُلُّ ذَلِكَ تَعْرِيضٌ لِطَالِبِ الدُّنْيَا الْمُتَهَالِكِ فِيهَا جَعَلَ ﵊ الْمُهْلِكَاتِ نَفْسَ النَّارِ وَضْعًا لِلسَّبَبِ مَوْضِعَ الْمُسَبَّبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] وَشَبَّهَ إِظْهَارَهُ بِمَحَارِمِ اللَّهِ وَنَوَاهِيهِ بِبَيَانَاتِهِ الشَّافِيَةِ الْكَافِيَةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِاسْتِيقَادِ الرَّجُلِ النَّارَ، وَشَبَّهَ فُشُوَّ ذَلِكَ الْكَشْفِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا بِإِضَاءَةِ تِلْكَ النَّارِ مَا حَوْلَ الْمُسْتَوْقَدِ، وَشَبَّهَ النَّاسَ وَعَدَمَ مُبَالَاتِهِمْ بِذَلِكَ الْبَيَانِ وَالْكَشْفِ وَتَعَدِّيهِمْ حُدُودَ اللَّهِ وَحِرْصِهِمْ عَلَى اللَّذَّاتِ، وَمَنْعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهُمْ بِأَخْذِ حُجَزِهِمْ بِالْفَرَاشِ الَّتِي يَتَقَحَّمْنَ فِي النَّارِ وَيَغْلِبْنَ الْمُسْتَوْقِدَ، وَكَمَا أَنَّ غَرَضَ الْمُسْتَوْقِدِ هُوَ انْتِفَاعُ الْخَلْقِ بِهِ مِنَ الِاهْتِدَاءِ وَالِاسْتِدْفَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْفَرَاشُ لِجَهْلِهَا جَعَلَتْهُ سَبَبًا لِهَلَاكِهَا، كَذَلِكَ كَانَ الْقَصْدُ بِتِلْكَ الْبَيَانَاتِ اهْتِدَاءَ تِلْكَ الْأُمَّةِ وَاحْتِمَاءَهَا عَمَّا هُوَ سَبَبُ هَلَاكِهِمْ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ جَعَلُوهَا مُوجِبَةً لِتَرَدِّيهِمْ، وَفِي قَوْلِهِ: (آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ) اسْتِعَارَةٌ مَثَّلَتْ حَالَهُ فِي مَنْعِ الْأُمَّةِ عَنِ الْهَلَاكِ بِحَالِ رَجُلٍ آخِذٍ بِحُجْزَةِ صَاحِبِهِ الَّذِي يَهْوِي فِي قَعْرِ بِئْرٍ مُرْدِيَةٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
فِيهِ: أَنَّ هَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا سَبَقَ فَإِيرَادُهُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاتِّفَاقِ هُنَا بِحَسَبِ الْمَعْنَى فِي الْأَكْثَرِ.
١٥٠ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةً قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ»». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٥٠ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ): الْهُدَى: الدَّلَالَةُ عَلَى الْخَيْرِ مُطْلَقًا أَوِ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى الْحَقِّ، وَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] وَمِنَ الثَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ: هُنَا الظَّاهِرُ
وَالْخَفِيُّ، وَالْهُدَى وَسِيلَةٌ إِلَى الْعِلْمِ فَلِذَا قَدَّمَهُ، وَفِي الْعَوَارِفِ: الْعِلْمُ جُمْلَةً مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ لِلْقُلُوبِ وَالْمَعْرِفَةُ تَمْيِيزُ تِلْكَ الْجُمْلَةِ، وَالْهُدَى وِجْدَانُ الْقُلُوبِ ذَلِكَ، وَقِيلَ: الْعِلْمُ صِفَةٌ تُوجِبُ تَمْيِيزًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، وَعَطْفُهُ عَلَى الْهُدَى إِمَّا لِرُجُوعِهِ لِلنَّفْسِ وَرُجُوعِهَا لِلْغَيْرِ أَوْ لِأَنَّهَا لِلدَّلَالَةِ وَالْعِلْمِ الْمَدْلُولِ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهَا الطَّرِيقَةُ وَالْعَمَلُ، وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ: مَنِ ازْدَادَ عِلْمًا وَلَمْ يَزْدَدْ هُدًى - أَيْ قُرْبًا مِنَ اللَّهِ - لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا.
(كَمَثَلِ الْغَيْثِ)، أَيِ: الْمَطَرِ الْكَثِيرِ، وَاخْتَارَ اسْمَ الْغَيْثِ لِيُؤْذِنَ بِاضْطِرَارِ الْخَلْقِ إِلَيْهِ إِذْ جَاءَهُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَالْغَيْثُ يُحْيِي الْبَلَدَ الْمَيِّتَ وَالْعِلْمُ يُحْيِي الْقَلْبَ الْمَيِّتَ (أَصَابَ أَرْضًا)، أَيْ: صَالِحَةً. وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِلْغَيْثِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ أَوْ زَائِدَةً، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا (فَكَانَتْ مِنْهَا): أَيْ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ (طَائِفَةٌ)، أَيْ: قِطْعَةٌ، وَمِنْهَا صِفَةُ طَائِفَةٍ قُدِّمَتْ عَلَيْهَا فَصَارَتْ حَالًا (طَيِّبَةٌ): أَيْ غَيْرُ خَبِيثَةٍ بِسِبَاخٍ وَنَحْوِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ كَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ: فَكَانَتْ مِنْهَا نَقِيَّةٌ بِنُونٍ فَقَافٍ مَكْسُورَةٍ فَتَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ وَهِيَ بِمَعْنَى طَيِّبَةٍ اهـ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَصِحُّ هُنَا اهـ. وَطَيِّبَةٌ مَرْفُوعَةٌ عَلَى أَنَّهَا صِفَةُ (طَائِفَةٌ)، وَقَوْلُهُ: (قَبِلَتِ الْمَاءَ)، أَيْ: دَخَلَ الْمَاءُ فِيهَا لِلِينِهَا مَنْصُوبَةٌ بِخَبَرِ كَانَتْ، وَقِيلَ: هِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى أَنَّهَا خَبَرُ كَانَتْ، وَقَبِلَتِ الْمَاءَ صِفَةٌ لِطَيِّبَةٍ وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ فِي لَفْظِ: أَجَادِبَ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرِوَايَةُ قِيلَتْ بِالتَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ قِيلَ تَصْحِيفٌ، وَقِيلَ: صَحِيحَةٌ، وَمَعْنَاهُ شَرِبَتْ مِنَ الْقِيلِ وَهُوَ شُرْبُ بَعْضِ الْأَنْهَارِ (فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ): بِالْهَمْزِ مَفْتُوحَتَيْنِ مَقْصُورًا (وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ): هُمَا مَعَ الْحَشِيشِ أَسْمَاءٌ لِلنَّبَاتِ، لَكِنَّ الْحَشِيشَ مُخْتَصٌّ بِالْيَابِسِ. وَالْعُشْبُ بِالضَّمِّ وَالْكَلَا مَقْصُورًا مُخْتَصَّانِ بِالرَّطْبِ، وَالْكَلَأُ بِالْهَمْزِ عَلَى زِنَةِ جَبَلٍ يَقَعُ عَلَى الْيَابِسِ وَالرَّطْبِ، فَالْكَلَأُ بِالْهَمْزِ أَنْسَبُ لِيَكُونَ عَطْفُ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِ (وَكَانَتْ مِنْهَا): أَيْ مِنَ الْأَرْضِ الصَّالِحَةِ أَوْ مِنَ الْأَرْضِ الطَّيِّبَةِ (أَجَادِبُ): كَذَا فِي رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ بِالْجِيمِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ جَمْعُ أَجْدَبَ وَهِيَ الْأَرْضُ الصُّلْبَةُ الَّتِي تُمْسِكُ الْمَاءَ مِنَ الْجَدْبِ وَهُوَ الْقَحْطُ، سَمَّاهَا أَجَادِبَ لِأَنَّهَا لِصَلَابَتِهَا لَا تَنْبُتُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: إِخَاذَاتٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَآخِرُهُ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقُ قَبْلَهَا أَلِفٌ جَمْعُ إِخَاذَةٍ، وَهِيَ الْأَرْضُ الَّتِي تُمْسِكُ الْمَاءَ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ، وَرُوِيَ أَجَاذِبُ بِجِيمٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَمَعْنَاهُ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ رِوَايَاتٌ أُخَرُ مَرْدُودَةٌ (أَمْسَكَتْ)، أَيْ: تِلْكَ الْأَرْضُ، أَوِ الْأَجَادِبُ (الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا): أَيْ بِالْأَجَادِبِ أَوْ بِتِلْكَ الْأَرْضِ (النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا)، أَيْ: دَوَابَّهُمْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَجُوزُ أَسْقَوْا: قُلْتُ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَارِدٍ وَتَجْوِيزُ اللُّغَوِيِّ غَيْرُ مُرَادٍ (وَزَرَعُوا) . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ: وَرَعَوْا مِنَ الرَّعْيِ، وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ زَرَعُوا وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ اهـ.
وَفِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ: زَرَعُوا مُوَافِقًا لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَهُوَ الْأَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ أَصْلًا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَعَوْا مِنَ الرَّعْيِ، وَرِوَايَةُ: وَزَرَعُوا قِيلَ تَصْحِيفٌ، وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ زَرَعُوا بِهِ غَيْرَ تِلْكَ الْأَرْضِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ رَبْطٌ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ رَعَوْا تَشْوِيشُ النَّشْرِ لِأَنَّ الشُّرْبَ وَالسَّقْيَ لِلْقِسْمِ الثَّانِي، وَالرَّعْيَ لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ. قُلْتُ: لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْقِسْمُ الثَّانِي جَامِعًا لِلثَّلَاثِ مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الزَّرْعِ وُصُولُ الرَّعْيِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَهْلَ الْقِسْمِ الثَّانِي مَرْزُقُونَ مِنْ جَمِيعِ النِّعَمِ مُنْفِقُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَهُمْ كَامِلُونَ مُكَمِّلُونَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ)، بِخِلَافِ أَهْلِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَيَكُونُ التَّقْسِيمُ
تَرَقِّيًا ثُمَّ تَدَلِّيًا (وَأَصَابَ)، أَيِ: الْغَيْثُ (مِنْهَا): أَيْ مِنَ الْأَرْضِ (طَائِفَةً)، أَيْ: قِطْعَةً (أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ): تِلْكَ الطَّائِفَةُ (قِيعَانٌ): بِكَسْرِ الْقَافِ جَمْعُ قَاعٍ وَهِيَ الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ (لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً): لِأَنَّهَا سَبْخَةٌ (فَذَلِكَ)، أَيِ: الْمَذْكُورُ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَرْضِ (مِثْلُ مَنْ فَقُهَ): بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِهَا، وَالْمَشْهُورُ الضَّمُّ إِذَا فَهِمَ وَأَدْرَكَ الْكَلَامَ، وَالضَّمُّ أَجْوَدُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ الْفِقْهَ الشَّرْعِيَّ صَارَ سَجِيَّةً لَهُ (فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ اللَّهُ بِمَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ)، أَيْ: بِالْعَمَلِ (فَعَلِمَ وَعَلَّمَ): بِتَشْدِيدِ اللَّامِ. هَذَا مَثَلُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى الَّتِي قَبِلَتِ الْمَاءَ وَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ، فَقَبُولُ الْمَاءِ إِشَارَةٌ إِلَى الْعِلْمِ، وَإِنْبَاتُ الْكَلَأِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّعْلِيمِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ)، أَيْ: بِمَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ (رَأْسًا)، أَيْ: لِلتَّكَبُّرِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، يُقَالُ: لَمْ يَرْفَعْ فُلَانٌ رَأْسَهُ بِهَذَا أَيْ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ مِنْ غَايَةِ تَكَبُّرِهِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: عَدَمُ رَفْعِ رَأْسِهِ بِالْعِلْمِ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ لِعَدَمِ الْعَمَلِ، أَوِ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ إِلَى حُطَامِ الدُّنْيَا، وَهَذَا مِثْلُ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً (وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ): بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ (وَالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ، وَفِي الْحَدِيثِ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الِاسْتِعْدَادَاتِ لَيْسَتْ بِمُكْتَسَبَةٍ، بَلْ هِيَ مَوَاهِبُ رَبَّانِيَّةٌ وَكَمَالُهَا أَنْ تَسْتَفِيضَ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ، فَلَا خَيْرَ فِيمَنْ يَشْتَغِلُ بِغَيْرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنَّ الْفَقِيهَ مَنْ عَلِمَ وَعَمِلَ.
قَالَ الْمُظْهِرُ: ذَكَرَ فِي تَقْسِيمِ الْأَرْضِ ثَلَاثَةً، وَفِي تَقْسِيمِ النَّاسِ قِسْمَيْنِ: مَنْ فَقُهَ وَمَنْ أَبَى وَلَمْ يَرْفَعْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ مِنَ الْأَرْضِ كَقِسْمٍ وَاحِدٍ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُنْتَفِعٌ بِهِ، وَكَذَلِكَ النَّاسُ قِسْمَانِ: مَنْ يَقْبَلُ الْعِلْمَ وَأَحْكَامَ الدِّينِ وَمَنْ لَمْ يَقْبَلْهُمَا، وَأَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ فَالنَّاسُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَنْ يَقْبَلُ بِقَدْرِ مَا يَعْمَلُ بِهِ وَلَا يَبْلُغُ دَرَجَةَ الْفَتْوَى وَالتَّدْرِيسِ، وَثَانِيهَا: مَنْ يَبْلُغُهُمَا، وَثَالِثُهَا: مَنْ لَا يَقْبَلُ الْعِلْمَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: اتَّفَقَ الشَّارِحُونَ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، وَالْحَدِيثُ يَنْصُرُ الْأَوَّلَ، فَعَلَى هَذَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الطَّرَفَانِ الْعَالِي فِي الِاهْتِدَاءِ، وَالْغَالِي فِي الضَّلَالِ، وَتَرَكَ قِسْمَانِ مَنِ انْتَفَعَ بِالْعِلْمِ فِي نَفْسِهِ وَمَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ فِي نَفْسِهِ وَلَكِنْ نَفَعَ فِي غَيْرِهِ اهـ. وَجَعَلَ الْخَطَّابِيُّ الْقِسْمَةَ ثُنَائِيَّةً بِجَعْلِ الْعُلَمَاءِ قِسْمًا وَالْجُهَلَاءِ قِسْمًا، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى كَوْنِ النَّاسِ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ اهـ.
وَخَالَفَهُمُ ابْنُ حَجْرٍ وَجَعَلَ الْقِسْمَةَ ثُلَاثِيَّةً، وَأَغْرَبَ حَيْثُ جَعَلَ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ أَفْضَلَهَا مَعَ أَنَّ التَّشْبِيهَ بِالْأَرْضِ لَا يُسَاعِدُهُ، ثُمَّ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ حَيْثُ جَعَلَ الطَّبَقَةَ الْعُلْيَا مُنْحَصِرَةً فِي الْفُقَهَاءِ، وَجَعَلَ بَقِيَّةَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْقُرَّاءِ وَغَيْرِهِمْ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى، وَجَعَلَهُمْ كَالْأَتْبَاعِ لِلطَّائِفَةِ الْأُولَى، وَالصَّوَابُ أَنَّ كُلَّ مَنْ فَاقَ أَقْرَانَهُ فِي فَنٍّ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصٍ بِالْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ فَهُوَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ الْكَامِلِينَ الْمُكَمِّلِينَ، فَكَأَنَّهُ ذُهِلَ عَنْ قَوْلِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ الْغَزَّالِيِّ: ضَيَّعْتُ قِطْعَةً مِنَ الْعُمُرِ الْعَزِيزِ فِي تَصْنِيفِ الْبَسِيطِ وَالْوَسِيطِ وَالْوَجِيزِ، لَكِنَّهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ - كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠ - ٥٣] فَالْأَظْهَرُ كَلَامُ الْمُظْهِرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ.
ثُمَّ لَا يَخْفَى مَا فِي التَّشْبِيهِ مِنَ اللَّطَافَةِ حَيْثُ جَعَلَ الْعِلْمَ الْحَاصِلَ بِسَبَبِ الْوَحْيِ مُشَبَّهًا بِالْمَاءِ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ، ثُمَّ إِنَّهُ ﵊ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قَاسِمٌ وَوَاسِطَةٌ فِي إِيصَالِ الْفَيْضِ مِنَ الْحَقِّ إِلَى الْخَلْقِ مُشَبَّهٌ بِالسَّحَابِ الْعَامِّ لِجَمِيعِ الْعَالَمِ وَقُلُوبِ الْعِبَادِ مُشَبَّهَةٌ بِالْأَرَاضِي الْمُخْتَلِفَةِ، فَالْأَوَّلُ مِنْ تَشْبِيهِ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ وَغَيْرُهُ مِنْ قَبِيلِ
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: رَأَيْتَ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ الْعَامِّ، وَلِهَذَا جَمَعَهُ فِي: فَاحْذَرُوهُمْ وَفِي بَعْضِهَا بِكَسْرِ التَّاءِ عَلَى خِطَابِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ بَيَانًا لِشَرَفِهَا وَغَزَارَةِ عِلْمِهَا كَمَا يُقَالُ: يَا فُلَانُ افْعَلُوا كَيْتَ وَكَيْتَ لِرَئِيسِ الْقَوْمِ إِظْهَارًا لِشَرَفِهِ وَتَقَدُّمِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَفِيهِ: أَنَّ هَذَا التَّحْقِيقَ يَسْتَدْعِي حُضُورَ قَوْمٍ مَعَهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ خِطَابُ الْمُذَكَّرِ الْجَمْعِ عَلَى تَعْظِيمِهَا تَنْزِيلًا لَهَا مَنْزِلَةَ الرِّجَالِ لِكَمَالِ عَقْلِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: حَذَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ اخْتِلَافٍ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ وَالْبِدْعَةِ كَاخْتِلَافِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَذَلِكَ مِثْلُ الِاخْتِلَافِ فِي نَفْسِ الْقُرْآنِ، أَوْ فِي مَعْنًى لَا يَسُوغُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ، أَوْ فِيمَا يُوقِعُ فِي شَكٍّ وَشُبْهَةٍ وَفِتْنَةٍ وَخُصُومَةٍ، وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ لِاسْتِنْبَاطِ فُرُوعٍ فِي الدِّينِ مِنْهُ، وَمُنَاظَرَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ عَلَى سَبِيلِ الْفَائِدَةِ وَإِظْهَارِ الْحَقِّ فَلَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ وَفَضِيلَتُهُ ظَاهِرَةٌ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ إِلَى الْآنَ اهـ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا بِنَاءً عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ الْوَقْفِ عَلَى الْجَلَالَةِ لِيُفِيدَ أَنَّ عِلْمَ الْمُتَشَابَهِ عَلَى حَقِيقَةِ مَا هُوَ عَلَيْهِ مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُنَافِي هَذَا جَعْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْآخَرِينَ الْوَقْفَ عَلَى الْعِلْمِ الْمُفِيدِ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِيهِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابَهِ؟ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ عَلِمُوهُ لَمْ يُدْرِكُوا حَقِيقَتَهُ الْمُرَادَةَ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْهُ، وَإِنَّمَا عَلِمُوهُ بِصَرْفِ ظَاهِرِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى لِاسْتِحَالَتِهِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ ظَوَاهِرِ الْمُتَشَابِهَاتِ الْمُسْتَحِيلَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدُ فَأَمْسَكَ أَكْثَرُ السَّلَفِ عَنِ الْخَوْضِ فِي تَعْيِينِ الْمُرَادِ مِنْ ذَلِكَ الْمُتَشَابِهِ، وَفَوَّضُوا عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا أَسْلَمُ لِأَنَّ مَنْ أَوَّلَ لَمْ يَأْمَنْ مِنْ أَنْ يَذْكُرَ مَعْنًى غَيْرَ مُرَادٍ لَهُ تَعَالَى فَيَقَعَ فِي وَرْطَةِ التَّعْيِينِ وَخَطَرِهِ، وَخَاضَ أَكْثَرُ الْخَلَفِ فِي التَّأْوِيلِ، وَلَكِنْ غَيْرَ جَازِمِينَ بِأَنَّ هَذَا مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ تِلْكَ النُّصُوصِ، وَإِنَّمَا قَصَدُوا بِذَلِكَ صَرْفَ الْعَامَّةِ عَنِ اعْتِقَادِ ظَوَاهِرِ الْمُتَشَابِهِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ الْمُتَمَسِّكِينَ بِأَكْثَرِ تِلْكَ الظَّوَاهِرِ الْمُوَافِقَةِ لِاعْتِقَادَاتِهِمُ الْبَاطِلَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحِلُّ تَفْسِيرُ الْمُتَشَابِهِ إِلَّا بِسَنَدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ خَبَرٍ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَوْ إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
(بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّتِهِ)، وَفِي نُسْخَةٍ: (أُمَّةٍ قَبْلِي): قِيلَ: عَلَى رِوَايَةِ أُمَّتِهِ بِالْهَاءِ يَتَعَلَّقُ قَبْلِي بِبَعَثَ أَوْ يَكُونُ حَالًا مِنْ أُمَّتِهِ، وَعَلَى رِوَايَةِ فِي أُمَّةٍ يَكُونُ قَبْلِي صِفَةً لِأُمَّةٍ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: نَحْنُ نَرْوِي مِنْ كِتَابِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ فِي أُمَّةٍ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِالْهَاءِ بَعْدَ التَّاءِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ وَالْأَمْثَلُ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَقَدْ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ وَالْجَامِعِ وَالْمَشَارِقِ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَمَا فِي الْمَصَابِيحِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: الرِّوَايَةُ بِالْهَاءِ أَصَحُّ. قِيلَ قَوْلُهُ: نَبِيٌّ نَكِرَةٌ، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُؤْتَى بِأُمَّةٍ نَكِرَةً إِذِ الْمَعْنَى مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ لِاقْتِضَاءِ مَا النَّافِيَةِ وَمِنَ الْاسْتِغْرَاقِيَّةِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ (إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ)، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فِي أُمَّتِهِ عِبَارَةٌ عَنِ النَّكِرَةِ فَهُوَ كَالتَّعْرِيفِ بِاللَّامِ بَعْدَ النَّكِرَةِ (حَوَارِيُّونَ): بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَخُفِّفَ فِي الشَّوَاذِّ أَيْ نَاصِرُونَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: حَوَارِيُّ الرَّجُلِ صَفْوَتُهُ وَخَالِصَتُهُ الَّذِي أُخْلِصَ وَنُقِيَّ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، وَقِيلَ: صَاحِبُ سِرِّهِ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِخُلُوصِ نِيَّتِهِ وَصَفَاءِ طَوِيَّتِهِ مِنَ الْحَوَرِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ شِدَّةُ الْبَيَاضِ، وَقِيلَ: الْحَوَارِيُّ الْقِصَارُ بِلُغَةِ النَّبْطِ، وَكَانَ أَصْحَابُ عِيسَى قَصَّارِينَ لِأَنَّهُمْ يُحَوِّرُونَ الثِّيَابَ أَيْ يُبَيِّضُونَهَا فَغَلَبَ عَلَيْهِمُ الِاسْمُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَنْ يَنْصُرُ نَبِيًّا وَيَتَّبِعُ هُدَاهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ تَشْبِيهًا بِأُولَئِكَ (وَأَصْحَابٌ): يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا، وَأَنْ يَكُونَ الْأَصْحَابُ غَيْرَ الْحَوَارِيِّينَ أَعَمُّ مِنْهُمْ (يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ)، أَيْ: بِهَدْيِهِ وَسِيرَتِهِ (وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ)، أَيْ: يَتْبَعُونَهُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ (ثُمَّ): إِمَّا عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي التَّرَاخِي الزَّمَانِيِّ وَإِمَّا عَلَى مَعْنَى الْبُعْدِ فِي الْمَرْتَبَةِ (إِنَّهَا): الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ (تَخْلُفُ): بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ تَحْدُثُ (مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ): بِضَمِّ الْخَاءِ جَمْعُ خَلْفٍ بِسُكُونِ اللَّامِ مَعَ فَتْحِ الْخَاءِ الرَّدِيءُ مِنَ الْأَعْقَابِ، أَوْ وَلَدُ السُّوءِ كَعَدْلٍ وَعُدُولٍ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩] وَالْخَلَفُ بِفَتْحَتَيْنِ يُجْمَعُ عَلَى أَخْلَافٍ كَمَا يُقَالُ: سَلَفٌ وَأَسْلَافٌ وَهُوَ الصَّالِحُ مِنْهُمْ (يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ): وَصْفُ الْخُلُوفِ بِأَنَّهُمْ مُتَّصِفُونَ وَمُتَمَدِّحُونَ. بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ حَيْثُ يَقُولُونَ: فَعَلْنَا مَا أُمِرْنَا وَلَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، بَلْ فَعَلُوا مَا نُهُوا عَنْهُ وَهُوَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: (وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ): وَهُوَ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] وَقَوْلِهِ ﷿ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] وَأَمَّا السَّلَفُ الصَّالِحُ ; فَإِنَّهُمْ لَمَّا اقْتَدَوْا بِسُنَّةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَسِيرَةِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ ﷺ انْخَرَطُوا فِي سِلْكِ الَّذِينَ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (فَمَنْ جَاهَدَهُمْ): جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمَنْ حَارَبَهُمْ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ (بِيَدِهِ فَهُوَ): بِضَمِّ الْهَاءِ وَتُسَكَّنُ (مُؤْمِنٌ): بِالْهَمْزَةِ وَيُبْدَلُ (وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ)، أَيْ: أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ (بِقَلْبِهِ): بِأَنْ يَغْضَبَ عَلَيْهِمْ وَلَوْ قَدَرَ لَحَارَبَهُمْ بِالْيَدِ أَوْ بِاللِّسَانِ (فَهُوَ مُؤْمِنٌ)، قِيلَ: التَّنْكِيرُ فِي مُؤْمِنٍ لِلتَّنْوِيعِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ دَلَّ عَلَى كَمَالِ الْإِيمَانِ، وَالثَّالِثَ عَلَى نُقْصَانِهِ، وَالثَّانِي عَلَى الْقَصْدِ فِيهِ (وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ): هِيَ اسْمُ لَيْسَ، وَمِنَ الْإِيمَانِ صِفَتُهُ قُدِّمَتْ فَصَارَتْ حَالًا، وَرَاءَ ذَلِكَ خَبَرُهُ، ثُمَّ ذَهَبَ الْمُظْهِرُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِيمَانِ فِي
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٦١ - عَنْ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ ﵁ قَالَ: «أُتِي نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: لِتَنَمْ عَيْنُكَ، وَلِتَسْمَعْ أُذُنُكَ، وَلِيَعْقِلْ قَلْبُكَ. قَالَ: (فَنَامَتْ عَيْنِي، وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَعَقَلَ قَلْبِي) . قَالَ: فَقِيلَ لِي: سَيِّدٌ بَنَى دَارًا، فَصَنَعَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَأَرْسَلَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ، دَخَلَ الدَّارَ، وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَرَضِيَ عَنْهُ السَّيِّدُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ، لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَسَخِطَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ) . قَالَ: (فَاللَّهُ السَّيِّدُ، وَمُحَمَّدٌ الدَّاعِي، وَالدَّارُ الْإِسْلَامُ، وَالْمَأْدُبَةُ الْجَنَّةُ») . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٦١ - (عَنْ رَبِيعَةَ): هُوَ ابْنُ عَمْرٍو (الْجُرَشِيُّ): بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ نَاحِيَةٌ مِنَ الْيَمَنِ، وَقَدْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ صُحْبَةٌ. كَذَا فِي الِاسْتِيعَابِ، وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّحَابَةِ (﵁ قَالَ: أُتِيَ): عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ (نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ)، أَيْ: أَتَاهُ آتٍ (فَقِيلَ لَهُ)، أَيْ: لِلنَّبِيِّ ﷺ (لِتَنَمْ عَيْنَكَ، وَلِتَسْمَعْ: بِسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا (أُذُنُكَ): بِضَمِّ الذَّالِ وَسُكُونِهَا (وَلْيَعْقِلْ قَلْبُكَ) . قَالَ الْمُظْهِرُ، أَيْ: أَتَى مَلَكٌ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، وَمَعْنَاهُ لَا تَنْظُرْ بِعَيْنِكَ إِلَى شَيْءٍ وَلَا تُصْغِ بِأُذُنِكَ إِلَى شَيْءٍ وَلَا تُجْرِ شَيْئًا فِي قَلْبِكَ أَيْ كُنْ حَاضِرًا حُضُورًا تَامًّا لِتَفْهَمَ هَذَا الْمَثَلَ (قَالَ (فَنَامَتْ عَيْنِي): بِالْإِفْرَادِ، وَفِي نُسْخَةٍ عَيْنَايَ (وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَعَقَلَ قَلْبِي): يَعْنِي فَأَجَابَهُ بِأَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ، قِيلَ: الْأَوَامِرُ الثَّلَاثَةُ وَارِدَةٌ عَلَى الْجَوَارِحِ ظَاهِرًا وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ لَهُ ﵊ بِأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الْخِلَالِ الثَّلَاثِ: نَوْمُ الْعَيْنِ وَحُضُورُ السَّمْعِ وَالْقَلْبِ، وَعَلَى هَذَا جَوَابُهُ بِقَوْلِهِ: فَنَامَتْ: أَيِ امْتَثَلَتْ لِمَا أَمَرْتُ بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّةَ قَوْلٌ وَلَا جَوَابٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] الْكَشَّافُ: أَخَطَرَ بِبَالِكَ النَّظَرُ فِي الدَّلَائِلِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْمَعْرِفَةِ وَالْإِسْلَامِ فَقَالَ: أَسْلَمْتُ فَنَظَرَ فَعَرَفَ، وَالْمَعْنَى فِي الْحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ فِيهِ ﷺ الْمَعَانِيَ فَاجْتَمَعَتْ فِيهِ، كَذَا حَرَّرَهُ الطِّيبِيُّ، وَرَدَّهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ بِأَنْ يُرَكَّبَ فِي الْجَمَادِ عَقْلٌ وَيُخَاطَبُ، وَيَكُونُ مَعْنَى أَسْلَمَ اسْتَسْلِمْ لِأَمْرِي اسْتِسْلَامًا يَلِيقُ بِخَلَّتِكَ وَجُعِلُ النَّوْمُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ بِهِ الْإِخْبَارُ عَنْهُ، أَيْ: أَنْتَ نَائِمٌ سَامِعٌ وَاعٍ لِأَنَّ الْمَلَكَ إِنَّمَا جَاءَهُ وَهُوَ نَائِمٌ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلِاسْتِمْرَارِ فِي الْكُلِّ قَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ نَوْمَ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا لَا يَسْتَوْلِي عَلَى قُلُوبِهِمْ لَا يَسْتَوْلِي عَلَى أَسْمَاعِهِمْ، وَكَانَ فِي وَجْهِهِ أَنَّ نَوْمَهُمْ إِنَّمَا يَسْتَوْلِي عَلَى ظَوَاهِرَ أَبْدَانِهِمْ، وَمِنْهَا الْعَيْنُ دُونَ اللَّطِيفَةِ الَّتِي تَسْمَعُ لِأَنَّهَا فِي جَوْفِ الرَّأْسِ فَهِيَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ كَالْقَلْبِ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ السَّمَاعَ الْبَاطِنِيَّ غَيْرُ مَسْلُوبٍ عَنْهُ بِالنَّوْمِ فَإِنَّهُ مِنْ أَحْوَالِ الْقَلْبِ، وَأَمَّا السَّمَاعُ الظَّاهِرِيُّ فَمَوْقُوفٌ عَلَى السَّمَاعِ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الظَّاهِرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالسَّرَائِرِ. (قَالَ): ﵊ (فَقِيلَ لِي)، أَيْ: بِطَرِيقِ الْمَثَلِ مِنْ جِهَةِ الْمَلَكِ (سَيِّدٌ)، أَيْ: سَيِّدٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ كَثِيرُ الْإِحْسَانِ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يَعْنِي هُوَ وَقَوْلُهُ: (بَنَى دَارًا): صِفَتُهُ أَيْ مِثْلُ سَيِّدٍ بَنَى دَارًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَبَنَى خَبَرُهُ وَالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أَوْ سَوَّغَهُ كَوْنُهُ فَاعِلًا مَعْنًى (فَصَنَعَ مَأْدُبَةً): بِضَمِّ الدَّالِ، وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ أَنَّ طَعَامًا (وَأَرْسَلَ دَاعِيًا): يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الطَّعَامِ (فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ، دَخَلَ الدَّارَ): بِالْإِكْرَامِ (وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ): عَلَى وَجْهِ الْإِنْعَامِ (وَرَضِيَ عَنْهُ السَّيِّدُ): بِسَبَبِ الْإِجَابَةِ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ
وَوَقَعَ فِي (أَمَا) فِيمَا تَقَدَّمَ كَمَا وَقَعَ هُنَا فِي (أَلَا)، نَعَمْ أَصْلُ هَذِهِ الْهَمْزَةِ لِلْإِنْكَارِ لِأَنَّهَا إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّفْيِ أَفَادَتِ التَّحْقِيقَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْقَامُوسِ لَكِنَّهَا غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلِانْفِصَالِ فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ مَزَلَّةٌ لِلرِّجَالِ، وَالْمَعْنَى أَيَحْسَبُ أَحَدُكُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَصَرَ الْمُحَرَّمَاتِ فِي الْقُرْآنِ، وَالْحَالُ أَنِّي قَدْ حَرَّمْتُ، فَأَقْحَمَ حَرْفَ التَّنْبِيهِ الْمُتَضَمِّنَ لِلْإِنْكَارِ بَيْنَ الْحَالِ وَعَامِلِهَا، كَمَا أُقْحِمَ حَرْفُ الْإِنْكَارِ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر: ١٩] جَاءَتِ الْهَمْزَةُ مُؤَكِّدَةً مُعَادَةً بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ الْمُتَضَمِّنِ لِلشَّرْطِ وَبَيْنَ الْخَبَرِ، ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ (عَنْ أَشْيَاءَ): مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ فَحَسْبُ وَمُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ وَالْمَوْعِظَةِ مَحْذُوفٌ أَيْ بِأَشْيَاءَ (إِنَّهَا)، أَيِ: الْأَشْيَاءَ الْمَأْمُورَةَ وَالْمَنْهِيَّةَ عَلَى لِسَانِي بِالْوَحْيِ الْخَفِيِّ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحَيٌّ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] (لَمِثْلُ الْقُرْآنِ): فِي الْمِقْدَارِ (أَوْ أَكْثَرُ)، أَيْ: بَلُ أَكْثَرُ، قَالَ الْمُظْهِرُ: أَوْ فِي قَوْلِهِ: أَوْ أَكْثَرُ لَيْسَ لِلشَّكِّ بَلْ إِنَّهُ ﵊ لَا يَزَالُ يَزْدَادُ عِلْمًا طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ، إِلْهَامًا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ، وَمُكَاشَفَةً لَحْظَةً فَلَحْظَةً فَكُوشِفَ لَهُ أَنَّ مَا أُوتِيَ مِنَ الْأَحْكَامِ غَيْرَ الْقُرْآنِ مِثْلُهُ، ثُمَّ كُوشِفَ لَهُ بِالزِّيَادَةِ مُتَّصِلًا بِهِ ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ. وَقَدْ يُسْتَشْكَلُ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] بِنَاءً عَلَى بَقَائِهِ عَلَى عُمُومِهِ أَيْ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الدِّينِ، يُجَابُ بِأَنَّ نِسْبَةَ هَذَا إِلَيْهِ ﷺ إِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ وَاسْتَخْرَجَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَلِذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: كُلُّ مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ مِمَّا فَهِمَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ أَخْرَجَ مَا يُؤَيِّدُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ ««إِنِّي لَا أُحِلُّ إِلَّا مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَلَا أُحَرِّمُ إِلَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ»». وَقَالَ: جَمِيعُ مَا تَقُولُهُ الْأَئِمَّةُ شَرْحٌ لِلسُّنَّةِ، وَجَمِيعُ السُّنَّةِ شَرْحٌ لِلْقُرْآنِ. وَقَالَ: مَا نَزَلَ بِأَحَدٍ مِنَ الدِّينِ نَازِلَةٌ إِلَّا وَهِيَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ بِحَدِيثٍ أَنْبَأْتُكُمْ بِتَصْدِيقِهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ. وَعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: مَا بَلَغَنِي حَدِيثٌ عَلَى وَجْهِهِ إِلَّا وَجَدْتُ مِصْدَاقَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ): مِنَ الْإِحْلَالِ (أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ): بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا (أَهْلِ الْكِتَابِ): يَعْنِي أَهْلَ الذِّمَّةِ الَّذِينَ قَبِلُوا الْجِزْيَةَ (إِلَّا بِإِذْنٍ): كَذَا فِي أَصْلِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ وَلَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ «إِلَّا بِإِذْنِهِمْ» أَيْ إِلَّا أَنْ يَأْذَنُوا لَكُمْ بِالطَّوْعِ وَالرَّغْبَةِ كَمَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ (وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ): يُرِيدُ الضَّرْبَ الْمَعْرُوفَ بِالْخَشَبِ يَعْنِي لَا يَجُوزُ أَنْ تَضْرِبُوا نِسَاءَهُمْ وَتَأْخُذُوا طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْهُنَّ بِالْقَهْرِ، وَقِيلَ: الضَّرْبُ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ يَعْنِي لَا تَظُنُّوا أَنَّ نِسَاءَهُمْ مُحَلَّلَاتٌ لَكُمْ كَنِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ (وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ)، أَيْ: بِالْقَهْرِ مِنْ بَسَاتِينِهِمْ فَضْلًا عَنْ بَقِيَّةِ أَمْوَالِهِمْ (إِذَا أَعْطَوْكُمُ الَّذِي عَلَيْهِمْ)، أَيْ: مِنَ الْجِزْيَةِ، وَالْحَاصِلُ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهُمْ بِإِيذَائِهِمْ فِي الْمَسْكَنِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ إِذَا أَعْطَوُا الْجِزْيَةَ، وَإِذَا أَبَوْا عَنْهَا انْتَقَضَتْ ذِمَّتُهُمْ وَحَلَّ دَمُهُمْ وَمَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ، وَصَارُوا كَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي قَوْلٍ صَحِيحٍ. كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا وُضِعَ قَوْلُهُ الَّذِي عَلَيْهِمْ مَوْضِعَ الْجِزْيَةِ لِيُؤْذِنَ بِفَخَامَةِ الْعِلَّةِ، وَبِأَنَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ مُعَلَّلٌ بِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِمْ، وَلَوْ صَرَّحَ بِهَا لَمْ يُفَخَّمْ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ أَعَمُّ مِنَ الْجِزْيَةِ فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُحْدِثُوا بِيعَةً وَلَا كَنِيسَةً فِي دَارِنَا وَأَنْ يَتَمَيَّزُوا فِي زِيِّهِمْ وَمَرْكَبِهِمْ وَسُرُجِهِمْ وَسِلَاحِهِمْ فَلَا يَرْكَبُوا خَيْلًا وَلَا يَلْبَسُوا مَا يَخُصُّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالشَّرَفِ وَيَرْكَبُوا عَلَى سُرُجٍ كَالْإِكَافِ وَغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، فَلَا وَجْهَ
الْإِسْلَامِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَفَتَحَ أَكْثَرَ أَقَالِيمِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ كَانَ فِي غَايَةِ الصَّلَابَةِ وَكَمَالِ الشَّهَامَةِ وَمَتَانَةِ الرَّأْيِ وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ، وَخِلَافَتُهُ عَشْرُ سِنِينَ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرُ لَيَالٍ، ثُمَّ بُويِعَ لِعُثْمَانَ لِشَوْكَةِ أَقَارِبِهِ، وَبَسْطِ أَيْدِي بَنِي أُمَيَّةَ فِي حُكُومَةِ الْأَطْرَافِ زَمَنَ عُمَرَ، فَلَوْ نُصِّبَ غَيْرُهُ لَوَقَعَ الْخِلَافُ، فَأَظْهَرَ فِي مُدَّةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً مَسَاعِيَ جَمِيلَةً فِي الْإِسْلَامِ، وَجَمَعَ النَّاسَ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ بَعْدَ مَا كَانُوا يَقْرَءُونَ بِقِرَاءَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى حَسَبِ السَّمَاعِ، وَبَعْثَ بِهِ إِلَى الْآفَاقِ، وَلِذَا نُسِبَ الْمُصْحَفُ إِلَيْهِ وَجُعِلَ إِمَامًا، ثُمَّ بُويِعَ بَعْدَهُ لِعَلِيٍّ الْمُرْتَضَى لِأَنَّهُ أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُمْ، وَسَيِّدُ بَنِي هَاشِمٍ مَا خَلَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَوْ لَمْ تَقَعِ الْخِلَافَةُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ لَحُرِمَ وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْصِبِ الْمَشْكُورِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ مُعْجِزَاتِهِ ﵊ الدَّالِّ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ لِأَنَّهُ اسْتَبَدَّ بِذِكْرِ هَذَا الْغَيْبِ وَقَالَ: "«الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَضُوضًا» وَوَقَعَ كَمَا قَالَ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَأَمَّا ذِكْرُ سُنَّتِهِمْ فِي مُقَابَلَةِ سُنَّتِهِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يُخْطِئُونَ فِيمَا يَسْتَخْرِجُونَ مِنْ سُنَّتِهِ، أَوْ أَنَّ بَعْضَهَا مَا اشْتَهَرَ إِلَّا فِي زَمَانِهِمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ انْتِفَاءَ الْخِلَافَةِ عَنْ غَيْرِهِمْ حَتَّى يُنَافِيَ قَوْلَهُ ﵊ (يَكُونُ فِي أُمَّتِي اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً) بَلِ الْمُرَادُ تَصْوِيبُ رَأْيِهِمْ وَتَفْخِيمُ أَمْرِهِمْ، وَقِيلَ هُمْ وَمَنْ عَلَى سِيرَتِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْأَحْكَامِ فَإِنَّهُمْ خُلَفَاءُ الرَّسُولِ ﵊ فِي إِحْيَاءِ الْحَقِّ وَإِرْشَادِ الْخَلْقِ وَإِعْلَاءِ الدِّينِ وَكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ (تَمَسَّكُوا بِهَا) أَيْ بِالسُّنَّةِ (وَعَضُّوا) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى السُّنَّةِ (بِالنَّوَاجِذِ) جَمْعُ نَاجِذَةٍ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الضِّرْسُ الْأَخِيرُ وَقِيلَ هُوَ مُرَادِفُ السِّنِّ وَقِيلَ هُوَ النَّابُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا تَكَامَلَتِ الْأَسْنَانُ فَهِيَ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ ثَنَايَا وَهِيَ أَوَائِلُ مَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ مِنْ مُقَدَّمِ الْفَمِ ثُمَّ أَرْبَعُ رَبَاعِيَاتٍ ثُمَّ أَرْبَعُ أَنْيَابٍ ثُمَّ أَرْبَعُ ضَوَاحِكَ ثُمَّ اثْنَا عَشَرَ أَضْرَاسًا وَهُوَ الطَّوَاحِنُ ثُمَّ أَرْبَعُ نَوَاجِذَ وَهِيَ أَوَاخِرُ الْأَسْنَانِ كَذَا نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَضْرَاسَ عِشْرُونَ شَامِلَةً لِلضَّوَاحِكِ وَالطَّوَاحِنِ وَالنَّوَاجِذِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْعَضُّ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةٍ مُلَازَمَةِ السُّنَّةِ وَالتَّمَسُّكِ بِهَا فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا أَخْذًا شَدِيدًا يَأْخُذُهُ بِأَسْنَانِهِ أَوِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى هَذِهِ الْوَصِيَّةِ بِالصَّبْرِ عَلَى مُقَاسَاةِ الشَّدَائِدِ كَمَنْ أَصَابَهُ أَلَمٌ لَا يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَهُ فَيَشْتَدُّ بِأَسْنَانِهِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: هَذِهِ اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ شَبَّهَ حَالَ الْمُتَمَسِّكِ بِالسُّنَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِجَمِيعِ مَا يُمْكِنُ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُعِينَةِ عَلَيْهِ بِحَالِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِشَيْءٍ بِيَدَيْهِ ثُمَّ يَسْتَعِينُ عَلَيْهِ اسْتِظْهَارًا لِلْمُحَافَظَةِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ تَحْصِيلَ السَّعَادَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ بَعْدَ مُجَانَبَةِ كُلِّ صَاحِبٍ يُفْسِدُ الْوَقْتَ، وَكُلِّ سَبَبٍ يَفْتِنُ الْقَلْبَ مَنُوطٌ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ بِأَنْ يَمْتَثِلَ الْأَمْرَ عَلَى مُشَاهَدَةِ الْإِخْلَاصِ، وَيُعَظِّمَ النَّهْيَ عَلَى مُشَاهَدَةِ الْخَوْفِ، بَلْ بِاقْتِفَاءِ آثَارِ الرَّسُولِ ﷺ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهِ وَمَصَادِرِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ وَيَقَظَتِهِ وَمَنَامِهِ، حَتَّى يُلْجِمَ النَّفْسَ بِلِجَامِ الشَّرِيعَةِ، وَيَتَجَلَّى فِي الْقَلْبِ حَقَائِقُ الْحَقِيقَةِ بِتَصْقِيلِهِ مِنْ مَفَاتِحِ الْأَخْلَاقِ وَتَنْوِيرِهِ بِأَنْوَارِ الذِّكْرِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْوِفَاقِ، وَتَعْدِيلِهِ بِإِجْرَاءِ جَمِيعِ حَرَكَاتِ الْجَوَارِحِ عَلَى قَانُونِ الْعَدْلِ حَتَّى يُحْدِثَ فِيهِ هَيْئَةً عَادِلَةً مَسْنُونَةً مِنْ آثَارِ الْفَضْلِ، يَسْتَعِدُّ لِقَبُولِ الْمَعَارِفِ وَالْحَقَائِقِ، وَيَصْلُحُ أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ رُوحُ اللَّهِ الْمَخْصُوصُ بِسُلُوكِ أَحْسَنِ الطَّرَائِقِ، هَذَا وَقِيلَ: تَمَسَّكُوا وَعَضُّوا فِعْلَا مَاضٍ صِفَتَانِ لِلْخُلَفَاءِ (وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ): عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: فَعَلَيْكُمْ لِلتَّقْرِيرِ وَالتَّوْكِيدِ، أَيِ: احْذَرُوا عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي أُحْدِثَتْ عَلَى خِلَافِ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَاتَّقُوا أَحْدَاثَهَا (فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ)، أَيْ: فِي الشَّرِيعَةِ (وَكُلَّ بِدْعَةٍ): بِنَصْبِ كُلَّ، وَقِيلَ: بِرَفْعِهِ (ضَلَالَةٌ): إِلَّا مَا خُصَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
١٧٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ «أَتَاهُ عُمَرُ فَقَالَ: إِنَّا نَسْمَعُ أَحَادِيثَ مِنْ يَهُودَ تُعْجِبُنَا، أَفْتَرَى أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ فَقَالَ: أَمُتَهَوِّكُونَ أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ ! لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي»». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ (شُعَبِ الْإِيمَانِ)
ــ
١٧٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أَتَاهُ عُمَرُ فَقَالَ) أَيْ: عُمَرُ (إِنَّا نَسْمَعُ أَحَادِيثَ) أَيْ: حِكَايَاتٍ وَمَوَاعِظَ (مِنْ يَهُودَ): قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْأَصْلُ فِي (يَهُودَ) وَ(مَجُوسَ) تَرْكُ اللَّامِ لِأَنَّهُمَا عَلَمَانِ لِقَوْمَيْنِ، وَمَنْ عَرَفَ فَإِنَّهُ أَجْرَى يَهُودِيًّا وَيَهُودَ مَجْرَى شَعِيرَةٍ وَشَعِيرٍ اهـ.
وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: يَهُودُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعِلْمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْقَبِيلَةِ، وَقِيلَ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لِلْعَلَمِيَّةِ وَوَزْنِ الْفِعْلِ لِأَنَّ أَسْمَاءَ الْقَبَائِلِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا تَأْنِيثٌ لَفْظِيٌّ يَجُوزُ صَرْفُهَا حَمْلًا عَلَى الْحَيِّ وَعَدَمُ صَرْفِهَا حَمْلًا عَلَى الْقَبِيلَةِ، وَيَهُودُ لَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا عَدَمُ الصَّرْفِ (تُعْجِبُنَا): بِضَمِّ التَّاءِ، وَكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ: تَحْسُنُ عِنْدَنَا وَتَمِيلُ قُلُوبُنَا إِلَيْهَا (أَفَتَرَى): بِفَتْحِ التَّاءِ، أَيْ: أَتُحَسِّنُ لَنَا اسْتِمَاعَهَا فَتَرَى يَعْنِي فَتَأْذَنُ (أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ فَقَالَ): ﵊ زَجْرًا لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ (أَمُتَهَوِّكُونَ) أَيْ: أَمُتَحَيِّرُونَ فِي دِينِكُمْ حَتَّى تَأْخُذُوا الْعِلْمَ مِنْ غَيْرِ كِتَابِكُمْ وَنَبِيِّكُمْ (أَنْتُمْ): لِلتَّأْكِيدِ (كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ !) أَيْ: كَتَحَيُّرِهِمْ حَيْثُ نَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَ أَحْبَارِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ (لَقَدْ جِئْتُكُمْ): جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ (بِهَا) أَيْ: بِالْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ بِقَرِينَةِ الْكَلَامِ (بَيْضَاءَ) أَيْ: وَاضِحَةً، حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ «بِهَا» (نَقِيَّةً): صِفَةُ بَيْضَاءَ، أَيْ: ظَاهِرَةٌ صَافِيَةٌ خَالِصَةٌ خَالِيَةٌ عَنِ الشِّرْكِ وَالشُّبْهَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا أَنَّهَا مَصُونَةٌ عَنِ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ وَالْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ خَافِيَةٌ عَنِ التَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ، لِأَنَّ فِي دِينِ الْيَهُودِ (إِخْرَاجُ رُبُعِ مَالِهِمْ زَكَاةً، وَقَطْعُ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ بَدَلًا عَنِ الْغَسْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَتَحَتُّمِ الْقِصَاصِ فِي دِينِ الْيَهُودِ، وَتَحَتُّمِ الدِّيَةِ فِي دِينِ النَّصَارَى، وَأَخَّرَ (نَقِيَّةً) لِأَنَّهَا صِفَةُ (بَيْضَاءَ) إِذْ يُقَالُ: أَبْيَضُ نَقِيٌّ دُونَ الْعَكْسِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ حَالَانِ مُتَرَادِفَانِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُفَسَّرِ بِالْمِلَّةِ اهـ.
قِيلَ: وَوَصَفَ الْمِلَّةَ بِالْبَيَاضِ تَنْبِيهًا عَلَى كَرَمِهَا وَفَضْلِهَا، وَكَرَمُهَا إِفَادَتُهَا كُلَّ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِأَنَّ الْبَيَاضَ لَمَّا كَانَ أَفْضَلَ لَوْنٍ عِنْدَ الْعَرَبِ عَبَّرَ بِهِ عَنِ الْكَرَمِ وَالْفَضْلِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ ﵊ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ أَتَاهُمْ بِالْأَعْلَى وَالْأَفْضَلِ، وَاسْتِبْدَالُ الْأَدْنَى عَنْهُ مَظِنَّةٌ لِلتَّحَيُّرِ (وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ) أَيْ: مَا جَازَ لَهُ (إِلَّا اتِّبَاعِي): فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَطْلُبُوا فَائِدَةً مِنْ قَوْمِهِ مَعَ وُجُودِي. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ٨١] الْآيَةَ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيًّا، آدَمَ وَمَنْ بَعْدَهُ إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَخَذَ الْعَهْدَ عَلَى قَوْمِهِ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَئِنْ بُعِثَ وَهُمْ أَحْيَاءٌ لَيَنْصُرُنَّهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَذَا فِي تَفْسِيرِ الْبَغَوِيِّ، فَيَكُونُ التَّنْكِيرُ فِي «رَسُولٍ» لِلتَّعْظِيمِ فَهُوَ نَبِيُّ الْأَنْبِيَاءِ وَإِمَامُ الرُّسُلِ، وَلِذَا قَالَ: «آدَمَ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رَوَاهُ أَحْمَدُ)، أَيْ: فِي مُسْنَدِهِ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ رَدِيءَ الْحِفْظِ يَقْلِبُ الْأَسَانِيدَ وَيَرْفَعُ الْمَرَاسِيلَ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْحَدِيثُ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ حَرَامٌ، وَعَنْ مُجَالِدٍ تَجَالُدٌ، وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ رِيَاحٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدِيثُ مُجَالِدٍ حُلْمٌ إِلَّا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ جَاءَ عَنْ غَيْرِ مُجَالِدٍ فَتَأَيَّدَ بِهِ.
١٨١ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: («لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧]» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٨١ - (وَعَنْ أَنَسٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ): فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّكْرَارِ وَالِاسْتِمْرَارِ (لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أَيْ: بِالْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ كَصَوْمِ الدَّهْرِ وَإِحْيَاءِ اللَّيْلِ كُلِّهِ وَاعْتِزَالِ النِّسَاءِ لِئَلَّا تَضْعُفُوا عَنِ الْعِبَادَةِ وَأَدَاءِ الْحُقُوقِ وَالْفَرَائِضِ (فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ): بِالنَّصْبِ جَوَابُ النَّهْيِ أَيْ: يَفْرِضُهَا عَلَيْكُمْ فَتَقَعُوا فِي الشِّدَّةِ، أَوْ بِأَنْ يُفَوِّتَ عَلَيْكُمْ بَعْضَ مَا وَجَبَ عَلَيْكُمْ بِسَبَبِ ضَعْفِكُمْ مِنْ تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ كَذَا قَالَهُ الشُّرَّاحُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعْنَى: لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، بِإِيجَابِ الْعِبَادَاتِ الشَّاقَّةِ عَلَى سَبِيلِ النَّذْرِ أَوِ الْيَمِينِ، فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَيُوجِبَ عَلَيْكُمْ بِإِيجَابِكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَتَضْعُفُوا عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّهِ وَتَمَلُّوا وَتَكْسَلُوا وَتَتْرُكُوا الْعَمَلَ فَتَقَعُوا فِي عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُلَائِمُ لِلتَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ (فَإِنَّ قَوْمًا) أَيْ: مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ (شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ): بِالْعِبَادَاتِ الشَّاقَّةِ، وَالرِّيَاضَاتِ الصَّعْبَةِ، وَالْمُجَاهَدَاتِ التَّامَّةِ، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِإِتْمَامِهَا وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهَا، وَقِيلَ: شَدَّدُوا حِينَ أُمِرُوا بِذَبْحِ بَقَرَةٍ فَسَأَلُوهُ عَنْ لَوْنِهَا وَسِنِّهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهَا. (فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ): بِأَنْ أَمَرَهُمْ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ عَلَى صِفَةٍ، لَمْ تُوجَدْ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ إِلَّا بَقَرَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يَبِعْهَا صَاحِبُهَا إِلَّا بِمِلْءِ جِلْدِهَا ذَهَبًا، وَيُؤَيِّدُ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ مَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ (فَتِلْكَ): الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وَتِلْكَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي الذِّهْنِ مِنْ تَصَوُّرِ جَمَاعَةٍ بَاقِيَةٍ مِنْ أُولَئِكَ الْمُشَدِّدِينَ بَقِيَتْ فِي الصَّوَامِعِ يُفَسِّرُهَا قَوْلُهُ (بَقَايَاهُمْ) أَيْ: بَقَايَا قَوْمٍ شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ (فِي الصَّوَامِعِ): جَمْعُ صَوْمَعَةٍ، وَهِيَ مَوْضِعُ عِبَادَةِ الرُّهْبَانِ مِنَ النَّصَارَى. قِيلَ: هُوَ بِنَاءٌ صَغِيرٌ عَلَى شَكْلِ دَائِرَةٍ (وَالدِّيَارِ): جَمْعُ الدَّيْرِ، وَهُوَ الْكَنِيسَةُ وَهِيَ مَعْبَدُ الْيَهُودِ، قِيلَ: وَهُوَ بِنَاءٌ وَسِيعٌ فِيهِ مَحَلُّ الْعِبَادَةِ، وَبَاقِيهِ لِنَحْوِ نُزُولِ الْمَارَّةِ وَإِيوَاءِ الْغَرِيبِ (رَهْبَانِيَّةً): نُصِبَ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ، أَيِ: ابْتَدَعُوا رَهْبَانِيَّةً (ابْتَدَعُوهَا) يُقَالُ: ابْتَدَعَ إِذَا أَتَى بِشَيْءٍ بَدِيعٍ أَيْ: جَدِيدٍ لَمْ يَفْعَلْهُ قَبْلَهُ أَحَدٌ، وَالرَّهْبَانِيَّةُ بِالْفَتْحِ الْخَصْلَةُ الْمَنْسُوبَةُ إِلَى الرُّهْبَانِ، وَهُوَ الْخَائِفُ، فُعْلَانٌ مِنْ رَهِبَ رَهْبَةً أَيْ خَافَ، وَبِالضَّمِّ نِسْبَةً إِلَى الرُّهْبَانِ جَمْعُ رَاهِبٍ، وَفِي الْآيَةِ قُرِئَتْ بِالضَّمِّ شَاذًّا، وَقِيلَ: الرَّهْبَةُ الْخَوْفُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْعِبَادَةِ وَالرِّيَاضَةِ وَالِانْقِطَاعِ عَنِ النَّاسِ، وَيُطْلَقُ عَلَى عِبَادَةِ الرُّهْبَانِ، وَهُوَ جَمْعُ الرَّاهِبِ أَيْ: عَابِدُ النَّصَارَى وَهِيَ مَا يَفْعَلُونَ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ (مَا كَتَبْنَاهَا) أَيْ: مَا فَرَضْنَا تِلْكَ الرَّهْبَانِيَّةَ (عَلَيْهِمْ): مِنْ تَرْكِ التَّلَذُّذِ بِالْأَطْعِمَةِ وَتَرْكِ التَّزَوُّجِ وَالِاعْتِزَالِ عَنِ النَّاسِ، وَالتَّوَطُّنِ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ وَالْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ عَنِ الْعُمْرَانِ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِيمَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٧] اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَيْ: وَلَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوهَا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ. قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] أَيْ: لَمْ يَرْعَوُا الرَّهْبَانِيَّةَ حَقَّ رِعَايَتِهَا وَضَيَّعُوا وَكَفَرُوا بِدِينِ عِيسَى، فَتَهَوَّدُوا وَتَنَصَّرُوا وَدَخَلُوا فِي دِينِ مُلُوكِهِمْ وَتَرَكُوا التَّرَهُّبَ، وَأَقَامَ مِنْهُمْ أُنَاسٌ عَلَى دِينِ عِيسَى ﵊، حَتَّى أَدْرَكُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَآمَنُوا بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧] كَذَا فِي الْمَعَالِمِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
١٩٣ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا ; فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانُوا أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَبَرَّهَا قُلُوبًا وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وَلِإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَّبِعُوهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ، وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَسِيَرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهَدْيِ الْمُسْتَقِيمِ. رَوَاهُ رَزِينٌ.
ــ
١٩٣ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا): بِتَشْدِيدِ النُّونِ أَيْ: مُقْتَدِيًا بِسُنَّةِ أَحَدٍ وَطَرِيقَتِهِ (فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ) أَيْ: عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَعَلِمَ حَالَهُ وَكَمَالَهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِقَامَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أُخْرِجَ الْكَلَامُ مَخْرَجَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ تَنْبِيهًا بِهِ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَتَحَرِّي طَرِيقِ الصَّوَابِ بِنَفْسِهِ بِالِاسْتِنْبَاطِ مِنْ مَعَانِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ فَلْيَقْتَدِ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُمْ نُجُومُ الْهُدَى وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُوصِي الْقُرُونَ الْآتِيَةَ بَعْدَ قُرُونِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِاقْتِفَاءِ أَثَرِهِمْ وَالِاهْتِدَاءِ بِسِيَرِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُوصِي التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ بِالِاقْتِدَاءِ بِالصَّحَابَةِ، لَكِنْ خَصَّ أَمْوَاتَهُمْ لِأَنَّهُ عَلِمَ اسْتِقَامَتَهُمْ عَلَى الدِّينِ وَاسْتِدَامَتَهُمْ عَلَى الْيَقِينِ بِخِلَافِ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ حَيًّا فَإِنَّهُ يُمْكِنُ مِنْهُمُ الِافْتِتَانُ وَوُقُوعُ الْمَعْصِيَةِ وَالطُّغْيَانِ، بَلِ الرِّدَّةُ وَالْكُفْرَانُ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْخَاتِمَةِ، وَهَذَا تَوَاضُعٌ مِنْهُ فِي حَقِّهِ ﵁ لِكَمَالِ خَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَمَّا رَأَى مِنَ الْفِتَنِ الْعَظِيمَةِ وَوُقُوعِ الْهَالِكِينَ فِيهَا وَإِلَّا فَهُوَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَقَدْ شَهِدَ لَهُ ﵊ بِالْجَنَّةِ وَقَالَ: ««رَضِيتُ لِأُمَّتِي مَا رُضِيَ لَهُمْ»» وَأَنَّهُ أَفْقَهُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَلِذَا اخْتَارَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ تَشَهُّدَهُ عَلَى تَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفِتْنَةُ كَالْبَلَاءِ يُسْتَعْمَلَانِ فِيمَا يُدَافَعُ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنَ الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ اهـ. وَهُمَا فِي الشِّدَّةِ أَظْهَرُ، وَأَمَّا قَوْلُ الطِّيبِيُّ: لِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا قَدْ أَمِنُوا مِنَ الْفِتْنَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٣] فَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ (أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ: إِشَارَةٌ إِلَى مَنْ مَاتَ، أَفْرَدَ الضَّمِيرَ فِي «مَاتَ» نَظَرًا إِلَى اللَّفْظِ. وَقَالَ: (أُولَئِكَ) نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الصَّحَابِيَّ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الَّذِي لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ وَآمَنَ بِهِ وَمَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَأَمَّا مَنْ عَاشَ مِنْهُمْ فَهُوَ فِي خَطَرٍ مِنَ الرِّدَّةِ، سَوَاءٌ آمَنَ بَعْدَهَا أَوْ لَا، فَإِنَّ بِالرِّدَّةِ تَبْطُلُ الصُّحْبَةُ فِي مَذْهَبِنَا (كَانُوا أَفَضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ) أَيْ: أُمَّةِ الْإِجَابَةِ وَهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ فَكَانُوا أَفْضَلَ الْأُمَمِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي الذِّهْنِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَى انْقِرَاضِ الْعَالَمِ اهـ. أَوْ يُقَالُ: الْإِشَارَةُ إِلَى الْمَوْجُودِينَ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْأَفْضَلِيَّةُ عَلَى سَائِرِ الْقُرُونِ لِحَدِيثِ: ««خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»» الْحَدِيثَ. (أَبِرَّهَا قُلُوبًا) أَيْ: أَطْوَعَهَا وَأَحْسَنَهَا وَأَخْلَصَهَا وَأَعْلَمَهَا أَوْ أَكْثَرَهَا إِيمَانًا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الْآيَةَ. وَقَالَ ﷿: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣] أَيْ ضَرَبَهَا بِأَنْوَاعِ الْمِحَنِ وَالتَّكْلِيفَاتِ الصَّعْبَةِ وَالشَّدَائِدِ الَّتِي لَا تُطَاقُ لِأَجْلِ أَنْ يَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهَا مِنَ التَّقْوَى، إِذْ لَا تَظْهَرُ حَقِيقَتُهَا إِلَّا عِنْدَ ذَلِكَ فَوَجَدَهَا مَعَ ذَلِكَ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الِانْقِيَادِ وَالرِّضَا أَوْ أَخْلَصَهَا لِلتَّقْوَى مِنْ قَوْلِهِمْ: امْتَحَنْتُ الذَّهَبَ وَفَتَنْتُهُ إِذَا أَذَبْتَهُ بِالنَّارِ حَتَّى خَرَجَ خَالِصًا نَقِيًّا، أَوْ أَذْهَبَ الشَّهَوَاتِ وَالْحُظُوظَ الدُّنْيَوِيَّةَ عَنْهَا كَمَا قَالَهُ عُمَرُ ﵁. (وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا) أَيْ: أَكْثَرَهَا غَوْرًا مِنْ جِهَةِ الْعِلْمِ وَأَدَقَّهَا فَهْمًا وَأَوْفَرَهَا حَظًّا مِنَ
الْعُلُومِ الْمُخْتَلِفَةِ كَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْفَرَائِضِ وَالتَّصَوُّفِ لِسَعَةِ صُدُورِهِمْ وَشَرْحِ قُلُوبِهِمْ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أُمَّةً جَامِعًا لِلشَّمَائِلِ السَّنِيَّةِ وَالْفَضَائِلِ الْبَهِيَّةِ لَا تُوجَدُ غَالِبًا إِلَّا فِي جَمَاعَةٍ، وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَقَدِ افْتَرَقُوا فَبَعْضُهُمْ صَارَ مُفَسِّرًا وَبَعْضُهُمْ مُحَدِّثًا وَغَيْرُ ذَلِكَ لِعَدَمِ تِلْكَ الْقَابِلِيَّةِ الْعُظْمَى وَالِاسْتِعْدَادَاتِ الْكَامِلَةِ الْعُلْيَا، وَلِذَا اعْتَرَضَ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ عَلَى الْعَلَّامَةِ التَّفْتَازَانِيِّ فِي قَوْلِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] أَنَّ الْجَوَابَ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ فَإِنَّهُمْ مَا كَانُوا يُدْرِكُونَ تَحْقِيقَ مَاهِيَّةِ الْأَهِلَّةِ، وَلِذَا عَدَلَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] مَعَ أَنَّ السَّائِلَ مِنْ أَجِلَّاءِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ الَّذِي قَالَ ﵊ فِي حَقِّهِ: «هُوَ أَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ». (وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا) أَيْ: فِي الْعَمَلِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَمْشُونَ حُفَاةً، وَيُصَلُّونَ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَأْكُلُونَ مِنْ كُلِّ آنِيَةٍ، وَيَشْرَبُونَ مِنْ سُؤْرِ النَّاسِ، وَكَذَا فِي الْعِلْمِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِمْ، وَيَقُولُونَ فِيمَا لَا يَدْرُونَ: لَا نَدْرِي، وَكَانُوا يَتَدَافَعُونَ الْفَتْوَى عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَيُشِيرُونَ إِلَى مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ، وَكَذَا فِي الْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتْلُونَ الْقُرْآنَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ عَلَى لُحُونِ الْعَرَبِ مِنْ غَيْرِ النَّغَمَاتِ وَالتَّمْطِيطَاتِ وَغَيْرِهَا، وَكَذَا فِي الْأَحْوَالِ الْبَاطِنِيَّةِ فَإِنَّهُمْ مَا كَانُوا يَرْقُصُونَ وَلَا يَصِيحُونَ وَلَا يُطِيحُونَ وَلَا يَطْرُقُونَ، وَلَا يَجْتَمِعُونَ لِلْغِنَاءِ وَالْمَزَامِيرِ، وَلَا يَتَحَلَّقُونَ لِلْأَذْكَارِ وَالصَّلَوَاتِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا فِي بُيُوتِهِمْ، بَلْ كَانُوا فَرْشِيِّينَ بِأَبْدَانِهِمْ، عَرْشِيِّينَ بِأَرْوَاحِهِمْ، كَائِنِينَ مَعَ الْخَلْقِ فِي الظَّاهِرِ، بَائِنِينَ عَنِ الْخَلْقِ مَعَ الْحَقِّ فِي الْبَاطِنِ، وَكَانُوا يَلْبَسُونَ مَا تَيَسَّرَ لَهُمْ مِنَ الصُّوفِ وَالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ، غَيْرَ مُتَقَيِّدِينَ بِالْأَوْصَافِ الْمَخْصُوصَةِ وَالْمُرَقَّعَاتِ الْمُنْتَقَشَةِ، وَكَانُوا يَأْكُلُونَ مَا تَهَيَّأَ لَهُمْ مِنَ الْحَلَالَاتِ وَالْمُسْتَلَذَّاتِ، غَيْرَ مُحْتَرِزِينَ مِنَ اللَّحْمِ أَوِ اللَّبَنِ أَوِ الْفَوَاكِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكُلُّ هَذَا بِتَرْبِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ الْمُرَبِّي الْكَامِلِ الْمُكَمَّلِ الَّذِي قَالَ: ««أَدَّبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي»» كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ﵁ بِقَوْلِهِ: (اخْتَارَهُمُ اللَّهُ) أَيْ: مِنْ بَيْنِ الْخَلَائِقِ (لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ): الَّذِي كَانَ كَالْإِكْسِيرِ فِي كَمَالِ التَّأْثِيرِ (وَلِإِقَامَةِ دِينِهِ): فَإِنَّهُمْ نَقَلَةُ أَقْوَالِهِ وَحَمَلَةُ أَحْوَالِهِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَأَيْضًا جَاهَدُوا حَقَّ الْجِهَادِ حَتَّى فَتَحُوا الْبِلَادَ وَأَظْهَرُوا الدِّينَ لِلْعِبَادِ، مَعَ اشْتِغَالِهِمْ بِأَحْوَالِ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، جَزَاهُمُ اللَّهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ خَيْرَ الْجَزَاءِ فِي يَوْمِ التَّنَادِ (فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ) أَيْ: عَلَى غَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ، أَيْ زِيَادَةَ قَدْرِهِمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالْغَزْوِ وَالْإِنْفَاقِ وَمَزِيَّةِ الثَّوَابِ وَغَيْرِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] (وَاتَّبِعُوهُمْ): بِتَشْدِيدِ التَّاءِ أَيْ: كُونُوا مُتَّبِعِينَ لَهُمْ حَالَ كَوْنِكُمْ مَاشِينَ (عَلَى أَثَرِهِمْ): بِفَتْحِهِمَا وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ: عَقِبَهُمْ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، فَإِنَّهُمُ اتَّبَعُوا أَثَرَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا شَاهَدُوا مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَلِذَا قَالَ ﷺ: ««أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ»» (وَتَمَسَّكُوا) أَيْ: خُذُوا وَاعْمَلُوا (بِمَا اسْتَطَعْتُمْ): وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عَجْزِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنِ الْمُتَابَعَةِ الْكَامِلَةِ، لَكِنْ مَا لَا يُدْرَكُ
السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ. وَقَالَ مَيْرَكُ: وَهُوَ عِنْدَ الطَّائِفَةِ الصُّوفِيَّةِ مُتَابَعَةُ الشَّيْطَانِ وَالْهَوَى وَالْإِقْبَالُ عَلَى الدُّنْيَا وَالْإِعْرَاضُ عَنِ الْعُقْبَى، إِذْ يَجِبُ أَنْ يَنْقَطِعَ الْمُحِبُّ عَنْ كُلِّ مَطْلُوبٍ، بَلْ يَنْقَطِعُ عَمَّا سِوَى الْمَحْبُوبِ (وَحَدَّ حُدُودًا) أَيْ: بَيَّنَ وَعَيَّنَ حُدُودًا فِي الْمَعَاصِي مِنَ الْقَتْلِ وَالضَّرْبِ (فَلَا تَعْتَدُوهَا) أَيْ: لَا تَتَجَاوَزُوا عَنِ الْحَدِّ لَا بِالزِّيَادَةِ وَلَا بِالنُّقْصَانِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْحُدُودُ هِيَ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى وَعُقُوبَاتُهَا الَّتِي قَرَنَهَا بِالذُّنُوبِ، وَأَصْلُ الْحَدِّ الْمَنْعُ وَالْفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، فَكَأَنَّ حُدُودَ الشَّرْعِ فَصَلَتْ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فَمِنْهَا مَا لَا يُقْرَبُ كَالْفَوَاحِشِ الْمُحَرَّمَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] وَمِنْهَا مَا لَا تُتَعَدَّى كَالْمَوَارِيثِ الْمُعَيَّنَةِ وَتَزْوِيجِ الْأَرْبَعَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَالتَّلْخِيصُ أَنَّ حُدُودَ اللَّهِ مَا مَنَعَ مِنْ مُخَالَفَتِهَا بَعْدَ أَنْ قَدَّرَهَا بِمَقَادِيرَ مَخْصُوصَةٍ وَصِفَاتٍ مَضْبُوطَةٍ، وَمِنْهُ تَعْيِينُ الرَّكَعَاتِ وَالْأَوْقَاتِ وَمَا وَجَبَ إِخْرَاجُهُ فِي الزَّكَوَاتِ وَإِثْبَاتِهَا فِي الْحَجِّ وَحُدُودِ الْعُقُوبَاتِ، فَكَأَنَّهُ تَقْرِيرٌ وَتَأْكِيدٌ لِلْقِسْمَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ. هَذَا وَفِي كَلَامِ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الْعَبْدَ يَتَقَلَّبُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ عَلَى الْحُدُودِ، وَلِكُلِّ عَمَلٍ حَدٌّ، وَلِكُلِّ وَقْتٍ حَدٌّ، وَلِكُلِّ حَالٍ وَمَقَامٍ حَدٌّ، فَمَنْ تَخَطَّاهَا فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ) أَيْ: تَرَكَ ذِكْرَ أَشْيَاءَ أَيْ: حُكْمَهَا مِنَ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ وَالْحَلِّ (مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ): بَلْ مِنْ رَحْمَةٍ وَإِحْسَانٍ. وَفِي الْأَرْبَعِينَ: رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ بِنَصْبِ (رَحْمَةً) عَلَى الْعِلَّةِ، وَنَصْبِ (غَيْرَ) عَلَى الْحَالِيَّةِ، وَالنِّسْيَانُ: هُوَ تَرْكُ الْفِعْلِ بِلَا قَصْدٍ بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ بِخِلَافِ السَّهْوِ (فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا) أَيْ: لَا تُفَتِّشُوا عَنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] هَذَا وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَلَّى عَلَى عَامَّةِ عِبَادِهِ بِأَفْعَالِهِ وَآيَاتِهِ الْمُنْبَثَّةِ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ وَلِخَوَاصِّ أَصْفِيَائِهِ بِصِفَاتِهِ الْعُظْمَى، وَلِأَعْظَمِ أَنْبِيَائِهِ بِذَاتِهِ وَحَقَائِقِ صِفَاتِهِ، وَخَصَّهُ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ عُرَفَائِهِ رَحْمَةً لَهُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ، إِذْ مَا قَامَ عَظِيمٌ عِنْدَ عَظَمَتِهِ إِلَّا كَلَّ وَزَلَّ وَلَا اسْتَقَامَ كَبِيرٌ دُونَ كِبْرِيَائِهِ إِلَّا هَامَ وَقَامَ كَمَا قَالَ ﷻ وَعَمَّ نَوَالُهُ: لَا يَرَانِي حَيٌّ إِلَّا مَاتَ وَلَا يَابِسٌ إِلَّا تَدَهْدَهَ وَلَا رَطْبٌ إِلَّا تَفَرَّقَ، وَإِنَّمَا يَرَانِي أَهْلُ الْجَنَّةِ الَّذِينَ لَا تَمُوتُ أَعْيُنُهُمْ، وَلَا تَبْلَى أَجْسَادُهُمْ، وَلِذَا قَالَ: فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا أَيْ: لَا تَتَفَكَّرُوا فِيهَا، فَإِنَّ الْبَابَ إِلَى وُصُولِ مَعْرِفَةِ كُنْهِ الذَّاتِ مَرْدُودٌ، وَالطَّرِيقُ إِلَى كُنْهِ الصِّفَاتِ مَسْدُودٌ، «تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللَّهِ وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ» .
الْعَجْزُ عَنْ دَرْكِ الْإِدْرَاكِ إِدْرَاكُ وَالْبَحْثُ عَنْ سِرِّ ذَاتِ الرَّبِّ إِشْرَاكُ (رَوَى الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ الدَّارَقُطْنِيُّ) . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَخِيرِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ.
[كِتَابُ الْعِلْمِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٩٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
[٢] كِتَابُ الْعِلْمِ
أَيْ: فَضْلُهُ وَفَضْلُ تَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَبَيَانُ مَا هُوَ عِلْمٌ شَرْعًا، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَيَكُونُ ذِكْرُهُ بَعْدَ بَابِ الِاعْتِصَامِ مِنْ بَابِ التَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وَالْعِلْمُ نُورٌ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ مُقْتَبَسٌ مِنْ مَصَابِيحِ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَالْأَفْعَالِ الْأَحْمَدِيَّةِ، وَالْأَحْوَالِ الْمَحْمُودِيَّةِ يُهْتَدَى بِهِ إِلَى اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ، فَإِنْ حَصَلَ بِوَاسِطَةِ الْبَشَرِ فَهُوَ كَسْبِيُّ، وَإِلَّا فَهُوَ الْعِلْمُ اللَّدُنِّيُّ الْمُنْقَسِمُ إِلَى الْوَحْيِ وَالْإِلْهَامِ وَالْفَرَاسَةِ، فَالْوَحْيُ لُغَةً إِشَارَةٌ بِسُرْعَةٍ وَاصْطِلَاحًا كَلَامٌ إِلَهِيٌّ يَصِلُ إِلَى الْقَلْبِ النَّبَوِيِّ. فَمَا أَنْزَلَ صُورَتَهُ وَمَعْنَاهُ وَلَا يَكُونُ إِلَّا بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ فَهُوَ الْكَلَامُ الْإِلَهِيُّ. وَمَا نَزَلَ مَعْنَاهُ عَلَى الشَّارِعِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِكَلَامِهِ فَهُوَ الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ، وَهَذَا قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فِي مَحَلِّ الشُّهُودِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] وَقَدْ يَكُونُ بِوَاسِطَةِ نُزُولِ الْمَلَكِ، أَيْ: بِنُزُولِهِ مِنَ الصُّورَةِ الْمَلَكِيَّةِ إِلَى الْهَيْئَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الْحَقُّ، فَكَلَّمَ أَوَّلًا مُحَمَّدًا بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ، وَثَانِيًا أَصْحَابَهُ بِوَاسِطَةِ مُحَمَّدٍ، وَثَالِثًا التَّابِعِينَ بِوَاسِطَةِ الصَّحَابَةِ وَهَلُمَّ جَرًّا. وَقَدْ يَكُونُ بِنَفْثِهِ قِي قَلْبِهِ بِأَنْ يُلْقِيَ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَمَثَّلَ بِصُورَةِ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي، وَالْإِلْهَامُ لُغَةً الْإِبْلَاغُ، وَهُوَ عِلْمٌ حَقٌّ يَقْذِفُهُ اللَّهُ مِنَ الْغَيْبِ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ [سبأ: ٤٨] وَالْفَرَاسَةُ عِلْمٌ يَنْكَشِفُ مِنَ الْغَيْبِ بِسَبَبِ تَفَرُّسِ آثَارِ الصُّوَرِ، «اتَّقَوْا فَرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِلْهَامِ وَالْفِرَاسَةِ أَنَّهَا كَشْفُ الْأُمُورِ الْغَيْبِيَّةِ بِوَاسِطَةِ تَفَرُّسِ آثَارِ الصُّوَرِ، وَالْإِلْهَامُ كَشْفُهَا بِلَا وَاسِطَةٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِلْهَامِ وَالْوَحْيِ أَنَّهُ تَابِعٌ لِلْوَحْيِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، ثُمَّ عِلْمُ الْيَقِينِ مَا كَانَ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَعَيْنُ الْيَقِينِ مَا كَانَ بِطَرِيقِ الْكَشْفِ وَالنَّوَالِ، وَحَقُّ الْيَقِينِ مَا كَانَ بِتَحْقِيقِ الِانْفِصَالِ عَنْ لَوْثِ الصَّلْصَالِ لِوُرُودِ رَائِدِ الْوِصَالِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٩٨ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (بَلِّغُوا عَنِّي): أَيِ: انْقُلُوا إِلَى النَّاسِ، وَأَفِيدُوهُمْ مَا أَمْكَنَكُمْ، أَوْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِمَّا سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي، وَمَا أَخَذْتُمُوهُ عَنِّي مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، أَوْ تَقْرِيرٍ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ (وَلَوْ آيَةً) أَيْ: وَلَوْ كَانَ الْمُبَلَّغُ آيَةً وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الْعَلَامَةُ الظَّاهِرَةُ. قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: وَإِنَّمَا قَالَ «آيَّةً» لِأَنَّهَا أَقَلُّ مَا يُفِيدُ فِي بَابِ التَّبْلِيغِ، وَلَمْ يَقُلْ حَدِيثًا لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْهَمُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّ الْآيَاتِ إِذَا كَانَتْ وَاجِبَةَ التَّبْلِيغِ مَعَ انْتِشَارِهَا، وَكَثْرَةِ حَمَلَتِهَا لِتَوَاتُرِهَا، وَتَكَفُّلِ اللَّهِ تَعَالَى بِحِفْظِهَا وَصَوْنِهَا عَنِ الضَّيَاعِ وَالتَّحْرِيفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فَالْحَدِيثُ مَعَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ مِمَّا ذُكِرَ أَوْلَى بِالتَّبْلِيغِ، وَأَمَّا لِشِدَّةِ اهْتِمَامِهِ ﵊ بِنَقْلِ الْآيَاتِ لِبَقَائِهَا مِنْ سَائِرِ الْمُعْجِزَاتِ، وَلِمَسَاسِ الْحَاجَةِ إِلَى ضَبْطِهَا وَنَقْلِهَا إِذْ لَا بُدَّ مِنْ تَوَاتُرِ أَلْفَاظِهَا، وَالْآيَةُ مَا وُزِّعَتِ السُّورَةُ عَلَيْهَا اهـ.
وَالثَّانِي: أَظْهَرُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَالَ الْمَظْهَرُ: الْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْكَلَامُ الْمُفِيدُ، نَحْوَ: مَنْ صَمَتَ نَجَا، وَالدِّينُ النَّصِيحَةُ، أَيْ: بَلِّغُوا عَنِّي أَحَادِيثِي، وَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ قَالَ وَلَوْ آيَةً وَلَمْ يَقُلْ وَلَوْ حَدِيثًا مَعَ أَنَّهُ الْمُرَادُ؟ قُلْنَا: لِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَيْضًا دَاخِلٌ فِي هَذَا الْأَمْرِ لِأَنَّهُ ﵊ مُبَلِّغُهُمْ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّ طِبَاعَ الْمُسْلِمِينَ مَائِلَةٌ إِلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَنَشْرِهِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِحِفْظِهِ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْكَلَامُ الْمُفِيدُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا اخْتِيرَ لَفْظُ الْآيَةِ لِشَرَفِهَا، أَوِ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ الْحُكْمُ الْمُوحَى إِلَيْهِ ﷺ وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمَتْلُوَّةِ وَغَيْرِهَا بِحُكْمِ عُمُومِ الْوَحْيِ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ، أَوْ لِأَنَّ كُلَّ مَا صَدَرَ عَنْ صَدْرِهِ فَهُوَ آيَةٌ دَالَّةٌ عَلَى رِسَالَتِهِ، فَإِنَّ ظُهُورَ مِثْلِ هَذِهِ الْعُلُومِ مِنَ الْأُمِّيِّ مُعْجِزَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ، مِنْهَا: التَّحْرِيضُ عَلَى نَشْرِ الْعِلْمِ، وَمِنْهَا: جَوَازُ تَبْلِيغِ بَعْضِ الْحَدِيثِ كَمَا هُوَ عَادَةُ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ وَالْمَشَارِقِ وَلَا بَأْسَ بِهِ، إِذِ الْمَقْصُودُ تَبْلِيغُ لَفْظِ الْحَدِيثِ مُفِيدًا سَوَاءٌ كَانَ تَامًّا أَمْ لَا. (وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ) . الْحَرَجُ: الضِّيقُ وَالْإِثْمُ وَهَذَا لَيْسَ عَلَى مَعْنَى إِبَاحَةِ الْكَذِبِ عَلَيْهِمْ، بَلْ دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ الْحَرَجِ فِي التَّحْدِيثِ عَنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ صِحَّتُهُ وَإِسْنَادُهُ لِبُعْدِ الزَّمَانِ كَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَتَبِعَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ الْمُظْهِرُ وَهُوَ مُقَيِّدٌ بِمَا إِذَا لَمْ نَرَ كَذِبَ مَا قَالُوهُ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِمَا جَاءَ عَنْهُمْ، وَبَيْنَ التَّرْخِيصِ الْمَفْهُومِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّحَدُّثِ هَاهُنَا التَّحَدُّثُ بِقِصَصٍ مِنَ الْآيَاتِ الْعَجِيبَةِ، كَحِكَايَةِ عِوَجِ بْنِ عُنُقٍ، وَقَتْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْفُسَهُمْ فِي تَوْبَتِهِمْ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَتَفْصِيلِ الْقِصَصِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ عِبْرَةً وَمَوْعِظَةً لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ هُنَاكَ النَّهْيُ عَنْ نَقْلِ أَحْكَامِ كُتُبِهِمْ لِأَنَّ جَمِيعَ الشَّرَائِعِ وَالْأَدْيَانِ مَنْسُوخَةٌ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا ﷺ. اهـ. لَكِنْ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَمَا رُوِيَ عَنْ عِوَجٍ أَنَّهُ رَفَعَ جَبَلًا قَدْرَ عَسْكَرِ مُوسَى ﵇ وَهُمْ كَانُوا ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ لِيَضَعَهُ عَلَيْهِمْ، فَنَقَرَهُ هُدْهُدٌ بِمِنْقَارِهِ وَثَقَبَهُ وَوَقَعَ فِي عُنُقِهِ، فَكَذِبٌ لَا أَصْلَ لَهُ كَذَا نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَرَوَى الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ بِإِسْنَادِهِ فِي تَنْبِيهِ الْغَافِلِينَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ««حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ فِيهِمْ أَعَاجِيبُ»» ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «خَرَجَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَقْبَرَةٍ فَقَالُوا: لَوْ صَلَّيْنَا ثُمَّ دَعَوْنَا رَبَّنَا حَتَّى يُخْرِجَ اللَّهُ لَنَا بَعْضَ الْمَوْتَى فَيُخْبِرَنَا عَنِ الْمَوْتِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ دَعَوْا رَبَّهُمْ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذَا رَجُلٌ قَدْ أَطْلَعَ رَأْسَهُ مَنْ قَبَرِهِ وَهُوَ أَسْوَدُ خَلَا شَيْبًا أَيْ بَيَاضُ رَأَسِهِ يُخَالِطُ سَوَادَهُ وَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ مَا أَرَدْتُمْ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ مُتُّ مُنْذُ تِسْعِينَ سَنَةً، فَمَا ذَهَبَتْ مَرَارَةُ الْمَوْتِ مِنِّي حَتَّى كَأَنَّهُ الْآنَ، فَادْعُوا اللَّهَ أَنْ يُعِيدَنِي كَمَا كُنْتُ، وَكَانَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَثَرُ السُّجُودِ» . (وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ)، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مَعْنَى كَذَبَ عَلَيْهِ نَسَبَ الْكَلَامَ كَاذِبًا إِلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ اهـ.
وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ زَعْمُ مَنْ جَوَّزَ وَضْعَ الْأَحَادِيثِ لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْعِبَادَةِ، كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ الْجَهَلَةِ فِي وَضْعِ أَحَادِيثَ فِي فَضَائِلِ السُّورِ، وَفِي الصَّلَاةِ اللَّيْلِيَّةِ وَالنَّهَارِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ تَعْدِيَتَهُ بِ «عَلَيَّ» لِتَضْمِينِ مَعْنَى الِافْتِرَاءِ (مُتَعَمِّدًا): نُصِبَ عَلَى الْحَالِ وَلَيْسَ حَالًا مُؤَكَّدَةً، لِأَنَّ الْكَذِبَ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى عَدَمِ دُخُولِ النَّارِ فِيهِ (فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ): يُقَالُ: تَبَوَّأَ الدَّارَ إِذَا اتَّخَذَهَا مَسْكَنًا وَهُوَ أَمْرٌ مَعْنَاهُ الْخَبَرُ يَعْنِي: فَإِنَّ اللَّهَ يُبَوِّئُهُ وَتَعْبِيرُهُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ لِلْإِهَانَةِ، وَلِذَا قِيلَ: الْأَمْرُ فِيهِ لِلتَّهَكُّمِ وَالتَّهْدِيدِ، إِذْ هُوَ أَبْلَغُ فِي التَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ مِنْ أَنْ يُقَالَ: كَانَ مَقْعَدُهُ فِي النَّارِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ ذَلِكَ كَبِيرَةً، بَلْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: إِنَّهُ كَفَرَ يَعْنِي لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الِاسْتِخْفَافُ بِالشَّرِيعَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ قَرَأَ حَدِيثَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَلْحَنُ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي أَدَائِهِ أَوْ إِعْرَابِهِ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ، لِأَنَّهُ بِلَحْنِهِ كَاذِبٌ عَلَيْهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ نَقَلَ حَدِيثًا وَعَلِمَ كَذِبَهُ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلنَّارِ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ، لَا مَنْ نَقَلَ عَنْ رَاوٍ عَنْهُ ﵇، أَوْ رَأَى فِي كِتَابٍ وَلَمْ يَعْلَمْ كَذِبَهُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِيجَابُ التَّحَرُّزِ عَنِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ لَا يُحَدِّثَ عَنْهُ إِلَّا بِمَا يَصِحُّ بِنَقْلِ الْإِسْنَادِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا أَوْهَمَهُ كَلَامُ شَارِحٍ مِنْ حُرْمَةِ التَّحْدِيثِ بِالضَّعِيفِ مُطْلَقًا مَرْدُودٌ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الطِّيبِيِّ بِقَوْلِهِ «إِلَّا بِمَا يَصِحُّ» - الصِّحَّةُ اللُّغَوِيَّةُ الَّتِي بِمَعْنَى الثُّبُوتِ لَا الِاصْطِلَاحِيَّةُ وَإِلَّا لَأَوْهَمَ حُرْمَةَ التَّحْدِيثِ بِالْحَسَنِ أَيْضًا وَلَا يَحْسُنُ ذَلِكَ، وَلَا يُظَنُّ بِهِ هَذَا، إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْفُرُوعِ حِسَانٌ، وَمِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَلَامُهُ أَيْضًا مُشْعِرٌ بِذَلِكَ إِذْ لَمْ يَقُلْ بِنَقْلِ الْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ، وَلَكِنَّهُ مُوهِمٌ أَنَّهُ لَابُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْإِسْنَادِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يُحَدِّثُ عَنْهُ إِلَّا بِمَا ثَبَتَ عَنْهُ، وَذَلِكَ الثُّبُوتُ إِنَّمَا يَكُونُ بِنَقْلِ الْإِسْنَادِ، وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ لَوْ رَوَى عَنْهُ مَا يَكُونُ مَعْنَاهُ صَحِيحًا لَكِنْ لَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ عَنْهُ، وَاللَّامُ فِي الْإِسْنَادِ لِلْعَهْدِ، أَيِ: الْإِسْنَادِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ لِلْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ إِسْنَادٌ أَيْضًا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلِكَوْنِ الْإِسْنَادِ يُعْلَمُ بِهِ الْمَوْضُوعُ مَنْ غَيْرِهِ كَانَتْ مَعْرِفَتُهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ. قِيلَ: «بَلِّغُوا عَنِّي» يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اتِّصَالُ السَّنَدِ بِنَقْلِ الثِّقَةِ عَنْ مَثَلِهِ إِلَى مُنْتَهَاهُ لِأَنَّ التَّبْلِيغَ مِنَ الْبُلُوغِ وَهُوَ إِنْهَاءُ الشَّيْءِ إِلَى غَايَتِهِ. وَالثَّانِي: أَدَاءُ اللَّفْظِ كَمَا سُمِعَ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ، وَالْمَطْلُوبُ فِي الْحَدِيثِ كِلَا الْوَجْهَيْنِ لِوُقُوعِ بَلِّغُوا مُقَابِلًا لِقَوْلِهِ: «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ» . (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) أَيْ: مَجْمُوعَ الْحَدِيثِ. وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: مَنْ كَذَبَ إِلَخْ. فَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْخَطِيبُ وَابْنُ عَدِيٍّ وَغَيْرُهُمْ، عَنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: حَدِيثُ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ» مِنَ الْمُتَوَاتِرِ، وَلَيْسَ فِي الْأَحَادِيثِ مَا فِي مَرْتَبَتِهِ مِنَ التَّوَاتُرِ، فَإِنَّ نَاقِلِيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ جَمٌّ غَفِيرٌ.
قِيلَ: اثْنَانِ وَسِتُّونَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِمُ الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرَةُ، وَقِيلَ: لَا نَعْرِفُ حَدِيثًا اجْتَمَعَ فِيهِ الْعَشَرَةُ إِلَّا هَذَا، ثُمَّ عَدَدُ الرُّوَاةِ كَانَ فِي التَّزَايُدِ فِي كُلِّ قَرْنٍ.
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَالَ لَهُ: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ. كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ) أَيْ: بِذَلِكَ السُّلُوكِ أَوِ الطَّرِيقِ أَوِ الِالْتِمَاسِ أَوِ الْعِلْمِ (طَرِيقًا) أَيْ: مُوَصِّلًا وَمَنْهِيًّا (إِلَى الْجَنَّةِ) . مَعَ قَطْعِ الْعَقَبَاتِ الشَّاقَّةِ دُونَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ) أَيْ: جَمْعٌ (فِي بَيْتٍ) أَيْ: مَجْمَعٍ (مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ): بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا، وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ مَسَاجِدِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّهُ " يُكْرَهُ الدُّخُولُ فِيهَا وَالْعُدُولُ عَنِ الْمَسَاجِدِ إِلَى بُيُوتِ اللَّهِ لِيَشْمَلَ كُلَّ مَا يُبْنَى تَقْرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ، (يَتْلُونَ): حَالٌ مِنْ قَوْمٍ لِتَخْصِيصِهِ (كِتَابَ اللَّهِ): أَيِ: الْقُرْآنَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتِّلَاوَةِ مُجَرَّدَ إِجْرَاءِ الْأَلْفَاظِ عَلَى اللِّسَانِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُقَدِّرَ الْعَبْدُ أَنَّهُ يَقْرَأُ عَلَى اللَّهِ وَاقِفًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ نَاظِرٌ إِلَيْهِ، بَلْ يَشْهَدُ بِقَلْبِهِ كَأَنَّ رَبَّهُ يُخَاطِبُهُ بَلْ يَسْتَغْرِقُ بِمُشَاهَدَةِ الْمُتَكَلِّمِ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إِلَى غَيْرِهِ سَامِعًا مِنْهُ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ الصَّادِقُ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ حَالَةٍ لَحِقَتْهُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: مَا زِلْتُ أُرَدِّدُ الْآيَةَ عَلَى قَلْبِي حَتَّى سَمِعْتُهَا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ بِهَا، فَلَمْ يَثْبُتْ جِسْمِي لِمُعَايَنَةِ قُدْرَتِهِ، ثُمَّ يَتَفَكَّرُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَيَقْتَبِسُ مَعْرِفَةَ الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِهْلَاكِ الْأَعْدَاءِ وَيَقْتَبِسُ مَعْرِفَةَ الْعِزَّةِ وَالِاسْتِغْنَاءِ وَالْقَهْرِ وَالْإِفْنَاءِ، وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَحِبَّاءِ، وَيَقْتَبِسُ مَعْرِفَةَ اللُّطْفِ وَالْفَضْلِ وَالنَّعْمَاءِ، وَفِي الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّكْلِيفِ وَالْإِرْشَادِ، وَيَقْتَبِسُ مَعْرِفَةَ اللُّطْفِ وَالْحِكَمِ وَيَعْمَلُ بِمُقْتَضَاهُ (وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ): وَالتَّدَارُسُ قِرَاءَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ تَصْحِيحًا لِأَلْفَاظِهِ أَوْ كَشْفًا لِمَعَانِيهِ كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالتَّدَارُسِ الْمُدَارَسَةَ الْمُتَعَارَفَةَ بِأَنْ يَقْرَأَ بَعْضُهُمْ عُشْرًا مَثَلًا وَبَعْضُهُمْ عُشْرًا آخَرَ، وَهَكَذَا فَيَكُونُ أَخَصَّ مِنَ التِّلَاوَةِ أَوْ مُقَابِلًا لَهَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ مَا يُنَاطُ بِالْقُرْآنِ مِنَ التَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ (إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ): يَجُوزُ فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ كَسْرُ الْهَاءِ وَضَمُّ الْمِيمِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَضَمُّهُمَا وَكَسْرِهُمَا. وَالسَّكِينَةُ: هِيَ الْوَقَارُ وَالْخَشْيَةُ يَعْنِي الشَّيْءَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ سُكُونُ الْقَلْبِ وَالطُّمَأْنِينَةُ وَالْوَقَارُ وَنُزُولُ الْأَنْوَارِ. قِيلَ: وَالْمُرَادُ هَنَا صَفَاءُ الْقَلْبِ بِنُورِهِ وَذَهَابُ الظُّلْمَةِ النَّفْسَانِيَّةِ وَحُصُولُ الذَّوْقِ وَالشَّوْقِ، وَقِيلَ: السَّكِينَةُ مَلَكٌ يَسْكُنُ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ وَيُؤَمِّنُهُ وَيَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ، وَذَكَرَ الطِّيبِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: السَّكِينَةُ مَغْنَمٌ وَتَرْكُهَا مَغْرَمٌ (وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ) أَيْ: أَتَتْهُمْ وَعَلَتْهُمْ وَغَطَّتْهُمْ (وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ) أَيْ: مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ أَحْدَقُوا وَأَحَاطُوا بِهِمْ، أَوْ طَافُوا بِهِمْ وَدَارُوا حَوْلَهُمْ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ وَدِرَاسَتَهُمْ وَيَحْفَظُونَهُمْ مِنَ الْآفَاتِ وَيَزُورُونَهُمْ وَيُصَافِحُونَهُمْ وَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِمْ، قِيلَ: وَبِلِسَانِ الْإِشَارَةِ بُيُوتُ اللَّهِ عِبَارَةٌ عَمَّا يُذْكَرُ فِيهِ الْحَقُّ مِنَ النَّفْسِ وَالْقَلْبِ وَالرُّوحِ وَالسِّرِّ وَالْخَفِيِّ، فَذِكْرُ بَيْتِ النَّفْسِ الطَّاعَاتُ، وَذِكْرُ بَيْتِ الْقَلْبِ التَّوْحِيدُ وَالْمَعْرِفَةُ، وَذِكْرُ بَيْتِ الرُّوحِ الشَّوْقُ وَالْمَحَبَّةُ، وَذِكْرُ بَيْتِ السِّرِّ الْمُرَاقَبَةُ وَالشُّهُودُ، وَذِكْرُ بَيْتِ الْخَفِيِّ بَذْلُ الْوُجُودِ وَتَرْكُ الْمَوْجُودِ. وَقَوْلُهُ: إِلَّا نَزَلَتْ إِلَخْ - إِشَارَةٌ إِلَى ثَمَرَاتِ التِّلَاوَةِ وَهِيَ الْأُنْسُ وَالْحُضُورُ مَعَ اللَّهِ وَتَمَثُّلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْأَرْوَاحِ الْمُقَدَّسَةِ فِي صُوَرٍ لَطِيفَةٍ، وَالصُّعُودُ مِنْ حَضِيضِ الْبَشَرِيَّةِ إِلَى ذُرْوَةِ الْمَلَكُوتِ
الْأَعْلَى، بَلِ الْفَرَحُ بِالْبَقَاءِ وَالدُّخُولِ تَحْتَ الْفَنَاءِ وَالْقُرْبِ مِنَ اللَّاهُوتِ وَالتَّبَرُّؤِ مِنَ النَّاسُوتِ، وَهَذَا مَقَامٌ يَضِيقُ عَنْ إِعْلَانِهِ نِطَاقُ النُّطْقِ وَلَا يَسَعُ إِظْهَارُهُ فِي ظُهُورِ الْحُرُوفِ وَإِنَّ قَمِيصًا خِيطَ مِنْ نَسْجِ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ حَرْفًا مِنْ مَعَانِيهِ قَاصِرٌ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ الْخَرَّازُ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُوَالِيَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ فَتَحَ عَلَيْهِ بَابَ ذِكْرِهِ، فَإِنِ اسْتَلَذَّ بِالذِّكْرِ فَتَحَ عَلَيْهِ بَابَ الْقُرْبِ، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَى مَجَالِسِ الْأُنْسِ، ثُمَّ أَجْلَسَهُ عَلَى كُرْسِيِّ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ رَفَعَ عَنْهُ الْحِجَابَ وَأَدْخَلَهُ دَارَ الْفَرْدَانِيَّةِ، وَكَشَفَ لَهُ حِجَابَ الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ، فَإِذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ بَقِيَ بِلَا هُوَ، فَحِينَئِذٍ صَارَ الْعَبْدُ زَمَنًا فَانِيًا فِي حِفْظِ سَبَحَاتِهِ وَبَرِئَ مِنْ دَعَاوَى نَفْسِهِ (وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ): أَيِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَالطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَذَكَرَهُ سُبْحَانَهُ لِلْمُبَاهَاةِ بِهِمْ، يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عَبِيدِي يَذْكُرُونِي وَيَقْرَءُونَ كِتَابِي (وَمَنْ بَطَّأَ): بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ مِنَ التَّبْطِئَةِ ضِدِّ التَّعَجُّلِ كَالْإِبْطَاءِ، وَالْبُطْءُ نَقِيضُ السُّرْعَةِ وَالْبَاءُ فِي (بِهِ): لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: مَنْ أَخَّرَهُ وَجَعَلَهُ بَطِيئًا عَنْ بُلُوغِ دَرَجَةِ السَّعَادَةِ (عَمَلُهُ): السَّيِّئُ فِي الْآخِرَةِ أَوْ تَفْرِيطُهُ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي الدُّنْيَا (لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ) . مِنَ الْإِسْرَاعِ أَيْ: لَمْ يُقَدِّمْهُ نَسَبُهُ، يَعْنِي: لَمْ يُجْبِرْ نَقِيصَتَهُ لِكَوْنِهِ نَسِيبًا فِي قَوْمِهِ، إِذْ لَا يَحْصُلُ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالنَّسَبِ بَلْ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وَشَاهِدُ ذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ لَا أَنْسَابَ لَهُمْ يُتَفَاخَرُ بِهَا، بَلْ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ مَوَالٍ، وَمَعَ ذَلِكَ هُمْ سَادَاتُ الْأُمَّةِ وَيَنَابِيعُ الرَّحْمَةِ وَذَوُو الْأَنْسَابِ الْعَلِيَّةِ الَّذِينَ لَيْسُوا كَذَلِكَ فِي مَوَاطِنِ جَهْلِهِمْ نِسْيًا مَنْسِيًّا، وَلِذَا قَالَ ﵊: ««إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الدِّينِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ»» وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: ««يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ مُحَمَّدٍ، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ائْتُونِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَعْمَالِكُمْ لَا بِأَنْسَابِكُمْ فَإِنِّي لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»» وَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي يَزِيدَ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ أَنَّ مُرِيدًا لَهُ تَتَبَّعَ خُطَاهُ مِنْ خَلْفِهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ قَائِلًا: وَاللَّهِ وَاللَّهِ لَوْ سَلَخْتَ جِلْدَ أَبِي يَزِيدَ وَلَبِسْتَهُ لَمْ تَنَلْ مِثْقَالَ خَرْدَلٍ مِنْ مَقَامَاتِهِ مَا لَمْ تَعْمَلْ عَمَلَهُ وَأَنْشَدَ:
مَا بَالُ نَفْسِكَ أَنْ تَرْضَى تُدَنِّسُهَا ... وَثَوْبُ جِسْمِكَ مَغْسُولٌ مِنَ الدَّنَسِ
تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا ... إِنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَرْبَعِينَ: بِهَذَا اللَّفْظِ.
٢٠٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إِنْ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا، قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: إِنَّكَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ ; فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٠٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:»إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى عَلَيْهِ): قِيلَ: هُوَ صِفَةٌ لِلنَّاسِ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي الْمَعْنَى، أَيْ: يُحَاسَبُ وَيُسْأَلُ عَنْ أَفْعَالِهِ قَبْلُ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ أَوَّلُ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِمْ لَا مُطْلَقًا (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: ثَلَاثَةٌ (رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ): عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ أَيْ: قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (فَأَتَى بِهِ) أَيْ: بِالرَّجُلِ لِلْحِسَابِ (فَعَرَّفَهُ): بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: ذَكَّرَهُ تَعَالَى (نِعْمَتَهُ): عَلَى صِيغَةِ الْمُفْرَدِ هَاهُنَا، وَالْبَاقِيَتَانِ عَلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ هَكَذَا جَاءَ فِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ، وَالْحُمَيْدِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي الرِّيَاضِ لِلنَّوَوِيِّ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ اعْتِبَارُ الْإِفْرَادِ فِي الْأُولَى وَالْكَثْرَةِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْكَثْرَةِ أَصْنَافُ الْعُلُومِ وَالْأَمْوَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِفْرَادِ نِعْمَةَ الشَّهَادَةِ كَمَا يُتَوَهَّمُ فَإِنَّهُ لَا يُلَائِمُهُ مَا بَعْدَهُ، بَلِ الْمُرَادُ إِفْرَادُ جِنْسِيَّةِ النِّعْمَةِ فَإِنَّ الْمُفْرَدَ الْمُضَافَ لِلْعُمُومِ بِخِلَافِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَإِنَّهُ جُمِعَ فِيهِمَا لِإِرَادَةِ الْأَنْوَاعِ، أَوْ أَفْرَدَ فِي الْأَوَّلِ لِنِعْمَتِهِ الْبَدَنِيَّةِ فَقَطْ بِخِلَافِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَإِنَّهُ انْضَمَّ مَعَهَا النِّعْمَةُ الْمَالِيَّةُ أَوِ الْعِلْمِيَّةُ (فَعَرَفَهَا): بِالتَّخْفِيفِ
أَيْ: تَذَكَّرَهَا فَكَأَنَّهُ مِنَ الْهَوْلِ وَالدَّهْشَةِ، نَسِيَهَا وَذَهَلَ عَنْهَا (فَقَالَ تَعَالَى: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟) أَيْ: فِي مُقَابَلَتِهَا شُكْرًا لَهَا أَيْ فِي أَيَّامِهَا لِيَنْفَعَكَ الْيَوْمَ (قَالَ): أَيِ الرَّجُلُ (قَاتَلْتُ فِيكَ) أَيْ: جَاهَدْتُ فِي جِهَتِكَ خَالِصًا لَكَ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. أَيْ: حَارَبْتُ لِأَجْلِكَ فَفِي تَعْلِيلِيَّةٌ (حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ): الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْمَقُولَ صَدَرَ مِنْهُ عَلَى زَعْمِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي التَّمْوِيهِ الْمُعْتَادِ بِهِ عَلَى مَا وَرَدَ: كَمَا يَعِيشُونَ يَمُوتُونَ وَكَمَا يَمُوتُونَ يُحْشَرُونَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] (قَالَ): تَعَالَى (كَذَبْتَ) أَيْ: فِي دَعْوَى الْإِخْلَاصِ أَوْ فِي هَذَا الْقَوْلِ (وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ) أَيْ: فِي حَقِّكَ أَنَّكَ أَوْ هُوَ (جَرِيءٌ) فَعِيلٌ مِنَ الْجَرَاءَةِ فَهُوَ مَهْمُوزٌ، وَقَدْ يُدْغَمُ أَيْ: شُجَاعٌ (فَقَدْ قِيلَ) أَيْ ذَلِكَ الْقَوْلُ لَكَ وَفِي شَأْنِكَ فَحَصَلَ مَقْصُودُكَ وَغَرَضُكَ (ثُمَّ أَمَرَ بِهِ) أَيْ: قِيلَ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ أَلْقُوهُ فِي النَّارِ (فَسُحِبَ) أَيْ: جُرَّ (عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ): مُبَالَغَةً فِي تَنْكِيلِهِ (وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ): أَيِ: الشَّرْعِيَّ (وَعَلَّمَهُ): أَيِ: النَّاسَ، أَيْ: وَصَلَ إِلَى مَرْتَبَةِ الْكَمَالِ وَالتَّكْمِيلِ (وَقَرَأَ الْقُرْآنَ): فَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ مُجَرَّدُ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، يَعْنِي: التَّعَلُّمُ وَالتَّعْلِيمُ لَمْ يَمْنَعَاهُ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِالْقُرْآنِ، وَهَذَا أَظْهَرُ (فَأَتَى بِهِ): إِلَى مَحْضَرِ الْحِسَابِ (فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ): تَعَالَى أَوْ نِعَمَ الرَّجُلِ (فَعَرَفَهَا): فَكَأَنَّهُ لِغَفْلَتِهِ عَنْهَا كَانَ أَنْكَرَهَا (قَالَ): تَعَالَى (فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا) أَيْ: هَلْ صَرَفْتَهَا فِي مَرْضَاتِي أَمْ فِي غَيْرِهَا (قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ) أَيْ: صَرَفْتُ نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيَّ فِي الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالْقِرَاءَةِ ابْتِغَاءً لِوَجْهِكَ وَشُكْرًا لِنِعْمَتِكَ (قَالَ: كَذَبْتَ): فِي دَعْوَى مَقَامِ الْإِخْلَاصِ أَوْ عَلَى مُقْتَضَى عَادَتِكَ (وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: إِنَّكَ عَالِمٌ): وَلَعَلَّهُ لَمْ يَقُلْ: وَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ إِنَّكَ مُعَلِّمٌ؛ لِلِاخْتِصَارِ وَاكْتِفَاءً بِالْمُقَايَسَةِ، أَوْ لِأَنَّ أَسَاسَ الشَّيْءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْإِخْلَاصِ، فَيَبْعُدُ بِنَاؤُهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَاصِ (وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ): لَكَ عَالِمٌ وَقَارِئٌ فَمَا لَكَ عِنْدَنَا أَجْرٌ (ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ) . نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهَا (وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ) أَيْ: كَثُرَ مَالُهُ (وَأَعْطَاهُ): عَطْفُ بَيَانٍ (مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ): كَالنُّقُودِ وَالْمَتَاعِ وَالْعَقَارِ وَالْمَوَاشِي (فَأَتَى بِهِ): عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ لِلِافْتِضَاحِ (فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ): تَعَالَى (فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟) أَيْ: فِي مُقَابَلَةِ النِّعَمِ أَوْ فِي الْأَمْوَالِ (قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ) «مِنْ» زَائِدَةٌ تَأْكِيدًا لِاسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ (تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا): كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ وَإِعْطَاءِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ (إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ. قَالَ: كَذَبْتَ) أَيْ: فِي قَوْلِكَ: لَكَ (وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ) أَيْ: سَخِيُّ كَرِيمٌ (فَقَدْ قِيلَ): وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ عَمِلَ لِأَيِّ غَرَضٍ يَكُونُ (ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ): (ثُمَّ): هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الصَّحِيحُ مِنَ النُّسَخِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ، وَفِي نُسْخَةٍ هُنَا أَيْضًا (حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
٢٠٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا ; اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَّلُوا وَأَضَلُّوا»». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٠٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو): أَيِ: ابْنِ الْعَاصِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ»: الْمُرَادُ بِهِ عِلْمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا (انْتِزَاعًا): مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ عَلَى مَعْنَى يَقْبِضُ نَحْوَ: رَجَعَ الْقَهْقَرَى، وَقَوْلُهُ (يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ): صِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلنَّوْعِ كَذَا قَالَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: انْتِزَاعًا مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ يَعْنِي لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ مِنَ الْعِبَادِ بِأَنْ يَرْفَعَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ (وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ) أَيْ: يَرْفَعُهُ (بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ) أَيْ: بِمَوْتِهِمْ وَرَفْعِ أَرْوَاحِهِمْ (حَتَّى): هِيَ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَةِ وَهِيَ هُنَا الشُّرَطُ وَالْجَزَاءُ يَعْنِي (إِذَا لَمْ يُبْقِ): أَيِ: اللَّهُ (عَالِمًا): بِقَبْضِ رُوحِهِ مِنَ الْإِبْقَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ: حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْقَافِ، وَعَالِمٌ بِالرَّفْعِ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ: حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا (اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا) أَيْ خَلِيفَةً وَقَاضِيًا وَمُفْتِيًا وَإِمَامًا وَشَيْخًا " (جُهَّالًا): جَمْعُ جَاهِلٍ أَيْ جَهَلَةً بِمَا يُنَاسِبُ مَنْصِبَهُ. قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ: ضَبَطْنَاهُ فِي الْبُخَارِيِّ رُءُوسًا بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالتَّنْوِينِ جَمْعُ رَأْسٍ، وَضَبَطُوهُ فِي مُسْلِمٍ هُنَا بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي رُؤَسَاءُ جَمْعُ رَئِيسٍ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ (فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا) أَيْ: أَجَابُوا وَحَكَمُوا (بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا) أَيْ: صَارُوا ضَالِّينَ (وَأَضَلُّوا) أَيْ مُضِلِّينَ لِغَيْرِهِمْ فَيَعُمُّ الْجَهْلُ الْعَالَمَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
٢٠٧ - وَعَنْ شَقِيقٍ: ﵁ «كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٠٧ - (وَعَنْ شَقِيقٍ) هُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ، يُكَنَّى أَبَا وَائِلٍ الْأَسَدِيَّ، أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَهُوَ ثِقَةٌ حُجَّةٌ، رَوَى عَنْ خَلْقٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَكَانَ خِصِّيصًا بِهِ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ كَثِيرُ الْحَدِيثِ مَاتَ زَمَنَ الْحَجَّاجِ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ. (قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُذَكِّرُ): بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: يَعِظُ (النَّاسَ): وَيُخَوِّفُهُمْ أَيْ: يَذْكُرُ كَلَامَ اللَّهِ وَحَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُمْ (فِي كُلِّ خَمِيسٍ) . وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّخْصِيصِ لِيَصِلَ بَرَكَتُهُ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ): يُحْتَمَلُ الرَّاوِي وَغَيْرُهُ (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ) أَيْ: أَحْبَبْتُ أَوْ تَمَنَّيْتُ (أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ): لِغَلَبَةِ الْغَفْلَةِ عَلَيْنَا لِيَعُودَ بِتَذْكِيرِكَ الْحُضُورُ إِلَيْنَا (قَالَ: أَمَا): بِمَعْنَى أَلَا لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّهُ): بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ (يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مِنَ التَّذْكِيرِ كُلَّ يَوْمٍ (أَنِّي أَكْرَهُ): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَاعِلُ يَمْنَعُنِي، أَيْ: كَرَاهَتِي (أَنْ أُمِلَّكُمْ): مَفْعُولُ أَكْرَهُ أَيْ: إِمْلَالَكُمْ يَعْنِي إِيقَاعَكُمْ فِي الْمَلَالَةِ (وَإِنِّي): بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَطْفٌ عَلَى «إِنَّهُ» أَوْ حَالٌ (أَتَخَوَّلُكُمْ): مِنَ التَّخَوُّلِ، وَهُوَ التَّعَفُّفُ وَحَسْنُ الرِّعَايَةِ (بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا): مِنَ التَّخَوُّلِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ تَفَقُّدُ الْحَالِ. رَوَى يَتَخَوَّنُنَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ بِمَعْنَى يَتَخَوَّلُنَا. قِيلَ: الرِّوَايَةُ بِاللَّامِ أَكْثَرُ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الصَّوَابَ يَتَحَوَّلُنَا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ فِي الصِّحَاحِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو يَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ يَتَخَوَّنُنَا وَالتَّخَوُّنُ: التَّعَهُّدُ، وَقَدْ رَدَّ عَلَى الْأَعْمَشِ رِوَايَتَهُ بِاللَّامِ، وَكَانَ الْأَصْمَعِيُّ يَقُولُ: ظَلَمَهُ أَبُو عَمْرٍو، وَيُقَالُ: يَتَخَوَّلُنَا وَيَتَخَوَّنُنَا جَمِيعًا. كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ اخْتِلَافُ الرُّوَاةِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، يَعْنِي يَتَفَقَّدُنَا (بِهَا) أَيْ: بِالْمَوْعِظَةِ فِي مَظَانِّ الْقَبُولِ، وَلَا يُكْثِرُ عَلَيْنَا وَلَا يَعِظُنَا مُتَوَالِيًا (مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا) . وَفِي الْمَصَابِيحِ: كَرَاهَةَ السَّآمَةِ أَيِ الْمَلَالَةِ إِذْ لَا تَأْثِيرَ لِلْمَوْعِظَةِ عِنْدَ الْمَلَالَةِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ يَعِظُنَا يَوْمًا دُونَ يَوْمٍ وَوَقْتًا دُونَ وَقْتٍ، وَيُرْوَى بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْضًا أَيْ: يَتَأَمَّلُ أَحْوَالَنَا الَّتِي نَنْشَطُ فِيهَا لِلْمَوْعِظَةِ فَيَعِظُنَا فِيهَا، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ الْمَشَايِخُ وَالْوُعَّاظُ فِي تَرْبِيَةِ الْمُرِيدِينَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
أَيْ: كُلُّ نَفْسٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [الانفطار: ٥] ﴿مَا قَدَّمَتْ﴾ [الانفطار: ٥]: وَأَخَّرَتْ أَيْ: لِتَتَفَكَّرْ وَتَتَأَمَّلِ النُّفُوسُ مَا قَدَّمَتْ، أَيْ: أَيَّ شَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْخَيْرَاتِ أَرْسَلَتْهُ إِلَى الْآخِرَةِ (لِغَدٍ) أَيْ: لِنَفْعِ الْغَدِ مِنَ الزَّمَانِ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَتَمَامُهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ. وَهُوَ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وَالْأَوَّلُ مَعْنَاهُ اتَّقُوا مُخَالَفَتَهُ، وَالثَّانِي اتَّقُوا عُقُوبَتَهُ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨] أَيْ: عَالِمٌ بِأَعْمَالِكُمْ فَيُخْبِرُكُمْ بِهَا وَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَفِيهِ جَوَازُ تَقْطِيعِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ بِأَنْ يُؤْتَى بِبَعْضِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى حَسَبِ الْحَاجَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» تَصَدَّقَ رَجُلٌ «: بِفَتْحِ الْقَافِ وَتُسَكَّنُ قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ الظَّاهِرَ لِيَتَصَدَّقْ رَجُلٌ، وَلَامُ الْأَمْرِ لِلْغَائِبِ مَحْذُوفٌ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، وَنَقَلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْ نَبْكِ فِي: قِفَا نَبْكِ مَجْزُومٌ عَلَى تَأْوِيلِ الْأَمْرِ أَيْ: فَلْنَبْكِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا﴾ [الحجر: ٣] أَيْ: فَلْيَأْكُلُوا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ [الجاثية: ١٤] أَيْ: فَلْيَغْفِرُوا وَلَوْ حَمَلَ» تَصَدَّقَ «عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي لَمْ يُسَاعِدْهُ قَوْلُهُ:»وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ «إِذِ الْمَعْنَى لِيَتَصَدَّقَ رَجُلٌ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، كَذَا قَوْلُهُ: فَجَاءَ رَجُلٌ. . إِلَخْ: لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِامْتِثَالِ أَمْرِهِ ﵊ عَقِيبَ الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَلِمَنْ يُجْرِيهِ عَلَى الْإِخْبَارِ وَجْهٌ، لَكِنْ فِيهِ تَعَسُّفٌ غَيْرُ خَافٍ اهـ.
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَيَأْبَى عَنِ الْحَمْلِ عَلَى حَذْفِ اللَّامِ عَدَمُ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ اهـ. فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لَفْظًا وَأَمْرٌ مَعْنًى، وَإِتْيَانُ الْإِخْبَارِ بِمَعْنَى الْإِنْشَاءِ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ، فَلَيْسَ فِيهِ تَكَلُّفٌ فَضْلًا عَنْ تَعَسُّفٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الصف: ١١]: قِيلَ: إِنَّهُمَا بِمَعْنَى آمِنُوا وَجَاهِدُوا، وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ» تَعْبُدُ اللَّهَ «بِمَعْنَى اعْبُدِ اللَّهَ، بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ أَبْلَغُ فَكَأَنَّهُ أَمَرَهُ وَامْتَثَلَ بِهِ فَأَخْبَرَ عَنْهُ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَا يُقَالُ هَذَا الْإِخْبَارُ مُضَارِعٌ وَالْكَلَامُ فِي الْمَاضِي، لِأَنَّ الْخَبَرَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ خَبَرٌ لَا تَفَاوُتَ فِيهِ مَاضِيًا أَوْ مُضَارِعًا مَعَ أَنَّ الْأَغْلَبِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ أَظْهَرُ فِي الْمَاضِي لِدَلَالَتِهِ عَلَى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْآتِيَ:»فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ «حَمَلَ بَعْضُهُمْ» أَخَذَ «الثَّانِيَ عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ. (مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ): بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: مِنْ قَمْحِهِ وَحِنْطَتِهِ وَفِي مَعْنَاهُ مِنْ شَعِيرِهِ (مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ): وَإِعَادَةُ الْعَامِلِ تُفِيدُ الِاسْتِقْلَالَ وَتَدْفَعُ أَنْ يَكُونَ الصَّاعُ مِنْهُمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: رَجُلٌ نَكِرَةٌ وُضِعَتْ مَوْضِعَ الْجَمْعِ الْمَعْرُوفِ لِإِفَادَةِ الِاسْتِغْرَاقِ فِي الْإِفْرَادِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ كَشَجَرَةٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] فَإِنَّ شَجَرَةً وَقَعَتْ مَوْقِعَ الْأَشْجَارِ، وَمِنْ ثَمَّ كَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ مِرَارًا بِلَا عَطْفٍ أَيْ: لِيَتَصَدَّقْ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، وَرَجُلٌ مِنْ دِرْهَمِهِ وَهَلُمَّ جَرًّا. وَ» مِنْ «فِي:»مِنْ دِينَارٍ "، إِمَّا تَبْعِيضِيَّةٌ، أَيْ: لِيَتَصَدَّقْ مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَإِمَّا ابْتِدَائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفِعْلِ فَالْإِضَافَةُ بِمَعْنَى اللَّامِ أَيْ: لِيَتَصَدَّقْ بِمَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ وَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] (حَتَّى قَالَ): أَيِ النَّبِيُّ ﷺ لِيَتَصَدَّقْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ (وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ): أَيِ: الرَّاوِي (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ): بِالضَّمِّ، أَيْ: رَبْطَةٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ أَوِ الدَّنَانِيرِ (كَادَتْ كَفُّهُ) أَيْ قَارَبَتْ (تَعْجِزُ): بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتُفْتَحُ (عَنْهَا) أَيْ: عَنْ حَمْلِ الصُّرَّةِ لِثِقَلِهَا لِكَثْرَةِ مَا فِيهَا (بَلْ قَدْ عَجَزَتْ): بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتُكْسَرُ (ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ) أَيْ: تَوَالَوْا فِي إِعْطَاءِ الْخَيْرَاتِ وَإِتْيَانِ الْمَبَرَّاتِ (حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ): الْكَوْمَةُ: بِالْفَتْحِ الصُّبْرَةُ (مِنْ طَعَامٍ): الظَّاهِرُ أَنَّهُ هُنَا حُبُوبٌ، وَلَعَلَّ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ النُّقُودِ لِغَلَبَتِهِ (وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ): بَدَلٌ مِنْ حَتَّى الْأُولَى أَوْ غَايَةٌ لَهَا أَيْ:
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢١٢ - عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ! إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ رَسُولِ ﷺ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ. قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:»مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ وَسَمَّاهُ التِّرْمِذِيُّ قَيْسَ بْنَ كَثِيرٍ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢١٢ - (عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ): ذَكَرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّابِعِينَ (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ): بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَيُكْسَرُ أَيِ: الشَّامِ (فَجَاءَهُ) أَيْ: أَبَا الدَّرْدَاءِ (رَجُلٌ) أَيْ: مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ (فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ!): يُقْرَأُ بِالْهَمْزَةِ بَعْدَ حَرْفِ النِّدَاءِ وَلَا يُكْتَبُ رَسْمًا (إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَرِهَ الشَّافِعِيُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَرَسُولِ غَيْرِهِ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ الْآيَةَ. لِأَنَّ خِطَابَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ تَشْرِيفٌ لَهُ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ، وَلَهُ تَعَالَى أَنْ يُخَاطِبَ عَبِيدَهُ بِمَا شَاءَ وَمِنْ ثَمَّ أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] أَنَّهُ يَحْرُمُ نِدَاؤُهُ بِاسْمِهِ كَ «يَا مُحَمَّدُ»، أَوْ بِكُنْيَتِهِ كَ «يَا أَبَا الْقَاسِمِ». قَالَ: وَإِنَّمَا يُنَادَى بِنَحْوِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ اهـ. وَفِيهِ: أَنَّ الْقَرِينَةَ الْمَانِعَةَ مِنْ إِرَادَةِ الْإِشْرَاكِ قَائِمَةٌ، فَإِنَّهُ لَا يُفْهَمُ بَلْ لَا يُتَوَهَّمُ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْوِهِ لَا سِيَّمَا إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ ﷺ (لِحَدِيثٍ) أَيْ: لِأَجْلِ تَحْصِيلِ حَدِيثٍ (بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ) أَيْ: ذَلِكَ الْحَدِيثَ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ)، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ إِجْمَالًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ الْحَدِيثَ، لَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْمَعَهُ بِلَا وَاسِطَةٍ لِإِفَادَةِ الْعِلْمِ وَزِيَادَةِ يَقِينِهِ أَوْ لِعُلُوِّ الْإِسْنَادِ فَإِنَّهُ مِنَ الدِّينِ (مَا جِئْتُ): إِلَى الشَّامِ (لِحَاجَةٍ): أُخْرَى، غَيْرَ أَنْ أُسْمِعَكَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ تَحْدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِمَا حَدَّثَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبَ الرَّجُلِ بِعَيْنِهِ أَوْ يَكُونَ بَيَانًا أَنَّ سَعْيَهُ مَشْكُورٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَا مَا هُوَ مَطْلُوبُهُ، وَالْأَوَّلُ أَغْرَبُ، وَالثَّانِي أَقْرَبُ (قَالَ) أَيْ: أَبُو الدَّرْدَاءِ (فَإِنِّي) أَيْ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنِّي (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ سَلَكَ) أَيْ: دَخَلَ أَوْ مَشَى، (طَرِيقًا) أَيْ: قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا (يَطْلُبُ فِيهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ أَوْ فِي ذَلِكَ الْمَسْلَكِ أَوْ فِي سُلُوكِهِ (عِلْمًا): قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا أَطْلَقَ الطَّرِيقَ وَالْعِلْمَ لِيَشْمَلَا فِي جِنْسِهِمَا أَيَّ طَرِيقٍ كَانَ مِنْ مُفَارَقَةِ الْأَوْطَانِ وَالضَّرْبِ فِي الْبُلْدَانِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا سَبَقَ، وَأَيَّ عِلْمٍ كَانَ مِنْ عُلُومِ الدِّينِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا رَفِيعًا أَوْ غَيْرَ رَفِيعٍ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنِ الثَّوْرِيِّ: مَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ، قِيلَ لَهُ: لَيْسَ لَهُمْ نِيَّةٌ. قَالَ: طَلَبُهُمْ لَهُ نِيَّةٌ، أَيْ: سَبَبُهَا، وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: طَلَبْنَا الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَأَبَى أَنْ يَكُونَ إِلَّا لِلَّهِ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ ﵀: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ اهـ. لِأَنَّهُ إِمَّا فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَهُمَا أَفْضَلُ مِنَ النَّافِلَةِ. وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: الْعِلْمُ الْحِكْمَةُ وَهُوَ نُورٌ يَهْدِي اللَّهُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَلَيْسَ بِكَثْرَةِ الْمَسَائِلِ اهـ. وَلَعَلَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَعْنَى الْآيَةِ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] «سَلَكَ اللَّهُ بِهِ»: الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ عَائِدٌ إِلَى «مَنْ» وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أَيْ: جَعَلَهُ سَالِكًا وَوَفَّقَهُ أَنْ يَسْلُكَ طَرِيقَ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: عَائِدٌ إِلَى الْعِلْمِ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَسَلَكَ بِمَعْنَى سَهَّلَ، وَالْعَائِدُ إِلَى «مَنْ» مَحْذُوفٌ، وَالْمَعْنَى سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِسَبَبِ الْعِلْمِ (طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ): فَعَلَى الْأَوَّلِ سَلَكَ مِنَ السُّلُوكِ، وَعَلَى الثَّانِي مِنَ السَّلْكِ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧] قِيلَ: عَذَابًا مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ نِسْبَةُ سَلَكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى طَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ طُرُقَ الْجَنَّةِ كَثِيرَةٌ، وَكُلَّ عَمَلٍ صَالِحٍ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِهَا، وَطُرُقُ الْعِلْمِ أَقْرَبُ الطُّرُقِ إِلَيْهَا وَأَعْظَمُ اهـ.
قُلْتُ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ طَرِيقٌ إِلَى الْجَنَّةِ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ تَنْكِيرِهِمَا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ طُرُقَ الْجَنَّةِ مَحْصُورَةٌ فِي طُرُقِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْعِلْمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَقَوْلُ الصُّوفِيَّةِ الطُّرُقُ إِلَى اللَّهِ بِعَدَدِ أَنْفَاسِ الْمَخْلُوقَاتِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَعْرِفَةِ وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِلْمِ، وَلِأَنَّ طَرِيقَ غَيْرِ الْعِلْمِ هُوَ طَرِيقُ الْجَهْلِ وَمَا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلِيًّا جَاهِلًا وَلَوِ اتَّخَذَهُ لَعَلَّمَهُ. (وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ): اللَّامُ لِلْجِنْسِ أَوْ لِلْعَهْدِ أَيْ: مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كُلَّهُمْ وَهُوَ أَنْسَبُ بِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ فِي قَوْلِهِ: (لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا): حَالٌ أَوْ مَفْعُولٌ لَهُ عَلَى مَعْنَى إِرَادَةِ رِضًا لِيَكُونَ فِعْلًا لِفَاعِلِ الْفِعْلِ الْمُعَلِّلِ (لِطَالِبِ الْعِلْمِ): اللَّامُ مُتَعَلِّقٌ بِرِضًا، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ لِأَجْلِ الرِّضَا الْوَاصِلِ مِنْهَا إِلَيْهِ أَوْ لِأَجْلِ إِرْضَائِهَا الطَّالِبَ الْعِلْمَ بِمَا يَصْنَعُ مِنْ حِيَازَةِ الْوِرَاثَةِ الْعُظْمَى وَسُلُوكِ السَّنِّ الْأَسْنَى. قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ وَغَيْرُهُ: قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَتَوَاضَعُ لِطَالِبِهِ تَوْقِيرًا لِعِلْمِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] أَيْ: تَوَاضَعْ لَهُمَا، أَوِ الْمُرَادُ الْكَفُّ عَنِ الطَّيَرَانِ وَالنُّزُولِ لِلذِّكْرِ كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: «وَحَفَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ» أَوْ مَعْنَاهُ الْمَعُونَةُ وَتَيْسِيرُ الْمُؤْنَةِ بِالسَّعْيِ فِي طَلَبِهِ أَوِ الْمُرَادُ تَلْيِينُ الْجَانِبِ وَالِانْقِيَادُ وَالْفَيْءُ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وَالِانْعِطَافِ، أَوِ الْمُرَادُ حَقِيقَتُهُ وَإِنْ لَمْ تُشَاهَدْ، وَهِيَ فَرْشُ الْجَنَاحِ وَبَسْطُهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ لِتَحْمِلَهُ عَلَيْهَا وَتُبَلِّغَهُ مَقْعَدَهُ مِنَ الْبِلَادِ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ. وَنَقَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ بِالْبَصْرَةِ فَحَدَّثَنَا هَذَا الْحَدِيثَ، وَفِي الْمَجْلِسِ شَخْصٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ فَجَعَلَ يَسْتَهْزِئُ بِالْحَدِيثِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَطْرُقَنَّ غَدًا نَعْلِي وَأَطَأُ بِهَا أَجْنِحَةَ الْمَلَائِكَةِ فَفَعَلَ وَمَشَى فِي النَّعْلَيْنِ فَحَفَتْ رِجْلَاهُ وَوَقَعَتْ فِيهِمَا الْأَكَلَةُ. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: سَمِعْتُ ابْنَ يَحْيَى السَّاجِيَّ يَقُولُ: كُنَّا نَمْشِي فِي أَزِقَّةِ الْبَصْرَةِ إِلَى بَابِ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ فَأَسْرَعْنَا الْمَشْيَ، وَكَانَ مَعَنَا رَجُلٌ مَاجِنٌ مُتَّهَمٌ فِي دِينِهِ فَقَالَ: ارْفَعُوا أَرْجُلَكُمْ عَنْ أَجْنِحَةِ الْمَلَائِكَةِ لَا تَكْسِرُوهَا كَالْمُسْتَهْزِئِ بِالْحَدِيثِ، فَمَا زَالَ عَنْ مَوْضِعِهِ حَتَّى حَفَتْ رِجْلَاهُ وَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ اهـ.
وَالْحَفَاءُ: رِقَّةُ الْقَدَمِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ «عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! جِئْتُ أَطْلُبُ الْعِلْمَ. قَالَ: «مَرْحَبًا بِطَالِبِ الْعِلْمِ إِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَتَحُفُّ بِهِ الْمَلَائِكَةُ وَتُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا فَيَرْكَبُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ حَتَّى تَبْلُغَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا مِنْ حُبِّهِمْ لِمَا يَطْلُبُ» . نَقَلَهُ الشَّيْخُ ابْنُ الْقَيِّمِ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ (وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ)، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مَجَازٌ مِنْ إِرَادَةِ اسْتِقَامَةِ حَالِ الْمُسْتَغْفَرِ لَهُ اهـ.
وَالْحَقِيقَةُ أَوْلَى (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ): لِأَنَّهُمْ عُرِفُوا بِتَعْرِيفِ الْعُلَمَاءِ وَعَظُمُوا بِقَوْلِهِمْ (وَمَنْ فِي الْأَرْضِ): قِيلَ: فِيهِ تَغْلِيبٌ، وَالْمُرَادُ مَا فِي الْأَرْضِ لِأَنَّ بَقَاءَهُمْ وَصَلَاحَهُمْ مَرْبُوطٌ بِرَأْيِ الْعُلَمَاءِ وَفَتْوَاهُمْ وَلِذَلِكَ قِيلَ: مَا مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ حَيِّهَا وَمَيِّتِهَا إِلَّا وَلَهُ مَصْلَحَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْعِلْمِ (وَالْحِيتَانُ): جَمْعُ الْحُوتِ (فِي جَوْفِ الْمَاءِ): خُصَّ لِدَفْعِ إِيهَامِ أَنَّ مَنْ فِي الْأَرْضِ لَا يَشْمَلُ مَنْ فِي الْبَحْرِ أَوْ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ بِأَنْ يُرَادَ بِالْحِيتَانِ جَمِيعُ دَوَابِّ الْمَاءِ وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ عَوَالِمِ الْبَرِّ لِمَا جَاءَ: أَنَّ عَوَالِمَ الْبَرِّ أَرْبَعُمِائَةِ عَالَمٍ، وَعَوَالِمُ الْبَحْرِ سِتُّمِائَةِ عَالَمٍ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَخُصَّ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهَا فِي الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ إِذْ هِيَ فِي الْمَاءِ اهـ. وَبَيْنَ كَلَامَيْهِ تَنَاقُضٌ، نَعَمْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالًا وَجَوَابًا ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ سَلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ: مَنْ فِي الْأَرْضِ يَشْمَلُهَا فَذَكَرَهَا لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ مَاءٌ، وَلِذَلِكَ اسْتَغْفَرَ لِلْعَالِمِ لِأَنَّ السَّبَبَ لِبَقَائِهِ مُخْتَصٌّ بِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَاءُ الْعِلْمُ وَالْأَوْدِيَةُ الْقُلُوبُ اهـ كَلَامُهُ، وَفِيهِ مَا فِيهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: تَخْصِيصُ الْحِيتَانِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ إِنْزَالَ الْمَطَرِ بِبَرَكَتِهِمْ حَتَّى إِنَّ الْحِيتَانَ تَعِيشُ بِسَبَبِهِمْ اهـ. وَفِي الْحَدِيثِ: بِهِمْ تُمْطَرُونَ وَبِهِمْ تُرْزَقُونَ (وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ): أَيِ: الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ، وَهُوَ الَّذِي يَقُومُ بِنَشْرِ الْعِلْمِ بَعْدَ أَدَائِهِ مَا تَوَجَّهَ إِلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ (عَلَى الْعَابِدِ) أَيِ: الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْعِبَادَةُ، وَهُوَ الَّذِي يَصْرِفُ أَوْقَاتَهُ بِالنَّوَافِلِ مَعَ كَوْنِهِ عَالِمًا بِمَا تَصِحُّ بِهِ الْعِبَادَةُ (كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) أَيْ: لَيْلَةَ الرَّابِعَ عَشَرَ، وَبِهِ أَوَّلُ» طه " عَلَى حِسَابِ الْجُمَلِ، وَأُرِيدَ بِهِ
٢١٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ («طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّوْلُؤَ وَالذَّهَبَ») رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) إِلَى قَوْلِهِ (مُسْلِمٍ) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مَتْنُهُ مَشْهُورٌ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ كُلُّهَا ضَعِيفٌ.
ــ
٢١٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (طَلَبُ الْعِلْمِ) أَيِ: الشَّرْعِيِّ (فَرِيضَةٌ) أَيْ: مَفْرُوضٌ فَرْضَ عَيْنٍ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ): أَوْ كِفَايَةٍ وَالتَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ وَمُسْلِمَةٍ كَمَا فِي رِوَايَةٍ.
قَالَ الشُّرَّاحُ: الْمُرَادُ بِالْعِلْمِ مَا لَا مَنْدُوحَةَ لِلْعَبْدِ مِنْ تَعَلُّمِهِ كَمَعْرِفَةِ الصَّانِعِ وَالْعِلْمِ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَنُبُوَّةِ رَسُولِهِ وَكَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ فَرْضُ عَيْنٍ، وَأَمَّا بُلُوغُ رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ وَالْفُتْيَا فَفَرْضُ كِفَايَةٍ. قَالَ السَّيِّدُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَعُمَّ الْعِلْمَ وَيُحْمَلَ الْكَلَامُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ اهـ. وَفِيهِ تَأَمُّلٌ.
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِي الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ وَتَحَزَّبُوا فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ فِرْقَةً، فَكَانَ فَرِيقٌ نَزَّلَ الْوُجُوبَ عَلَى الْعِلْمِ الَّذِي بِصَدَدِهِ اهـ.
قَالَ الشَّيْخُ الْعَارِفُ الرَّبَّانِيُّ السَّهَرْوَرْدِيُّ: اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ فَرِيضَةٌ. قِيلَ: هُوَ عِلْمُ الْإِخْلَاصِ وَمَعْرِفَةُ آفَاتِ النَّفْسِ وَمَا يُفْسِدُ الْأَعْمَالَ لِأَنَّ الْإِخْلَاصَ مَأْمُورٌ بِهِ، فَصَارَ عِلْمُهُ فَرْضًا آخَرَ، وَقِيلَ: مَعْرِفَةُ الْخَوَاطِرِ وَتَفْصِيلُهَا فَرِيضَةٌ لِأَنَّ الْخَوَاطِرَ هِيَ مَنْشَأُ الْفِعْلِ، وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ الْفَرْقُ بَيْنَ لَمَّةِ الشَّيْطَانِ وَلَمَّةِ الْمَلَكِ، وَقِيلَ: هُوَ طَلَبُ عِلْمِ الْحَلَالِ حَيْثُ كَانَ أَكْلُ الْحَلَالِ وَاجِبًا، وَقِيلَ: عِلْمُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالنِّكَاحِ إِذَا أَرَادَ الدُّخُولَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَقِيَامُ عِلْمِ الْفَرَائِضِ الْخَمْسِ، وَقِيلَ: هُوَ طَلَبُ عِلْمِ التَّوْحِيدِ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالنَّقْلِ، وَقِيلَ: هُوَ طَلَبُ عِلْمِ الْبَاطِنِ وَهُوَ مَا يَزْدَادُ بِهِ الْعَبْدُ يَقِينًا، وَهُوَ الَّذِي يُكْتَسَبُ بِصُحْبَةِ الصَّالِحِينَ وَالزُّهَّادِ الْمُقَرَّبِينَ، فَهُمْ وُرَّاثُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ اهـ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْضُ قَبْلَ الْفَرْضِ؟ فَقُلِ: الْعِلْمُ قَبْلَ الْعَمَلِ، وَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْضُ فِي الْفَرْضِ؟ فَقُلِ: الْإِخْلَاصُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْضُ بَعْدَ الْعَمَلِ؟ فَقُلِ: الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ. (وَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ): بِأَنْ يُحَدِّثَهُ مَنْ لَا يَفْهَمُهُ، أَوْ مَنْ يُرِيدُ مِنْهُ غَرَضًا دُنْيَوِيًّا، أَوْ مَنْ لَا يَتَعَلَّمُهُ لِلَّهِ (كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّؤْلُؤَ): بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَيُبْدَلُ (وَالذَّهَبَ): قِيلَ: يُشْعِرُ بِأَنَّ كُلَّ عِلْمٍ يَخْتَصُّ بِاسْتِعْدَادٍ وَلَهُ أَهْلٌ، فَإِذَا وَضَعَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَقَدْ ظَلَمَ، فَمَثَّلَ مَعْنَى الظُّلْمِ بِتَقْلِيدِ أَخَسِّ الْحَيَوَانَاتِ بِأَنْفَسِ الْجَوَاهِرِ تَهْجِينًا لِذَلِكَ الْوَضْعِ وَتَنْفِيرًا عَنْهُ، وَلِذَا قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهِ وَجْهَهُ: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَفْهَمُونَ أَوْ يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَيْ: إِذَا سَمِعُوا مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ عُقُولُهُمْ، فَإِنَّهُمْ يُبَادِرُونَ إِلَى تَكْذِيبِهِ، وَفِي تَعْقِيبِ هَذَا التَّمْثِيلِ بِقَوْلِهِ: طَلَبُ الْعِلْمِ إِعْلَامٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّلَبِ طَلَبٌ مِنَ الْمُسْتَعِدِّينَ مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ: يُوَافِقُ مَنْزِلَتَهُ بَعْدَ حُصُولِ مَا هُوَ وَاجِبٌ مِنَ الْفَرَائِضِ الْعَامَّةِ، وَعَلَى الْعَالِمِ أَنْ يَخُصَّ كُلَّ طَالِبٍ بِمَا هُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهُ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) . يَعْنِي: بِكَمَالِهِ، وَغَيْرُهُ. كَذَا فِي التَّرْغِيبِ لِلْمُنْذِرِيِّ (وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ إِلَى قَوْلِهِ: (مُسْلِمٍ) وَقَالَ: أَيِ: الْبَيْهَقِيُّ (هَذَا حَدِيثٌ مَتْنُهُ مَشْهُورٌ) أَيْ: عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ كَذَا فِي بِدَايَةِ الْجَزَرِيِّ (وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ)، أَيْ: وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا كَذَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ (وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ) . لَكِنَّ كَثْرَةَ الطُّرُقِ تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ وَيَقْوَى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. قَالَ الْمِزِّيُّ تِلْمِيذُ النَّوَوِيِّ: إِنَّ طُرُقَهُ تَبْلُغُ رُتْبَةَ الْحَسَنِ، وَقَالَ الْعَلْقَمِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَأَيْتُ لَهُ خَمْسِينَ طَرِيقًا جَمَعْتُهَا فِي جُزْءٍ وَحَكَمْتُ بِصِحَّتِهِ، لَكِنَّ مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ بِغَيْرِهِ، فَقَوْلُ الْجَزَرِيِّ فِي الْبِدَايَةِ: لَا أَصْلَ لَهُ، أَيْ: لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ لِلْمَشْهُورِ الَّذِي لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لَكِنْ قَالَ الْعِرَاقِيُّ. قَدْ صَحَّحَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بَعْضَ طُرُقِهِ، هَذَا وَقَدْ أَلْحَقَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ بِآخِرِ الْحَدِيثِ (وَمُسْلِمَةٍ) وَلَيْسَ لَهَا ذِكْرٌ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ.
٢١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: («خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ: حُسْنُ سَمْتٍ، وَلَا فِقْهٌ فِي الدِّينِ») . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٢١٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [﵁] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ): بِأَنْ تَكُونَ فِيهِ وَاحِدَةٌ دُونَ الْأُخْرَى، أَوْ لَا يَكُونَا فِيهِ بِأَنْ لَا تُوجَدَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا فِيهِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالِاجْتِمَاعِ تَحْرِيضًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى جَمْعِهِمَا وَزَجْرًا لَهُمْ عَنِ الِاتِّصَافِ بِأَحَدِهِمَا، وَالْمُنَافِقُ إِمَّا حَقِيقِيٌّ وَهُوَ النِّفَاقُ الِاعْتِقَادِيُّ أَوْ مَجَازِيٌّ وَهُوَ الْمُرَائِي وَهُوَ النِّفَاقُ الْعَمَلِيُّ (حُسْنُ سَمْتٍ) أَيْ: خُلُقٍ وَسِيرَةٌ وَطَرِيقَةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ التَّزَيِّي بِزِيِّ الصَّالِحِينَ. وَقَالَ مَيْرَكُ: السَّمْتُ بِمَعْنَى الطَّرِيقِ أَعْنِي الْمَقْصِدَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ هَيْئَةُ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ تَحَرِّي طُرُقِ الْخَيْرِ وَالتَّزَيِّي بِزِيِّ الصَّالِحِينَ مَعَ التَّنَزُّهِ عَنِ الْمَعَايِبِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ (وَلَا فِقْهٌ فِي الدِّينِ): عَطَفَ بِلَا لِأَنَّ حُسْنَ سَمْتٍ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَلَا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ الْمُسَاقِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: حَقِيقَةُ الْفِقْهِ فِي الدِّينِ مَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى اللِّسَانِ، فَأَفَادَ الْعَمَلَ، وَأَوْرَثَ الْخَشْيَةَ وَالتَّقْوَى، وَأَمَّا الَّذِي يَتَدَارَسُ أَبْوَابًا مِنْهُ لِيَتَعَزَّزَ بِهِ وَيَتَأَكَّلَ بِهِ فَإِنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الرُّتْبَةِ الْعُظْمَى لِأَنَّ الْفِقْهَ تَعَلَّقَ بِلِسَانِهِ دُونَ قَلْبِهِ، وَبِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁: وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ كُلَّ مُنَافِقٍ عَلِيمَ اللِّسَانِ، قَالَ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ إِحْدَاهُمَا قَدْ تَحْصُلُ دُونَ الْأُخْرَى، بَلْ هُوَ تَحْرِيضٌ لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الِاتِّصَافِ بِهِمَا وَالِاجْتِنَابِ عَنْ أَضْدَادِهَا، فَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَكُونُ عَارِيًا مِنْهُمَا، وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ وَنَحْوِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ - الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧] إِذْ فِيهِ حَثٌّ عَلَى أَدَائِهَا وَتَخْوِيفٌ مِنَ الْمَنْعِ حَيْثُ جَعَلَهُ مِنْ أَوْصَافِ الْمُشْرِكِينَ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)
تَابِعًا، وَوَصْفُ الْعِلْمِ بِابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ إِمَّا لِلتَّفْصِيلِ وَالتَّمْيِيزِ فَإِنَّ بَعْضًا مِنَ الْعُلُومِ مِمَّا يُسْتَعَاذُ مِنْهُ كَمَا وَرَدَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ»، وَإِمَّا لِلْمَدْحِ وَالْوَعِيدِ مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ وَالتَّهْدِيدِ، وَسَمِعْتُ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ الزَّاهِدِينَ يَقُولُ: مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا بِالْعُلُومِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَانَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَطْلُبَهَا بِغَيْرِهَا مِنَ الْعُلُومِ، فَهُوَ كَمَنْ جَرَّ جِيفَةً بِآلَةٍ مِنْ آلَاتِ اللَّهْوِ، وَذَلِكَ كَمَنْ جَرَّهَا بِأَوْرَاقِ تِلْكَ الْعُلُومِ اهـ.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ رَأَى شَخْصًا يَلْعَبُ فَوْقَ الْحِبَالِ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا لِأَنَّهُ يَأْكُلُ الدُّنْيَا بِالدُّنْيَا وَأَصْحَابُنَا يَأْكُلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ اهـ. لَكِنْ قَالُوا: فَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَأْخُذُ الدُّنْيَا لِيَتَفَرَّغَ لِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَبَيْنَ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الْآخِرَةِ لِيَأْخُذَ الدُّنْيَا فَتَأَمَّلْ. فَإِنَّهُ مَوْضِعُ الزَّلَلِ ثُمَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ أَعَمِّ الْأَوْصَافِ، أَيْ: لَا يَتَعَلَّمُهُ لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ شَيْئًا مِنْ مُتَمَتِّعَاتِ الدُّنْيَا وَإِنْ قَلَّ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ قَصْدَهَا هَذَا وَلَوْ مَعَ قَصْدِ الْآخِرَةِ مُوجِبٌ لِلْإِثْمِ، فَوَجْهُ التَّقْيِيدِ تَرَتَّبَ الْعِقَابُ الْآتِي عَلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَنْ قَصَدَ الدُّنْيَا لَا يَقْصِدُ مَعَهَا الْآخِرَةَ (لَمْ يَجِدْ): حِينَ يَجِدُ عُلَمَاءُ الدِّينِ مِنْ مَكَانٍ بِعِيدٍ (عَرْفَ الْجَنَّةِ): بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ رِيحَهَا الطَّيِّبَةَ الْمَعْرُوفَةَ بِأَنْ تُوجَدَ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ. يَعْنِي): هَذَا تَفْسِيرُ الرَّاوِي (رِيحُهَا) . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَدْ حُمِلَ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي تَحْرِيمِ الْجَنَّةِ عَلَى الْمُخْتَصِّ بِهَذَا الْوَعِيدِ كَقَوْلِكَ: مَا شَمَمْتُ قُتَارَ قَدْرِهِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّبَرُّؤِ عَنْ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ أَيْ: مَا شَمَمْتُ رَائِحَتَهَا فَكَيْفَ بِالتَّنَاوُلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُخْتَصَّ بِهَذَا الْوَعِيدِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ عُرِفَ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ، فَتَأْوِيلُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ تَهْدِيدًا وَزَجْرًا عَنْ طَلَبِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَأَيْضًا يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَوْمٌ مَوْصُوفٌ، وَذَلِكَ مِنْ حِينِ يُحْشَرُ النَّاسُ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ بِهِمُ الْأَمْرُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ إِلَى النَّارِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ وِجْدَانِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَطْ عَدَمُ وِجْدَانِهَا مُطْلَقًا، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْآمِنِينَ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ وَهِيَ النَّفْخَةُ الْأَخِيرَةُ إِذَا وَرَدُوا الْقِيَامَةَ يُمَدُّونَ بِرَائِحَةِ الْجَنَّةِ تَقْوِيَةً لِقُلُوبِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ، وَتَسْلِيَةً لِهُمُومِهِمْ وَأَشْجَانِهِمْ عَلَى مِقْدَارِ حَالِهِمْ فِي الْمَعْرِفَةِ وَإِيقَانِهِمْ، وَمَنْ تَعَلَّمَ لِلْأَغْرَاضِ الْفَانِيَةِ وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا يَتَعَلَّمَهُ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ يَكُونُ كَمَنْ حَدَثَ مَرَضٌ فِي دِمَاغِهِ يَمْنَعُهُ عَنْ إِدْرَاكِ الرَّوَائِحِ فَلَا يَجِدُ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ لِمَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الْأَغْرَاضِ الْمُخْتَلِفَةِ بِالْقُوَى الْإِيمَانِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا الْوَعِيدُ مُطْلَقٌ إِنِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ لِأَنَّ تَحْرِيمَ طَلَبِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْقَصْدِ فَقَطْ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَمَفْهُومِ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ أَخْلَصَ قَصْدَهُ فَتَعَلَّمَ لِلَّهِ لَا يَضُرُّهُ حُصُولُ الدُّنْيَا لَهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِهَا بِتَعَلُّمِهِ، بَلْ مِنْ شَأْنِ الْإِخْلَاصِ بِالْعِلْمِ أَنْ تَأْتِيَ الدُّنْيَا لِصَاحِبِهِ رَاغِمَةً، كَمَا وَرَدَ: ««مَنْ كَانَ هَمُّهُ الْآخِرَةَ جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَتَأْتِيهِ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ»»: (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَفْظُهُ: ««مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا لِغَيْرِ اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»».
٢٢٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ««نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ. ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ»». رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ.
ــ
٢٢٨ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا): قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: النَّضْرَةُ الْحُسْنُ وَالرَّوْنَقُ يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى، وَرُوِيَ مُخَفَّفًا وَمُثَقَّلًا اهـ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: التَّشْدِيدُ أَكْثَرُ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: رَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَالَ: هُوَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، وَرَوَاهُ الْأَصْمَعِيُّ بِالتَّشْدِيدِ، وَقَالَ: الْمُخَفَّفُ لَازِمٌ وَالتَّشْدِيدُ لِلتَّعْدِيَةِ وَعَلَى الْأَوَّلِ لِلتَّكْثِيرِ وَالْمُبَالَغَةِ اهـ. وَالْمَعْنَى خَصَّهُ اللَّهُ بِالْبَهْجَةِ وَالسُّرُورِ لِمَا رُزِقَ بِعِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ مِنَ الْقَدْرِ وَالْمَنْزِلَةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَنِعَمِهِ فِي الْآخِرَةِ، حَتَّى يُرَى عَلَيْهِ رَوْنَقُ الرَّخَاءِ وَالنِّعْمَةِ، ثُمَّ قِيلَ: إِنَّهُ إِخْبَارٌ يَعْنِي جَعَلَهُ ذَا نَضْرَةٍ، وَقِيلَ: دُعَاءٌ لَهُ بِالنَّضْرَةِ وَهِيَ الْبَهْجَةُ وَالْبَهَاءُ فِي الْوَجْهِ مِنْ أَثَرِ النِّعْمَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ هُنَا النَّضْرَةُ مِنْ حَيْثُ الْجَاهِ وَالْقَدْرِ، كَمَا جَاءَ: اطْلُبُوا الْحَوَائِجَ مِنْ حِسَانِ الْوُجُوهِ، أَيْ: ذَوِي الْأَقْدَارِ مِنَ النَّاسِ لِأَنَّهُ جَدَّدَ بِحِفْظِهِ وَنَقْلِهِ طَرَاوَةَ الدِّينِ فَجَازَاهُ فِي دُعَائِهِ بِمَا يُنَاسِبُ عَمَلَهُ. قُلْتُ: لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمِيعِ وَالْإِخْبَارُ أَوْلَى مِنَ الدُّعَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قِيلَ: وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، فَلِذَلِكَ تَجِدُ أَهْلَ الْحَدِيثِ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَجْمَلَهُمْ هَيْئَةً. وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَطْلُبُ الْحَدِيثَ إِلَّا وَفِي وَجْهِهِ نَضْرَةٌ، أَيْ: بَهْجَةٌ صُورِيَّةٌ أَوْ مَعْنَوِيَّةٌ (سَمِعَ مَقَالَتِي) أَيْ حَدِيثِي: (فَحَفِظَهَا) أَيْ: بِالْقَلْبِ أَوْ بِالْكِتَابَةِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: فَحَفِظَهَا بِلِسَانِهِ (وَوَعَاهَا) أَيْ: دَامَ عَلَى حِفْظِهَا وَلَمْ يَنْسَهَا. قِيلَ: بِالتَّكْرَارِ وَالتِّذْكَارِ إِذَا حَفِظَهَا لِئَلَّا يَنْسَى، وَقِيلَ: بِالرِّوَايَةِ وَالتَّبْلِيغِ فَيَكُونُ عَطْفًا (وَأَدَّاهَا): عَلَيْهِ تَفْسِيرِيًّا، أَيْ: أَوْصَلَهَا إِلَى النَّاسِ وَعَلِمَهَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْفُسْحَةِ فِي الْأَدَاءِ حَيْثُ لَمْ يُوجِبْهُ مُعَجَّلًا، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ فَقَالَ: مَعْنَى حَفِظَهَا أَيْ: عَمِلَ بِمُوجِبِهَا فَإِنَّ الْحِفْظَ قَدْ يُسْتَعَارُ لِلْعَمَلِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١٢] أَيِ: الْعَامِلُونَ بِفَرَائِضِهِ اهـ. وَفِي الْمَصَابِيحِ: وَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا. وَفِي الْأَرْبَعِينَ: سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا) أَيْ غَضًّا طَرِيًّا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَتَغْيِيرٍ مِنْ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ، أَوْ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ لِلَفْظِهَا وَلَا مَعْنَاهَا، فَيَكُونُ تَنْبِيهًا عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، فَلَا يُنَافِي جَوَازَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مَعَ أَنَّ التَّشْبِيهَ يُلَائِمُ هَذَا الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمِثْلِيَّةَ تَارَةً تَكُونُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَالْمَدَارُ عَلَى الْمَعَانِي الْأَصْلِيَّةِ دُونَ الْمُحَسِّنَاتِ اللَّفْظِيَّةِ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ حَيْثُ نَسِيَ اللَّفْظَ بِخُصُوصِهِ وَتَذَكَّرَ الْمَعْنَى بِعُمُومِهِ، فَلَوْ لَمْ يُعَبِّرْ عَنْهُ بِلَفْظٍ آخَرَ فَاتَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ لِأَنَّ مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ، وَمَحَلُّ بَسْطِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ عِلْمُ أُصُولِ الْحَدِيثِ. (فَرُبَّ): اسْتُعِيرَتْ لِلتَّكْثِيرِ، وَقِيلَ: اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ حَقِيقَةٌ أَيْضًا (حَامِلِ فِقْهٍ) أَيْ: عِلْمٍ (غَيْرِ فَقِيهٍ): بِالْجَرِّ صِفَةُ حَامِلٍ، وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ، فَتَقْدِيرُهُ هُوَ غَيْرُ فَقِيهٍ، يَعْنِي: لَكِنْ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ لِنَفْعِهِ بِالنَّقْلِ (وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ): قَدْ يَكُونُ فَقِيهًا وَلَا يَكُونُ أَفْقَهَ، فَيَحْفَظُهُ وَيُبَلِّغُهُ (إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ): فَيَسْتَنْبِطُ مِنْهُ مَا لَا يَفْهَمُهُ الْحَامِلُ أَوْ إِلَى مَنْ يَصِيرُ أَفْقَهَ مِنْهُ إِشَارَةً إِلَى فَائِدَةِ النَّقْلِ وَالدَّاعِي إِلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ صِفَةٌ لِمَدْخُولِ «رُبَّ» اسْتَغْنَى بِهَا عَنْ جَوَابِهَا أَيْ: رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ أَدَّاهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ (ثَلَاثٌ) أَيْ: ثَلَاثُ خِصَالٍ (لَا يَغِلُّ): بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا وَبِكَسْرِ الْغَيْنِ، فَالْأَوَّلُ مِنَ الْغِلِّ الْحِقْدِ، وَالثَّانِي مِنَ الْإِغْلَالِ الْخِيَانَةِ (عَلَيْهِنَّ) أَيْ: عَلَى تِلْكَ الْخِصَالِ (قَلْبُ مُسْلِمٍ): أَيْ كَامِلٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَخُونُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَشْيَاءَ وَلَا يَدْخُلُهُ ضِغْنٌ يُزِيلُهُ عَنِ الْحَقِّ حِينَ يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَالَهُ التُّورِبِشْتِيُّ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ: إِنَّ هَذِهِ الْخِلَالَ يُسْتَصْلَحُ بِهَا الْقُلُوبُ، فَمَنْ تَمَسَّكَ بِهَا طَهُرَ قَلْبُهُ مِنَ الْغِلِّ وَالْفَسَادِ، وَ«عَلَيْهِنَّ» فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: لَا يَغِلُّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ كَائِنًا عَلَيْهِنَّ، وَإِنَّمَا انْتَصَبَ عَنِ النَّكِرَةِ لِتُقَدُّمِهِ اهـ.
٢٣٧ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْمًا يَتَدَارَءُونَ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ: "إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا: ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَلَا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ. فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَقُولُوا، وَمَا جَهِلْتُمْ فَكِلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٢٣٧ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبِ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) . يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى عَمْرٍو، فَيَكُونَ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا لِأَنَّ جَدَّ عَمْرٍو وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو تَابِعِيٌّ، وَأَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إِلَى شُعَيْبٍ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَفْكِيكِ الضَّمِيرَيْنِ، فَالْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ لِأَنَّ جَدَّ شُعَيْبٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ صَحَابِيٌّ، وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ تَكَلَّمُوا فِي صَحِيفَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ لِمَا فِيهَا مِنِ احْتِمَالِ التَّدْلِيسِ (وَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ ﷺ قَوْمًا) أَيْ: كَلَامَ قَوْمٍ (يَتَدَارَءُونَ فِي الْقُرْآنِ) أَيْ: يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَيَتَدَافَعُونَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَالتَّدَارُؤُ دَفْعُ كُلٍّ مِنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ قَوْلَ صَاحِبِهِ بِمَا يَقَعُ مِنَ الْقَوْلِ أَيْ: يَدْفَعُ بَعْضُهُمْ دَلِيلَ بَعْضٍ مِنْهُ. قَالَ الْمُظْهِرُ: مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] وَيَقُولُ الْقَدَرِيُّ: لَيْسَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] وَهَذَا الِاخْتِلَافُ مَنْهِيٌّ، أَيْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا الطَّرِيقُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْآيَاتِ أَنْ يُؤْخَذَ مَا عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، وَيُئَوِّلَ الْآيَةَ الْأُخْرَى كَمَا نَقُولُ: الْعَقْدُ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾ [النساء: ٧٩] إِلَخْ. فَذَهَبَ الْمُفَسِّرُونَ إِلَى أَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] يَعْنِي: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ مَا هُوَ الصَّوَابُ، وَيَقُولُونَ مَا أَصَابَكَ إِلَخْ. وَقِيلَ: الْآيَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أَيْ: مَا أَصَابَكَ يَا مُحَمَّدُ أَوْ يَا إِنْسَانُ مِنْ حَسَنَةٍ، أَيْ: فَتْحٍ وَغَنِيمَةٍ وَرَاحَةٍ وَغَيْرِهَا، فَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ، أَيْ: مِنْ هَزِيمَةٍ وَتَلَفِ مَالٍ وَمَرَضٍ فَهُوَ جَزَاءُ مَا عَمِلْتَ مِنَ الذُّنُوبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] فَالْآيَةُ السَّابِقَةُ خَارِجَةٌ عَنْ مَسْأَلَةِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ (فَقَالَ): ﵊ (إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أَيْ: مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (بِهَذَا) أَيْ: بِسَبَبِ التَّدَارُؤِ، إِشَارَةُ تَحْقِيرٍ أَوْ تَعْظِيمٍ لِعِظَمِ ضَرَرِهِ، وَقِيلَ: الْمُضَافُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: بِمِثْلِ هَذَا الِاخْتِلَافِ الْمَذْمُومِ (ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ) أَيْ: جِنْسَهُ (بَعْضَهُ بِبَعْضٍ): بَدَلُ بَعْضٍ، وَالْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِاسْمِ الْإِشَارَةِ، أَيْ: خَلَطَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَمَعْنَاهُ: دَفَعَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ الْإِنْجِيلَ وَأَهْلُ الْإِنْجِيلِ التَّوْرَاةَ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ - مَا لَا يُوَافِقُ مُرَادَهُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِكِتَابِ اللَّهِ الْقُرْآنُ، أَيْ: خَلَطُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَلَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ، وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَالْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، فَحَكَمُوا فِي كُلِّهَا حُكْمًا وَاحِدًا مِنْ ضَرَبْتُ اللَّبَنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، أَيْ: خَلَطْتُهُ، وَالضَّرْبُ الصَّرْفُ أَيْضًا، فَإِنَّ الرَّاكِبَ إِذَا أَرَادَ صَرْفَ الدَّابَّةِ ضَرَبَهَا، أَيْ: صَرَفُوا كِتَابَ اللَّهِ عَنِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ إِلَى مَا مَالَ إِلَيْهِ أَهْوَاؤُهُمْ، وَيَنْبَغِي لِلنَّاظِرِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَ بَيْنَ الْآيَاتِ فَإِنَّهُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَمَنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلْيَتَوَقَّفْ فِيهِ وَيَسْتَنِدْ إِلَى سُوءِ فَهْمِهِ وَيَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى عَالِمِهِ ﷿، وَلِذَا قَالَ: (وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ): الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ (يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا): يَعْنِي أَنَّ الْإِنْجِيلَ مَثَلًا يُبَيِّنُ أَنَّ التَّوْرَاةَ كَلَامُ اللَّهِ وَهُوَ حَقٌّ، وَالْقُرْآنَ يُبَيِّنُ أَنَّ جَمِيعَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ حَقٌّ، وَكَذَلِكَ النَّاسِخُ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالْمَنْسُوخِ وَالْمُحْكَمُ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالْمُتَشَابِهِ، وَالْمُئَوَّلُ لِدَلِيلٍ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالظَّاهِرِ، وَالْخَاصُّ وَالْمُقَيَّدُ يُبَيِّنَانِ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالْعَامِّ وَالْمُطْلَقِ (فَلَا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ): بَلْ قُولُوا: كُلُّ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ حَقٌّ، أَوْ بِأَنْ تَنْظُرُوا إِلَى اللَّهِ ظَاهِرَ لَفْظَيْنِ مِنْهُ مَعَ عَدَمِ النَّظَرِ إِلَى الْقَوَاعِدِ الَّتِي تَصْرِفُ أَحَدَهُمَا عَنِ الْعَمَلِ بِهِ
بِنَسْخِهِ أَوْ بِتَخْصِصِهِ أَوْ تَقْيِيدِهِ أَوْ تَأْوِيلِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى قَدْحٍ فِي الدِّينِ (فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ) أَيْ: عِلْمًا مُوَافِقًا لِلْقَوَاعِدِ (فَقُولُوا) أَيْ: بِهِ (وَمَا جَهِلْتُمْ) أَيْ: مِنْهُ كَالْمُتَشَابِهَاتِ وَغَيْرِهَا (فَكِلُوهُ) أَيْ: رُدُّوهُ وَفَوِّضُوهُ (إِلَى عَالِمِهِ): وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَلَا تُلْقُوا مَعْنَاهُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِكُمْ، وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ آيَاتٍ ظَاهِرَةِ التَّنَافِي؟ فَأَجَابَ عَنْهَا، مِنْهَا: نَفْيُ الْمُسَاءَلَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِثْبَاتُهَا، فَنَفْيُهَا فِيمَا قَبْلَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ، وَإِثْبَاتُهَا فِيمَا بَعْدَهَا. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِلْتَاهُمَا بَعْدَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ بِأَنْ يَكُونَ النَّفْيُ فِي أَوَائِلِ الْمَوَاقِفِ وَالْإِثْبَاتُ فِي أَوَاخِرِهَا. وَمِنْهَا: كِتْمَانُ الْمُشْرِكِينَ حَالَهُمْ وَإِفْشَاؤُهُ فَالْأَوَّلُ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَالثَّانِي بِأَيْدِيهِمْ وَجَوَارِحِهِمْ. قُلْتُ: وَلَا بُعْدَ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي بِأَلْسِنَتِهِمْ أَيْضًا، لَكِنْ لَا بِاخْتِيَارِهِمْ كَشَهَادَةِ أَيْدِيهِمْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] وَمِنْهَا: خَلْقُ الْأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ وَعَكْسُهُ، وَجَوَابُ هَذَا: أَنَّهُ بَدَأَ خَلْقَ الْأَرْضِ فِي يَوْمَيْنِ غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ، وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَغَيْرَهَا فِي يَوْمَيْنِ. فَتِلْكَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ لِلْأَرْضِ، وَقَدْ سَأَلَهُ يَهُودِيٌّ فَقَالَ: تَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، فَكَيْفَ هُوَ الْيَوْمَ؟ وَأَجَابَ عَنْهُ: بِأَنَّ الْمَاضِيَ إِنَّمَا هُوَ التَّسْمِيَةُ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ انْقَضَى، وَأَمَّا الِاتِّصَافُ فَهُوَ دَائِمٌ. قُلْتُ: وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ: مَا ثَبَتَ قَدَمُهُ اسْتَحَالَ عَدَمُهُ. وَأَجَابَ أَيْضًا: بِأَنْ كَانَ يُسْتَعْمَلُ بِهَا مُرَادُ الدَّوَامِ كَثِيرًا. وَسُئِلَ أَيْضًا عَنِ الْيَوْمِ الْمُقَدَّرِ بِأَلْفِ سَنَةٍ وَالْمُقَدَّرِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، وَأَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ مَا لَا أَعْلَمُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: أَنَّ الْأَوَّلَ أَحَدُ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا الْعَالَمَ، وَالثَّانِيَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كُلٌّ مِنْهُمَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ بِاعْتِبَارِ قِصَرِهِ عَلَى الْمُؤْمِنَ الْعَاصِي وَطُولِهِ عَلَى الْكَافِرِ، وَأَمَّا الطَّائِعُ فَيَكُونُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ رَكْعَتَيْنِ كَمَا وَرَدَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
٢٣٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، لِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ»». رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
ــ
٢٣٨ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أُنْزِلَ الْقُرْآنُ) أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مُشْتَمِلًا (عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) أَيْ: قِرَاءَاتٍ أَوْ لُغَاتٍ أَوْ أَنْوَاعٍ مِنَ الْأَحْكَامِ. قَالَ الشُّرَّاحُ: الْحَرْفُ الطَّرَفُ، وَحُرُوفُ التَّهَجِّي سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أَطْرَافُ الْكَلِمَةِ، فَقِيلَ: الْمُرَادُ أَطْرَافُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: عَلَى سَبْعِ لُغَاتِ الْعَرَبِ، وَهُمُ الْمَشْهُودُ لَهُمْ بِالْفَصَاحَةِ: كَقُرَيْشٍ، وَثَقِيفٍ، وَطَيِّئٍ، وَهَوَازِنَ، وَهُذَيْلٍ، وَالْيَمَنِ، وَبَنِي تَمِيمٍ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ أَئِمَّةُ اللُّغَوِيِّينَ. وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ بِمَجِيءِ التَّصْرِيحِ بِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُدَّ بِأَنَّ لُغَاتِهِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعٍ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ أَفْصَحُهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِهَا الْكَثْرَةُ، وَقِيلَ: الْكُلُّ فِي بُطُونِ قُرَيْشٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] وَقِيلَ: فِي بُطُونِ مُضَرَ. وَرُدَّتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا بِأَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ عَلَى هِشَامٍ قِرَاءَتَهُ حَتَّى جَرَّهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمُحَالٌ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ لُغَتَهُ وَهُمَا مِنْ قَبِيلَةٍ وَلُغَةٍ وَاحِدَةٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ غَيْرُ اللُّغَاتِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ بَحْثٌ إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِنْكَارُ عُمَرَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْجَوَازِ، فَلَا دَلَالَةَ حِينَئِذٍ عَلَى نَفْيِ
إِرَادَةِ اللُّغَاتِ مَعَ أَنَّ مُجَرَّدَ وُرُودِ اللُّغَةِ لَا يَجُوزُ قِرَاءَتُهُ بِدُونِ الرِّوَايَةِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهَا الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَ الَّتِي اخْتَارَهَا الْأَئِمَّةُ السَّبْعَةُ، وَقِيلَ: أَجْنَاسُ الِاخْتِلَافَاتِ الَّتِي يَئُولُ إِلَيْهَا اخْتِلَافُ الْقِرَاءَاتِ فَإِنَّ اخْتِلَافَهَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمُفْرَدَاتِ أَوِ الْمُرَكَّبَاتِ، وَالثَّانِي كَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، مِثْلَ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩]، وَ«جَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ». وَالْأَوَّلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِوُجُودِ الْكَلِمَةِ وَعَدَمِهَا نَحْوَ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٢٤] قُرِئَ بِالضَّمِيرِ وَعَدَمِهِ، أَوْ تَبْدِيلِ الْكَلِمَةِ بِغَيْرِهَا مَعَ اتِّفَاقِ الْمَعْنَى: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] وَالصُّوفِ الْمَنْقُوشُ أَوْ مَعَ اخْتِلَافِهِ مِثْلِ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] وَطَلْعٍ مَنْضُودٍ أَوْ بِتَغْيِيرِهَا أَمَّا بِتَغْيِيرِ هَيْئَةٍ كَإِعْرَابٍ، مِثْلَ «﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]» بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ فِي الرَّاءِ، أَوْ صُورَةٍ، مِثْلَ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] نَنْشُرُهَا، أَوْ حَرْفٍ، مِثْلَ: «بَاعَدَ» وَ«بَعُدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا»، وَقِيلَ: أَرَادَ فِي الْقُرْآنِ مَا هُوَ مَقْرُوءٌ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فَإِنَّهُ قُرِئَ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ مُنَوَّنًا وَغَيْرَ مُنَوَّنٍ وَبِالسُّكُونِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ أُنْزِلَ مُشْتَمِلًا عَلَى سَبْعَةِ مَعَانٍ: الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْقَصَصِ وَالْأَمْثَالِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالْمَوْعِظَةِ، وَقِيلَ: الْمَعَانِي السَّبْعَةُ هِيَ الْعَقَائِدُ وَالْأَحْكَامُ وَالْأَخْلَاقُ وَالْقَصَصُ وَالْأَمْثَالُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ، وَقِيلَ: أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَحَلَالٌ وَحَرَامٌ وَمُحْكَمٌ وَمُتَشَابِهٌ وَأَمْثَالٌ، لِخَبَرِ الْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيِّ: ««كَانَ الْكِتَابُ الْأَوَّلُ يَنْزِلُ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ: زَاجِرٍ وَآمِرٍ وَحَلَالٍ وَحَرَامٍ وَمُحْكَمٍ وَمُتَشَابِهٍ وَأَمْثَالِ الْحَدِيثِ»». وَأُجِيبَ: بِأَنَّ قَوْلَهُ زَاجِرٌ اسْتِئْنَافٌ لَا تَفْسِيرٌ؛ لِأَنَّهُ فِي رِوَايَةٍ «زَاجِرًا» بِالنَّصْبِ، أَيْ: نَزَلَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الْأَبْوَابِ السَّبْعَةِ، وَبِتَسْلِيمِ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ - هُوَ تَفْسِيرٌ لِلْإِنْزَالِ لَا لِلْأَحْرُفِ، أَيْ: هِيَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْكَلَامِ وَأَقْسَامِهِ، أَيْ: أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ كَغَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ، أَيْ: غَيْرِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَمَنْ ثَمَّ قَالَ: جَمْعُ هَذَا الْقَوْلِ فَاسِدٌ لِأَنَّ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ التَّوْسِعَةَ الَّتِي هِيَ السَّبَبُ فِي نُزُولِ الْقُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ لَمْ يَقَعْ فِي تَحْرِيمٍ وَلَا تَحْلِيلٍ وَلَا فِي تَغْيِيرِ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الْأَقَالِيمُ السَّبْعَةُ يَعْنِي حُكْمُ الْقُرْآنِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْعَالَمِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْكَثْرَةُ تَوْسِعَةً لَا الْحَصْرُ فِي هَذَا الْعَدَدِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لَمَّا شَقَّ عَلَى كُلِّ الْعَرَبِ الْقِرَاءَةُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أَنْتَ وَأُمَّتُكَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ ﷺ: «اسْأَلِ اللَّهَ ﷿ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ إِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ»». ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ الثَّانِيَةَ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْزِلَ قَوْلُهُ: (لِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ تِلْكَ السَّبْعَةِ الْأَحْرُفِ، وَالْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ صِفَةٌ لِسَبْعَةٍ وَالضَّمِيرُ رَابِطَةٌ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ، وَالْوَجْهُ عِنْدِي عَوْدُهُ عَلَى الْقُرْآنِ بِاعْتِبَارِ جُمْلَتِهِ، ثُمَّ أَغْرَبَ فِي تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ مِنْ تِلْكَ الْأَحْرُفِ عَلَى أَيِّ قَوْلٍ مِنَ الْأَقْوَالِ (ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ): بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْقِرَاءَاتِ كَمَا فَعَلَ الْمُظْهِرُ حَيْثُ قَالَ: حَدُّ كُلِّ حَرْفٍ مَعْلُومٌ فِي التِّلَاوَةِ، لَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ مِثْلُ عَدَمِ
جَوَازِ إِبْدَالِ الضَّادِ بِحَرْفٍ آخَرَ، وَكَذَا سَائِرُ الْحُرُوفِ لَا يَجُوزُ إِبْدَالُهَا بِآخِرَ إِلَّا مَا جَاءَ فِي الْقِرَاءَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الْكَلِمَةِ كَالْإِمَالَةِ وَإِبْدَالِ الْحُرُوفِ وَالْإِدْغَامِ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَحَدٌّ وَمَطْلَعٌ، وَقِيلَ: الْمَقْصُودُ وَصْفُ الْقُرْآنِ بِكَثْرَةِ مَا فِيهِ مِنَ الْعُلُومِ، فَالْمُرَادُ بِالسَّبْعَةِ الْكَثْرَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] وَالْأَحْرُفُ هَاهُنَا بِمَنْزِلَةِ الْكَلِمَاتِ فِي الْآيَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ الْأَحْرُفُ عَلَى أَجْنَاسِ الِاخْتِلَافَاتِ الَّتِي لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ، ثُمَّ قَسَّمَ ﵊ كُلَّ حَرْفٍ تَارَةً بِالظَّهْرِ وَالْبَطْنِ، وَالْأُخْرَى بِالْحَدِّ وَالْمَطْلَعِ، فَالظَّهْرُ مَا يُبَيِّنُهُ النَّقْلُ، وَالْبَطْنُ مَا يَسْتَكْشِفُهُ التَّأْوِيلُ، وَالْحَدُّ هُوَ الْمَقَامُ الَّذِي يَقْتَضِي اعْتِبَارَ كُلٍّ مِنَ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ فِيهِ فَلَا مَحِيدَ عَنْهُ، وَالْمَطْلَعُ الْمَكَانُ الَّذِي يُشْرَفُ مِنْهُ عَلَى تَوْفِيَةِ خَوَاصِّ كُلِّ مَقَامِ حَدَّهُ، وَلَيْسَ لِلْحَدِّ وَالْمَطْلَعِ انْتِهَاءٌ لِأَنَّ غَايَتَهُمَا طَرِيقُ الْعَارِفِينَ بِاللَّهِ، وَمَا يَكُونُ سِرًّا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ. كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ. وَقِيلَ: الظَّهْرُ مَا ظَهَرَ تَأْوِيلُهُ وَعُرِفَ مَعْنَاهُ، وَالْبَطْنُ مَا خَفِيَ تَفْسِيرُهُ وَأُشْكِلُ فَحَوَاهُ، وَقِيلَ: الظَّهْرُ اللَّفْظُ وَالْبَطْنُ الْمَعْنَى. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لِكُلِّ آيَةٍ سِتُّونَ أَلْفَ فَهْمٍ، وَعَنْ عَلِيٍّ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أُوَقِّرَ سَبْعِينَ بَعِيرًا مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لَفَعَلْتُ، وَلِهَذَا قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: وَأَمَّا مَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ النُّصُوصَ عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَمَعَ ذَلِكَ فِيهَا إِشَارَاتٌ إِلَى دَقَائِقَ تَنْكَشِفُ لِأَرْبَابِ السُّلُوكِ يُمْكِنُ التَّطْبِيقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الظَّوَاهِرِ الْمُرَادَةِ، فَهُوَ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ وَمَحْضِ الْعِرْفَانِ اهـ.
وَنَقَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَنَّ الْوَاحِدِيَّ قَالَ: صَنَّفَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ حَقَائِقَ التَّفْسِيرِ، فَإِنْ كَانَ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ تَفْسِيرٌ فَقَدْ كَفَرَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: الظَّنُّ بِمَا يُوثَقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ كَالسِّلْمِيِّ، فَإِنَّهُ مِنْ أَكَابِرِهِمْ عِلْمًا وَمَعْرِفَةً أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ تَفْسِيرًا وَلَا ذَهَبَ بِهِ مَذْهَبَ الشَّرْحِ التَّصَوُّفِ لِلْكَلِمَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ الْبَاطِنِيَّةِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْهُمْ تَنْظِيرُ مَا وَرَدَ بِهِ فِي الْقُرْآنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ، قِيلَ: الظَّهْرُ لَفْظُ الْقُرْآنِ، وَالْبَطْنُ تَأْوِيلُهُ، وَالْمَطْلَعُ الْفَهْمُ، وَقَدْ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى الْمُتَدَبِّرِ وَالْمُتَفَكِّرِ مِنَ التَّأْوِيلِ وَالْمَعَانِي مَا لَا يَفْتَحُهُ عَلَى غَيْرِهِ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، وَالتَّفَهُّمُ يَكُونُ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وَتَعْظِيمِ الْحُرْمَةِ وَطِيبِ الطُّعْمَةِ، وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: الظَّهْرُ مَا ظَهَرَ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ وَالْبَطْنُ بِخِلَافِهِ اهـ. وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ الطِّيبِيِّ: الظَّهْرُ مَا يُبَيِّنُهُ النَّقْلُ، وَالْبَطْنُ مَا يَسْتَكْشِفُهُ التَّأْوِيلُ. قَالَ: أَوِ الظَّهْرُ الْإِيمَانُ بِهِ وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ، وَالْبَطْنُ التَّفَاوُتُ فِي فَهْمِهِ عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِهِمْ فِي الْفَضِيلَةِ، أَوِ الظَّهْرُ الْمَعْنَى الْجَلِيُّ وَالْبَطْنُ الْخَفِيُّ وَهُوَ سِرٌّ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ الْمُصْطَفَيْنَ. عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: لَا يَفْقَهُ الرَّجُلُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى يَجْعَلَ لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ أَرَادَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فَلْيُؤْثِرِ الْقُرْآنَ، وَقَوْلُهُ: وَلِكُلِّ حَدِّ مَطْلَعٌ. الْحَدُّ: الْمَنْعُ وَسُمِّيَتْ حُدُودُ اللَّهِ بِهَا لِمَنْعِ مُرْتَكِبِيهَا مِنَ الْعَوْدِ، وَالْمَطْلَعُ مَكَانُ الِاطِّلَاعِ عَنْ مَوْضِعٍ عَالٍ يُقَالُ: مَطْلَعُ هَذَا الْجَبَلِ مِنْ مَكَانِ كَذَا أَيْ: مَأْتَاهُ وَمَصْعَدُهُ مِنْهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ لِكُلِّ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ أَحْكَامُ الدِّينِ الَّتِي شَرَعَ لِلْعِبَادِ مَوْضِعَ اطِّلَاعٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فِمَنْ وُفِّقَ أَنْ يَرْتَقِيَ ذَلِكَ الْمُرْتَقَى اطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِّ الْمُتَعَلِّقِ بِذَلِكَ الْمَطْلَعِ كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ، وَقِيلَ: أَيْ لِكُلِّ حَدٍّ وَطَرَفٍ مِنَ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ مَطْلَعٌ، أَيْ: مِصْعَدٌ أَيْ مَوْضِعٌ يُطْلَعُ عَلَيْهِ بِالتَّرَقِّي إِلَيْهِ، فَمَطْلَعُ الظَّاهِرِ تَعَلُّمُ الْعَرَبِيَّةِ وَتَتَبُّعُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ الظَّاهِرِ مِنْ أَسْبَابِ النُّزُولِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَطْلَعُ الْبَاطِنِ تَصْفِيَةُ النَّفْسِ وَالرِّيَاضَةُ بِآدَابِ الْجَوَارِحِ وَإِتْعَابُهَا فِي اتِّبَاعِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا عَمِلَ بِهَا قَوْمٌ وَلَهَا قَوْمٌ سَيَعْمَلُونَ بِهَا، وَقِيلَ:
إِنَّ مَا قَصَّهُ عَمَّنْ سَبَقَ ظَاهِرُهَا الْإِخْبَارُ بِإِهْلَاكِهِمْ، وَبَاطِنُهَا وَعْظُ السَّامِعِينَ. وَقِيلَ: ظَاهِرُهَا مَعْنَاهُ الظَّاهِرُ لِعُلَمَاءِ الظَّاهِرِ وَبَاطِنُهَا مِنَ الْأَسْرَارِ لِعُلَمَاءِ الْبَاطِنِ، وَقِيلَ: ظَاهِرُهَا التِّلَاوَةُ وَمَعْنَاهَا الْفَهْمُ. (رَوَاهُ) أَيْ: مُصَنِّفُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) . أَيْ: بِإِسْنَادِهِ فِيهِ، وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ عَنِ الْحَسَنِ مَرْفُوعًا: ««لِكُلِّ آيَةٍ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَلِكُلِّ حَرْفٍ حَدٌّ وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ»». وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ خَبَرًا: ««الْقُرْآنُ تَحْتَ الْعَرْشِ لَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ يُحَاجُّ الْعِبَادَ»»، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّارُ وَغَيْرُهُمْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لَيْسَ لَهُ حَرْفٌ إِلَّا لَهُ حَدٌّ وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْجُمْلَةُ الْأُولَى جَاءَتْ مِنْ رِوَايَةِ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيًّا، وَمِنْ ثَمَّ نَصَّ أَبُو عُبَيْدٍ عَلَى أَنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ، أَيْ مَعْنًى، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَرْبَعِينَ قَوْلًا، مِنْهَا: أَنَّهُ مِنَ الْمُشْكِلِ الَّذِي لَا يُدْرَى مَعْنَاهُ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجَهٍ مِنَ الْمَعَانِي الْمُتَّفِقَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَنَسَبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: «إِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، قَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ حَتَّى يَبْلُغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ. قَالَ: كُلٌّ شَافٍ كَافٍ، مَا لَمْ يَخْتِمْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ أَوْ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ، نَحْوَ قَوْلِكَ: تَعَالَ وَأَقْبِلْ وَهَلُمَّ وَاذْهَبْ وَأَسْرِعْ وَعَجِّلْ»، هَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ عَلِيمًا حَكِيمًا غَفُورًا رَحِيمًا»، وَفِي أُخْرَى لَهُ: «الْقُرْآنُ كُلُّهُ صَوَابٌ مَا لَمْ تَجْعَلْ مَغْفِرَةً عَذَابًا أَوْ عَذَابًا مَغْفِرَةً»، وَسَنَدُهُمَا جَيِّدٌ، قَالَ كَثِيرُونَ مِنَ الْأَئِمَّةِ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَيْ جَوَازُ تَغْيِيرِ اللَّفْظِ بِمُرَادِفِهِ رُخْصَةً لِمَا كَانَ يَتَعَسَّرُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمُ التِّلَاوَةُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالْكِتَابَةِ وَالضَّبْطِ وَإِتْقَانِ الْحِفْظِ، فَالْقُرَشِيُّ يَشُقُّ عَلَيْهِ تَخْفِيفُ الْهَمْزَةِ، وَالْيَمَنِيُّ تَرْكُهُ، فَلِذَلِكَ سَهُلَ عَلَى قَبِيلَةٍ أَنْ تَقْرَأَ بِلُغَتِهَا، ثُمَّ نُسِخَ بِزَوَالِ الْعُذْرِ وَتَيْسِيرِ الْكِتَابَةِ وَالْحِفْظِ. قُلْتُ: وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا قَرَأَ مَا لَمْ يُغَيِّرِ الْمَعْنَى لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ فِي الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ، أَحَدُهُمَا: وَعَلَيْهِ جَمَاعَاتٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ، فَلَا يَجُوزُ عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ تُهْمِلَ نَقْلَ شَيْءٍ مِنْهَا. وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى نَقْلِهَا مِنَ الصُّحُفِ الَّتِي كَتَبَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ مَا سِوَى ذَلِكَ. وَثَانِيهِمَا: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ رَسْمُهَا مِنَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ فَقَطْ جَامِعَةً لِلْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي عَرَضَهَا ﵊ عَلَى جِبْرِيلَ مُتَضَمِّنَةً لَهَا لَمْ يُتْرَكْ حَرْفٌ مِنْهَا. وَأُجِيبُ عَنِ الْأَوَّلِ بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَى الْأُمَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَ جَائِزًا لَهُمْ وَمُرَخَّصًا لَهُمْ فِيهِ، فَلَمَّا رَأَى الصَّحَابَةُ أَنَّ الْأُمَّةَ تَفْتَرِقُ وَتَخْتَلِفُ إِذَا لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ اجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعًا شَائِعًا وَهُمْ مَعْصُومُونَ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَرْكُ وَاجِبٍ، وَلَا فِعْلُ حَرَامٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقُرْآنَ نُسِخَ مِنْهُ فِي الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ وَغُيِّرَ مِنْهُ، فَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى أَنْ كَتَبُوا مَا تَحَقَّقُوا أَنَّهُ قُرْآنٌ مُسْتَقِرٌّ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ: جَمَعَ أَبُو بَكْرٍ الْقُرْآنَ فِي صُحُفٍ، وَجَمَعَهُ عُثْمَانُ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَمْعَيْنِ أَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ لِخَشْيَةِ أَنْ يَذْهَبَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ بِذَهَابِ حَامِلِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَجْمُوعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَجَمَعَهُ فِي صَحَائِفَ مُرَتِّبًا لِآيَاتِ سُوَرِهِ عَلَى مَا وَقَّفَهُمْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَجَمَعَ عُثْمَانُ لَمَّا كَانَ كَثُرَ الِاخْتِلَافُ فِي وُجُوهِ الْقُرْآنِ حِينَ قَرَءُوهُ بِلُغَاتِهِمْ عَلَى اتِّسَاعِ اللُّغَاتِ، فَأَدَّى ذَلِكَ بَعْضَهُمْ إِلَى تَخْطِئَةِ بَعْضٍ، فَخَشِيَ مِنْ تَفَاقُمِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَ تِلْكَ الصُّحُفَ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ مُرَتِّبًا لِسُوَرِهِ، وَاقْتَصَرَ مِنْ سَائِرِ اللُّغَاتِ عَلَى لُغَةِ قُرَيْشٍ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ وَإِنْ كَانَ قَدْ وُسِّعَ فِي قِرَاءَتِهِ بِلُغَةِ غَيْرِهِمْ دَفَعَا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ، فَرَأَى أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ انْتَهَتْ فَاقْتَصَرَ عَلَى لُغَةٍ وَاحِدَةٍ اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقُرْآنَ جُمِعَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. الْأُولَى: بِحَضْرَتِهِ ﵊، فَقَدْ صَحَّ «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ فِي الرِّقَاعِ»، أَيْ: يُؤَلِّفُونَ مَا يَنْزِلُ مِنَ الْآيَاتِ الْمُفَرَّقَةِ وَيَجْمَعُونَهَا فِي سُوَرِهَا بِإِشَارَتِهِ ﵊، قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كُتِبَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ فِي عَهْدِهِ ﷺ لَكِنَّهُ كَانَ غَيْرَ مَجْمُوعٍ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَلَا مُرَتَّبَ السُّوَرِ، وَالثَّانِيَةُ بِحَضْرَةِ أَبِي بَكْرٍ لَمَّا رَأَى عُمَرُ ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَهُ أَيْ أَشَارَ بِجَمْعِهِ، وَوَافَقَهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَمَرَ زَيْدًا بِجَمْعِهِ فَجَمَعَهُ فِي صُحُفٍ كَانَتْ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ فَعُمَرَ فَبِنْتِهِ حَفْصَةَ، وَمِنْ ثَمَّ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ: أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ كِتَابَ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ، وَمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ جَمَعَهُ مُنْقَطِعًا، وَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ حَفِظَهُ صَدْرُهُ، وَالثَّالِثَةُ: بِحَضْرَةِ عُثْمَانَ مُرَتِّبًا لَهُ عَلَى السُّورِ.
٢٣٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ. وَمَا كَانَ سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ»». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٢٣٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (الْعِلْمُ): أَيِ: الَّذِي هُوَ أَصْلُ عُلُومِ الدِّينِ، وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ (ثَلَاثَةٌ) أَيْ: مَعْرِفَةُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ (آيَةٌ مُحْكَمَةٌ) أَيْ: غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ أَوْ مَا لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا تَأْوِيلًا وَاحِدًا (أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ) أَيْ: ثَابِتَةٌ صَحِيحَةٌ مَنْقُولَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعْمُولٌ بِهَا، وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ كَقَوْلِهِ (أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ) . أَيْ: مُسْتَقِيمَةٌ. قِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا الْحُكْمُ الْمُسْتَنْبَطُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالْقِيَاسِ لِمُعَادَلَتِهِ الْحُكْمَ الْمَنْصُوصَ فِيهِمَا وَمُسَاوَاتِهِ لَهُمَا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ، وَكَوْنِهِ صِدْقًا وَصَوَابًا، وَقِيلَ: فَرِيضَةٌ مُعْدَلَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَيْ مُزَكَّاةٌ بِهِمَا، وَقِيلَ: الْفَرِيضَةُ الْعَادِلَةُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْإِجْمَاعِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ عِلْمُ الْفَرَائِضِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَدِلَّةَ الشَّرْعِ أَرْبَعَةٌ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ، وَيُسَمَّى الْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ فَرِيضَةً عَادِلَةً، قَالَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ مُلَخَّصًا نَقَلَهُ السَّيِّدُ (وَمَا كَانَ سِوَى ذَلِكَ) أَيِ: الْمَذْكُورِ (فَهُوَ فَضْلٌ) أَيْ: مِنَ الْفُضُولِ يَعْنِي كُلُّ عِلْمٍ سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِمَّا تَتَوَقَّفُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ عَلَيْهِ زَائِدٌ لَا ضَرُورَةَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ كَالنَّحْوِ وَالتَّصْرِيفِ وَالْعَرُوضِ وَالطِّبِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَمَا كَانَ سِوَى ذَلِكَ كَعِلْمِ الْعَرُوضِ وَالطِّبِّ وَالْهَنْدَسَةِ وَالْهَيْئَةِ وَالْمِيقَاتِ، فَهُوَ فَضْلٌ أَيْ زِيَادَةٌ عَلَى تِلْكَ الْعُلُومِ، فَفِيهِ أَنَّهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ لِبَيَانِ الْعِلْمِ النَّافِعِ الَّذِي طَلَبَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَغَيْرُ النَّافِعِ الَّذِي تَعَوَّذَ بِهِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ ««اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ»» وَأَيْضًا مِنَ الظَّاهِرِ أَنَّ مُرَادَ الشَّارِعِ أَنْ يُبَيِّنَ حَصْرَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ لِتَعَرُّضِ الْأُمَّةِ عَنْ غَيْرِهَا وَيَتَوَجَّهُوا إِلَيْهَا، وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِنَفْيِ مَا عَدَاهَا وَذَمِّهِ بِأَنَّهُ زَائِدٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ بَلْ فَضْلَةٌ وَشَاغِلٌ عَنِ الْمَقْصُودِ، وَلِذَا وَرَدَ: «إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا» وَ««مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ»» وَالْغَرِيبُ مِنِ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ جَعَلَ هَذَا الْقَوْلَ بَعِيدًا، بَلْ قَالَ: لَا يَصِحُّ، وَعَلَّلَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ مِنْ تِلْكَ الْعُلُومِ الزَّائِدَةِ مَا هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ كَالطِّبِّ وَتَقَدَّمَ جَوَابُهُ وَقَالَ: بَلْ عَيْنٌ كَعِلْمِ الْوَقْتِ وَالْقِبْلَةِ. قُلْتُ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ عِلْمَهُمَا إِجْمَالًا عَلَى مَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي السُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ عِلْمَهُمَا عَلَى وَفْقِ عُلَمَاءِ الْهَيْئَةِ وَالْحِكْمَةِ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ فَحَاشَا أَنْ يَكُونَ عِلْمًا فَضْلًا أَنْ يَكُونَ فَرْضًا فَضْلًا أَنَّ يَكُونَ فَرْضَ عَيْنٍ، وَإِلَّا لَكَانَ السَّلَفُ وَأَكْثَرُ الْخَلَفِ عَاصِينَ بِتَرْكِ هَذَا الْعِلْمِ، وَمَا كَانَتْ صَلَاتُهُمْ صَحِيحَةً بِالتَّحَرِّي فِي الْقِبْلَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ: عِلْمُ الْكِتَابِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ «آيَةٌ مُحْكَمَةٌ» فَإِنَّ الْمُحْكَمَاتِ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، وَيَجِبُ رَدُّ الْمُتَشَابِهَاتِ إِلَيْهَا وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْعُلُومِ كَالْعَرَبِيَّةِ وَالْأُصُولِيِّينَ. يَعْنِي: أُصُولَ الْعَقَائِدِ وَأُصُولَ الْفِقْهِ وَعِلْمَ السُّنَّةِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، وَمَعْنَى قِيَامِهَا ثَبَاتُهَا وَدَوَامُهَا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى أَسَانِيدِهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ التَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ وَمَعْرِفَةِ أَقْسَامِ الْحَدِيثِ أَوْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى مُتُونِهَا مِنَ التَّغْيِيرِ بِالْإِتْقَانِ، وَعِلْمِ الْإِجْمَاعِ، وَالْقِيَاسِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ عَادِلَةً لِأَنَّهَا مُعَادِلَةٌ لِمَا أُخِذَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْفُضُولِ وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي عِلْمِ الدِّينِ، وَأَمَّا الطِّبُّ فَلَيْسَ بِفُضُولٍ لِمَا ثَبَتَ بِنُصُوصِ السُّنَّةِ الِافْتِقَارُ إِلَيْهِ. أَقُولُ فِيهِ: إِنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الِافْتِقَارُ إِلَيْهِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عِلْمًا كَالْحِجَامَةِ وَالزِّرَاعَةِ وَالنِّسَاجَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَلَا تُسَمَّى عُلُومًا مَعَ أَنَّ الْعِلْمَ بِالطِّبِّ جَائِزٌ لَا فَرْضٌ إِجْمَاعًا وَأَصْلُهُ مَوْجُودٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالزَّائِدُ عَنْهُمَا لَا شَكَّ أَنَّهُ فُضُولٌ كَالزَّائِدِ مِنْ نَحْوِ النَّحْوِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ فِي مَعْرِفَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .